الرئيسية / صفحات الكتب / كتب ألكترونية / الثامن عشر من برومير: “لويس بونابرت”: كارل ماركس – الكتاب كاملا

الثامن عشر من برومير: “لويس بونابرت”: كارل ماركس – الكتاب كاملا

مقدمة المؤلف للطبعة الثانية

لقد عزم صديقي جوزيف فيديماير (القائد العسكري لمقاطعة سان لويس أثناء الحرب الأهلية الأميركية)، الذي وافاه الأجل قبل الأوان، على إصدار مجلة سياسية أسبوعية في نيويورك اعتبارا من اليوم الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1852. ودعاني إلى تزويد هذه المجلة الأسبوعية بتاريخ Coup d’état (الانقلاب). وبناء على ذلك، كتبت له، كل أسبوع، لغاية منتصف شهر شباط (فبراير)، مقالات تحت عنوان: “الثامن من عشر من برومير لويس بونابرت”. بيد أن خطة فيديماير الأصلية قد أصابها الفشل في هذه الأثناء، فبدأ عوضًا عن ذلك، في ربيع عام 1852، في إصدار مجلة شهرية هي مجلة “Die Revolution” ([1])  التي كان العدد الأول منها يتألف من بحثي “الثامن عشر من برومير”. وقد وجدت بضع مئات من نسخ هذا العدد طريقها إلى ألمانيا في ذلك الحين ولكن دون أن تأخذ سبيلها إلى التداول في تجارة الكتب الفعلية. وإذ عرضت بيع كتابي هذا على ناشر ألماني يدعي الراديكالية المتطرفة، رفض بهلع الصالحين “هذه النية التي جاءت في غير أوانها”.

يتضح مما قيل أن المؤلف الحالي قد كتب بتأثير الانطباعات المباشرة من الأحداث وأن مادته التاريخية لا تتعدى شهر شباط – فبراير (عام 1852). أما إعادة نشرة الآن، فهي ترجع جزئيًا إلى الطلب في سوق الكتب، كما ترجع إلى الطلبات الملحة التي تقدم بها أصدقائي في ألمانيا.

من بين المؤلفات التي تناولت الموضوع نفسه، والتي ظهرت في ذات الوقت تقريبًا مع كتابي هذا، أثناء فقط جديران بالأنتباه “نابوليون الصغير” لفكتور هوغو و”الانقلاب” لبرودون.

أما فكتور هوغو فهو يقتصر على حملات لاذعة وبارعة النكتة ضد ناشر الانقلاب المسئول. والحادث نفسه يبدو في مؤلفه كأنه صاعقة في سماء صافية. وهو لا يرى فيه سوى عمل عنيف قام به فرد واحد. إنه لا يلاحظ إنه يعظم من شأن هذا الفرد، بدلاً من أن يصغره، بما نسب إليه من قوة مبادرة شخصية ليس لها نظير في تاريخ العالم. أما برودون فهو يسعى من جانبه إلى أن يصور الانقلاب قد غدا، بصورة غير ملحوظة، تبريرًا تاريخيًا لبطله. وهكذا وقع في الخطأ الذي يقع فيه من نسميهم بالمؤرخين الموضوعيين. أما أنا فإني أثبت، على النقيض، كيف أن الصراع الطبقي في فرنسا قد أوجد الظروف والعلاقات التي مكنت شخصًا سخيفًا متوسط المواهب من أن يؤدي دور بطل.

أن تعديل المؤلف الحالي قد يجرده من لونه الخاص. ولذا فقد اكتفيت بمجرد تصحيح الأخطاء المطبعية وحذف التلميحات التي لم تعد مفهومة في الوقت الحاضر.

 والكلمات الأخيرة التي ختمت بها كتابي: “ولكن عندما تسقط العباءة الإمبراطورية أخيرًا على كتفي لويس بونابرت، سيهوى تمثال نابوليون البرونزي من على قمة مسلة فندوم ويتحطم” (مسلة بنيت في أعوام 1860 – 1810 في ساحة فندوم بباريس من المدافع التي ضمنها نابوليون وأقيم فوقها نصب تذكاري له، تخليدًا لذكرى انتصاراته. الناشر.) قد تحققت الآن.

لقد أفتتح العقيد شاراس الهجوم على عبادة نابوليون في مؤلفه عن زحف سنة 1815. ثم قام الأدب الفرنسي، فيماك بعد ذلك، وخصوصًا في السنوات الأخيرة، بالإجهاز على أسطورة نابوليون بأسلحة البحث التاريخي والنقد والهجاء والنكتة البارعة. وقد ظلت هذه القطيعة الحادة مع الإيمان الشعبي التقليدي، وهذه الثورة الفكرية الهائلة، غير ملحوظتين تقريبًا وغير مفهومتين إلى مدى أبعد، في خارج فرنسا.

وأخيرًا، آمل أن يسهم مؤلفي في محو ذلك المصطلح المدرسي الشائع، خصوصًا في ألمانيا الآن، وهو ما يسمى “بالقيصرية” (Cesarisme – المترجم). إن النقطة الرئيسية تظل منسية في هذا التشبيه التاريخي السطحي، إلا وهي أن الصراع الطبقي في روما القديمة كان يجري ضمن دائرة أقلية ذات امتياز فحسب، بين الأغنياء الأحرار والفقراء الأحرار، بينما كان السواد الأعظم من السكان المنتجين، أي العبيد، لا يشكلون سوى القاعدة الخاملة لهؤلاء المتصارعين. أن الناس ينسون ملاحظة سيسموندي السديدة التالية: أن البروليتاريا الرومانية كانت تعيس على حساب المجتمع بينما يعيش المجتمع الحديث على حساب البروليتاريا. ومع وجود مثل هذا الفارق الجذري بين الظروف المادية والأقتصادية لصراع الطبقات قديمًا وحديثًا، لا يمكن للشخوص السياسية التي ينتجها هذا الصراع أن يقوم فيماك بينها أيضًا وجه شبه أكبر مما هو قائم بين رئيس أساقفة كانتربري ورئيس كهنة صموئيل.

كارل ماركس

لندن، في 23 حزيران (يونيو) سنة 1869.

كتبها ماركس للطبعة الثانية من كتابه:

“الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”

الصادرة في هامبروغ في تموز

(يوليو) 1869.

 

مقدمة فريدريك أنجلس للطبعة الألمانية الثالثة

أن نشوء الحاجة إلى إصدار طبعة جديدة من “الثامن عشر من برومير” بعد ثلاث وثلاثين سنة من صدوره لأول مرة، ليثبت أن هذا المؤلف لم يفقد شيئًا من قيمته حتى في أيامنا هذه.

لقد كان في الحق عملاً عبقريًا. فقد طلع علينا ماركس مباشرة بعد الحادث الذي داهم عالم السياسة كله كأنه صاعقة أنقضت من السماء الصافية، الحادث الذي لعنه البعض بصرخات عالية من الاستهجان الخلقي، وتقبله الآخرون باعتباره خلاصًا من الثورة وعقابًا على أخطائها، الحادث الذي لم يثر إلا دهشة الجميع والذي لا يفهمه أحد – بعد هذا الحادث مباشرة طلع علينا ماركس بعرض موجز ساخر لاذع بسط فيه كامل مجرى التاريخ الفرنسي منذ أيام شباط (فبراير)، بما في هذا المجرى من علاقات داخلية، ورد فيه معجزة الثاني من كانون الأول (ديسمبر) ([2])  إلى كونها نتيجة طبيعية وضرورية لهذه العلاقات. وهو إذ فعل ذلك لم يكن في حاجة لأن يعامل بطل الانقلاب بغير الاحتقار الذي أستحقه تمامًا. وقد رسم ماركس هذه الصورة بيد ماهرة بحيث أن كل فضح جديد جاء فيما بعد لم يفعل غير أن أورد براهين جديدة على مدى الدقة التي كانت الصورة تعكس بها الحقيقة. أ، هذا الفهم الممتاز للتاريخ الحي المعاصر وهذا التقدير الواضح لمغزى الأحداث في لحظة وقوعها هما حقًا مما لا نظير له.

ولكن من أجل ذلك كان الأمر يقتضي سعة معرفة بالتاريخ الفرنسي كالتي كانت لدى ماركس. أن فرنسا هي البلد الذي كان الصراع الطبقي التاريخي يصل فيه كل مرة، وأكثر مما في أي بلد آخر، إلى نهاية فاصلة، وهي بالتالي البلد الذي كانت فيه الأشكال السياسية المتغيرة التي يتحرك ضمنها هذا النضال الطبقي، والتي تتلخص فيها نتائجه، تنطبع في خطوط جلية إلى أقصى حد. أن فرنسا التي كانت، منذ عهد النهضة، مركز الإقطاع في العصور الوسطى والقطر النموذجي للحكم الملكي الإقطاعي الموحد قد قامت بهدم الإقطاع في الثورة الكبرى وأقامت حكم البراجوازية الصرف في نقاء كلاسيكي ليس هناك ما يضارعه في أي قطر أوروبي آخر. كما أ، كفاح البروليتاريا الصاعدة ضد البرجوازية الحاكمة ظهر هنا في صورة حادة لا نعهدها في أن مكان آخر. وهذا هو السبب الذي حدا بماركس لا إلى دراسة تاريخ فرنسا الماضي بشغف خاص فحسب بل إلى تتبع تاريخها الحالي بكل تفاصيله أيضًا، وإلى تجميع المادة لاستعمالها في المستقبل، ولذلك، لم تكن الأحداث تباغته على الإطلاق.

ثم أن هنالك فضلاً من هذا، فضلاً عن هذا، ظرفًا آخر، أن ماركس هو على وجه التحديد أو من أكتشف القانون العظيم لحركة التاريخ، – القانون الذي يقول أن النضال التاريخي ليس في الواقع سوى التعبير الواضح، بدرجة تزيد أو تقل، عن النضال بين الطبقات الاجتماعية – سواء أقام هذا النضال في ميادين السياسة أم الدين أم الفلسفة أم في أي ميدان أيديولوجي آخر، وإن وجود هذه الطبقات، وبالتالي الاصطدامات التي تقع بينها، إنما تحددها بدورها درجة تطور وضعها الاقتصادي وطابع الإنتاج وأسلوب الإنتاج وطريقة التبادل التي يعينها أسلوب الانتاج. أن هذا القانون الذي يعني بالنسبة للتاريخ نفس ما يعنيه قانون تحويل الطاقة بالنسبة للعلم الطبيعي – أن هذا القانون كان بالنسبة لماركس في هذا الحال أيضًا بمثابة المفتاح لفهم تاريخ الجمهورية الفرنسية الثانية. وعلى محك هذا التاريخ، تحقق في هذا المؤلف من صحة القانون الذي أكتشفه، ولا بد لنا أن نقول حتى بعد ثلاث وثلاثين سنة أن هذا الامتحان أسفر عن نتائج رائعة.

ف.ا.

كتبها انجلس للطبعة الثالثة من كتاب:

“الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”

الصادرة في هامبورغ في 1885.

 

 (1)

يقول هيغل في مكان ما أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. وقد نسى أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة. كوسيديير مكان دانتون، لويس بلان مكان روبسير، “جبل” (“الجبل” – Montagne – مونتان. أسم أطلق على اليعاقبة الذين كانوا يمثلون الجناح البرجوازي الراديكالي اليساري في أثناء الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. وقد أطلق عليهم أسم “الجبل” لأنهم كانوا يحتلون المقاعد العليا في قاعة جلسات الكونفانسيون “الجمعية الوطنية” وقد أتخذ حزب ليدرو – رولان الجمهوري الديموقراطي البرجوازي الصغير هذا الاسم في سنوات 1848 – 1851 وكان كتلة في الجمعيتين الفرنسيتين التأسيسية والتشريعية. الناشر.)

1848 – 1851 مكان “جبل” 1793 – 1795، أبن الأخ مكان العم. والصورة الكاريكاتورية نفسها تظهر في الظروف التي رافقت الطبعة الثانية للثامن عشر من برومير ([3])!

إن الناس يصنعون تاريخهم بيدهم؛ إنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجئون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء لكي يُمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم وفي هذه اللغة المستعارة. هكذا ارتدى لوثر قناع الرسول بولس واكتست ثورة 1789 – 1814 بثوب الجمهورية الرومانية تارة وثوب الإمبراطورية الرومانية تارة آخري، ولم تجد ثورة 1848 شيئًا أفضل من التقليد الساخر لعام 1789 حينًا وللتقاليد الثورية لسنوات 1793 إلى 1795 حينًا آخر. وعلى هذا النحو يعمد دائمًا المبتدئ الذي تعلم لغة جديدة إلى ترجمة هذه اللغة بالفكر إلى لغته الأصلية وهو يستعمل اللغة الجديدة.

إن التأمل في هذه الاستحضارات لما غبر في تاريخ العالم يكشف لنا النقاب على الفور عن فرق بارز فيماك بينها. فإن كميل ديمولان ودانتون وروبسبيير وسان – جوست ونابوليون، أبطال الثورة الفرنسية القديمة، وكذلك أحزابها وجماهيرها الشعبية، قد أدوا مهمة زمنهم في أزياء رومانية وبألفاظ رومانية – مهمة فك القيود وإقامة المجتمع البرجوازي الحديث. الأولون نسفوا أسس الإقطاعية تمامًا وحصدوا الرؤوس الإقطاعية التي نمت عليها. والأخير أوجد في داخل فرنسا الظروف التي يتسنى فيها وحدها للمنافسة الحرة أن تتطور وللأرض الموزعة أن تُستغل ولطاقة الأمة الإنتاجية الصناعية التي أُطلقت من القيود أن تُستخدم، وعمد في كل مكان فيماك وراء الحدود الفرنسية إلى تهديم الأشكال الإقطاعية إلى المدى الذي كان فيه ذلك ضروريًا لتزويد المجتمع البرجوازي في فرنسا ببيئة ملائمة في القارة الأوروبية وتستجيب لمتطلبات الزمن. وإذ تم تأسيس التشكيلة الاجتماعية الجديدة، اختفى عمالقة ما قبل الطوفان واختفى معهم العهد الروماني القديم الذي بعث إلى الحياة – أي جميع البروتوسات والغراكوسات والبوبليكولات والخطباء وأعضاء السناتو والقيصر نفسه. إن المجتمع البرجوازي، في حقيقته العقلية العملية، قد ولد شراحه والسنة حاله الحقيقيين في أمثال ساي وكوزين وروية – كولار وبنيامين كونستان وغيو ومن شاكلهم. وجلس قادته العسكريون الحقيقيون في المكاتب، وكان لويس الثامن عشر، ذو رأس الخنزير، رئيسة السياسي. وإذ أنغمس هذا المجتمع كليًا في أنتاج الثورة وفي الكفاح السلمي الذي يقوم على المنافسة، نسى إن أشباحًا من عهد روما القديمة كانت تسهر على مهده. ولكن المجتمع البرجوازي، مع ما هو عليه من قلة البطولة، أقتضى إخراجه إلى حيز الوجود بطولة وتضحية وإرهابًا وأقتضى حربًا أهلية ومعارك بين الشعوب. وقد وجد مصارعوه في التقاليد ذات الصرامة الكلاسيكية التي خلفتها الجمهورية الرومانية، المثل العليا والأشكال الفنية والأوهام التي كانوا في حاجة إليها لكي يخفوا عن أنفسهم ما كان عليه محتوى صراعاتهم من قصور برجوازي ولكي يبقوا حماستهم في المستوى العالي للمأساة التاريخية العظيمة. ومن هذا القبيل، وفي مرحلة أخرى من التطور، وقبل ذلك بقرن من الزمان، أستعار كرومويل والشعب الانجليزي الكلام والعواطف والأوهام من “العهد القديم” لثورتهم البرجوازية. وعندما تم الوصول إلى الهدف الحقيقي، عندما تم أنجاز التحويل البرجوازي للمجتمع الانجليزي، حل لوك محل النبي حبقوق.

وهكذا كان بعث الموتى في تلك الثورات يؤدي مهمة تمجيد الصراعات الجديدة، لا التقليد الساخر للصراعات القديمة، مهمة تعظيم الواجب المعين في الخيال لا الهروب من إيجاد حل له في الحقيقة، مهمة اكتشاف روح الثورة مرة أخرى، لا جعل شبحها يحوّم ثانية.

منذ سنة 1848 ولغاية سنة 1851 كان يحوّم شبح الثورة القديمة فحسب، ابتداء من ماراست، هذا républicain en gants jaunas (الجمهوري ذو القفاز الأصفر. الناشر.)

الذي تنكر في ثوب بايي القديم، حتى المغامر الذي كان يخبئ ملامحه التافهة المنفرة تحت القناع الحديدي لنابوليون الميت. أن شعبًا بأكمله كان يتصور أنه، عن طريق الثورة، قد سرّع تطوره يجد نفسه فجأة يرجع القهقرى إلى عصر أنقرض. ولكن لا يكون ثمة مجال للشك في شأن هذه الردة، عادت إلى الظهور التواريخ القديمة والتقاويم الزمنية القديمة والأسماء القديمة والمراسيم القديمة التي غدت منذ زمن طويل موضوعًا لهواه الأشياء القديمة المحنكين، وعاد كذلك إلى الظهور رجال الدرك القدامى الذين بدا أنهم اندثروا منذ أمد طويل. وشعرت الأمة بمثل ما يشعر به ذلك الانجليزي المجنون تزيل البدلام ([4])، الذي يتوهم أنه يعيش في زمن الفراعنة القدماء فيندب كل يوم العمل الشاق الذي ينبغي أن يؤديه في المناجم الأثيوبية كحفار يستخرج الذهب، حبيس في هذا السجن الواقع تحت الأرض مشدود على رأسه مصباح خافت الإنارة، وخلفه رقيب العبيد وفي يده سوط طويل، وعند المخارج الجنود البرابرة الذين لا يفهمون عمال السخرة في المناجم ولا يفهم واحدهم الآخر لأنهم جميعهم يتكلمون لغات مختلفة. ويتنهد الانجليزي المجنون قائلاً: “ويترتب عليّ أن أتحمل كل هذا. أنا البريطاني الحر الأصل، قصد استخراج الذهب للفراعنة القدماء”. والأمة الفرنسية تتنهد قائلة: “قصد تسديد ديون أسرة بونابرت”. الانجليزي، مادام مالكًا لقواه العقلية، لا يستطيع التخلص من الفكرة الراسخة وهي استخراج الذهب. والفرنسيون، ما داموا منشغلين في ثورة، لا يستطيعون التخلص من ذكرى نابوليون، كما أثبت ذلك انتخاب العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ([5])  أنهم يحنون للعودة من مخاطر الثورة إلى حلل اللحوم المصرية ([6]). واليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 كان هو الجواب. فلم يعد لديهم صورة كاريكاتورية عن نابوليون القديم فسحب، بل صار لديهم أيضًا نابوليون القديم نفسه بصورة كاريكاتورية، كما لا بدله أن يبدو في منتصف القرن التاسع عشر.

أن ثورة القرن التاسع عشر الاجتماعية لا يسعها أن تستمد أشعارها من الماضي بل من المستقبل فحسب. أنها لا تستطيع أن تبدأ بتنفيذ مهمتها قبل أن تقضي على كل احترام خرافي للماضي. لقد كانت الثورات السابقة في حاجة إلى استعادة ذكريات ما مضى من حوادث تاريخ العالم لكي تخدع نفسها بشأن محتواها هي بالذات. أما ثورة القرن التاسع عشر فكان يترتب عليها لكي تستوضح لنفسها محتواها الخاص أن تدع الموتى يدفنون موتاهم. هناك كانت الجملة تتعدّى المحتوى وهنا كان المحتوى يتعدى الجملة.

أن ثورة شباط (فبراير) كانت هجومًا مفاجئًا، كانت أخذًا مباغتًا للمجتمع القديم. وقد أشاد الشعب بهذه الضربة غير المتوقعة باعتبارها عملاً ذا أهمية تاريخية عالمية يؤدي بحقبة جديدة. وفي اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) تختفي ثورة شباط (فبراير) بين يدي نصاب ماكر ويبدو في النتيجة أن ما أطيح به ليس هو الملكية بل التنازلات الليبيرالية التي انتزعتها منها قرون من الكفاح. وبدلاً من أن يظفر المجتمع نفسه لنفسه بمحتوى جديد، بدا أن الدولة قد عادت إلى أقدم أشكالها فحسب – إلى السيطرة البدائية العديمة الحياء – سيطرة السيف والقلنسوه الكهنوتية. والجواب على Coup de main (ضربة جريئة، عمل حاسم. الناشر.) شباط (فبراير) 1848 أعطاه Coup de téte (عمل طائش، عمل وقح. الناشر.) كانون الأول (ديسمبر) 1851، وما تأتي به الزوابع تأخذه الرياح. ولكن هذه الفترة من الزمن لم تضع سدى. فمن سنة 1848 لغاية سنة 1851 هضم المجتمع الفرنسي – وتم هذا بطريقة مختصرة لأنها ثورية – العبر والتجارب التي كان ينبغي لها في تطور يسير بصورة صحيحة، أو، إذا جاز القول، بصورة منهاجيه، أن تسبق ثورة شباط (فبراير) لو كانت هذه الثورة أكثر من مجرد هزة على السطح. أن المجتمع يبدو الآن وكأنه أرتد إلى ما وراء نقطة انطلاقه. أما في الواقع فلا يترتب له سوى أن يوجد لنفسه نقطة الانطلاق لثورته والوضع والعلاقات والظروف التي لا تصبح الثورة الحديثة بدونها ثورة جدية.

