صفحات سوريةعلي العائد

التيار الثالث من زمن النظام إلى زمن داعش/ علي العائد

 

 

في بدايات الثورة السورية، كان الحديث عن الفئة الصامتة هو الطاغي، وكان كل من مؤيدي الثورة، والواقفين ضدها، ينسب هذه الفئة، التي كانت توصف بالكبيرة، في صفه، عاداً أن هذه الفئة ستنحاز إليه بوضوح حين تضع الثورة أوزارها، إما إلى الثورة المنتصرة، أو الاستسلام لحكم الأبد.

وقتها، أيضاً، ظهر ما يسمى التيار الثالث، غير المنحاز لحكم النظام، ولا لمطالب الثورة المسلحة. كان هذا التيار سياسياً على كل حال، وغير معبر عن كتلة بشرية موصوفة، كون للثورة، على علاتها، أنصارها، وللنظام، بكل علاته، أنصار أيضاً. بينما عبرت عن التيار الثالث بيانات سياسية نسبها الثوار إلى طابور خامس في النظام، ونسبها الموالون إلى الثورة وهيئاتها السياسية المتعينة أو الهلامية.

وفي الزمن الداعشي، نجد فئة ثالثة، أيضاً، لا هي مع الأسد، ولا هي مع داعش. أين الثورة من ذلك، وكم من الثوار مع هذا الخيار الخائف بعد الخيبات التي أورثها للناس ممثلو الثورة من سياسيين أو عسكريين؟

شر داعش، وإن طغى، طارئ، مثله مثل شر النظام المستطير منذ 45 سنة على الأقل. وشر داعش المستجد قياساً على شرِّ النظام يشبه حالة طفل يكسر الألعاب التي لا تعجبه، ويستولي على ألعاب الآخرين. كلاهما شر، وليس هنالك قتل أنيق وقتل وحشي، هنالك قتل فقط.

البروباغندا الداعشية سبقت بالطبع بروباغندا النظام، وتباهت بالوحشية. والحالة السادية لداعش نافست وحشية النظام مراراً، وتفوقت عليها في العيون التي أرادت ذلك. لكن عند الولوج إلى الأرقام، سنجد أن النظام يقتل بنظام الحجم الكبير، وباحتراف العارف، ويحاول إخفاء جرائمه التي لا تخفى. هو يملك تجربة عتيقة في الإجرام، وفي إظهار حالة الإنكار، والتمسح بثياب الحمل، ونسب ما يقترفه إلى الآخرين، من داعش وأخواتها! وهنالك كثيرون يصدقون ذلك من مؤيدي النظام، ومن الفئة الصامتة، بل ومن بعض من أضناهم واقع الحال ممن آمنوا بالثورة، ففضلوا اختيار واقع النظام على طارئ داعش.

أما داعش فلا خبرة مسبقة لديه بتسييس القتل، فذهب في أسانيده إلى نصوص تمت كتابتها قبل 1400 سنة في زمان ومكان معينين، وادعى أنها تمثل الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان.

لحسن الحظ أن تبرير الوحشية لدى كل من القاتلَيْن لم يقنع كثيرين، أيضاً.

لا أحد في مطلق الأحوال يختار داعش إلا للتكسب، والارتزاق. على حين يختار بعض المترددين السوريين النظام حين يقف أمام شبح داعش. هنا، يتناقص جمهور الثورة الذي لا تنقصه الأسباب لذلك. هنالك طول الفترة، واليأس والإحباط من عسكر الثورة وسياسييها.

مع ذلك، وفي صورة مقارنة، يختار جمهور الثورة في معظمه صورة الثورة التي أشعلوها حين يصطدمون بشبح داعش، خاصة أنهم اختبروا العيش في عتمة النظام لعقود طويلة، وداعش إحدى اشتقاقات ظلام الدكتاتورية في صورة بدائية.

الخشية اليوم أن المأساة المستمرة ستجعل من المترددين كتلة حقيقية تنحاز للنظام ضد الثورة بدافع الخوف من داعش، مع أن منطق الأحداث، المتباطئ، يشير إلى محدودية استمرار داعش كنبت شيطاني في أرض لا تقبله. رغم ذلك، ازدياد جمهور الخائفين سيجعل سير الأحداث في ركاب معاكس لمنطق تقدم الثورة.

كما أن عدم معرفة كتلة هؤلاء المترددين وعددهم تشكل دائماً بُركة عكرة يصطاد فيها النظام، ليضيف ما يود أن يضيف من أرقام إلى كتلة شعبيته المعروفة سلفاً وفق سردية تاريخية لمنطق صناديق الاقتراع البعثية، التي أعطت لبشار الأسد نسبة متواضعة في آخر انتخابات رئاسية في عام 2014 لم تتجاوز 88.7%!

موقع 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى