الرئيسية / صفحات الرأي / التكفير في وجوه مختلفة

التكفير في وجوه مختلفة

سليمان تقي الدين

لا ينكر عاقل خطورة الظاهرة التكفيرية وممارساتها القتالية الإلغائية. ولا يمكن بأي حال تجاهل الوجود الفعّال لهذه القوى وانتقالها من بلد إلى آخر منذ عقود عدة. ولا نحتاج إلى جهد في تشخيص الآثار التخريبية لها معنوياً ومادياً، ولا إلى تحديد مواقع انتشارها وحضورها في كل أزمات المنطقة خاصة، حيث الفوضى الأمنية. وبالفعل تشكّل مهمة مكافحة هذه الظاهرة أمنياً وسياسياً أولوية لا جدال فيها. فهي تفرض نمطاً من المواجهات الأمنية والعسكرية ما دامت بهذه الصورة.

لكننا أمام ظاهرة معقدة يختلط فيها التوظيف الدولي الأكيد والرعاية المنظمة الصادرة عن جهات لها مصالح في استخدامها إلى بيئة اجتماعية وسياسية وثقافية تتأثر بهذه الأفعال وتستجيب لها وتتواطأ معها.

نحن نعيش في بلدان انهارت «السيادة العليا» فيها وليس فقط الحدود وشرعيات الأنظمة. ففي هذا «الشرق الأوسط الكبير» نشهد حالاً من تفكك العناصر الأساسية لوحدة المجتمعات. فلم تعد هناك «إجماعات وطنية» أو توافقات بين «النخب الاستراتيجية» جراء تراكم المشكلات والأزمات وأيضاً الاختراقات الخارجية للنظام الإقليمي عموماً ولدوله كذلك. نحن في منطقة كانت ولا تزال تستقطب المطامع الدولية وتتعرض لحروب إقليمية وكأنها ليست مرشحة لتكون في كيانات ثابتة

ومستقرة. وإذا كانت إسرائيل عنواناً أساسياً في نقض هذه المنظومة، فإليها كذلك تتداعى طموحات دول إقليمية أخرى، ولو كانت من طبيعة وأهداف مختلفة. لكن ذلك كله يجب ألا ينسينا الفشل المريع في تحويل الهوية العربية الجامعة التي انبثقت في ظلها كل الدول العربية إلى مجموعة قيم وحقوق مشتركة فعلاً، وإلى علاقة سوية بين الحاكم والمحكوم، وإلى مزاوجة ضرورية بين الحرية الفردية والعامة في إطار الالتزام بالقضية الوطنية والقومية وبمفهوم الوطنية والمواطنة.

فإذا كنا اليوم في حال من الدهشة والذهول مما تفرزه المجتمعات العربية من حركات سياسية ومن ممارسات عنفية همجية، فإننا مدعوون لفهمها وتفسيرها في سياق ثقافة القمع والكبت والاحتقار المتمادي للكرامة الإنسانية. تتفاوت ولا شك أسباب العنف وأشكاله ولكنها من مصدر واحد يتمثّل في تعميم وتشريع علاقات القوة بين الناس على حساب التنافس الحر في صيغة القبول بالآخر والاعتراف به.

ففي ظل «الأنظمة التسلّطية» تنشأ علاقة جدلية من الخوف المشترك بين «السيد والعبد» والحاكم والمحكوم، وتقوم عدائية لا تعرف منطق التصالح الذي تفترضه الحياة السياسية المنفتحة على المنافسة لا على التغلّب والتسلّط. فإذا كنا نشهد اليوم أعلى درجات التكفير والظلامية والممارسة الإلغائية العمياء، فهذا هو من بيئة ومن واقع الإلغائية السياسية التي عشنا في ظلها عقوداً. تحريك التعددية السياسية والحزبية، حصرية الإيديولوجيا السائدة وطمس التنوّع الثقافي ومكافحته، التلاعب في أشكال تمثيل الناس ومصادرته، التجاوز على كرامات الناس واعتماد القوة سبيلاً لإخضاعها، التحكّم بالثورة واحتكار السلطة والتصرف بمقدرات الدول والشعوب وغياب العدالة والقواعد العادلة لإدارة شؤون الناس وحاجاتها والتعامل مع طموحاتها. «ثقافة الموت» أو العنف القاتل واليأس والإحباط التي تولدت من خيبات سياسية انتهت إلى رجاء غير دنيوي.

كثير من أزماتنا اليوم هي تداعيات لفشل اجتماعنا السياسي ولثقافة التكفير بأشكالها المختلفة وفي مظهر منها احتكار الحقيقة ومصادرة خيارات الناس وإقامة النفس وصية على الآخرين ومحاولة أخذهم بالقوة لا بالإقناع أو بالمشاركة. وقد خبرنا الحرب الأهلية اللبنانية وفي أساسها عدم الإصغاء المتبادل والفهم المشترك لهواجس الناس والقبول بمشروعيتها. ولا تزال كل حرب أهلية أو عنف سبباً في إلغاء مناعة الشعوب لمواجهة التحديات الخارجية.

وليس صحيحاً أننا مجرد شعوب متنافرة بأهواء مختلفة، ولطالما لم نكن كذلك إلى عهد قريب، لا في لبنان ولا في العالم العربي. نحن أمام طارئ سياسي تاريخي أعاد تشكيلنا سياسياً وفرزنا على خطوط انقسام ما زالت أوهى بكثير من الجوامع المشتركة الموجودة خارج المنظومات الحزبية والسياسية والقوى التي تصادر إرادتنا بألف دليل ليس أقلها إطاحة الدولة ومؤسساتها وتعطيل الحد الأدنى من الممارسة السياسية الديموقراطية باقتسام السلطة أو التمديد لاحتكارها.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

77 + = 85

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...