أن الثورة البرجوازية، كتلك التي حدثت في القرن الثامن عشر، تندفع كالعاصفة من نجاح إلى نجاح، وآثارها الدرامية تفوق بعضها بعضًا، ويبدو فيها الأشخاص والأشياء في إطار باهر وهاج، ويكون كل يوم مشبعًا بالحماسة والنشوة. بيد أن عمر هذه الثورات قصير، فسرعان ما تدرك هذه الثورات نقطة الأوج وتخيم على المجتمع وخمة السكرة الطويلة الممضة قبل أن يستطع أن يهضم بتعقل واتزان نتائج فترة الضغط والاندفاع العاصف تلك. أما الثورات البروليتارية كتلك التي تحدث في القرن التاسع عشر، فهي، بالعكس، تنتقد ذاتها على الدوام، وتقاطع نفسها بصورة متواصلة أثناء سيرها، وتعود ثانية إلى ما بدا أنها أنجزته لتبدأ فيه من جديد، وتسخر من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وتفاهتها باستقصاء لا رحمة فيه، ويبدو أنها تطرح عدوها أرضًا لا لشيء إلا ليتمكن من أن يستمد قوة جديدة من الأرض وينهض ثانية أمامها وهو أشد عتوًا، وتنكص المرة تلو المرة أمام ما تتصف به أهدافها من ضخامة غير واضحة المعالم، وذلك إلى أن ينشأ وضع جديد يجعل أي رجوع إلى الوراء مستحيلاً وتصرخ الحياة نفسها قائلة بصرامة:

Hic Rhodus,  hic saltal

هنا الوردة، فلترقص هنا! ([7])

وعلى كل حال، كان لابد لكل مراقب بصير وأن قليلاً، حتى ولو لم يتابع مجرى الأحداث في فرنسا خطوة فخطوة، من أن يكون قد ساوره هاجس بأنه كتب لهذه الثورة عار لا سابق له. وكان يكفي المرء أن يسمع نباح النصر الذي كان يردده باغتباط السادة الديموقراطيون وهم يتبادلون التهاني بالعواقب الخيرة التي ينتظرون أن يسفر عنها الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) 1852 ([8]). لقد أصبح عندهم الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) 1852 فكرة راسخة، أصبح عقيدة غبية، شأنها شأن اليوم الذي سيعود فيه المسيح إلى الظهور ويبدأ فيه العصر الألفي السعيد عند الألفيين ([9]). وكما هي الحال دائمًا، التجأ العجزُ إلى الاعتقاد بالمعجزات وتصور أن العدو غُلب على أمره إذا تغلب عليه في الخيال عن طريق الابتهال وفقدان كل شعور بالواقع بسبب من التمجيد الباطل بالمستقبل الذي ينتظره وبالمآثر التي ينوي أن يقوم بها ولكنه لا يريد أن يخبر عنها بعد. أولئك التي ينوي أن يقوم بها ولكنه لا يريد أن يخبر عنها بعد. أولئك الأبطال الذين يسعون إلى دحض الرأي القائل بمجزهم الواضح بتهادي عواطفهم المتبادلة وبالتجمهر في جماعة خاصة قد أوثقوا حقائبهم وجمعوا أكاليل الغار مقدمًا، وكانوا في ذلك الوقت بالضبط منهمكين في سوق الأوراق المالية يخصمون جمهورياتهم in partibus (in partibus infidelium – خارج الواقع الفعلي (حرفيًا: “في بلاد الكفار” – إضافة إلى لقب المطارئة الكاثوليكيين المعينين في مناصب المطارنة الاسمية الصرف في البلدان غير المسيحية). الناشر.)، التي كانوا قد فرغوا مسبقًا من تنصيب موظفيها الحكوميين خلسة وبكل القناعة الملازمة لهم. وأنقض عليهم اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) انقضاض الصاعقة من سماء صافية الأديم. فالشعوب التي تسمح بطيبة خاطر لأصحاب الأصوات العالية أن يغرقوا مخاوفها الداخلية في الفترات التي تنحط فيها المعنويات، ربما اقتنعت هذه المرة بأن الزمن الذي يستطع فيه قوق الوز إنقاذ الكابيتول ([10])  قد ولي وانقضى.

أن الدستور والجمعية الوطنية وأحزاب الأسرة المالكة والجمهوريين الزرق والحمر وأبطال أفريقيا ([11])  والإرعاد من فوق منصات الخطابة والإبراق على صفحات الجرائد اليومية، والأدب بأسره والأسماء السياسية والسمعة الفكرية والقانون المدني وقانون الجزاء liberté, égalité, frafernité (الحرية والمساواة والإخاء. الناشر.) والأحد الثاني من أيار (مايو) 1852 – كلها تلاشت كخيال الظل أمام سحر رجل لم يكن أعداؤه أنفسهم ساحرًا من السحرة. وبدا أن حق الاقتراع الشامل لم يمكث لحظة إضافية إلا لكي يتمكن من أن يخط بيده أمام أعين الدنيا قاطبة وصيته الأخيرة ويعلن باسم الشعب نفسه: “أن كل ما ينبعث جدير بالزوال” ([12]).

ولا يكفي القول، كما يفعل الفرنسيون، بأن أمتهم قد أُخذت على حين غرة. فإن الأمة والمرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر ويتمكن أول مغامر يمر بهما من أن ينتهكهما. أن جملاً كهذه لا تستطيع حل اللغز بل تصوغها بشكل آخر فقط. بقى أن نفسر كيف يستطيع ثلاثة نصابين أن يأخذوا على حين غرة ويأسروا دون مقاومة أمة يبلغ تعدادها ستة وثلاثين مليون نسمة.

لنراجع الآن بإيجاز المراحل التي مرت بها الثورة الفرنسية من 24 شباط (فبراير) سنة 1848 لغاية كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851. هنالك فترات رئيسية ثلاث لا ريب فيها: فترة شباط (فبراير)؛ الفترة من 4 أيار (مايو) 1848 إلى 28 أيار (مايو) 1849: وهي فترة الجمهورية الدستورية أو فترة الجمعية الوطنية التشريعية.

الفترة الأولى، من 24 شباط (فبراير)، أي من وقت الإطاحة بلويس فيليب إلى الرابع من أيار (مايو) 1848، أي إلى انعقاد الجمعية التأسيسية – فترة شباط بمعناها الحقيقي – يمكن أن توصف بأنها مقدمة الثورة. وقد تجلي طابعها بصورة رسمية عندما أعلنت الحكومة نفسها التي ارتجلتها هذه الفترة إنها حكومة مؤقتة. وكل ما جرى اتخاذه أو محاولته أو التصريح به في أثناء هذه الفترة كان، شأنه في ذلك شأن الحكومة، يعلن عن نفسه بأنه مؤقت فحسب. لم يكن أي شيء أو أي إنسان يجرؤ على الادعاء بحق البقاء الدائم وبالعمل الحقيقي. وجميع العناصر التي أعدت الثورة أو حدتها – أي المعارضة الأُسرية ([13])  والبرجوازية الجمهورية والبرجوازية الصغيرة الديموقراطية الجمهورية والعمال الاشتراكيون – الديموقراطيون -، وجدت مكانها مؤقتًا في حكومة شباط.

وما كان بالإمكان غير ذلك. أن أيام شباط كانت تقصد بالأصل إجراء أصلاح انتخابي يتمخض عن توسيع دائرة المتمتعين بالامتيازات السياسية داخل الطبقة المتملكة ذاتها ويطيح بالسيطرة المطلقة الارستقراطية المال. ولكن حين وصلت الأمور إلى النزاع الفعلي، عندما أعتلى الشعب المتاريس وأتخذ الحرس الوطني موقف الانتظار السلبي وأحجم الجيش عن المقاومة الجدية وهرب الملك، ظهر تأسيس الجمهورية كأنه مسألة طبيعية. وكل حزب فسرها بطريقته الخاصة. أما البروليتاريا التي ظفرت بهذه الجمهورية والسلاح في أيديها، فقد طبعتها بطابعها وأعلنتها جمهورية اجتماعية. وهكذا رُسم المحتوى العام للثورة المعاصرة، وهو محتوى يتناقض تناقضًا عجيبًا إلى أقصى حد مع أي شيء يمكن تحقيقه دفعة واحدة ومباشرة استنادًا إلى ما كان متوفرًا من مواد وما بلغته الجماهير من مستويات التطور، وفي الظروف والعلاقات المعنية. ومن الناحية الأخرى لُبيت مطالب جميع العناصر الباقية التي أسهمت في نجاح ثورة شباط، بحصة الأسد التي نالتها في الحكومة. ولذلك لا نجد في أي فترة أخرى خليطًا أكثر تنوعًا من الكلام المنمق وانعدام الثقة الفعلي والعجز الفعلي ومن السعي الفائق الحماسة إلى الجديد ومن السيطرة الراسخة الجذور للرتابة العتيقة ومن الانسجام الظاهري الغشاش للمجتمع بأسرة والتنافر العميق بين عناصره. وبينما كانت بروليتاريا باريس ما تزال سادرة في الطرب بمنظر الآفاق العراض التي انفتحت أمامها ومنغمسة عن جد في مناقشات حول القضايا الاجتماعية كانت قوى المجتمع القديمة تتكتل وتحشد وتستفيق وتجد تأييدًا لم يكن متوقعًا من جمهرة الأمة، من الفلاحين والبرجوازيين الصغار الذين اقتحموا كلهم المسرح السياسي دفعة واحدة بعد سقوط الحواجز التي أقامتها ملكية تموز (يوليو).

الفترة الثانية، من الرابع من أيار (مايو) 1848 حتى نهاية أيار (مايو) 1849، هي فترة تشكيل، تأسيس الجمهورية البرجوازية. بعد أيام شباط (فبراير) مباشرة لم تفاجأ المعارضة الأسرية بالجمهوريين ولم يفاجأ الجمهوريون بالاشتراكيين فحسب بل فوجئت فرنسا كلها بباريس. أن الجمعية الوطنية التي انعقدت في الرابع من أيار (مايو) 1848 والتي انتخبتها الأمة كانت تمثل الأمة. كانت هذه الجمعية احتجاجا حيا على ادعاءات أيام شباط وكان من شأنها أن تهبط بنتائج الثورة إلى مستوى المقاييس البرجوازية. وعبثًا حاولت بروليتاريا باريس، التي أدركت على الفور طابع هذه الجمعية الوطنية، في اليوم الخامس عشر من أيار (مايو)، أي بعد بضعة أيام من انعقادها، أن تنفي وجودها بالقوة وأن تحلها وأن تفتت ثانية هذا الشكل العضوي الذي هددت فيه البروليتاريا روح الأمة التي ارتدت ضدها، إلى الأجزاء التي يتألف منها. ومعلومة أن اليوم الخامس عشر من أيار (مايو) لم يكن له من نتيجة سوى إقصاء بلانكي ورفاقه في الفكر، أي القادة الحقيقيين للحزب البروليتاري، عن المسرح الاجتماعي طيلة كل الفترة التي نحن بصددها.

أن الملكية البرجوازية لعهد حكم لويس فيليب لا يمكن أن تليها الا جمهورية برجوازية، وبعبارة أخرى بينما كانت فئة محدودة من البرجوازية تحكم متسترة باسم الشعب. أن مطالب بروليتاريا باريس هي هراء خيالي ينبغي أن يوضع له حد. على هذا التصريح الصادر عن الجمعية الوطنية التأسيسية أجابت بروليتاريا باريس بتمرد حزيران (يونيو)، وهو أضخم حادث في تاريخ الحروب الأهلية في أوروبا. وانتصرت الجمهورية البرجوازية. فإلى جانبها كانت تقف ارستقراطية المال والبرجوازية الصناعية والفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة والجيش وحثالة البروليتاريا ((Iumpen- proletariat المنظمون في حرس متنقل والمثقفون ورجال الأكليروس وسكان الأرياف. وإلى جانب بروليتاريا باريس لم يكن يقف أحد سواها. وبعد النصر على هذه البروليتاريا ذبح ما ينوف على ثلاثة آلاف متمرد ونفي خمسة عشر ألفًا دون محاكمة. وبهذه الهزيمة تمضي البروليتاريا إلى مؤخرة المسرح الثوري. إنها تحاول من جديد أن تتقدم إلى الأمام كلما لاح فيها أن الحركة تنهض من جديد، ولكن هذه المحاولات تضعف أكثر فأكثر وتسفر عن نتائج تتضاءل أكثر فأكثر. وحالما كان يعتري أحدى الفئات الاجتماعية الكائنة فوقها جيشان ثوري، كانت البروليتارايا تدخل في حلف معها وهكذا كان لها نصيب في جميع الهزائم المتوالية التي منيت بها الأحزاب المختلفة. بيد أن هذه الضربات التي تلت كانت تضعف بقدر ما كان سطح المجتمع الذي تتوزع فوقه يتسع. إن ابرز قادة البروليتاريا في الجمعية وفي الصحافة تساقطوا على التعاقب ضحايا للمحاكم. ويحل محلهم أشخاص يزداد أمرهم اشتباها. أن قسما من البروليتاريا ينصرف إلى تجارب نظرية غير عملية وإلى تأسيس المصارف التعاضدية وجمعيات العمال أي، بكلمة أخرى، إلى حركة تتخلي فيها البروليتاريا عن فكرة أحداث انقلاب في العالم القديم بمجموع الوسائل الجبارة المتوفرة في هذا العالم القديم بالذات، بل تحاول تحقيق خلاصها من وراء ظهر المجتمع، بسبيل خاص وضمن شروط وجودها المحدودة، أي بسبيل يقود حتما إلى الإفلاس. ويبدو أن البروليتاريا لم تعد قادرة لا على استعادة عظمتها الثورية السابقة في ذاتها ولا على اكتساب طاقة جديدة من الارتباطات التي دخلت فيها حديثًا، طالما لم تسقط جميع الطبقات التي ناضلت ضدها في حزيران (يونيو) طريحة إلى جوارها. بيد أن البروليتاريا سقطت على الأقل بشرف جدير بالكفاح التاريخي العالمي العظيم. فليست فرنسا وحدها بل أوروبا جميعها ارتجفت من زلزال حزيران، بينما كانت الهزائم اللاحقة التي منيت بها الطبقان العليا تفدى بثمن بخس لدرجة أنها كانت تقتضي مبالغات عديمة الحياء من جانب الحزب المنتصر لكي يكون في الإمكان إعطاءها طابع الأحداث على العموم، مع العلم أن هذه الهزائم كانت تزداد خزيًا كلما أبتعد الحزب المهزوم عن الحزب البروليتاري.

صحيح أن هزيمة متمردي حزيران (يونيو) قد هيأت ومهدت الأرض التي يمكن عليها بناء صرح الجمهورية البرجوازية، بيد أنها أوضحت في الوقت نفسه أن المسألة في أوروبا لا تتعلق بالخلاف حول موضوع: “الجمهورية أو الملكية” بل بشيء آخر. فقد بينت هذه الهزيمة أن الجمهورية البرجوازية تعني هنا الاستبداد غير المحدود الذي تمارسه طبقة ضد الطبقات الأخرى، وأثبتت أن الجمهورية، في الأقطار ذات الحضارة القديمة والتقسيم الطبقي المتطور وحيث ظروف الإنتاج عصرية وحيث الوعي الفكري ذابت فيه بفعل القرون جميع الأفكار التقليدية، لا تعني بصورة عامة إلا الشكل السياسي لتحويل المجتمع البرجوازي تحويلاً ثوريًا وليس شكل الحياة الذي يصون وجوده، كما هي الحال مثلاً في الولايات المتحدة بأميركا الشمالية حيث توجد الطبقات ولكنها لم تتحدد حتى الآن بل أنها تتغير على الدوام وتتبادل عناصرها في حركة دائمة وحيث نجد وسائل الإنتاج الحديثة غير متفقة مع وجود فيض مزمن من السكان وليس هذا وحسب بل تعوض بالعكس عن النقص النسبي في الرؤوس والأيدي، وأخيرًا حيث لم تترك حركة الإنتاج المادي النشيطة، الزاخرة بالحماسة والقوة، التي عليها أن تملك عالمًا جديدًا، لا وقتًا ولا فرصة للقضاء على عالم الأشباح القديم.

خلال أيام حزيران (يونيو)، أتحدت كل الطبقات والأحزاب في حزب النظام ضد الطبقة البروليتاريا بوصفها حزب الفوضى والأشتراكية والشيوعية. و”أنقذت” المجتمع من “أعداء المجتمع”. وأختارت كلمة السر لجيشها شعار المجتمع القديم القائل “الملكية، العائلة، الدين، النظام” وشجعت صليبيي الثورة المضادة قائلة: “بهذة العلامة سوف تغلبون!” ومنذ تلك اللحظة كان كل حزب من الأحزاب العديدة التي ألتفت حول هذه العلامة ضد متمردي حزيران، حالما يريدان يثبت أقدامه في ميدان القتال الثوري لمصلحته الطبقية الخاصة، يهزمونه تحت شعار: “الملكية، العائلة، الدين، النظام!”. كان أنقاذ المجتمع يتم كلما كانت دائرة حاكميه تتقلص وكلما كانت مصلحة أضيق تتغلب على مصلحة أوسع. وكل مطلب كان ينطوي على أبسط صلاح مالي برجوازي أو على أية ليبيرالية مهما كانت عادية أو على أية اتجاهات جمهورية مهما كانت شكلية أو على أشد أنواع الديموقراطية ضحالة، كان يعاقب عليه في نفس الوقت بوصفه محاولة “اعتداء على المجتمع” ويوصم بـ”الاشتراكية”. وأخيرًا طُرد كبار كهان “الدين والنظام” أنفسهم ركلاً من هياكلهم البيثية ([14])   وانتزعوا من أسرتهم في غيهب الليل ووضعوا في عربات السجن وزجوا في السجون أو نفوا من البلاد، ونسف معبدهم من الأساس حتى سوّى بالتراب وختم على أفواههم وكسرت أقلامهم ومزقت شريعتهم شر ممزق – باسم الدين والملكية والعائلة والنظام. والمتعصبون للنظام من البرجوازيين قتلوا بالرصاص وهم على شرفاتهم بأيدي جماعات غوغائية من الجنود السكاري وأنتهكت حرمات معابدهم البيتية وقصفت منازلهم بالمدافع لمجرد اللهو – باسم الملكية والعائلة والدين والنظام المقدسة ودخل البطل كرابولنسكي ([15]) إلى قصر التويلري بوصفة “منقذ المجتمع”.

 

(2)

دعونا نلتقط خيوط الحديث مرة أخرى.

أن تاريخ الجمعية الوطنية التأسيسية منذ أيام حزيران (يونيو) هو تاريخ سيطرة الكتلة الجمهورية من البرجوازية من البرجوازية وانحلالها، تلك الكتلة التي تعرف بلاسماء التالية: الجمهوريون المثلثو الألوان، الجمهوريون الصرف، الجمهوريون السياسيون، الجمهوريون الشكليون الخ…..

كانت هذه الكتلة في عهد ملكية لويس فيليب البرجوازية تشكل المعارضة الجمهورية الرسمية وكانت بالتالي عنصرًا معترفًا به من العناصر التي تألّف منها عالم السياسة آنذاك. كان لها ممثلوها في المجالس التمثيلية وكان لها نفوذ واسع في الصحافة. وكانت صحيفة “National” ([16]) التي تنطق بلسانها في باريس تعتبر، بين الصحف من نوعها، في نفس مستوى الاحترام كصحيفة “Journal des Débats” ([17]). وكان طابعها يتفق مع هذا المركز الذي احتلته في ظل الملكية الدستورية. إنها لم تكن كتلة من البرجوازية تربطها مصالح مشتركة كبرى وتتميز بظروف إنتاج معينة، بل زمرة من البرجوازيين ذوى الاتجاهات الجمهورية، ومن الكتاب والمحامين والضباط والموظفين، تدين بنفوذها إلى النفور الذي تكنه البلاد لشخص لويس فيليب وإلى ذكريات الجمهورية الأولى والى الإيمان بالجمهورية لدى حفنة من الخياليين ولكن في الدرجة الأولى إلى القومية الفرنسية التي عمدت هذه الكتلة بصفة دائمة إلى أثاره كراهيتها لمعاهدات فيينا وللتحالف مع انجلترا. أن جزءًا كبيرًا من أتباع “National” في عهد لويس فيليب يعود سبب بالذات أن تواجه “National” نفسها فيما بعد، في عهد الجمهورية، كمنافس مظفر في شخص لويس بونابرت. لقد حاربت “National” أرستقراطية المال كما فعلت ذلك سائر المعارضة البرجوازية. وقد كانت الحملات ضد الميزانية، التي كانت في فرنسا تتجاوب كليًا مع الكفاح ضد أرستقراطية المال، تكتسب شعبية في غاية الرخص وتقدم المواد المطلوبة  لـ leading articles (المقالات الافتتاحية. الناشر.) النظام الذي حبذته على كل حالات لاعتبارات اقتصادية وسياسية، وكانت البرجوازية ككل ممتنة لها أيضًا بسبب تشهيرها الشرير بالشيوعية والاشتراكية. وعلى كل حال، كان حزي “National” حزبًا جمهوريًا صرفًا، أي أنه كان يطالب بالشكل الجمهوري للحكم البرجوازي بدلاً من الشكل الملكي ويطالب قبل كل شيء بحصة الأسد من هذا الحكم. أما فيما يتعلق بشروط هذا التغير السياسي فهذا ما لم يكن واضحًا في ذهن هذا الحزب بصورة من الصور. ومن الناحية الأخرى كان واضحًا وضوح الشمس بالنسبة له، وكان معترفًا به علنًا في الولائم من أجل دعم الإصلاح في أواخر أيام حكم لويس فيليب، أنه غير شعبي عند البرجوازية الديموقراطية الصغيرة، وبصورة أخص، عند البروليتاريا الثورية. هؤلاء الجمهوريون الصرف، كما يليق للجمهوريين الصرف، كانوا بالفعل مستعدين تمامًا للاكتفاء في بادئ الأمر بوصاية دوقة أورليان عندما اندلعت ثورة شباط (فبراير) وأفردت لأبرز ممثليهم أماكن في الحكومة المؤقتة. وبديهي أنهم منذ البداية حازوا على ثقة البرجوازية وعلى الأكثرية في الجمعية الوطنية التأسيسية. وأقصيت العناصر الاشتراكية في الحكومة المؤقتة على الفور من اللجنة التنفيذية التي شكلتها الجمعية الوطنية بعد انعقادها، وأستغل حزب “National” فرصة تمرد حزيران (يونيو) لصرف اللجنة التنفيذية أيضًا وللتخلص بذلك من أقرب منافسيه، الجمهوريين البرجوازيين الصغار أو الجمهوريين الديموقراطيين (ليدرو – رولان وغيره). وحل كافينياك، جنرال الحزب الجمهوري البرجوازي الذي قاد مذبحة حزيران (يونيو)، محل اللجنة التنفيذية وخول نوعًا من السلطة الديكتاتورية. وأصبح ماراست، رئيس التحري السابق لـ “National” الرئيس الدائم للجمعية الوطنية التأسيسية، بينما كانت مناصب الوزراء، وكذلك جميع المناصب الهامة الأخرى، من نصيب الجمهوريين الصرف.

وهكذا تجاوز الواقع أجرأ آمال كتلة الجمهوريين البرجوازيين التي كانت تعتبر نفسها منذ زمن بعيد الوريث الشرعي لملكية تموز (يوليو). إلا أن هذه الكتلة قد حصلت على السلطة، لا  عن طريق فتنة ليبيرالية تقوم بها البرجوازية ضد العرش، كما كانت تحلم زمن لويس فيليب، بل عن طريق انتفاضة للبروليتاريا ضد رأس المال، انتفاضة أخمدت بقنابل المدافع. أن ما صورته لنفسها بأنه أكثر الأحداث ثورية أتضح إنه في الحقيقة أكثرها تعاكسًا مع الثورة. لقد سقطت الثمرة في حضنها، لكنها سقطت من شجرة المعرفة لا من شجرة الحياة.

إن حكم الجمهوريين البرجوازيين الصرف لم يدم إلا من الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) حتى العاشر من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1848. وكان حاصلة وضع دستور جمهوري وإعلان حالة الحصار في باريس.

والدستور الجديد لم يكن من حيث الجوهر سوى طبعة مصبوغة بالصبغة الجمهورية للميثاق الدستوري لسنة 1830 ([18]). إن النصاب الانتخابي العالي لملكية تموز (يوليو)، الذي حرم من الحكم السياسي حتى جزءًا كبيرًا من البرجوازية، لم يكن يتفق مع وجود الجمهورية البرجوازية. وقد أعلنت ثورة شباط (فبراير) فورًا حق الاقتراع الشامل المباشر بدلاً من هذا النصاب. ولم يكن في وضع الجمهوريين البرجوازيين أن يبطلوا هذا الأمر. واضطروا إلى الاكتفاء بإضافة شرط تحفظي يقضي بإقامة الناخب في الدائرة الانتخابية لمدة ستة أشهر. أما التنظيم القديم للإدارة وللجهاز البلدي والجهاز القضائي والجيش، الخ.، فقد بقى كما هو دون أن يُنتهك، أو أنّ التغيير، حيثما كان الدستور يتناول هذه الأشياء بالتغيير، كان يتعلق بقائمة المحتويات لا المحتويات، بالاسم لا الموضوع.

إن الحريات الأساسية التي كانت أركانًا ملازمة لعام 1848، أي الحرية الشخصية وحرية الصحافة والكلام وتنظيم الجمعيات وعقد الاجتماعات والتعليم والدين، الخ.، ارتدت رداء دستوريًا جعلها غير قابلة للطعن. ذلك أن كل واحدة من هذه الحريات أعلنت حقًا مطلقًا للمواطن الفرنسي ولكن ذلك كان يقترن دائمًا بملاحظة على الهامش تنص على إنها  تكون غير محدودة إلى المدى الذي لا تحددها فيه “حقوق الآخرين المتساوية والأمن العام” أو “التشريعات” التي كان يقصد منها بالضبط التدخل لإيجاد هذا الانسجام للحريات الفردية سواء فيها بينها أو بينها وبين الأمن العام. مثال ذلك: “للمواطنين حق الانتظام في الجمعيات وعقد الاجتماعات السلمية وغير المسلحة والالتماس وإبداء الرأس سواء في الصحافة أو بأية صورة أخرى. إن التمتع بهذه الحقوق لا يحده غير حقوق الآخرين المتساوية والأمن العام”. (الفصل الثاني من الدستور الفرنسي، المادة الثامنة.) – “التعليم حر. حرية التعليم يتم التمتع بها بمقتضى الشروط التي يحددها القانون وتحت الرقابة العليا من الدولة”. (نفس الفصل، المادة التاسعة.) – “لبيت كل مواطن حرمة. لا يمكن انتهاك هذه الحرمة إلا بالتقيد بالشكليات التي يعينها القانون”. (الفصل الثاني، المادة الثالثة.) الخ.، الخ.. ولهذا فأن الدستور يشير دائمًا إلى القوانين العضوية المقبلة التي سوف تفسر تلك الملاحظات الهامشية تفسيرًا مفصلاً وتنظم التمتع بهذه الحريات غير المحددة بحيث تحول دون تصادمها سواء بعضها مع بعض أو مع الأمن العام. وفيما بعد أخرجت هذه القوانين إلى الوجود من قبل أصدقاء النظام، ونظمت جميع تلك الحريات بصورة لم تجد البرجوازية معها في تمتعها بها أي عائق في الحقوق المتساوية للطبقات الأخرى. وحيثما حرمت هذه الحريات تمامًا على “الآخرين” أو سمح بالتمتع بها بشروط كان كل منها أحبولة بوليسية، كان هذا يحدث دائمًا في مصلحة “الأمن العام” فحسب، أي أمن البرجوازية كما يرسم الدستور. ولهذا كان الطرفان كلاهما يشيران فيما بعد، ومعهما كل الحق، إلى الدستور سواء أكانوا أصدقاء النظام الذين ألغوا جميع هذه الحريات، أم الديموقراطيون الذين طالبوا بإعادة جميع هذه الحريات. وذلك لأن كل فقرة في الدستور كانت تحتوي على نقيضها، على مجلسها الأعلى ومجلسها الأدنى، أي على الحرية كلفظة عامة وعلى إلغاء الحرية في الملاحظة الهامشية. وهكذا، ما دام أسم الحرية يحظى بالاحترام ولا يمنع سوى تحقيقها العملي – وطبعًا، على أساس قانوني – فإن الوجود الدستوري للحرية بقى قائمًا لم يمس ولم ينتهك مهما تكن الضربات التي سددت إلى وجودها في واقع الحياة قاتلة.

إن هذا الدستور الذي أكتسب حصانة بهذه الطريقة البارعة الماكرة كان مع ذلك، شأنه شأن آخيل ([19])، قابلاً للطعن في نقطة واحدة، ليس في الكعب بل في الرأس، أو بالأحرى في الرأسين اللذين كان يتتوج بهما: الجمعية التشريعية من جهة، والرئيس من جهة أخرى. أن نظرة عاجلة إلى الدستور تريك أن المواد التي تحدد علاقة الرئيس بالجمعية التشريعية هي وحدها المواد المطلقة والإيجابية وغير المتناقضة وغير القابلة للتحريف. لأن القضية هنا كانت تتصل بتأمين الجمهوريين البرجوازيين مواقع متينة لأنفسهم. أن المواد 45 – 70 من الدستور قد صيغت بحيث أن الجمعية الوطنية تستطيع تنحية الرئيس دستوريًا في حين أن الرئيس لا يستطيع تنحية الجمعية الوطنية إلا خلافًا للدستور أي إلا بإلغاء الدستور نفسه. وهنا، بالتالي، يدعو الدستور بنفسه إلى تصفيته بالعنف، وهو لا يكتفي بتثبيت تقسيم السلطات، كميثاق 1830، بل يضخم ذلك بحيث يغدو التقسيم تناقضًا لا يطاق. أن لعبة القوى الدستورية – كما سمى غيزو المشاحنة البرلمانية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية – كانت تلعب دائمًا في دستور 1848 بحيث يغامر كل طرف فيها بكل ما لديه. هنالك من ناحية سبعمائة وخمسون ممثلاً عن الشعب انتخبوا بموجب حق الاقتراع الشامل، ويتمتعون بحق انتخابهم مجددًا. أنهم يؤلفون جمعية وطنية لا يمكن مراقبتها ولا حلها ولا تجزئتها، جمعية وطنية تتمتع بالسلطة الكلية في شئون التشريع وتبت بصورة نهائية في شأن الحرب والسلام والمعاهدات التجارية وتملك وحدها حق العفو العام وتحتل، بفضل ديمومة اجتماعاتها، مقدمة المسرح على الدوام. ومن ناحية أخرى هنالك الرئيس، وله كل ما للسلطة الملكية من صفات، له صلاحية تعيين وزرائه وعزلهم بصورة مستقلة عن الجمعية الوطنية وفي يديه كل وسائل السلطة التنفيذية، يغدق جميع المناصب، ويتصرف في فرنسا بالتالي في أرزاق مليون ونصف مليون شخص على الأقل، لأن هذا هو بالضبط عدد الذين يتعلقون ماديًا بالخمسمائة موظف وبالضباط من مختلف الرتب. وتخضع له القوات المسلحة بكاملها. وهو يتمتع بامتياز العفو عن المجرمين بمفردهم وحل وحدات الحرس الوطني وكذلك حل المجالس العامة ومجالس الكانتونات (الاقضية) والبلديات – بموافقة مجلس الدولة – التي ينتخبها المواطنون أنفسهم. وهو يتمتع بحق المبادرة إلى عقد جميع المعاهدات مع الأقطار الأجنبية وبالدور القيادي في عقدها. وبينما تحتل الجمعية دائمًا مقدمة المسرح وتتعرض لنقد الجمهور كل يوم، يحيا الرئيس حياة منعزلة في الأيليزية، وهذا مع وجود المادة الخامسة والأربعين من الدستور أماما عينيه وفي قلبه تصرخ له كل يوم: “frére il faut mourirl”  ([20]). إن هذه التمثيلية لا تُعرض مرتين، وإذا كان عليك ديون فدبر أمر سدادها في الوقت المناسب بالستمائة ألف فرنك من الراتب الذي يمنحك إياه الدستور، هذا إذا كنت لا تفضل الذهاب إلى كليشي ([21])يوم الاثنين الثاني من شهر أيار (مايو) الجميل! – وهكذا، بينما يعطي الدستور الرئيس سلطة فعليه، فهو يسعى لتأمين قوة أدبية للجمعية الوطنية. ولكن، فضلاً عن استحالة خلق قوة أدبية بفقرات القانون، يدحض الدستور نفسه هنا مرة أخرى بجعل الرئيس ينتخب بالاقتراع المباشر من قبل جميع أبناء الشعب الفرنسي. وإذ نجد الأصوات الانتخابية في فرنسا كلها موزعة بين السبعمائة والخمسين عضوًا في الجمعية الوطنية، فهي هنا، على النقيض، مركزه على شخص واحد. وإذ نجد أن كل نائب من النواب لا يمثل على انفراد إلا هذا الحزب أو ذاك، أو هذه المدينة أو تلك، أو هذه النقطة الآهلة أو تلك، أو أنه لا يمثل إلا مجرد ضرورة انتخاب نائب من أصل السبعمائة والخمسين دون التدقيق في الشخص ولا في القضية التي يمثلها – نجد الرئيس منتخب الأمة ونجد عملية انتخابه الورقة الرابحة التي يلعبها الشعب ذو السيادة مرة كل أربع سنوات. أن الجمعية الوطنية المنتخبة تربطها بالأمة علاقة ميتافيزيكية في حين أن علاقة الرئيس المنتخب معها شخصية. صحيح أن الجمعية الوطنية تعكس، بممثليها المنفردين، الجوانب المتعددة للروح القومية ولكن هذه الروح القومية تجد في الرئيس تجسيدًا لها. وهو يملك، بالمقارنة مع الجمعية الوطنية، نوعًا من الحق الإلهي: أنه حاكم بنعمة الشعب.

إن فيتدا، إلهة البحر، تنبأت لاخيل بإنه سيموت في ريعان الشباب. والدستور الذي كان له، مثل أخيل، نقطة ضعفه، كان يساوره، مثل أخيل أيضًا، هاجس بأن المنية لابد أن تعالجه. لم تكن هناك حاجة لفيتيدا إلى ترك البحر قصد أفشاء هذا السر لمؤسسي الجمهورية أي للجمهوريين الصرف إذ كان حسبهم إن يلقوا نظرة من السماء العالية لجمهوريتهم المثالية على العالم الدنس ليروا كيف أن عجرفة المكليين والبونابرتيين والديموقراطيين والشيوعيين، وكذلك ضياع اعتبارهم هم الجمهوريين، كانا يزدادان يوميًا بقدر ما كانوا يقاربون أتمام عملهم التشريعي الفني العظيم. لقد أردوا أن يخدعوا القدر بخدعة في الدستور، عن طريق المادة الـ111 منه، التي يتحتم بمقتضاها أن يظفر كل اقتراع لإعادة النظر في الدستور بتأييد ثلاثة أرباع الأصوات على الأقل يدلي بها في ثلاث مناقشات متوالية يفصل فيما بينها شهر كامل، هذا مع العلم إنه ينبغي اشتراك ما لا يقل عن خمسمائة عضو من أعضاء الجمعية الوطنية في عملية التصويت. ولكن ذلك لم يكن سوى محاولة عاجزة ترمي إلى تأمين قوة لأنفسهم حينما يصحبون أقلية برلمانية، وهذا ما كانوا يستشفونه بصورة نبوية، تأمين تلك القوة التي أخذت تفلت يوميًا وباضطراد من أيديهم الواهية، حتى في هذه اللحظة وهم يسيطرون على الأكثرية البرلمانية وعلى جميع وسائل السلطة الحكومية.

وأخيرًا أوكل الدستور أمره، في أحدى فقراته الخاصة، المضحكة المبكية، إلى “يقظة وطنية الشعب الفرنسي بمجموعه وكل فرنسي بمفرده”، وذلك بعد أن كان سابقًا وفي مادة أخرى قد أوكل أمر الفرنسيين “اليقظين” و”الوطنيين” إلى العناية الناعمة الجزائية لمحكمة العدل العليا – “haute cour”  – التي أبتدعها عمدًا لهذا الغرض.

هكذا كان دستور سنة 1848، الدستور الذي لم يطح به في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 رأس إنسان بل هوى بلمسة من قبعته لا غير. إلا أن هذه القبعة كانت، من الصحيح، قبعة نابوليونية ذات ثلاث زوايا.

بينما كان الجمهوريون البرجوازيون في الجمعية منهمكين في اختراع هذا الدستور ومناقشته والاقتراع عليه في الجمعية الوطنية كان كافينياك يحتفظ خارج الجمعية بحالة الحصار في باريس. أن حالة الحصار في باريس كانت القابلة التي تساعد الجمعية التأسيسية في مخاض الجمهورية. وإذا كان الدستور قد محي فيما بعد من الوجود بالحراب فينبغي ألا ننسى أن الحراب أيضًا  – الموجهة ضد الشعب – قد حمت هذا الدستور وهو في رحم أمه وأن الحراب ساعدته على رؤية النور. أن أجداد “الجمهوريين الموقرين” قد مروا بأوروبا كلها حاملين رمز الدستور، أي العلم المثلث الألوان. ولكن “الجمهوريين الموقرين” بدورهم قد اخترعوا اختراعًا وجد بنفسه طريقه في جميع أنحاء القارة ولكنه يعدون إلى فرنسا يحدوه حب لا يخمد أبدًا بحيث أكتسب هذا الاختراع الجنسية الآن في نصف محافظاتها. إن هذا الاختراع هو حالة الحصار. وإنه لاختراع مدهش يستخدم بصورة دورية في كل من الأزمات التي تتعاقب الواحدة تلو الأخرى في مجرى الثورة الفرنسية. ولكن الثكنة والمعسكر اللذين كانا ينيخان على هذا النحو بصورة دورية على المجتمع الفرنسي لكي يقمعا وعية ويسكتاه؛ والسيف والبندقية اللذين كان يسمح لهما بصورة دورية بإن يؤديًا دور القضاة والمديرين والأوصياء والمراقبين وأن يقومًا بعمل الشرطي وبوظيفة الحارس الليلي؛ والشارب والبزة العسكرية اللذين كان ينادي بهما بصورة دورية كأسمى حكمة في المجتمع وكمرشد له – ألم يكن محتمًا لهذه الثكنة والمعسكر والسيف والبندقية والشارب والبزة العسكرية أن تخطر لها بالأحرى فكرة إنقاذ المجتمع مرة واحدة وإلى الأبد بإعلان حكمها هي أعلى الأحكام وتحرير المجتمع البرجوازي بصورة تامة من مشقة الإدارة الذاتية؟ بلى أن الثكنة والمعسكر والسيف والبندقية والشارب والبزة العسكرية كان محتومًا أن تخطر لها هذه الفكرة خصوصًا وإنه كان بمستطاعها في هذه الحال أن تنتظر أجورًا نقدية أسخي على خدماتها الأسنى في حين إنها لم تكن تتبلغ من مجرد حالة الحصار الدورية ومن عمليات إنقاذ المجتمع العابرة تقوم بها بناء على أمر هذه الكتلة البرجوازية أو تلك، إلاّ ببُلغ ضئيلة، فيما عدا بعض القتلى والجرحى وبعض التجهم الودي يلوح على وجوه البرجوازيين. ولماذا لا يحاول العسكريون أخيرًا أن يلعبوا لعبة حالة الحصار لمصلحتهم الخاصة ولمنفعتهم الخاصة وإن يحاصروا في الوقت ذاته جيوب البرجوازيين؟ وفضلاً عن هذا لا  يجوز أن ننسى، على سبيل الملاحظة العابرة، أن العقيدة برنار، رئيس المجالس العسكرية نفسه الذي أبعد في عهد كافينياك خمسة عشر ألفًا من المتمردين دون محاكمة، هو في هذه اللحظة وللمرة الثانية على رأس المجالس العسكرية العاملة في باريس.

وإذا كان الجمهوريون الصرف، “المرقرون”، بإعلانهم حالة الحصار في باريس، قد غرسوا المستنبت الذي نما فيه فيما بعد بريتوريو ([22]) الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851، فلا بدّ من الاعتراف أيضًا بأنهم يقومون بمأثرة من نوع آخر: فبدلاً من تسعير المشاعر القومية، كما فعلوا ذلك في عهد لويس فيليب، عمدوا الآن، وهم يقبضون على كامل قوة الأمة، إلى الحبو أمام الأقطار الأجنبية، وبدلاً من أن يحرروا إيطاليا تركوها للنمساويين والنابوليين يستعبدونها  من جديد ([23]). إن انتخاب لويس بونابرت رئيسًا للجمهورية في اليوم العاشر من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1848 قد وضع حدًا لديكتاتورية كافينياك وللجمعية التأسيسية.

تقول المادة الرابعة والأربعون من الدستور: “لا يجوز أن يكون رئيس الجمهورية الفرنسية شخصًا فقد يومًا ما صفته كمواطن فرنسي”. إن الرئيس الأول للجمهورية الفرنسية لويس نابوليون بونابرت لم يكن قد فقد صفته كمواطن فرنسي فحسب، ولم يكن شرطيًا خاصًا من الشرطة الانجليزية فسحب بل كان متجانسًا بالجنسية السويسرية أيضًا([24]).

لقد أوضحت مفصلاً في غير هذا المكان مغزى انتخاب العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ([25]). ولن أعود إليه هنا. ويكفي أن أشير هنا إلى إنه كان رد فعل من الفلاحين، الذين ترتب عليهم أن يدفعوا نفقات ثورة شباط (فبراير)، ضد الطبقات الباقية من الأمة – رد فعل من الريف ضد المدينة. وقد صادف عطفًا كبيرًا في الجيش الذي لم يقدم له جمهوريو “National”  لا مجدًا ولا زيادة في الرواتب، ولدى البرجوازية الكبيرة التي حيث بونابرت باعتباره جسرًا إلى الملكية ولدى البروليتاريا والبرجوازيين الصغار الذين حيوه باعتباره سوط عقاب لكافينياك. ولسوف تتاح لي فيما بعد فرصة الخوض بصورة أكثر تدقيقًا في موقف الفلاحين من الثورة الفرنسية.

أن الفترة من العشرين من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1848 لغاية حل الجمعية التأسيسية في شهر أيار (مايو) 1849 تشتمل على تاريخ سقوط الجمهوريين البرجوازيين. فبعد أن أسس هؤلاء جمهورية للبرجوازية وطردوا البروليتاريا الثورية من الميدان وأسكتوا البرجوازية الصغيرة الديموقراطية لفترة من الزمن، طُرحوا هم أنفسهم جانبًا من قبل جمهرة البرجوازية التي استولت على هذه الجمهورية عن حق باعتبارها ملكًا لها. بيد أن هذه الجمهرة البرجوازية كانت ملكية. كان قسم منها، وهو كبار مالكي الأرض، يحكم زمن العودة فكان بناء على ذلك شرعيًا ([26]). والقسم الآخر، وهو أقطاب المال ورجال الصناعة الكبار، كان يحكم أثناء ملكية تموز (يوليو) وكان بالتالي أورليانيا ([27]). أما أصحاب المقامات العليا في الجيش وفي الجامعة والكنيسة ونقابة المحامين والأكاديمية والصحافة فكنا نجدهم موزعين بين كلا الجانبين، وإن ينسب مختلفة. وهنا، في الجمهورية البرجوازية، التي لم تكن تحمل لا أسم بوربون ولا أسم أورليان بل أسم رأس المال، وجد هذان القسمان من البرجوازية شكل الدولة الذي استطاعا أن يسيطرا فيه سويًا. أن تمرد حزيران (يونيو) كان قد وحدهما في “حزب النظام”. واليوم آن الأوان لإقصاء زمرة الجمهوريين البرجوازيين الذين كانوا ما يزالون يحتلون مواقعهم في الجمعية الوطنية. وبقدر ما كان هؤلاء الجمهوريون الصرف متوحشين في سوء استخدامهم للقوة البدنية ضد الشعب، بقدر ما كانوا جبناء ومتهافتين وخائرين ومتخاذلين وعاجزين عن القتال في تقهقرهم، عندما كان الأمر يتطلب الذود عن نزعتهم الجمهورية وحقوقهم التشريعية ضد السلطة التنفيذية وضد الملكيين. ولست في حاجة لأن أروى هنا تاريخ انحلالهم المعيب. أنهم لم يهلكوا بل أنهم زالوا من الوجود. لقد أدوا دورهم إلى الأبد. وسواء في داخل الجمعية أو في خارجها كانوا يظهرون في الفترة التالية كأشباح الماضي فحسب، أشباح كان يبدو أنها تنبعث ثانية كلما كان الأمر يتناول مجرد أسم الجمهورية مرة أخرى، وكلما كان النزاع الثوري يهدد بالهبوط إلى المستوى الأدنى. وأشير هنا بصورة عابرة إلى أن صحيفة “National”  التي أعطت أسمها لهذا الحزب، انحازت إلى الاشتراكية في الفترة التالية.

وقبل أن نفرغ من هذه الفترة لا بد لنا أن نلقي نظرة إلى الوراء على القوتين اللتين أبادت أحداهما الأخرى في 2 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851، بينما كانتا تعيشان متزوجتين من 20 كانون الأول (ديسمبر) 1848 حتى تواري الجمعية التأسيسية. ونحن نعني بهما لويس بونابرت من جهة وحزب الملكيين المؤتلفين، حزب النظام، حزب البرجوازية الكبيرة ، من جهة أخرى. أن بونابرت قام، فور توليه رئاسة الجمهورية، بتشكيل وزارة من حزب النظام وضع على رأسها أوديلون بارو الزعيم القديم، – ولنلاحظ هذا، – للكتلة الأكثر ليبيرالية من البرجوازية البرلمانية. لقد أمسك المسيو بارو أخيرًا بحقيبة وزارية كان شبحها يملأ عليه حياله منذ عام 1830، فضلاً عن إنها حقيبة رئيس الوزراء. بيد أنه توصل إلى هذا على غير ما كان يحلم به في عهد لويس فيليب، لا بصفته الزعيم الأكثر تقدمًا للمعارضة البرلمانية بل كحليف لجميع خصومه الألداء، اليسوعيين والشرعيين فضلاً عن أن مهمته هي إعدام البرلمان. لقد جلب أخيرًا العروس إلى الكنيسة ولكن بعد أن تم انتهاك بكارتها. وبدا كأنّ بونابرت قد طمس نفسه تمامًا. فإن حزب النظام كان يقوم بالعمل نيابة عنه.

وفي الاجتماع الأول بالذات لمجلس الوزراء تقرر توجيه الحملة العسكرية على روما وتم الاتفاق على أن يجري القيام بهذه الحملة من وراء ظهر الجمعية الوطنية وعلى أن تنتزع الأموال اللازمة لها من الجمعية الوطنية بذريعة كاذبة. وهكذا بدأت الوزارة نشاطها بغش الجمعية الوطنية وبالتآمر سرًا مع الدول المستبدة في الخارج ضد الجمهورية الرومانية الثورية. وبالطريقة ذاتها وبالمناورات ذاتها أعد بونابرت انقلابه في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) ضد الجمعية التشريعية الملكية وجمهوريتها الدستورية. وينبغي إلا ننسى أن الحزب نفسه الذي شكل وزارة بونابرت في العشرين من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1848 كان يشكل الأكثرية في الجمعية الوطنية التشريعية في 2 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851.

وفي شهر آب (أغسطس) قررت الجمعية التأسيسية إلا تحل نفسها إلا بعد الفراغ من وضع وإصدار سلسلة كاملة من القوانين العضوية لاستكمال الدستور. وفي السادس من كانون الثاني (يناير) 1849، جعل حزب النظام نائبًا يدعى راتو يقترح أن تدع الجمعية هذه القوانين العضوية وشأنها وأن تتخذ بالأحرى قرارًا بشأن حلها من تلقاء ذاتها. وليست الوزارة وحدها، وعلى رأسها المسيو أوديلون بارو، بل جميع النواب الملكيين في الجمعية الوطنية كانوا يرددون لها بلهجة الوعيد حينئذ بأن حلها كان ضروريًا لإعادة الثقة وتوطيد دعائم النظام ولوضع حد للوضع المؤقت غير المحدد ولإيجاد حالة من الاستقرار النهائي، كما كانوا يرددون أن الجمعية تعرقل قيام الحكومة الجديدة بالنشاط المثمر وإنها لا تريد إطالة بقائها إلا بدافع العناد الشرير فحسب وإن البلاد قد تعبت منها. وأخذ بونابرت علمًا بكل هذه الحملات على السلطة التشريعية وحفظها عن ظهر قلب وأثبت للملكيين البرلمانيين في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851، إنه قد تعلم منهم بعض الشيء. فقد وجه شعاراتهم نفسها ضدهم.

ولم تقف وزارة بارو وحزب النظام عند هذا الحد. فقد استكتبوا عرائض إلى الجمعية الوطنية في جميع أنحاء فرنسا تطالبها بأدب بأن تشد الرحال. وهكذا قادوا الجماهير الشعبية غير المنظمة إلى نيران المعركة ضد الجمعية الوطنية، وهي التعبير الدستوري المنظم عن إدارة الشعب. لقد علموا بونابرت أن يلجأ إلى الشعب ضد الجمعيات البرلمانية. وأخيرًا، وفي 29 كانون الثاني (يناير) 1849، حان اليوم الذي كان يترتب فيه على الجمعية التأسيسية أن تبت في أمر حل نفسها. في هذا اليوم وجدت الجمعية البناية التي تعقد فيها جلساتها محتلة من قبل وحدات الجيش، وعمد شانغارنيية، جنرال حزب النظام، الذي اجتمعت في يديه القيادة العليا للحرس الوطني والجيش النظامي، إلى إقامة عرض عسكري كبير في باريس كما لو أن معركة حربية كانت على الأبواب، وأعلن الملكيون المؤتلفون للجمعية التأسيسية بلهجة التهديد والوعيد أن القوة ستستخدم لو ثبت إنها غير موافقة. ولكنها أبدت موافقتها، إلا إنها حصلت على المهلة القصيرة للغاية التي ساومت عليها. وماذا كان التاسع والعشرون من كانون الثاني (يناير) غير Coup détat الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 قام بتنفيذه الملكيون بالتحالف مع بونابرت ضد الجمعية الوطنية الجمهورية؟ أن السادة الملكيين لم يلاحظوا، أو لم يشاءوا أن يلاحظوا، أن بونابرت أستغل أحداث اليوم التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1849 لكي يجعل قسمًا من الجيش يمر أمامه قبالة قصر التويلري، وإنه أغتنم بشراهة هذا الاستدعاء العلني الأول بالذات للقوة العسكرية ضد القوة البرلمانية لكي يلمح لهم إلى كاليغولا ([28]). وبديهي أنهم لم يروا سوى رجلهم شانغارنييه. أن أحد الدوافع التي كانت تحفز حزب النظام بشكل خاص على تقصير أجل الجمعية التأسيسية بالقوة كان يكمن في القوانين العضوية المستكملة للدستور، كقانون التعليم وقانون ممارسة الشعائر الدينية الخ.. لقد كان من المهم للغاية بالنسبة للملكيين المؤتلفين أن يقوموا هم أنفسهم بسن هذه القوانين وإلا يدعوا الجمهوريين الذين غدوا متشككين يسنونها. بيد أنه كان هنالك أيضًا بين هذه القوانين العضوية قانون حول مسؤولية رئيس الجمهورية. وفي سنة 1851 كانت الجمعية التشريعية منهمكة في صياغة قانون كهذا القانون بالضبط، عندما عاجل بونابرت هذا Coupبـ coup (ضربة، عامل حاسم. الناشر.) الثاني من كانون الأول (ديسمبر). والملكيون المؤتلفون كانوا مستعدين لإعطاء شيء في حملتهم البرلمانية الشتوية سنة 1851 ليجدوا قانون مسؤولية رئيس الجمهورية جاهزًا بين أيديهم، حتى ولو صاغته جمعية الجمهوريين المعادية والمتشككة!

بعد أن حطمت الجمعية التأسيسية بنفسها آخر سلاح لها في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) سنة 1849 قامت وزارة بارو وأصدقاء النظام بمطاردتها بلا هوادة. إنهم لم يضيعوا فرصة واحدة لإذلالها وانتزعوا من الجمعية العاجزة واليائسة من نفسها قوانين كلفتها آخر بقية من احترام كانت لها في عيون المجتمع.وكان لدى بونابرت، الذي كانت تشغله فكرته النابوليونية الثابتة، ما يكفي من الصفاقة لاستغلال هذا الحط من شأن السلطة البرلمانية على ملأ من الناس. فعندما اتخذت الجمعية الوطنية، في الثامن من أيار (مايو) 1849، قرارًا بلوم الوزارة بسبب احتلال تشيفيتلفيكيا من قبل الجنرال أودينو وأمرتها بإرجاع الحملة الرومانية إلى  غرضها المرسوم ([29])نشر بونابرت في ذلك المساء نفسه في “Moniteur” رسالة إلى أودينو هنأه فيها على مآثره البطولية وأظهر نفسه، على نقيض البرلمانيين أهل القلم، بمظهر الحامي الشهم للجيش. وقابل الملكيون ذلك بالابتسام إذ كانوا على يقين بأنه مجرد مغفل في أيديهم. وأخيرًا وعندما ظن ماراست، رئيس الجمعية التأسيسية، للحظة أن سلامة الجمعية الوطنية في خطر وقام، استنادًا إلى الدستور، باستدعاء أحد العقداء وفوجه، رفض العقيد ذلك مستندًا على الانضباط واحال ماراست على شانغارنيية الذي رفض الطلب مشيرًا بسخرية على أنه لا يحب “boionnettes intelligentes” (الحراب المفكرة. الناشر.). وعندما أستعد الملكيون المؤتلفون في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1851 لأن يبدأ صراعهم الحاسم ضد بونابرت، حاولوا، عن طريق مشروع قانونهم السيء الذكر المعروف بإسم مشروع قانون الكويستور ([30])، إقرار مبدأ استدعاء وحدات الجيش من قبل رئيس الجمعية الوطنية مباشرة. وقد وقع أحد جنرالاتهم المدعو ليفلو على مشروع القانون. ولكن عبثًا اقترع شنغارنييه إلى جانبه وأطرى تيير الحكمة البعيدة النظر التي كانت تتمتع بها المرحومة الجمعية التأسيسية. لقد أجابه وزير الحربية سان أرنو بمثل ما أجاب شانغارنييه ماراست – وسط تصفيق “الجبل”!

وهكذا فإن حزب النظام، عندما لم يكن بعد سوى الوزارة، لا الجمعية الوطنية، قام بنفسه بتلطيخ سمعة الحكم البرلماني. وهو يرفع عقيرته صائحًا عندما طرد انقلاب اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851 هذا الحكم من فرنسا!

أننا نتمنى له سفرًا ميمونًا!

 

(3)

في 28 أيار (مايو) سنة 1849 انعقدت الجمعية الوطنية التشريعية وفي 2 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851 حلت. وهذه الفترة تشمل عمر الجمهورية الدستورية أو البرلمانية.

في الثورة الفرنسية الأولى تعاقب الدستوريون فالجيرونديون فاليعاقبة على الحكم. وكان كل حزب من هذه الأحزاب تعتمد على الحزب الأكثر منه تقدمية. وحالما كان كل حزب يوصل الثورة إلى مدى لا يستطيع بعده أن يسايرها، بله أن يتزعمها، كان يُطرح جانبًا من قبل الحليف الأجرأ  الذي يقف وراءه ويُرسل إلى المقصلة. وهكذا كانت الثورة تسير في خط صاعد.

عكس ذلك حدث في ثورة سنة 1848. فإن الحزب البروليتاري يبدو فيها كتابع للحزب الديمقراطي البرجوازي الصغير. وقد خانه هذا الحزب الأخير وساعد على إسقاطه في السادس عشر من نيسان (أبريل) وفي الخامس عشر من أيار (مايو) وفي أيام حزيران (يونيو). والحزب الديموقراطي كان يستند بدوره إلى أكتاف الحزب الجمهوري البرجوازي. ولكن ما أن ظن الجمهوريون البرجوازيون أن الأمور قد استقرت لهم حتى نفضوا عنهم رفيقهم المزعج واستندوا على أكتاف حزب النظام. غير أن حزب النظام هز بكتفيه وترك الجمهوريين البرجوازيين يسقطون وسارع إلى إلقاء نفسه على أكتاف القوة المسلحة. وتوهم هذا الحزب إنه كان ما يزال يجلي على أكتافها عندما رأى هذه الأكتاف ذات صباح جميل وقد استحالت إلى حراب. كان كل حزب يركل الحزب الذي يدفعه من الوراء، وكان في الوقت نفسه يدفع ظهر الحزب الذي أمامه والذي يدفع به إلى الوراء. فلا عجب أن يفقد توازنه وهو في هذا الوضع المضحك وأن يهوى بتقطيبات الوجه التي لا بد منها وهو ينط نطات غريبة. وهكذا كانت الثورة تسير في خط نازل. وقد وجدت نفسها في هذه الحال من الحركة التقهقرية قبل أن يزول آخر متراس من متاريس شباط (فبراير) وتتشكل أول سلطة ثورية.

أن الفترة التي نحن بصددها تضم خليطًا من المتناقضات الصارخة مبرقشًا إلى أقصى حد: دستوريون يتآمرون علنًا ضد الدستور؛ ثوريون يعترفون بصراحة بأنهم أنصار الدستور؛ جمعية وطنية تريد أن تكون كلية القدرة، وتظل دائمًا برلمانية؛ حزب “الجبل” الذي يجد دعوته في الصبر والذي يعوض عن هزائمه الحالية بالتنبؤ بانتصارات مقبله؛ ملكيون في دور patres conscripti (الشيوخ. الناشر.). الجمهورية ومرغمون بحكم الظروف على أن يدعموا خارج البلاد البيوت المالكة المتعادية التي يشايعونها وعلى أن يدعموا في فرنسا الجمهورية التي يكرهونها؛ سلطة تنفيذية تجد قوتها في ضعفها ذاته ومكانتها في الاحتقار الذي تثيره في النفوس؛ الجمهورية ليست سوى الجمع بين أقذر جوانب ملكيتين: عهد العودة وملكية تموز (يوليو) وعليه لافتة إمبراطورية؛ أحلاف تقوم على الانفصال؛ كفاحات قانونها الأساسي عدم السير بها إلى النهاية؛ تهييج طائش أجوف باسم السكينة؛ أوكد أنواع التبشير بالسكينة باسم الثورة؛ عاطفة بلا صدق وصدق بلا عاطفة؛ أبطال بلا بطولات وتاريخ بلا أحداث؛ تطور يبدو أن القوة الدافعة الوحيدة له هي التقويم الزمني، تطور مرهق بسبب من دوام تكرار ذات النهضات و السقطات، معاكسات يبدو كأنها لا تتأزم دوريًا حتى تبلغ الأوج إلا لتفقد حدتها بعد ذلك ولتسقط دون أن تستطيع الوصول إلى حل؛ جهود تعرض بمباهاة وإدعاء ورعب تافه من خطر نهاية العالم الزاحفة في وقت ينصرف فيه مخلّصو العالم إلى أحقر المكائد وإلى مهازل البلاط فلا يذكروننا، بسبب من لا مبالاتهم، بيوم الحساب بقدر ما يذكروننا بأيام الفروند ([31])؛ كل العبقرية الرسمية لفرنسا كلها تغدو صفرًا أمام الحماقة الماكرة لفرد واحد؛ الإدارة الجماعية للأمة، كلما تفصح عن ذاتها عن طريق الاقتراع الشامل، تبحث عن التعبير الملائم عن نفسها في الأعداء الألداء لمصالح الجماهير حتى تجده آخر الأمر في إدارة قرصان واحد. ولو أن حقبة من التاريخ طليت بلون رمادي على رمادي لكانت هي هذه الحقبة بالضبط. أن الناس والأحداث يظهرون كشليملات معكوسة، كظلال فقدت أجسامها ([32]). فالثورة نفسها تشل أولئك الذين يحملون أعباءها وتمنح خصومها وحدهم قوة العنف الفائرة. وعندما يظهر أخيرًا “الشبح الأحمر”، الذي يستحضره دعاة الثورة المعاكسة ويطردونه باستمرار، فهو لا يظهر والقبعة الفريجية الفوضوية ([33])فوق رأسه بل يظهر في بزة النظام، في سراويل حمراء.

لقد رأينا أن الوزارة التي نصّبها بونابرت في العشرين من كانون الأول (ديسمبر) 1848، يوم اعتلائه سدة الرئاسة، كانت وزارة من بارو – فالو هذه بعد زوال الجمعية التأسيسية الجمهورية التي قصرت الوزارة أجلها بالعنف قل أو كثر، ووجدت نفسها ما تزال تقبض على زمام السلطة. وقد ظل شانغازنييه، جنرال الملكيين المؤتلفين، يجمع في شخصه القيادة العليا لفرقة الجيش الأول وللحراس الوطني في باريس. وأخيرًا أمنت الانتخابات العامة لحزب النظام أغلبية ضخمة في الجمعية التشريعية. وقد واجه نواب لويس فيليب ونبلاؤه هنا جيشًا مقدسًا من الشرعيين تحولت بطاقات الاقتراع العام الكثيرة بالنسبة لهم إلى بطاقات لدخول المسرح السياسي. أما النواب البونابرتيون فقد كانوا من ضآلة العدد بحيث تعذر عليهم أن يشكلوا حزبًا برلمانيًا مستقلاً فظهروا بمظهر mouvaise queue (الذي الحقير. الناشر.). لحزب النظام. وهكذا استولى حزب النظام على السلطة الحكومية وعلى الجيش والهيئة التشريعية، وبكلمة، على سلطة الدولة بكاملها التي تعززت معنويا بالانتخابات العامة التي جعلت سيطرة حزب النظام تظهر كأنها تعبير عن إرادة الشعب وبالانتصار الذي أحرزته الثورة المعاكسة في الوقت ذاته في القارة  الأوروبية بأكملها.

لم يسبق أن أفتتح حزب من الأحزاب حملته وهو يتمتع بموارد أضخم أو يحظي بطالع أيمن.

أما الجمهوريون الصرف الذي تحطمت بهم السفينة فلم يبقوا في الجمعية الوطنية التشريعية إلا زمرة مؤلفة من حوالي خمسين رجلاً وعلى رأسها الجنرالات الأفريقيون كافينياك ولاموريسيير وبيدو. بيد أن حزب المعارضة الكبير كان يتألف من “الجبل”، وهذا أسم برلماني أطلقه الحزب الاشتراكي – الديموقراطي على نفسه. وقد كان له في الجمعية الوطنية ما ينيّف على مائتي صوت من 750 صوتًا ولهذا فقد كان له من القوة ما يعدل على الأقل قوة أية كتلة من الكتل الثلاث التي تؤلف الحزب النظام لو أخذت على انفراد. أما أقليته العددية النسبية بالمقارنة مع الائتلاف الملكي بأكمله فقد كان يبدو أن ظروفًا خاصة عوضت عنها. فالانتخابات التي جرت في المقاطعات لم تبين أنه كسب إتباعًا كثيرين بين سكان الأرياف فحسب بل كان يعد في صفوفه جميع نواب باريس تقريبًا. وقد كشف الجيش عقائده الديموقراطية بانتخابه ثلاثة من ضباط الصف، كما أن زعيم “الجبل”، ليدرو –رولان، على نقيض ممثلي حزب النظام جميعًا، رفعته إلى شرف عضوية البرلمان خمس مقاطعات أجمعت على تقديم أصواتها له. ونظرًا للاصطدامات التي كان لا مناص من وقوعها فيما بين الملكيين أنفسهم، وبين حزب النظام بكامله وبين بونابرت، فقد كان يبدو أن كل عناصر النجاح كانت بذلك متوفرة.

لحزب “الجبل” في الثامن والعشرين من أيار (مايو) سنة 1849. ولكنه بعد أسبوعين كان قد فقد كل شيء، بما في ذلك الشرف.

وقبل أن نواصل تتبعنا للتاريخ البرلماني لا بد أن نبدي بعض الملاحظات لتفادي الأخطاء الشائعة لدى تقدير الطابع العام لهذه الحقبة التي أمامنا. إذ1 نظرنا إلى فترة الجمعية الوطنية التشريعية بعيون الديموقراطيين فسنجد أن ما عنيت به هذه الفترة هو نفس ما عنيت به فترة الجمعية التأسيسية: الصراع البسيط بين الجمهوريين والملكيين. أما الحركة نفسها فهم يلخصونها في كلمة واحدة هي “الرجعية”، أي الليل إذ تبدو القطط كلها فيه رمادية، ويسمح للديموقراطيين بأن يكرروا على الأسماع بلا عائق العبارات السطحية المعهودة التي يرددها الحارس الليلي. والحق أن حزب النظام يبدو لنا، لأول وهلة، عبارة عن متاهة محيرة من التكتلات الملكية المختلفة التي لا تتآمر أحداها ضد الأخرى فحسب – لكي تجلس على العرش من تؤيده من المدعين به وتقصى عنه المدعي الذي تؤيده الكتلة المعارضة – بل هي كلها قد جمعتها أيضًا الكراهية المشتركة “للجمهورية” والنضال المشترك ضدها. وعلى النقيض من هؤلاء المتآمرين الملكيين يظهر “الجبل” من جهته كمدافع عن “الجمهورية”. أن حزب النظام يبدو منهمكًا على الدوام في حملة “رجعية” موجهة ضد الصحافة والجمعيات وما شاكل ذلك بصورة لا تزيد ولا تقل عما هو حاصل في بروسيا، ويتم تنفيذها، كما هو في بروسيا أيضًا، في شكل تدخل بوليسي وحشي من جانب البيروقراطية والدرك والمحاكم. و”الجبل” من جهته منهمك أيضًا، كانهماك حزب النظام تمامًا، بصورة متواصلة في صد هذه الهجمات والدفاع عن “حقوق الإنسان السرمدية” كما فعل، إلى هذا الحد أو ذاك، خلال فترة القرن ونصف القرن الأخيرة، كل حزب من هذه الأحزاب التي تسمى أحزاب الشعب. ولكن إذا حلل المرء الوضع والأحزاب بمزيد من الإمعان، لأختفي هذا المظهر السطحي الذي يحجب الصراع الطبقي والسيماء المميزة لهذه الفترة.

أن الشرعيين والأورليانيين كانوا يشكلون، كما قلنا، الكتلتين الكبيرتين اللتين تألف منهما حزب النظام. ترى، ألم يكن ما شد كلا من هاتين الكتلتين إلى المدعى بالعرش الذي تريده وما فصل هاتين الكتلتين الواحدة عن الأخرى سوى الزنبقة، والعلم المثلث الألوان، سوى آل بوربون وآل أورليان أو الأنواع المختلفة من النزعة الملكية؟ هل كانت المسألة كالها مسألة اعتقاد بالملكية؟ أن الملكية العقارية الكبيرة هي التي كانت تحكم في عهد أسرة بوربون، مع كهانها وخدمها، بينما كان سلطان رأس المال – أي الصناعة الكبيرة، والتجارة الكبيرة وأرستقراطية المال – وحاشيته المؤلفة من المحامين والأساتذة والخطباء المداهنين هو الذي يحكم في عهد آل أورليان. أن الملكة الشرعية (jégitime – المترجم) لم تكن ألا التعبير السياسي عن الحكم الوراثي لمالكي الأرض، كما أن ملكية تموز _(يوليو) لم تكن إلا التعبير السياسي عن الحكم الذي أغتصبه حديثو النعمة البرجوازيون. أن ما فصل هاتين الكتلتين الواحدة عن الأخرى لم يكن لهذا السبب ما يسمى بالمبادئ بل كان شروط البقاء المادية لكل منهما، كان نوعين مختلفين من الملكية، كان التناقض القديم بين المدينة والريف، المنافسة بين رأس المال والملكية العقارية. أما أن الذكريات القديمة والخصومات الشخصية، والمخاوف والآمال، والخرافات والأوهام، ومشاعر العطف والكراهية، والمعتقدات ورموز الإيمان، والمبادئ قد ربطتهم في الوقت نفسه أيضًا إلى هذا البيت المالك أو ذاك فمن ذات الذي ينكر هذا؟ ففوق الأشكال المختلفة للملكية، فوق شروط البقاء الاجتماعية، ينهض بناء فوق كامل من المشاعر والأوهام وأنماط التفكير ووجهات النظر إلى العالم، المتميزة بعضها عن بعض والمشكلة تشكيلاً خاصًا. أن الطبقة بأسرها تخلقها وتكونها على أساس شروطها المادية وعلى أساس العلاقات الاجتماعية التي تقابلها. وقد يتصور الشخص الفرد الذي يستمدها تقليديًا من العرف والتربية أنها هي التي تشكل البواعث الحقيقية ونقطة البدء في تصرفه. فبينما كان الأورليانيون والشرعيون، بينما كانت كل كتلة تسعى لتجعل نفسها وتجعل الكتلة الأخرى تعتقد أن ما كان يفصلهما إنما هو الولاء لبيتيهما المالكين، أثبتت الحقائق فيما بعد أن تضاد مصالحهما هو الذي كان يحول بالأحرى دون توحيد البيتين المالكين. وكما أن المرء يفرق في الحياة العادية بين ما يحمله الإنسان من رأى وما يقوله عن نفسه وبين ما هو عليه في الواقع وما يفعله، هكذا أيضًا في الصراعات التاريخية لا بد للمرء بالأحرى أن يميز بين أقوال الأحزاب وتخيلاتها وبين طبيعتها الحقيقية ومصالحها الحقيقية، بين فكرتها عن نفسها وبين حقيقتها. لقد وجد الأورليانيون والشرعيون أنفسهم جنبًا على جنب في الجمهورية ولهم إدعاءات متساوية. وإذا كان كل جانب يسعى إلى عادة بيته المالك ضد الجانب الآخر فهذا لا يعني سوى أن كلا من الكتلتين الكبيرتين التي انقسمت إليهما البرجوازية – الملكية العقارية والرأسمال المالي – كانت تسعى على إعادة سيادتها وإخضاع الأخرى لها. ونحن نتحدث عن كتلتين اثنتين للبرجوازية لأن الملكية العقارية الكبيرة، على الرغم من دلّها الإقطاعي ومن فخرها بحسبها ونسبها، قدغدت برجوازية تمامًا بفعل تطور المجتمع الحديث. وهكذا تصور التوريون (التوريون – حزب Tory – حزب المحافظين في انجلترا – المترجم.) في انجلترا مدة طويلة أنهم كانوا متحمسين للسلطة الملكية والكنيسة ومواطن الجمال في الدستور الانجليزي القديم حتى جاء يوم الخطر فانتزع منهم الاعتراف بأنهم متحمسون للريع العقاري وحده.

أن الملكيين المؤتلفين كانوا يكيدون بعضهم لبعض في الصحف، وفي أيمز وفي كليرمونت ([34])، خارج البرلمان. ووراء الكواليس كانوا يرتدون من جديد حللهم الأورليانية والشرعية القديمة وينهمكون من جديد في مبارزتهم القديمة. أما على المسرح العام فقد كانوا، في تمثيلياتهم وبصفتهم حزبًا برلمانيًا كبيرًا، يكتفون بانحناءات الاحترام أمام البيتين المالكين ويؤجلون إعادة الملكية In infinitum (إلى ما لا نهاية له. الناشر.). وكانوا يؤدون شغلهم الحقيقي بوصفهم حزب النظام، أي في صفة اجتماعية لا صفة سياسية، بوصفهم الطبقة البرجوازية ضد سائر الطبقات، لا ملكيين ضد جمهوريين. وبوصفهم حزب النظام كانوا يمارسون سلطانًا أقل تقييدًا وأشد وطأة على الطبقات الأخرى في المجتمع من أي سلطان مارسوه في وقت من الأوقات في عهد العودة أو عهد ملكية تموز (يوليو)، سلطانًا لم يكن ممكنًا بصورة عامة إلا في ظل شكل الجمهورية البرلمانية لأنه لا يمكن، إلا ظل هذا الشكل للكتلتين الكبيرتين من البرجوازية الفرنسية أن تتحدا وأن تدرجًا بذلك في جدول الأعمال حكم طبقتهما لا حكم كتلة ذات امتياز منها. وإذا كانوا، برغم ذلك، بوصفهم حزب النظام، قد أهانوا الجمهورية أيضًا وأعربوا عن نفورهم فإن هذا لم يكن يحدث بسبب الذكريات الملكية فحسب. فإن الغريزة علمتهم أن الجمهورية هي ذروة حكمهم السياسي، بيد أنها تقوض في الوقت نفسه أساسه الاجتماعي لإنه كان عليهم أن يواجهوا الآن الطبقات المقهورة ويتنازعوا معها مباشرة، بدون التغطية التي هي التاج، بدون صرف اهتمام الأمة بالصراعات الثانوية التي تدور بينهم ومع الحكم الملكي. أن الشعور بالضعف هو الذي دعاهم إلى النكوص عن الشروط الخالصة لحكم طبقتهم ذاتها وإلى الحنين إلى الأشكال السابقة لهذا الحكم، الأشكال الأقل كمالاً، والأقل تطورًا، ولهذا السبب بالذات الأقل خطرًا. بالعكس، كلما كان الملكيون المؤتلفون يصطدمون المدعي بالعرش المعادي لهم، أي ببونابرت، وكلما كانوا يعتقدون بأن سلطانهم البرلماني الكلي في خطر من السلطة التنفيذية، وكلما كان يترتب عليهم بالتالي وبالدرجة الأولى أن يثبتوا صفتهم السياسية التي تعطيهم الحق في حكمهم، كانوا يطلعون على الناس كجمهوريين لا ملكيين، ابتداء من تيير الأورلياني الذي أكد للجمعية الوطنية أن مسألة الجمهورية تفرقهم إلى أقلى مدى ممكن، وانتهاء ببرييه الشرعي الذي وقف، في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851، وبصفته محاميًا عن الأمة مقمطًا بوشاح مثلث الألوان يجلجل باسم الجمهورية في الناس المحتشدين أمام دار بلدية الدائرة العاشرة. صحيح أن صدى ساخرًا كان يجاوبه قائلاً: Henri V! Henri V! (هنري الخامس! هنري الخامس! الناشر.).

وفي مواجهة الائتلاف البرجوازي، قام ائتلاف بين البرجوازيين الصغار والعمال، وهو ما يدعى بالحزب الاشتراكي – الديموقراطي. فالبرجوازيون الصغار رأوا أنهم كوفئوا مكافأة سيئة بعد أيام حزيران (يونيو) 1848 وأن مصالحهم المادية قد منيت بالخسائر وأن الضمانات الديموقراطية التي كان عليها أن تؤمن لهم أمكانية الدفاع عن هذه المصالح قد وضعتها الثورة المعاكسة موضع تساؤل. وبناء على ذلك، تقربوا من العمال. ومن جهة أخرى، عاد ممثلهم البرلماني، “الجبل” الذي طرح جانبًا أثناء ديكتاتورية الجمهوريين البرجوازيين، وظفر من جديد، في النصف الأخير من حياة الجمعية التأسيسية، بشعبيته السابقة وذلك بفضل الصراع ضد بونابرت والوزراء الملكيين. وقد عقد “الجبل” حلفًا مع الزعماء الاشتراكيين. وفي شهر شباط (فبراير) 1849 أقيمت الولائم احتفالاً بالمصالحة. ووضع المتحالفون برنامجًا مشتركًا وشكلوا لجانًا انتخابية مشتركة وقدموا مرشحين مشتركين. وقد جُرّدت المطالب الاجتماعية للبروليتاريا من الحدة الثورية وصُبغت بصبغة ديموقراطية، بينا جُرّدت المطالب الديموقراطية للبرجوازية الصغيرة من الشكل السياسي البحث السابق وصُبغت بصبغة اشتراكية. وهكذا نشأ الحزب الاشتراكي – الديموقراطي. أما “الجبل” الجديد، وهو نتيجة هذه المساومة، فقد كان يضم، بصرف النظر عن بعض الأفراد التافهين من الطبقة العاملة وبعض من المنعزلين الاشتراكيين، نفس العناصر التي كان يضمها حزب “الجبل” القديم، والفرق الوحيد أن عدد هذه العناصر كان أكثر. بيد أنه قد تغير في مجرى التطور، مع تغير الطبقة التي كان يمثلها. أن الطابع المميز للحزب الاشتراكي – الديموقراطي يتجلى في كونه يطالب بالمؤسسات الجمهورية الديموقراطية كوسيلة لا لإزالة نقيضين هما: رأس المال والعمل المأجور بل لأضعاف تناحرهما وتحويله إلى انسجام. ومهما اختلفت الوسائل المقترحة لبلوغ هذه الغاية ومهما كانت التصورات التي تزدان بها ثورية إلى هذا الحد أو ذاك، فإن المغزى يبقى واحدًا، غلا وهو تحويل المجتمع بطريقة ديموقراطية ولكنه تحويل ضمن حدود البرجوازية الصغيرة. غير إنه لا يجوز للمرء أن يكوّن فكرة ضيقة الأفق تزعم أنّ البرجوازية الصغيرة ترغب، من حيث المبدأ، في تحقيق مصلحتها الطبقية الأنانية. إنها تعتقد بالعكس أن الشروط الخاصة لانعتاقها هي في الوقت ذاته الشروط العامة التي لا يمكن إنقاذ المجتمع العصري وتفادي النضال الطبقي فيه إلا ضمن نطاقها. كذلك لا يجوز للمرء إن يتصور إن ممثلي الديموقراطية هم جميعًا بالفعل من أصحاب الحوانيت أو مدافعون متحمسون عن أصحاب الحوانيت. فإنهم بحب تعليمهم ووضعهم الفردي قد يكونون بعيدين عن ذلك بعد السماء عن الأرض. إن ما يجعلهم ممثلين للبرجوازية الصغيرة هو إنهم عاجزين عن أن يتعدوا في تفكيرهم النطاق الذي لا تتعداه حياة البرجوازيين الصغار، وإنهم يتوصلون بالتالين نظريًا، إلى القضايا والحلول ذاتها التي تساق البرجوازية الصغيرة إليها عمليًا بدافع مصلحتها المادية ووضعها الاجتماعي. هذه، بصورة عامة، هي العلاقة بين الممثلين السياسيين والفكريين لطبقة من الطبقات وبين الطبقة التي يمثلونها.

بعد التحليل الذي قدمناه يكون من الواضح أن “الجبل”، إذ يناضل بصورة متواصلة ضد حزب النظام من أجل الجمهورية وما يسمى بحقوق الإنسان فلا تكون الجمهورية ولا حقوق الإنسان هدفه النهائي شأنه في ذلك شأن جيش يريدون أن يجردوه من سلاحه فيقاوم ويخوض المعركة لا من أجل الاحتفاظ بسلاحه وحسب.

على أثر انعقاد الجمعية الوطنية مباشرة عمد حزب النظام إلى استفزاز “الجبل”. لقد شعرت البرجوازية الآن بضرورة القضاء على البرجوازية الصغيرة الديموقراطية تمامًا مثلما أدركت قبل عام ضرورة القضاء على البروليتاريا الثورية. ولكن وضعية الخصم كانت تختلف هذه المرة. فقوة الحزب البروليتاري كانت في الشوارع بينما كانت قوة البرجوازيين الصغار في الجمعية الوطنية نفسها. فالقضية إذًا كانت قضية استدراجهم من الجمعية الوطنية إلى الشوارع وجعلهم يحطمون بأنفسهم قوتهم البرلمانية، قبل أن يتسنى توطيدها بفعل الزمن والظروف. وأندفع “الجبل” إلى الشرك على غير هدى.

إن قصف روما بالمدفعية من قبل القوات الفرنسية كان الطعم الذي أُلقى به إليه. لقد كان هذا يشكل خرقًا للمادة V (الخامسة) من الدستور ([35])التي تحظر على الجمهورية الفرنسية استخدام قواتها العسكرية ضد حرية شعب آخر. وفضلاً عن ذلك تحظر المادة الرابعة والخمسون على السلطة التنفيذية إعلان الحرب دون موافقة الجمعية الوطنية، كما أن الجمعية التأسيسية كانت قد شجبت الحملة الرومانية، في قرارها الذي اتخذته في الثامن من أيار (مايو). وبناء على هذا، قدم ليدرو – رولان للجمعية لائحة اتهام ضد بونابرت ووزرائه في اليوم الحادي عشر من حزيران (يونيو) 1849. وإذ أحفظت ليدرو – رولان قوارص الكلام التي كان يطلقها تيير، فقد سمح لنفسه أن ينجرف إلى درجة التهديد بأنه سوف يدافع عن الدستور بكل الوسائل وحتى بقوة السلاح. وقام أعضاء “الجبل” قومة رجل واحد وكرروا هذه الدعوة إلى السلاح. وفي اليوم الثاني عشر من حزيران (يونيو) رفضت الجمعية الوطنية لائحة الاتهام وترك “الجبل” البرلمان. أما حوادث الثالث عشر من حزيران (يونيو) فمعروفة: البيان الذي أصدره فريق من “الجبل” والذي أعلن فيه بونابرت ووزراء “خارجين على الدستور”؛ الموكب الذي نظمه في الشوارع أفراد الحرس الوطني الديموقراطي الذي تشتتوا، وهم غير المسلحين، عند التقائهم بقوان شانغارنييه، ألخ..، الخ.. وقد فر قسم من “الجبل” إلى الخارج، وقُدّم قسم آخر على المحاكمة أمام المحكمة العليا في بورجيه، بينما أخضع الباقون، كالتلامذة، وفقًَا للنظام البرلماني، لرقابة حقيرة يمارسها رئيس الجمعية الوطنية. وأعلنت حالة الحصار في باريس مرة أخرى وحل الجزء الديموقراطي من الحرس الوطني الباريسي. وهكذا صُفّى نفوذ “الجبل” في البرلمان وقوة البرجوازييين الصغار في باريس.

أن مدينة ليون، حيث أصبحت حوادث اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو) إشارة لانتفاضة دموية قام بها العمال، قد أعلنت فيها كذلك هي وخمس مقاطعات مجاورة لها حالة الحصار التي ما تزال سارية المفعول هناك حتى اللحظة الراهنة.

أن الشطر الأعظم من أعضاء “الجبل” قد خانوا طليعتهم إذ رفضوا توقيع البيان الذي أصدرته. كذلك فرت الصحافة من الميدان، ولم يجرؤ غير صحيفتين على نشر هذا البيان. وخان البرجوازيون الصغار ممثليهم وذلك أما بعدم حضور أفراد الحرس الوطني أو بعرقلتهم بناء المتاريس حيثما ظهروا. وخدع الممثلون البرجوازيين الصغار إذ لم يظهر أي أثر لحلفائهم المزعومين في الجيش. ثم أن الحزب الديموقراطي أخيرًا، بدلاً من أن يكتسب المزيد من القوة من البروليتاريا، أصابها هو بعدوى ضعفه وكما هو شأن جلائل الأعمال التي يقوم بها الديموقراطيون عادة، شعر الزعماء بالرضي إذ استطاعوا أن يتهموا “شعبهم” بالخيانة وشعر الشعب بالرضي إذ أستطاع أن يتهم الزعماء بالتدجيل عليه.

قلّما أُعلن عن إجراء من الإجراءات بضجيج يفوق ذاك الذي أعلن به عن الحملة التي كان “الجبل” يوشك على القيام بها، وقلما دوت الأبواق بحدث من الأحداث في ثقة أعظم وقبل وقوعه بمدة أطول، كما جرى ذلك هذه المرة حول الإعلان عن حتمية انتصار الديموقراطية. أن الديموقراطيين يؤمنون بلا شك بقوة الأبواق التي انهارت أمام نفخاتها أسوار أريحا ([36])وهم يسعون، كلما وقفوا أمام أسوار الاستبداد، إلى تقليد هذه المعجزة. فلو أن “الجبل” أراد أن ينتصر في البرلمان، لما كان له أن يدعو على اللجوء إلى السلاح، ولو دعا إلى اللجوء إلى السلاح في البرلمان لما كان يجوز أن يتصرف تصرفًا برلمانيًا في الشوارع. ولو كان ينوي جديًا القيام بمظاهرة سلمية، لكان من الحماقة الظن أنها لن تستقبل استقبالاً حربيًا. ولو كان يقصد الكفاح الحقيقي، لكان من غريب التفكير أن يلقي السلاح الذي به يخاض الكفاح. ولكن التهديدات الثورية التي يطلقها البرجوازيون الصغار وممثلوهم الديموقراطيون هي مجرد محاولات لإرهاب الخصم. فعندما يقع هؤلاء في مأزق، عندما يكونون قد أوقعوا أنفسهم في الشبهات لدرجة يتحتم عليهم معها أن يضعوا تهديداتهم موضع التنفيذ، حينذاك يفعلون هذا بطريقة غامضة ولا يتفادون شيئًا أكثر من الوسائل اللازمة لبلوغ الغاية ويسعون وراء الذرائع للانهزام. فالافتتاحية المدوية التي تعلن بدء الكفاح تغدو همهمة وجلة ما أن يبلغ الأمر حد الكفاح بالذات؛ إذ ذاك يتوقف الممثلون عن أخذ الأمور مأخذ الجد وتتوقف التمثيلية، وتتلاشى كالفقاعة التي وخزتها إبرة.

ما من حزب يبالغ في تقدير الوسائل المتوفرة لديه أكثر من الحزب الديموقراطي وما من حزب يخدع نفسه عن حقيقة الوضع باستخفاف أكثر منه. فبما أن قسمًا من الجيش أقترع لحزب “الجبل” فقد أصبح هذا الحزب الآن على يقين من أن الجيش سوف يثور من أجله. وفي إيه مناسبة؟ في مناسبة لم يكن لها في نظر الجنود من معنى سوى أن الثوريين انحازوا إلى جانب الجنود الرومانيين ضد الجنود الفرنسيين . ومن ناحية أخرى كانت ذكريات أيام حزيران (يونيو) 1848 أنضر من أن تسمح بأي شيء سوى المقت الشديد من جانب البروليتاريا تجاه الحرس الوطني والارتياب التام بالقادة الديموقراطيين من جانب قادة الجمعيات السرية. ولكي تتسنى تسوية هذه الخلافات، كان لا بد من أن تكون هنالك مصالح جدية مشتركة معرضة للخطر. وخرق فقرة مجردة من فقرات الدستور لا يمكن أن يبعث مثل هذا الاهتمام. ألم يخرق الدستور مرارًا عديدة، بحسب تأكيدات الديموقراطيين أنفسهم؟ ألم تصمه أكثر الجرائد شعبية بأنه شيء من صنع أعداء الثورة؟ بيد أن الديموقراطي، لأنه يمثل البرجوازية الصغيرة، أي طبقة انتقالية تتثلم فيها مصالح طبقتين بصورة متبادلة، يتصور لهذا السبب إنه فوق التناحر الطبقي بصورة عامة. والديموقراطيون يسلمون بأنهم يواجهون طبقة ذات امتيازات ولكنهم هم، مع سائر فئات الأمة، يشكلون الشعب. أن ما يدافعون عنه، هو، كما يقولون، حقوق الشعب وما يعبرون عنه، هو، كما يقولون، مصالح الشعب. ولذلك ليست بهم من حاجة، عندما يوشك صراع على النشوب، لأن يتفحصوا مصالح الطبقات المختلفة ومواقفها. وليست بهم من حاجة لأن يزنوا وسائلهم نفسها بميزان النقد الدقيق. كل ما عليهم هو أن يعطوا الاشارة وعندها ينقض الشعب على الظالمين، بكل ما لديه من وسائل لا تنفذ. أما إذا تبين أن مصالحهم لا  تهم الآخرين وأن قوتهم هي عجز فإما أ، يكون الذنب حينئذ هو ذنب أولئك السفسطائيين المؤذين الذين يشقون صفوف الشعب غير المنفصم إلى معسكرات متعادية مختلفة وإما أن الجيش قد توحش أو أنعمى لدرجة تعذر عليه معها أن يدرك أن الأهداف الخالصة للديموقراطية هي أحسن الأشياء بالنسبة له هو نفسه، وأما أن تكون القضية كلها قد فشلت من جراء خطأ في التفاصيل أرتكب أثناء التنفيذ، وأما، أخيرًا، أن تكون صدفة غير متوقعة قد آلت بالقضية إلى الفشل في هذه المرة. وعلى أيه حال يخرج الديموقراطي من أشد الهزائم خزيًا وهو طاهر الذيل بقدر ما كان بريئًا عندما دخل فيها، بعد أن يكون قد تعزز اقتناعه بأنه لا بد أن ينتصر، وإنه لا ينبغي عليه هو وحزبه أن يتخليا عن موقفهما القديم بل بالعكس، فإن الظروف هي التي يجب عليها أن تنضج حتى تغدو ملائمة له.

وعلى هذا، لا ينبغي أن نتصور أن حزب “الجبل” قد غدا بائسًا غاية البؤس، على الرغم مما أصابه من تنكيل وتحطيم ورغم أن عدد أعضائه قد قل كثيرًا، ورغم الإذلال الذي لحق به من جراء النظام البرلماني الجديد. فإذا كان اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو) قد أقصى رؤساءه فهو قد أفسح المجال، من جهة أخرى، لـ”عباقرة” من الدرجة الثانية كان يتملقهم هذا الوضع الجديد. وإذا كان عجزهم في البرلمان لم يعد موضع شك فقد صار من حقهم الآن أن يقصروا عملهم على فورات الغضب انتصارًا للفضيلة وعلى الخطابة الطنانة الصاخبة. وإذا كان حزب النظام قد شاء أن يرى كل فظائع الفوضى متجسمة فيهم، بوصفهم آخر ممثلين وسميين للثورة، لان في وسعهم أن يكونوا بالأولى أكثر تفاهة واعتدالا في واقع الأمر. إنهم عزوا أنفسهم على هزيمة الثالث عشر من حزيران (يونيو) بالقول البليغ: “ليتجاسروا على مس حق الأقتراع الشامل ليتجاسروا وأن مرة! حينئذ سوف نريهم أي رجال نحن!” “Nous Verrons!” (لسوف نرى! الناشر.).

إما فيما يتعلق “بالجليين” الذي فروا إلى الخارج فيكفينا أن نشير هنا إلى أن ليدرو –رولان قد وجد نفسه مدعوا الآن إلى تشكيل حكومة فرنسية in partibus (على الورق. الناشر.) وذلك بعد أن نجح في فترة لا تتجاوز الأسبوعين في تدمير الحزب القوي الذي كان يرأسه حتى انعدمت كل إمكانية لإنقاذه؛ وإن شخصه بدأ الآن عن بعد، وهو مقصى عن مسرح العمل، وكأن قامته قد إزادادت ارتفاعا بقدر ما هبط مستوى الثورة وتضاءلت أشخاص أصحاب الأمر والنهي الرسميين في فرنسا الرسمية؛ وإنه أستطاع أن يظهر بوصفه المدعي الجمهوري لانتخابات سنة 1852؛ وإنه أصدر تعميمات دورية إلى الولاشيين وغيرهم من الشعوب توعد فيها طغاة القارة بإفاعليه هو وحلفائه. وهل كان برودون مخطئًا كل الخطأ عندما صاح في وجوه هؤلاء السادة: “Vous n’etes que des blagueurs”؟  (“لستم سوى فواشيش!”. الناشر.).

إن حزب النظام لم يحطم قوة “الجبل” فحسب في اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو)، بل إنه توصل أيضا إلى إخضاع الدستور لقرارات الأكثرية في الجمعية الوطنية. وقد فهم الجمهورية كما يلي: في الجمهورية، تسود البرجوازية بأشكال برلمانية دون أن تواجه إيه حدود من مثل حق السلطة التنفيذية في النقض أو حق هذه السلطة في حل البرلمان كما هي الحال في الحكم الملكي. وتلك هي الجمهورية البرلمانية، بحسب تحديد تيير. ولكن البرجوازية إذ أمنت لنفسها، في اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو)، السلطان التام في داخل البرلمان، ألم تنزل بالبرلمان نفسه ضربة قاضية بطرد أكثر نوابه شعبية، في مواجهة السلطة التنفيذية والشعب وبذلك أضعفته؟ إن البرجوازية بتسليمها نوابًا عديدين دون تكلف إلى المحاكم قد ألغت حصانتها البرلمانية ذاتها. كما أن النظام المهين الذي فرضته على نواب “الجبل” قد رفع من شأن رئيس الجمهورية بذات القدر الذي غض فيه من شان كل ممثل من ممثلي الشعب على إنفراد. وإذ هي وصفت انتفاضة استهدفت حماية الدستور بأنها عمل فوضوي يهدف إلى هدم المجتمع، حرمت نفسها من إمكانية الدعوى إلى الانتفاضة إذا ما عمدت السلطة التنفيذية إلى خرق الدستور من أجل محاربتها. ومن سخرية التاريخ أن أدينوا، ذلك القائد الذي قصف روما بالمدفعية بناء على تعليمات بونابرت، فهيأ بذلك المناسبة المباشرة للعصيان الدستوري في الثالث عشر من حزيران (يونيو)، قيّض له أن يكون الرجل الذي قدمه حزب النظام إلى الشعب في ضراعة وعلى غير طائل بوصفه القائد المنافح عن الدستور ضد بونابرت في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851. وبطل آخر من أبطال الثالث عشر من حزيران (يونيو): فيرا الذي أطري من على منبر الجمعية الوطنية بسبب الأعمال الوحشية التي أرتكبها في مكاتب الصحف الديموقراطية على رأس عصابة من أفراد الحرس الوطني تنتمي إلى دوائر أرستقراطية المال – فيرا هذا نفسه كان مطّلعًا على مؤامرة بونابرت وساهم مساهمة كبيرة في حرمان الجمعية الوطنية ساعة موتها من أية حماية من جانب الحرس الوطني.

وقد كان للثالث عشر من حزيران (يونيو) معنى آخر أيضًا. أن “الجبل” كان يبذل جهده لمحاكمة بونابرت ولذلك كانت هزيمته نصرًا مباشرًا لبونابرت وظفرًا شخصيًا له على أعدائه الديموقراطيين. إن حزب النظام هو الذي أحرز هذا النصر، وكل ما كان على بونابرت هو أن يسجل هذا النصر في سجله. وقد فعل ذلك. ففي اليوم الرابع عشر من حزيران (يونيو) كان المرء يقرأ على جدران باريس منشورًا يطل فيه الرئيس من صومعته، وهو متردد، كأنما لا شأن له بكل هذا، كأنه أرغم أرغامًا وأكرهه على ذلك مجرد ضغط الأحداث، ويشكو، كأنما هو الفضيلة التي أسيء فهمها، من الافتراءات التي يوجهها إليه خصومه، في الوقت الذي يبدو فيه وكأنه يجعل قضية شخصه هي قضية النظام كان يجعل في الواقع من قضية النظام قضية شخصه. أضف إلى هذا أن الجمعية الوطنية، وإن وافقت فيما بعد على الحملة على روما، بيد أن بونابرت هو الذي تولى المبادرة في الموضوع. وهو بعد أن أعاد تنصيب رئيس الكهنة صموئيل في الفاتيكان أصبح لديه أمل في دخول التويلري باعتباره الملك داود([37]). لقد كسب الكهنة إلى صفه.

أن تمرد الثالث عشر من حزيران (يونيو) قد أقتصر، كما رأينا، على موكب سلمي في الشوارع. وبالتالي لم يكن ممكنًا لهذا السبب أن تكون الغلبة فيه سبيلاً إلى الظفر بغار الحروب. وعلى الرغم من هذا فإن حزب النظام، في وقت كهذا الوقت فقير بالأبطال والأحداث، حوّل هذه المعركة التي لم تسل فيها دماء إلى أوسترلتز ثانية. المنابر والصحف أثنت على الجيش بوصفه قوة النظام، على نقيض الجماهير الشعبية التي تمثل عجز الفوضى، ومجدت شانغلرنييه باعتباره “حصن المجتمع” – خداع أنطلى عليه هو نفسه آخر الأمر. وفي هذه الأثناء كانت القطعات العسكرية التي كان مشكوكًا في ولائها قد نقلت من باريس خلسة وكذلك نفيت الفصائل التي أظهرت في الانتخابات مشاعر ديموقراطية أكثر من سواها من فرنسا إلى الجزائر، وأحيل المشاغبون من الجنود إلى مفارز العقاب وأخيرًا نفذت عملية عزل الصحافة عن الثكنات والثكنات عن المجتمع المدني بصورة منتظمة.

وهنا نكون قد وصلنا إلى نقطة الانعطاف الحاسمة في تاريخ الحرس الوطني الفرنسي. كان الحرس الوطني في سنة 1830 العامل الحاسم في تقرير مصير عهد العودة. وفي عهد لويس فيليب كان كل تمرد يقف فيه الحرس الوطني إلى جانب الجنود يمنى بالفشل. وعندما أظهر الحرس الوطني في أيام شباط (فبراير) 1848 موقفًا سلبيًا تجاه الانتفاضة وموقفًا مبهمًا تجاه لويس فيليب، سلم هذا بهزيمته وهزم فعلاً. وهكذا رسخ الاعتقاد بأنه لا يمكن للثورة أن تنتصر بدون الحرس الوطني ولا للجيش أن ينتصر والحرس الوطني ضده. كانت هذه الخرافة في أيام حزيران (يونيو) 1848 عندما قام الحرس الوطني بأسره، بالاشتراك مع قوات الميدان، بإخماد الانتفاضة. وبعد أن تسنّم بونابرت منصب رئيس الجمهورية طرأ على مركز الحرس الوطني بعض الضعف بعد أن جُمعت قيادة قوات الحرس الوطني مع قيادة فرق4ة الجيش الأولى في شخص شانغارنييه، بصورة غير دستورية.

وكما أن قيادة الحرس الوطني ظهرت هنا كصفة من صفات القيادة العسكرية العليا، كذلك ظهر الحرس الوطني نفسه كمجرد ذيل القيادة العسكرية العليا، وكذلك ظهر الحرس الوطني نفسه كمجرد ذيل لقوات الميدان. وأخيرًا، في الثالث عشر من حزيران (يونيو) كسرت شوكته نهائيًا، ولم يكن ذلك بتسريحه تدريجيًا جزءًا بعد آخر فحسب أبتداء من هذا اليوم في جميع أنحاء فرنسا، حتى لم يتبقّ منه سوى شراذم ضئيلة. فإن مظاهرة الثالث عشر من حزيران (يونيو) كانت قبل كل شيء مظاهرة قام بها القسم الديموقراطي من الحرس الوطني. صحيح أن الحرس الوطني لم يقاوم الجيش بكامل سلاحه بل ببزته العسكرية فقط ولكن في هذه البزة بالذات كان يكمن الطلسم. لقد أقتنع الجيش بأن هذه البزة كانت قطعة من الصوف شأنها شأن غيرها وزال السحر. أن البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في شخص الحرس الوطني قد اتحدتا في أيم حزيران (يونيو) 1848 مع الجيش وضد البروليتاريا. وفي الثالث عشر من حزيران (يونيو) 1849 شتت البرجوازية الحرس الوطني البرجوازي الصغير بمساعد الجيش. وفي اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 لم يكن الحرس الوطني البرجوازي موجودًا، وكل ما فعه بونابرت، عندما وقع فيما بعد على مرسوم تسريحه، هو أنه دوّن هذه الحقيقة الواقعة. وهكذا حطّمت البرجوازية بنفسها آخر سلاح لها ضد الجيش، ولكن كان عليها أن تفعل ذلك في اللحظة التي لم تعد فيها البرجوازية الصغيرة تقف وراءها تابعة لها بل كانت تقف أمامها ثائرة عليها. ثم أن البرجوازية كانت ملزمة، بصورة عامة، بأن تدمر بأيديها كل وسائل دفاعها ضد الاستبداد حالما أصبحت هي نفسها مستبدة.

وفي هذه الأثناء أحتفل حزب النظام بظفره مجددًا بسلطة كأنّها ما ضاعت في سنة 1848 إلا ليجدها ثانية في سنة 1849 وقد تحررت من قيودها كلها، أحتفل بهجمات عنيفة شنها ضد الجمهورية وضد الدستور، وبلعنات صبها على جميع الثورات المقبلة والحاضرة والماضية، بما فيها تلك التي قام بها قادمة أنفسهم وأخيرًا بإصدار قوانين كممت الصحافة وقضت على حرية تأليف الجمعيات، وصدّقت على حالة الحصار بوصفها نظامًا طبيعيًا. ثم أرجأت الجمعية الوطنية جلساتها من منتصف آب (أغسطس) حتى منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، بعد أن عينت لجنة دائمة خلال فترة غيابها. وفي خلال هذه الفترة حاك الشرعيون الدسائس مع أيمز، والأورليانيون مع كليومونت، وحاك بونابرت دسائسه بواسطة الجولات المدبرة تدبيرًا فخمًا كما حاكت مجالس المقاطعات – بالمداولات حول إعادة النظر في الدستور؛ وهي الوقائع التي كانت تتكرر بصفة منتظمة أثناء العطل الدورية للجمعية الوطنية، والتي ليس في نيتي أن أبحثها بالتفصيل إلا عندما تصبح أحداثًا. وحسبنا هنا أن نشير، فضلاً عن هذا، إلى إنه كان من قصر النظر بالنسبة للجمعية الوطنية أن تختفي عن المسرح فترات طويلة نسبيًا وترك شخصًا واحدًا فقط، ولو إنه مخلوق بائس، على رأس الجمهورية، هو ليس بونابرت، بينما كان حزب النظام يتفتت إلى الأجزاء الملكية التي كان يتألف منها والتي رغباتها المتعارضة بشأن عهد العودة، مما عرضه للفضائح أمام الناس. وكلما كانت ضجة البرلمان المصمة تخفت خلال هذه العطل وتذوب هيئته فلي الأمة، كان يتضح على نحو لا لبس فيه إن شيئًا واحدًا فقط كان ما يزال ناقصًا حتى يتم الشكل الصحيح لهذه الجمهورية: إن تصبح العطلة البرلمانية دائمة، وأن يستعاض عن شعارها القائل: Liberté, égalité fraternite  (الحرية والمساواة والإخاء. الناشر.) بكلمات صريحة واضحة لا تفسح المجال لتفسيرها تفسيرًا مزدوجًا وهي: Infanterie Cavalerie, Artilleriel (المشاة والخيالة والمدفعية. الناشر.).

 

(4)

في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1849 استأنفت الجمعية الوطنية جلساتها. وفي اليوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) فاجأها بونابرت برسالة أعلن فيها إقالة وزارة بارو – فالو وتشكيل وزارة جديدة. ولم يسبق أن طُرد خادم بعد تكلف أكبر مما فعل بونابرت مع وزرائه. أن الرّكلات التي قصد بونابرت بها الجمعية الوطنية قد أصابت هذه المرة بارو وشركاه.

إن وزارة بارو كانت، كما رأينا، مؤلفة من شرعيين وأورليانيين، وزارة حزب النظام. وقد كان بونابرت في حاجة إليها ليحل الجمعية التأسيسية الجمهورية وليدبر الحملة على روما وليكسر شوكة الحزب الديموقراطي. وقد طمس نفسه وقتذاك، كما كان يبدو، وراء هذه الوزارة وتنازل عن السلطة الحكومية ووضعها في أيدي حزب النظام، وارتدى قناع التواضع الذي كان يرتديه في باريس رؤساء تحرير الجرائد في عهد لويس فيليب – قناع homme de paille (المسئول الأسمى. الناشر.). ولكنه عمد الآن إلى طرح قناع لم يعد بعد حجابًا يستطيع أن يخفي سيماءه وراء بل غدا قناعًا حديديًا كان يمنعه من إظهار سيماء خاصة به. لقد دعا وزارة بارو إلى الحكم قصد حل الجمعية الوطنية الجمهورية باسم حزب النظام، وعزل هذه الوزارة لكي يعلن أسمه مستقلاً عن الجمعية الوطنية لحزب النظام هذا.

ولم تكن تنقصه الذرائع المقبولة الظاهر التي يبرر بها هذا العزل. فإن وزارة بارو قد أهملت حتى المجاملات التي ينبغي التقيد بها حيال رئيس الجمهورية بوصفة سلطة قائمة إلى جانب الجمعية الوطنية. ففي أثناء عطلة البرلمان نشر بونابرت رسالة وجهها إلى ادغار نيي كان يبدو فيها إنه لا يوافق على الموقف المتزمت الذي وقفه البابا (بيوس التاسع. الناشر.). تمامًا كما نشر من قبل رسالة امتدح فيها أودينو بسبب الهجوم على الجمهورية الرومانية، مخالفًا في ذلك الجمعية التأسيسية. وعندما صدقت الجمعية الوطنية على الميزانية الخاصة بالحملة الرومانية طرح فكتور هوغو، بدافع من الليبرالية المزعومة، هذه الرسالة للمناقشة. وعمد حزب النظام بصيحات الإنكار المشوب بالازدراء إلى خنق الفكرة القائلة أن تصرفات بونابرت غير الذكية يمكن أن تكوه لها إية أهمية سياسية. ولم يلتقط واحد من الوزراء القُفّاز الذي ألقي في وجه بونابرت. وفي مناسبة أخرى عمد بارو، بما هو معهود فيه من بلاغة جوفاء، إلى إلقاء كلمات غاضبة من على المنبر حول “الدسائس المنكرة” التي كانت تجرى، حسب تأكيده، بين الحاشية المباشرة للرئيس. وأخيرًا رفضت الوزارة بصورة قاطعة تقديم أي اقتراح لزيادة مخصصات رئيس الجمهورية، في الوقت الذي توصلت فيه إلى الحصول من الجمعية الوطنية على مرتب أرملة لدرقة أورليان. ولكن المدعي بالتاج الإمبراطوري قد أندمج أوثق الاندماج في شخص بونابرت المغامر الخائب حتى أن الفكرة العظيمة التي كانت تساوره وهي إنه مدعو لإعادة الإمبراطورية كانت تتممها عنده دائمًا فكرة عظيمة أخرى هي أن الشعب الفرنسي مدعو لسداد ديونه.

إن وزارة بارو – فالو كانت أول وآخر وزارة برلمانية أخرجها بونابرت للوجود. وعلى ذلك كان عزلها يشكل نقطة تحول حاسمة. فقد خسر حزب النظام بها إلى غير رجعة حصنًا ضروريًا للحفاظ على الحكم البرلماني إلا وهو قيادته للسلطة التنفيذية. وواضح إنه في بلد كفرنسا، حيث يأتمر بأمر السلطة التنفيذية جيش من الموظفين يتجاوز عدده نصف مليون أي أن السلطة التنفيذية تحتفظ لذلك بصورة دائمة بكتلة ضخمة من المصالح والأشخاص في حالة اعتماد مطلق عليها، وحيث تلف الدولة المجتمع المدني بشباكها وتراقبه وتوجهه وتهيمن عليه وتقوم على أموره أبتداء من أكثر مظاهر حياته شمولاً إلى أقل حركاته شأنًا، ومن أعم أشكال وجوده إلى حياة الأفراد الخاصة، وحيث تكتسب هذه الهيئة الطفيلية، من جراء المركزية الخارقة العادة، وجودًا كليًا ومعرفة كلية وقدرة على المرونة والحركة المتزايدتين اللتين لا تجدان لهما ندا إلا في عدم الاستقلال العاجز للهيئة الاجتماعية الفعلية وفي ميوعتها وانعدام شكلها – واضح أن الجمعية الوطنية تخسر في بلد كهذا كل نفوذ حقيقي لها عندما تفقد سيطرتها على توزيع المناصب الوزارية ان لم تعمد في الوقت نفسه إلى تبسيط إدارة الدولة وتخفيض جيش الموظفين بقدر الإمكان، وأخيرًا أن لم تدع المجتمع المدني والرأي العام يخلقان أجهزة خاصة بهما مستقلة عن السلطة الحكومية. بيد أن المصالح المادية للبرجوازية الفرنسية متشابكة أوثق التشابك مع الاحتفاظ بجهاز الدولة الواسع هذا بما له من تشعبات متعددة. فهي تجد هنا الوظائف لمن يفيض من بينها وتعوض، على شكل المرتبات الحكومية، عما تعجز عن أخذه لجيبها على شكل الأرباح والفوائد والريع والمكافئات. ومن ناحية أخرى كانت مصالحها السياسية قد أرغمتها على أن تزيد كل يوم إجراءات القمع، أي أن تزيد يوميًا  موارد سلطة الدولة وموظفيها، بينما كان عليها أن تخوض في الوقت نفسه حربًا غير منقطعة ضد الرأي العام وأن تعمد بدافع الارتياب إلى شل الأجهزة المستقلة للحركة الاجتماعية وتعطيلها حيثما لم تنجح في بترها تمامًا. وهكذا كانت البرجوازية الفرنسية مرغمة بحكم وضعها الطبقي على أن تبيد شروط وجود كل سلطة برلمانية، وبالتالي سلطتها البرلمانية هي أيضًا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن تجعل السلطة التنفيذية المعادية لها سلطة قاهرة.

لقد دعيت الوزارة الجديدة باسم وزارة دوبول. وليس معنى هذا أن الجنرال دوبول قد تسلم منصب رئيس الوزراء. بل أن بونابرت قد عمد بالأحرى – وفي نفس الوقت الذي أقال فيه بارو – إلى إلغاء هذا المقام الذي كان يحكم على رئيس الجمهورية فعلاً بأن يظل في وضع الصفر القانوني الذي يكون فيه الملك الدستوري، ولكن ملك دستوري بلا عرش ولا تاج، بلا صولجان ولا سيف، بلا امتياز حصانة وبلا حيازة وراثية لأعلى مقام في الدولة، – وأسوأ ما في الأمر – بلا مخصصات. كانت وزارة دوبول تضم شخصًا واحدًا فحسب ذا مكانة برلمانية وهو المرابي فولد، الذي كان من أسوأ رجال أريستقراطية المال ذكرًا. وقد نال منصب وزير المالية. ولو رجع المرء إلى لوائح أسعار بورصة باريس لوجد الأوراق المالية الفرنسية، اعتبارا من أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1849 فصاعدًا، كانت ترتفع وتهبط تبعًا لارتفاع مكانة بونابرت وهبوطها. وهكذا ما أن وجد بونابرت حليفًا له في البورصة حتى استولى في الوقت نفسه على الشرطة بتعيين كارلييه مديرًا لشرطة باريس.

بيد أن النتائج التي أسفر عنها تغيير الوزارة لم يكن ممكنًا أن تظهر إلا في مجرى التطور. في بداية الأمر لم يسر بونابرت هذه الخطوة إلى الأمام إلا ليُدفع إلى الوراء على نحو أشد جلاء. وقد أردف رسالته الفظة تلك ببيان في منتهي التذلل يعلن فيه ولاءه للجمعية الوطنية. وكلما كان الوزراء يجرؤون على القيام بمحاولة وجلة لإضفاء شكل مشاريع القوانين على أهوائه الشخصية، كان يبدو أنهم يقومون رغمًا عن أرادتهم وبحكم مناصبهم فحسب، بمأموريات مضحكة كانوا مقتنعين سلفًا بعدم جدواها. وكلما كان بونابرت يهذر في الكلام في مقاصده من وراء ظهور وزرائه ويلعب  بـ”idées napoléniennes” الخاصة به ([38])كان وزراءه هو يتنصلون منه من على منبر الجمعية الوطنية. وكان يبدو كأنه لا يعرب عن شهواته الاغتصابية إلا لكي لا تسكت الضحكات الشامتة التي يطلقها أعداؤه. كان يتصرف كأنه عبقري غير معترف به وتنظر إليه الدنيا كلها نظرتها إلى أبله. لم يسبق له قط أن تمتع من قبل باحتقار جميع الطبقات إلى مدى أعظم مما حدث في هذه الفترة. ولم يسبق للبرجوازية أن حكمت حكمًا أكثر استبدادا، ولم يسبق لها أن عرضت على الملأ شعائر سلطانها بهذا القدر من المباهاة.

ليس من شأني هنا أن أكتب تاريخ نشاطها التشريعي، وهو النشاط الذي يتلخص في هذه الفترة في قانونين: القانون الذي يعيد فرض ضريبة الخمور وقانون التعليم الذي يلغي الالحاد. وإذا كانت البرجوازية تعرقل استهلاك الفرنسيين للخمر، فإنها عمدت مقابل ذلك إلى منحهم ماء الحياة الطاهرة على نحو أوفر وأغزر. وإذا كانت البرجوازية، بإصدار القانون الخاص بضريبة الخمور، قد أعلنت نظام الضرائب القديم المقيت نظامًا مصونًا، فهي قد سعت بواسطة قانون التعليم، إلى أن تضمن بين الجماهير بقاء الحالة العقلية القديمة التي تتيح لها احتمال نظام الضرائب هذا. وأن المرء ليدهش إذ يرى الاورليانيين، البرجوازيين الليبيراليين، اتباع الفولتيرية والفلسفة الاختيارية القدامى هؤلاء، يعهدون إلى أعدائهم الألداء التقليديين، اليسوعيين، بالإشراف الروحي على الفرنسيين. وإيًا كانت الخلافات بين الاورليانيين والشرعيين فيما يتصل بأمر المدعي بالعرش، فقد كانوا يدركون أن حكمهم الموحد يقتضي توحيد وسائل القمع في العهدين وأن وسائل الاستبعاد التي أتبعت في عهد ملكية تموز (يوليو) كان ينبغي أن تكمل وتعزز بوسائل التي أتبعت في عهد العودة.

أما الفلاحون، الذين خيب جميع آمالهم وسحقهم أكثر من أي وقت مضى هبوط أسعار القمح من جهة والعبء المتزايد للضرائب وديون الرهن من جهة أخرى، فقد بدأوا يتحركون في المقاطعات. وقد أجيبوا على ذلك بحملة ضد أساتذة المدارس الذي أخضعوا لرجال الأكليروس وبحملة ضد رؤساء البلديات الذي أخضعوا لحكام المقطاعات وأخيرًا بنظام التجسس الذي أخضع له الجميع. وفي باريس والمدن الكبرى تكّون للرجعية ذاتها سيماء عصرها وهي تزعج أكثر مما تضغط. وفي الريف تصبح خسيسة، خشنة، تافهة، متعبة ومزعجة، وبكلمة واحدة جندرمة. وفي وسع المرء أن يدرك كيف أن ثلاث سنوات من حكم الجندرمة، يكرسها حكم القسيس، كان لا بد أن تفسد أخلاق الجماهير غير الناضجة.

ومهما كان مبلغ الانفعال أو الخطب الحماسية التي كان حزب النظام يلجأ إليها ضد الأقلية من على منبر الجمعية الوطنية فإن كلامه ظل ذا مقطع واحد ككلام المسيحيين الذي كان عليهم أن يقولوا: نعم، نعم، لا، لا! كذلك على المنابر كما في الصحافة، غث كلغز حله معروف سلفًا. وسواء كان الأمر يتعلق بحق الالتماس أو ضريبة الخمور، بحرية الصحافة أو التجارة الحرة، بالتوادي أو دستور البلديات، بضمان الحرية الشخصية أو تحديد ميزانية الدولة، فإن كلمة السر الواحدة تتكرر دائمًا والموضوع يبقى واحدًا على الدوام، والحكم جاهز أبدًا، وهو دائمًا بلا تغيير: “الاشتراكية!” حتى الليبيرالية البرجوازية كانوا يعلنونها اشتراكية، والاستنارة البرجوازية والإصلاح المالي البرجوازي اشتراكية. لقد كانت اشتراكية أن تبني سكة حديد حيثما كانت قناة من قبل، وكانت اشتراكية أن يدافع المرء عن نفسه بخيزرانه حين يهاجمه أحد بالشيش.

لم يكن هذا مجرد جملة أو موضة أو أسلوب في النضال الحزبي. فإن البرجوازية أدركت أدركًا صحيحًا أن جميع أنواع الأسلحة التي أعدتها لمحاربة الإقطاع قد أدارت رؤوسها ضدها هي وأن جميع وسائل التعليم التي أوجدتها قد ثارت ضد مدنيتها هي وأن جميع الإلهة التي خلقتها قد تخلت عنها. لقد فهمت أن كل ما يدعي بحريات المواطنين وأجهزة التقدم كانت تتطاول على حكمها الطبقي وتهدده من جانب أساسه الاجتماعي وقمته السياسية في الوقت نفسه، وإنها أصبحت لهذا السبب “اشتراكية”. وفي هذا التهديد وهذا التطاول رأت بحق سر الاشتراكية التي قدرت معناها واتجاهها بأصح مما تقدر نفسها هذه التي تدعى بالاشتراكية والتي لا تستطيع أن تفهم لهذا السبب لماذا يقسو قلب البرجوازية كل هذه القسوة عليها، سواء وهي تندب آلام البشرية على نحو مؤثر، أو تعظ عظة مسيحية حول العصر الألفي السعيد والمحبة الأخوية الشاملة، أو تلغو حول الروح والتعليم والحرية وعلى طريقة أهل البر والإنسانية، أو تعمد كدأب النظريين المتحذلقين إلى اختلاف نظام للتوفيق ونشر الرخاء بين جميع الطبقات. بيد أن البرجوازية لم تدرك شيئًا واحدًا وهو أن نظامها البرلماني نفسه، وأن سيطرتها السياسية بصورة عامة، إذا كنا منسجمين في المحاكمة، لابد لهما الآن أن يتعرضا أيضًا للشجب العام بوصفهما شيئًا اشتراكيًا. وطالما أن سيطرة البرجوازية لم تنظم تنظيمًا تامًا بعد، وطالما إنها لم تكتسب التعبير السياسي الخالص فإن التناحر بين البرجوازية وبين الطبقات الأخرى لم يكن يستطيع كذلك أن يظهر في شكله الخالص ولم يكن، حيثما ظهر، يستطيع أن يتجه الاتجاه الخطير الذي يتحول معه كل صراع ضد سلطة الدولة إلى صراع ضد رأس المال. وإذا كانت البرجوازية ترى في كل مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية تهديدًا “للسكينة” فكيف كانت تريد أن تحتفظ على رأس هذا المجتمع بنظام القلق، بنظامها هي بالذات، النظام البرلماني، هذا النظام الذي يعيش، على حد تعبير أحد الناطقين باسمها، في الصراع وبالصراع؟ وكيف يستطيع النظام البرلماني الذي يعيش بالنقاش، وأن يمنع النقاش؟ أن كل مصلحة وكل إجراء اجتماعي يتحولان هنا إلى فكرة عامة، ويعُتبران فكرة، فكيف يتسنى لأيه مصلحة أو أية إجراءات أن تنُصّب فوق التفكير وتفرض كرمز للإيمان؟ أن كفاح الخطباء على المنابر يستتبع كفاح المثيّحين على صفحات الجرائد، ونادي النقاش في البرلمان تكمله بالضرورة نوادي النقاش في الصالونات والحانات. والنواب الذي يرجعون على الدوام إلى الرأي العام يعطون بالتالي الرأي العام الحق في الإفصاح عن وجهات نظره الحقيقية في العرائض. أن النظام البرلماني يترك كل شيء لقرار الأكثرية، فكيف لا ترغب الاكثريات العظمى خارج البرلمان في اتخاذ القرارات؟ إذا كان رب الحكم ضاربًا بالدف فما عسى أن ننتظر ممن هم دونه غير الرقص؟

وهكذا فإن البرجوازية، إذ تصم الآن “بالاشتراكية” ما كانت تمجده سابقًا باعتباره “ليبيراليا”، تعترف بأن مصالحها الخاصة تملي عليها أن تتخلص من خطر حكمها ذاتها، وبضرورة تسكين برلمانها البرجوازي بادئ ذي بدء من أجل إعادة السكينة على البلاد، وبأن سلطتها السياسية ينبغي أن تكسر حتى يتسنى المحافظة على سلطتها الاجتماعية دون مساس، وبأن البرجوازيين الأفراد يستطيعون أن يواصلوا استغلالهم للطبقات الأخرى وأن يتمتعوا دونما إزعاج بخيرات الملكية والعائلة والدين والنظام ولكن بشرط أن يحكم على البرجوازية بوصفها طبقة، شأنها في ذلك شأن الطبقات الأخرى، بالتفاهة السياسية المتساوية، وبأنه يجب خلع التاج عنها لكي تحافظ على محفظتها، وبأن السيف الذي يحميها ينبغي، في الوقت ذاته، أن يظل مسلطًا فوق رأسها كسيف داموقليس.

أما في مجال المصالح العامة للبرجوازية فقد أثبتت الجمعية الوطنية إنها عديمة الإنتاج تمامًا حتى أن المناقشات بشأن بناء سكة حديد باريس – أفينيون، على سبيل المثال، وهي التي بدأت في شتاء 1850، لم تكن ناضجة بعد للختام في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851. فحيثما لم تكن الجمعية الوطنية تقمع أو تسلك مسلكًا رجعيًا كانت مصابة بعقم لا شفاء منه.

بينما كانت وزارة بونابرت، من جهة، تأخذ زمام المبادرة في صياغة القوانين وفقًا لروح حزب النظام وتشدد من جهة أخرى قساوة تنفيذ هذه القوانين، كان بونابرت يسعى، من جهته إلى كسب الشعبية بما يقدمه من مقترحات صبيانية سخيفة مظهرًا عداوته للجمعية الوطنية وملمحًا إلى دفينة سرية حالت الظروف مؤقتًا فحسب دون أن يفتح كنوزها هذه للشعب الفرنسي. من هذا القبيل كان الاقتراح القاضي بزيادة رواتب ضباط الصف بمقدار 4 سنوات (سو – sou  – الجزء العشرون من الفرنك أو خمسة سنتيمات . المترجم.) يوميًا ومن هذا القبيل كان مشروع “مصرف الشرف” لإقراض العمال. المال موهوبًا والمال مدانًا – هذه هي الآفاق التي كان يعلل النفس بأن يغوي بها الجماهير. الهبات والقروض، أن الفن المالي لحثالة البروليتاريا – سواء كانوا من درجة عالية أو واطئة – لم يكن يتعدى هذا. هذه هي اللوالب الوحيدة التي كان بونابرت يعرف كيف يحركها. ولم يسبق من قبل أن ضارب مدع على سفالة الجماهير بمثل هذه السفالة.

أن الجمعية الوطنية قد ثارت مرارًا وتكرارًا على هذه المحاولات التي لا لبس فيها لكسب الشعبية على حسابها في ظروف خطر متزايد كان يتمثل في احتمال مجازفة هذا المغامر الذي كانت تنخسه ديونه والذي لم تكن تردعه سمعة راسخة – بعمل يائس. كانت الخلافات بين حزب النظام والرئيس توشك أن تتخذ طابعًا خطيرًا عندما ألقى به حادث غير منتظر مرة أخرى تائبًا بين ذراعي الحزب. ونعني بذلك الانتخابات الإضافية في العاشر من آذار (مارس) سنة 1850. لقد أجربت هذه الانتخابات بغية ملء مقاعد النواب التي شغرت بعد الثالث عشر من حزيران (يونيو) بسبب السجن أو النفي. أن باريس لم تنتخب إلا المرشحين الاشتراكيين – الديموراطيين بل إنها ركزت معظم الأصوات على أحد المشتركين في انتفاضة حزيران (يونيو) 1848، على ديفلوت. وهكذا ثأرت البرجوازية الصغيرة الباريسية، بالتحالف مع البروليتاريا، للهزيمة التي حاقت بها الثالث عشر من حزيران (يونيو) 1849. وبدا أن البرجوازية الصغيرة ما اختفت من ميدان القتال في لحظة الخطر إلا لتظهر هناك من جديد في ظروف أكثر مؤاتاه، حائزة على قوات قتالية أكبر ورافعة شعارًا قتاليًا أجرأ. وبدا أن ظرفًا واحدًا كان قد زاد من خطر هذا النصر الانتخابي: فإن الجيش أقترع في باريس لمتمرد حزيران (يونيو) ضد لاهيت، أحد وزراء بونابرت، وأقترع في المقاطعات إلى حد بعيد للجبليين الذي أكدوا هنا أيضًا رجحان كفتهم على خصومهم وأن لم يكن بالدرجة الحاسمة التي كان عليها في باريس.

ورأي بونابرت نفسه فجأة مرة أخرى إزاء ثورة. وكما كان الأمر في 29 كانون الثاني (يناير) 1849 وكما كان في 13 حزيران (يونيو) 1849، كذلك في العاشر من آذار (مارس) 1850 اختفى بونابرت وراء حزب النظام. أنحنى امتثالاً واستماح العذر جبنًا وصغارًا وأعرب عن استعداده لأن يشكل، بناء على أمر الأكثرية البرلمانية، أية وزارة ترضى عنها بل إنه توسل إلى زعماء الأورليانيين والشرعيين، إلى أمثال تيير وبيرييه وبروغلي ومولييه، وبالاختصار إلى من يدعون بالبرجراف ([39])، أن يأخذوا زمام الدولة بأيديهم. وأثبت حزب النظام عجزه عن اغتنام هذه الفرصة التي لن تعود. فهو بدلاً من أن يستولى بجرأة على السلطة التي عرضت عليه، لم يرغم بونابرت حتى على إعادة الوزارة التي أقالها في اليوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر). وأكتفي بإذلاله بالصفح عنه وبضم المسيو باروش إلى وزارة دوبول. وكان باروش هذا، بصفته مدعيًا عامًا، قد أرغى وأزبد أمام المحكمة العليا في بورجيه، المرة الأولى ضد ثوريي الخامس عشر من أيار (مايو) والمرة الثانية ضد ديموقراطيي الثالث عشر من حزيران (يونيو)، وكلتا المرتين أتهمهم بالاعتداء على الجمعية الوطنية. ولم يساهم أحد من الوزراء بونابرت فيما بعد أكثر من في الغض من شأن الجمعية الوطنية، وبعد اليوم الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 نصادفه مرة أخرى في ذلك المنصب المريح العالي الأجر، منصب نائب رئيس مجلس الشيوخ. لقد بصق في حساء الثوريين حتى يتمكن بونابرت من التهامه.

أما الحزب الاشتراكي – الديموقراطي فقد بدأ من جهته، وكأن لا هم له إلا إيجاد الذرائع لوضع انتصاره مرة أخرى موضع الشك، ولتثليم حده. أن فيدال وهو أحد النواب الذين انتخبوا حديثًا عن باريس، كان قد أنتخب في الوقت نفسه عن ستراسبورغ وقد حمل على أن يرفض النيابة عن باريس وأن يقبلها عن ستراسبورغ. وهكذا، بدلاً من أن يجعل الحزب الديموقراطي نصره في الانتخابات نصرًا فاصلاً ويرغم بذلك حزب النظام فورًا على أن ينازعه أياه في البرلمان، بدلاً من أن يرغم خصمه على القتال، على هذا الوجه، في لحظة الحماسة الشعبية والجو المؤاتي في الجيش، عمد هذا الحزب إلى أتعاب باريس خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) بدعاية انتخابية جديدة، وترك العواطف الشعبية الفائرة تستنفد قوتها في هذه اللعبة الانتخابية الجديدة المؤقتة، وأطفأ الطاقة الثورية بالنجاحات الدستورية وبعزق هذه الطاقة في المكائد الصغيرة والخطب الطنانة الجوفاء والتظاهر بالحركة، وترك البرجوازية تتمالك نفسها وتأخذ أهبتها، وهو قد أضعف أخيرًا مغزى انتخابات آذار (مارس) بتعليق عاطفي عليها، بانتخابات نيسان (أبريل) الفرعية، بانتخاب أوجين سو. وبكلمة واحدة جعل من العاشر من آذار (مارس) كذابة أو نيسان (أبريل).

أن الأكثرية البرلمانية قد فهمت ضعف عدوها. وبما أن بونابرت قد ترك لحزب النظام أدارة الهجوم ومسئوليته فقد أعد البرجرافيون السبعة عشر قانونًا انتخابيا جديدًا عهد أمر تقديمه إلى المسيو فوشيه الذي توسل لينال هذا الشرف. وفي اليوم الثامن من أيار (مايو) قدم فوشيه القانون الذي كان سيلغي الاقتراع الشامل ويفرض على الناخبين شرط الإقامة لمدة ثلاث سنوات في الدائرة الانتخابية هذا مع العلم أن أثبات مدة هذه الإقامة كان متوقفًا في حالة العمال على شهادة من أرباب أعمالهم.

وإذ الديمراقراطيون الذي هاجوا كثيرًا على نحو ثوري أثناء الكفاح الانتخابي الدستوري، يأخذون الآن، وقد أقتضب الأمور أن يثبتوا جدية ذلك النصر الانتخابي والسلاح في أيديهم، يبشرون على نحو دستوري بالنظام والهدوء المهيب (Calme majestueux) والأعمال المطابقة للقانون أي الإذعان الأعمى لإدارة الثورة المعاكسة التي أدعت بإنها هي القانون. وفي أثناء المناقشات خجّل “الجبل” حزب النظام معارضًا انفعاله الثوري بموقف التافه الشريف غير المتأثر بالعواطف الذي يراعي حدود القانون، وبطرحه ذلك الحزب أرضًا بتوجيه التأنيب الذي يراعي حدود القانون، وبطرحه ذلك الحزب أرضًا بتوجيه التأنيب المخيف له بأنّه يتصرف بطريقة ثورية. وحتى النواب المنتخبين حديثًا بذلوا قصاراهم ليثبتوا بسلوكهم المحتشم الرزين مبلغ الخطل في التنديد بهم على اعتبار إنهم فوضويون وتفسير انتخابهم بأنه نصر للثورة. وفي اليوم الحادي والثلاثين من أيار (مايو) أقر قانون الانتخابات الجديد، وأكتفي “الجبل” بتهريب احتجاج إلى جيب الرئيس. أعقب قانون الانتخابات قانون جديد للصحافة أخمدت بموجبه الصحافة الثورية تمامًا ([40]). وقد استحقت هذه الأخيرة مصيرها. وبعد هذه الهزيمة الشنعاء لم يبقى غير صحيفتي “National” و”Presse” ([41])البرجوازيين باعتبارهما أكثر المراكز الأمامية للثورة تقدمًا.

لقد رأينا كيف أن الزعماء الديموقراطيين فعلوا كل شيء خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) ليورطوا سكان باريس في قتال صوري وكيف إنهم فعلوا كل شيء بعد الثامن من أيار (مايو) ليصدرهم عن القتال الحقيقي. وفضلاً عن هذا لا يجوز أن ننسى أن سنة 1850 كانت من أروع سنوات الازدهار الصناعي والتجاري وأن العمل كان لذلك متوفرًا تمامًا لبروليتاريا باريس. غير أن قانون الانتخاب الصادر في الحادي والثلاثين من أيار (مايو) 1850 حرمها من أية مساهمة في السلطة السياسية وعزلها حتى عن حلبة الصراع ذاتها. وقد رد هذا القانون العمال إلى مركز المنبوذين الذي كانوا يحتلونه قبل ثورة شباط (فبراير). وإذ سمح العمال بأن يقودهم الديموقراطيون في وجه حدث كهذا الحدث ونسوا المصالح الثورية لطبقتهم من أجل الرخاء الوقتي فقد تخلوا عن شرف كونهم قوة ظافرة واستسلموا لمصيرهم وأثبتوا أن هزيمة حزيران (يونيو) 1848 قد جعلتهم عاجزين عن القتال لسنوات طويلة وأن العملية التاريخية كان لابد لها في الوقت القريب أن تمضى مرة أخرى من فوق رؤوسهم. أما الديموقراطية البرجوازية الصغيرة التي صرخت في الثالث عشر من حزيران (يونيو): “ليتجاسروا على مس حق الاقتراع الشامل، ليتجاسروا وأن مرة!” فإنها قد عزت نفسها الآن بالادعاء القائل أن الضربة التي هوت عليها بها الثورة المعاكسة لم تكن ضربة وأن قانون الحادي والثلاثين من أيار (مايو) لم يكن قانونًا. ففي يوم الأحد الثاني من شهر أيار 1852 سيظهر كل فرنسي في مركز الاقتراع وقد حمل بطاقة الاقتراع بيد وحمل السيف باليد الأخرى. كانت تعزي نفسها بهذه النبوءة. وأخيرًا كان الجيش قد ضبطه رؤساؤه لانتخابات آذار ونيسان 1850 تمامًا كما ضبطوه لانتخابات 28 أيار 1849. بيد أنه في هذه المرة قال لنفسه حازمًا: “لن تخدعنا الثورة مرة ثالثة”.

أن قانون 31 أيار سنة 1850 كان Coup détat قامت به البرجوازية. أن جميع انتصاراتها السابقة على الثورة كان لها طابع مؤقت فسحب. وكانت تتعرض للخطر حالما كانت الجمعية الوطنية القائمة تنسحب من المسر؛. وكانت تعتمد على المصادفات التي يحملها أي انتخاب عام جديد معه. وتاريخ الانتخابات منذ عام 1848 أثبت بصورة لا تدحض أن سلطان البرجوازية الأدبي على الجماهير الشعبية كان يضعف بنفس المقدار الذي كانت تزداد به سيطرتها الفعلية. في العاشر من آذار (مارس) ظهر أن حق الاقتراع الشامل يعارض سيطرة البرجوازية معارضة مباشرة. فأجابت البرجوازية على ذلك بإلغاء حق الأقتراع الشامل. ولذا كان قانون 31 أيار مظهرًا من المظاهر الملازمة للصراع الطبقي. ومن ناحية أخرى كان الدستور يستلزم حدًا أدنى مليوني صوت لجعل انتخاب رئيس الجمهورية صحيحًا. فإذا لم ينل أحد المرشحين للرئاسة هذا الحد الأدنى كان على الجمعية الوطنية أن تختار الرئيس من المرشحين الخمسة الذين يفوزون بأكبر عدد من الأصوات. وعندما أعدت الجمعية التأسيسية هذا القانون كان عدد الناخبين المسجلين في جداول الاقتراع عشرة ملايين. وعلى هذا كان خمس الناس الذي يحق لهم الاقتراع يكفي، بموجب هذا القانون لجعل انتخاب الرئيس صحيحًا. أن قانون 31 أيار (مايو) شطب ثلاثة ملايين صوت على الأقل من الجداول الانتخابية وخفض عدد الذين يتمتعون بحق الاقتراع إلى سبعة ملايين وأبقى مع ذلك الحد الأدنى القانون – وهو مليونان – اللازم لانتخاب الرئيس. ولذلك أرتفع الحد الأدنى القانون من خمس الأصوات الانتخابية جميعًا إلى حوالي الثلث أي بكلمة أخرى، فعل هذا القانون كل شيء لتهريب انتخاب الرئيس من أيدي الشعب إلى أيدي الجمعية الوطنية. وهكذا يبدو أن حزب النظام قد حصن حكمه بقانون 31 أيار (مايو) الانتخابي مرتين، وذلك بتسليم انتخاب نواب الجمعية الوطنية وانتخاب رئيس الجمهورية إلى القسم المحافظ في المجتمع.

 

(5)

وما أن مرت الأزمة الثورية وألُغي الاقتراع الشامل حتى نشب الصراع ثانية بين الجمعية الوطنية وبونابرت.

حدد الدستور مرتب بونابرت بـ 600000 فرنك. ولم تكن تمضى ستة أشهر على تنصيبه حتى نجح في زيادة هذا المبلغ إلى الضعف لأن أوديلون بارو أنتزع من الجمعية التأسيسية علاوة إضافية قدرها 600000 فرنك سنويًا لسد نفقات ما يسمى بنفقات التمثيل. وبعد اليوم الثالث عشر من حزيران (يونيو) أوغر بونابرت بالمجاهرة بطلبات مماثلة ولكن دون أن يجد في هذه المرة أذنًا صاغية لدى بارو. والآن، بعد الحادي والثلاثين من أيار (مايو)، أستغل بونابرت على الفور اللحظة المؤاتيه وجعل وزراء يقترحون في الجمعية الوطنية مخصصات للرئاسة تبلغ ثلاثة ملايين فرنك سنويًا. أن حياة طويلة من التشرد والمغامرة قد أكسبته حاسة شديدة للغاية لأقصى لحظات الضعف التي يمكن أن يعتصر فيها المال من البرجوازيين. كان يزاول الابتزاز حقًا وفعلاً. كانت الجمعية الوطنية قد أنتهكت سيادة الشعب بمساعدته وباطلاعه، فهدد بشجب جريمتها أمام محكمة الشعب ما لم تحل كيسها وتشتر سكوته بثلاثة ملايين فرنك سنويًا. وقد سلبت الجمعية الوطنية ثلاثة ملايين فرنسي حقهم الانتخابي فطلب، مقابل كل فرنسي وضع خارج التداول السياسي، فرنكا واحدًا قيد التداول أي ثلاثة ملايين فرنك بالتمام. وطالب، وهو منتخب ستة ملايين، بتعويضات عن الأصوات التي قال إنها سرقت منه بالغش في وقت لاحق. ورفضت لجنة الجمعية الوطنية طلب هذا الملحاح. وأخذت الصحافة البونابرتية تهدد. هذ في وسع الجمعية الوطنية أن تقطع صلاتها مع رئيس الجمهورية في لحظة كانت قد قطعت فيها، من حيث المبدأ، صلاتها مع جمهور الأمة بصورة نهائية؟ صحصح إنها رفضت المخصصات السنوية ولكنها منحت لمرة واحدة علاوة إضافية قدرها مليونان ومائة وستون ألف فرنك. وهكذا أدانت نفسها بضعف مزدوج: بمنحها المال وبإظهارها في الوقت ذاته، بالضيق الذي أبدته، إنها منحته على غير إرادتها. وسوف نرى فيما بعد لأي غرض كان بونابرت يحتاج هذا المال. بعد هذه العاقبة المزعجة التي جاءت في أثر إلغاء حق الاقتراع الشامل، والتي استعاض فيها بونابرت عن الموقف المتواضع الذي وقفه أبان أزمة آذار (مارس) ونيسان (أبريل) بالتحدي الوقح للبرلمان الغاصب، أجلت الجمعية الوطنية جلساتها ثلاثة شهر من 11 آب (أغسطس) حتى 11 تشرين الثاني (نوفمبر). وخلفت مكانها لجنة دائمة مؤلفة من ثمانية وعشرين عضوًا لم تكن تضم بونابرتيين ولكنها قد ضمت بعض الجمهوريين المعتدلين. أن اللجنة الدائمة لسنة 1849 ضمت أعضاء حزب النظام وبونابرتيين فحسب. بيد أن حزب النظام قد أعلن آنذاك أنه ضد الثورة بصفة دائمة. وفي هذه المرة أعلنت الجمهورية البرلمانية أنها ضد الرئيس بصفة دائمة. وفي هذه المرة أعلنت الجمهورية البرلمانية إنها ضد الرئيس بصفة دائمة. وبعد قانون 31 أيار كان هذا هو المنافس الوحيد الذي ما زال يواجه حزب النظام.

عندما انعقدت الجمعية الوطنية مرة أخرى في شهر تشرين الثاني 1850، بدا أنه غدًا لا مناص من نشوب صراع كبير قاس، صراع حياة أو موت بين السلطتين، بدلاً من المناوشات الطفيفة التي قامت حتى الآن بين البرلمان والرئيس.

وكما في سنة 1849، كذلك أثناء العطلة البرلمانية لعام 1850 أنقسم حزب النظام إلى كتل متفرقة انهمكت كل واحدة بمكائدها لإعادة الملكية، وهي المكائد التي حصلت على غذاء جديد بوفاة لويس فيليب. بل أن ملك الشرعيين، هنري الخامس، عين وزارة رسمية اتخذت باريس مقرًا لها وشغل بعض الأعضاء في اللجنة الدائمة مقاعد فيها. ولهذا كان من حق بونابرت، بدوره، أن يقوم برحلات في المقاطعات الفرنسية فيها مشاريع الإعادة الخاصة به بقدر متفاوت من الصراحة ويتصيد الأصوات الانتخابية لنفسه وفقًا لمزاج المدينة التي كان يسعدها بحضوره. وفي هذه المواكب. التي كانت تحتفل بها الصحيفة الرسمية الكبرى “Moniteur” ([42])والصحف الصغرى الخصوصية التابعة لبونابرت بطبيعة الحال بوصفها مواكب ظفر، كان يرافقه دائمًا أشخاص ينتمون على جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر). وهذه الجمعية يرجع تأسيسها إلى سنة 1849. فبحجة تأسيس جمعية خيرية ثم تنظيم حثالة البروليتاريا في باريس في أقسام سرية يقود كل قسم منها وكلاء بونابرتيون ويرأس الجميع جنراك بونابرتي. جنبًا إلى جنب مع الفجرة الذين بددوا أموالهم والمشكوك في وسائل معاشهم والمشكوك في أصلهم ومع المغامرين المنفلتين من أوباش البرجوازية الفاجرين كان هنالك متشردون وجنود مسرحون وزبائن سجون مطلقو السراح وهاربون من الأشغال الشاقة ونصابون ومشغوذون ومتسكعون ونشالون ومحتالون ومقامرون وقوادون وأصحاب مواخير وحمالون ونساخون وضاربو أرغن وجماعوا أسمال وسنانو سكاكين ولحامو معادن ومتسولون – وباختصار جميع هذا الجمهور السائب، المتنوع، غير المحدد تدفعه الظروف هنا وهناك والذي يسميه الفرنسيون: La bohéme (بوهيما. الناشر.). من هذه العناصر القريبة منه، كوّن بونابرت نواة جمعية العاشر من كانون الأول – “جمعية خيرية” – إذ كان يشعر جميع أعضائها، شأنهم شأن بونابرت، بالحاجة إلى اجتلاب الخيرات لأنفسهم على حساب قسم الأمة الكادح. وبونابرت هذا الذي يجعل من نفسه رئيسًا لحثالة البروليتاريا والذي يرى فيها وحدها انعكاسًا جماعيًا لمصالحه الشخصية والذي يرى في هذا الزبد والسقط والقمامة من جميع الطبقات الطبقة الوحيدة التي يستطيع أن يستند إليها دون قيد أو شرط، هو بونابرت الحقيقي، بونابرت Sans phrase (دون زينة. الناشر.). أنه، وهو الفاسق الماكر القديم، ينظر إلى الحياة التاريخية للشعوب وإلى جميع المآسي التي تحملها هذه الحياة نظرته إلى ملهاة بأكثر المعاني ابتذالاً وإلى مسخرة مجّرد قصد الملابس الفخمة والكلمات والمواقف فيها أن تخفي أصغر النذالات. فهكذا في غزوة ستراسبورغ أدى عقاب سويسري مدرب دور النسر النابوليوني. وأثناء الغارة التي شنها على بولون، ألبس بعض الخدم اللندنيين البزات العسكرية الفرنسية. إنهم كانوا يمثلون الجيش ([43]). وفي جمعية العاشر من كانون الأول حشد عشرة آلاف من الأوغاد عليهم أن يؤدوا دور الشعب كما نوى نك بوتوم أن يؤدي دور الأسد ([44]). وفي اللحظة كانت البرجوازية نفسها تؤدي فيها الملهاة بأتم صورها، ولكن بأكثر المظاهر الجدية، دون أن تخرق أي شرط من الشروط المتحذلقة لأصول فن الدراما في فرنسا، وكانت هي نفسها ما بين منخدعة ومقتنعة بمهابة المسرحية التي تقوم بها، كان لابد للمغامر، وهو الذي أخذ الملهاة التي يقوم بها تاريخ العالم، إلا عندما قضى على خصمه الوقور، عندما صار يأخذ بنفسه الآن دوره الإمبراطوري بصورة جدية ويتصور وهو تحت القناع النابوليوني أنه نابوليون الحقيقي. وقد كانت جمعية العاشر من كانون الأول، وهي القوة المقاتلة الحزبية التي يتميز بها بونابرت، تقوم عنده مقام المشاغل الوطنية عند العمال الاشتراكيين والحرس المتنقل عند الجمهوريين البرجوازيين. في أثناء رحلاته كان على قطعات هذه الجمعية المرصوصة في محطات السكك الحديدية أن ترتجل جمهورًا له وأن تمثل مناظر الحماسة العمومية وأن تزأر: “Vive lEmpereur” (عاش الإمبراطور!. الناشر.) وأن تهين الجمهوريين وتضربهم، بحماية البوليس بالطبع. وفي رحلات إيابه إلى باريس كان عليها أن تؤلف حرس  الطليعة، أن تستبق المظاهرات المعاكسة أو تفرقها. أن جمعية العاشر من كانون الأول كانت تخصه، كانت عمله، كانت فكرته الخاصة بالذات. أما كل ما يحوزه فيما عدا ذلك، فقد وضع بيديه بحكم الظروف. وكل ما يفعله فيما عدا ذلك، تفعله الظروف له أو يكتفي بالنسخ عن أعمال الآخرين. بيد أن بونابرت بالعبارات الرسمية حول النظام والدين والعائلة والملكية تقال علنًا وعلى ملأ من البرجوازيين بينما يستند سرًا إلى جمعية شوفتيرله وسبيغلبرغ ([45])وإضرابها، جمعية الفوضى والدعارة والسرقة – إنما هو بونابرت نفسه في صفة المؤلف الأصلي، وتاريخ جمعية العاشر من كانون الأول هو تاريخه الخاص. لقد حدث ذات مرة حادث خارق: فإن بعض النواب من حزب النظام وقع تحت هراوات أعضاء جمعية العاشر من كانون الأول. بل أكثر من ذلك. فإن يون، مفوض الشرطة المكلف بالسهر على سلامة الجمعية الوطنية، أبلغ اللجنة الدائمة، استنادا إلى تصريح من شخص يدعى آليه، أن فرعًا من فروع جمعية العاشر من كانون الأول قررت اغتيال الجنرال شانغارنييه ودوبان، رئيس الجمعية الوطنية، وأنه قام بالفعل بتعيين الأشخاص الذي كان عليهم تنفيذ هذا الفعل. ويستطيع المرء أن يتصور مدى الجزع الذي تملك المسيو دوبان. وبدا أنه لا مناص من القيام بتحقيق برلماني يتناول جمعية العاشر من كانون الأول، أي من انتهاك قدسية العالم البونابرتي السري. وقبيل أنعقاد الجمعية الوطنية عمد بونابرت، على سبيل التحوط، إلى تسريح جمعيته، على الورق فحسب بطبيعة الحال، وذلك لأن مدير الشرطة كارلييه كان ما يزال يسعى عبثًا في مذكرة تفصيلية وضعها في نهاية عام 1851 إلى دفعه إلى حل هذه الجمعية بصورة حقيقية.

وكان لجمعية العاشر من كانون الأول أن تبقى جيش بونابرت الخصوصي حتى نجح في تحويل جيش الدولة إلى جمعية العاشر من كانون الأول. وقد قام بونابرت بالمحاولة الأولى في هذا الصدد بعد أرفضاض الجمعية الوطنية بوقت قصير وبالمال ذاته الذي أغتصبه منها. وهو، بوصفه قدريًا، يعيش في العقيدة القائلة أن هنالك قوى عاوية معينة لا قبل للإنسان، وخاصة الجندي، بمقاومتها، وهو يعد من بين هذه القوى أولاً وقبل كل شيء لفافات السيجارة والشمبانيا ولحم الطيور البارد والمقانق المحشوة بالثوم. وبناء على ذلك، عمد بادئ ذي بدء إلى تضييف الضباط وضباط الصف في مقاصير الابليزيه لفافات السيجار والشمبانيا ولحم الطيور البارد والمقانق  المحشوة بالثوم. وفي الثالث من تشرين الأول، أعاد هذه المناورة مع جمهرة من الجنود في استعراض سان – ماور، وفي العاشر من تشرين الأول كرر المناورة نفسها على نطاق أكبر في استعراض الجيش الرئيسي في ساتوري. لقد تذكر العم حملات الاسكندر في آسيا وتذكر أبن زحوف باخوس ([46])المظفرة في البلاد ذاتها. صحيح أن الاسكندر كان نصف إله ولكن باخوس كان إلهًا حقيقيًا بل كان الإله الحامي لجمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر).

بعد استعراض الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) استدعت اللجنة الدائمة وزير الحربية دوبول فوعد بالا يتكرر هذا الخرق للانضباط. ونحن نعرف كيف حافظ بونابرت في العاشر من تشرين الأول على كلمة دوبول. أن شانغارنييه، بوصفه قائدًا عامًا لجيش باريس، قد قاد الاستعراضيين وهو، إذ كان في وقت واحد عضوًا في اللجنة الدائمة ورئيسًا للحرس الوطني و”منقذ” 29 كانون الثاني (يناير) و13 حزيران (يونيو) و”حضن المجتمع” ومرشح حزب النظام لشرف الرئاسة و”مونك” المظنون لملكيتين، لم يعترف حتى الآن مطلقًا بأنه دون وزير الحربية منزلة وكان يزدري دائمًا الدستور الجمهوري بصورة مكشوفة ويتتبع بونابرت بحماية مبهمة فيها استعلاء. وقد استبدت به الآن الحماسة للذود عن الانضباط ضد وزير الحربية وعن الدستور ضد بونابرت. وبينما كان فريق من الفرسان في العاشر من تشرين الأول يصيحون: “Vive Napoléon! Vivent les saucissons!” (عاش نابوليون! عاشت المقانق!. الناشر.) وضع شانغارنييه ترتيبًا لجعل المشاة الذين يمرون أمام المنصة تحت قيادة صديقة نيماير على الأقل يراعون الصمت المطبق. وعقابًا على ذلك أعفى وزير الحربية الجنرال نيماير من وظيفته في باريس بتحريض من بونابرت، بحجة تعيينه قائدًا عامًا للفرقتين العسكريتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة. وقد رفض نيماير هذا التبادل في الوظائف فكان عليه بذلك أن يستقبل. أما شانغارنييه فقد أذاع من جانبه أمرًا في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) منع فيه الجنود من الانغماس في الصراخ السياسي أو المظاهرات من أي نوع ما داموا تحت السلاح. وهاجمت جرائد الأيليزية ([47])شانغارنييه وهاجمت جرائد حزب النظام بونابرت، وعقدت اللجنة الدائمة جلسات سرية متكررة أقترح فيها تكرارًا اعلان الوطن في خطر. وبدا أن الجيش انقسم إلى معسكرين متعاديين لهما هيئتان متعاديتان للأركان العامة ، واحدة في الأيليزيه حيث كان يسكن بونابرت والأخرى في التويلري حيث كان مقر شانغارنييه. وبدا أن انعقاد الجمعية الوطنية قد يغدو الإشارة للمعركة. وحكم الجمهور الفرنسي على هذا الاحتكاك بين بونابرت وشانغارنييه كما فعل ذلك الصحفي الانجليزي الذي حدّد خصائصه بالكلمات التالية:

“إن خادمات منزل فرنسا السياسيات يكنسن حمم الثورة بمكانس عتيقة ويتشاجرن الواحدة مع الأخرى وهن يؤدين عملهن”.

وفي هذه الأثناء بادر بونابرت إلى إزاحة وزير الحربية دوبول وشحنه بأقصى السرعة على الجزائر وتعيين الجنرال شرام وزيرًا للحربية مكانه. وفي 12 تشرين الثاني بعث إلى الجمعية الوطنية برسالة اميركية الإسهاب، مشحونة بالتفاصيل، عابقة بشذا النظام، راغبة في المصالحة، مذعنة للدستور تتناول كل شيء إجمالاً وأفرادًا ما عدا questions brulantes (القضايا الملحة. الناشر.) في الوقت الراهن. وكأنما بصورة عابرة أبدى ملاحظة مفادها أن التصرف في الجيش، وفق أحكام الدستور الصريحة، هو من شأن الرئيس وحده. واختتمت الرسالة بهذه الكلمات المهيبة.

“إن فرنسا تطالب، فيها كل شيء، بالسكينة… وبما أني وحدي مرتبط بقسم فسوف ألتزم الحدود الضيقة التي رسمها لي… وبقدر ما يتعلق الأمر بي، بوصفي منتخبًا من قبل الشعب وأدين له وحده بالسلطة، فإني سأنحني دائمًا لإرادته المعبر عنها بصورة شرعية. فإذا ما أستقر رأيكم في هذه الدورة على إعادة النظر في الدستور فسوف تتولى الجمعية التأسيسية تنظيم وضع السلطة التنفيذية. وإلا فإن الشعب سيعلن قراره على نحو مهيب في عام 1852. ولكن مهما كانت حلول المستقبل فدعونا نصل إلى تفاهم بحيث لا ندع مطلقًا للعاطفة أو المفاجأة أو العنف سبيلاً لتقرير مصير الأمة العظيمة… أن ما يشغل اهتمامي في الدرجة الأولى ليس هو من يحكم فرنسا في سنة 1852 بل كيف أستخدم الوقت الباقي تحت تصرفي بحيث تمر الفترة الانتقالية دون تهييج أو اضطراب. لقد فتحت قلبي لكم بإخلاص. وستجيبون على صراحتي بثقتكم وعلى مساعي الحميدة بتعاونكم والباقي على الله”.

إن لغة البرجوازية الموقرة، المنافقة في اعتدالها، الغثة في فضيلتها، لتكشف عن أعمق معانيها في فم أوتوقراطي جمعية العاشر من كانون الأول وبطل وليمتي سان – ماور وساتوري.

إن بورجرافيي حزب النظام لم يضللوا أنفسهم لحظة في شأن الثقة التي يستحقها فتح القلب هذا. أما الإيمان فقد طال عهد بشمهم منها، إذ كانوا يضمون بين صفوفهم محنكين وموهوبين في الحنث بالإيمان السياسية، ولكن لم يفتهم مع ذلك أن يسمعوا الفقرة المتعلقة بالجيش. فقد لاحظوا بانزعاج أن الرسالة في تعدادها المستفيض للقوانين التي شرعت مؤخرًا قد أغفلت أهم هذه القوانين جميعًا، وهو قانون الانتخاب، بصمت متعمد، بل إنها تركت انتخاب الرئيس سنة 1852، في حالة عدم إعادة النظر في الدستور، إلى الشعب. إن القانون الانتخابي كان كرة الرصاص التي قيدت بها أرجل حزب النظام فمنعته من المشي بله منعته من الاقتحام! ناهيك نأن بونابرت، بتسريحه الرسمي لجمعية العاشر من كانون الأول وبعزله وزير الحربية دوبول، قد قّرب بيديه أكباش الفداء على مذبح الوطن. لقد ثلم حدة الصدام المرتقب. وأخيرًا كان حزب النظام نفسه حريصًا، بدافع الجبن، على أن يتفادى أي اشتباك حاسم مع السلطة التنفيذية وأن يلطّفه ويطمسه. وخوفًا من أن يخسر انتصاراته ضد الثورة، سمح لمنافسه بأن يجني ثمارها. “أن فرنسا تطالب، قبل كل شيء، بالسكينة”. هذا ما صرخ به حزب النظام بوجه الثورة منذ شباط (فبراير) (سنة 1848. الناشر.). وهذا ما صرخت به رسالة بونابرت بوجه حزب النظام. “أن فرنسا تطالب، قبل كل شيء، بالسكينة”. أن بونابرت أتخذ تدابير تهدف إلى الاغتصاب ولكن حزب النظام يغدو مذنبًا في “تعكير السكينة” أذا أثار ضجيجًا حول هذه التدابير وفسرها تفسيرًا سوداويًا موسوسًا. أن مقانق ساتوري كانت هادئة كالفيران عندما لم يكن يتكلم عنها أحد. “أن فرنسا تطالب، قبل كل شيء، بالسكينة”. ولذا طالب بونابرت بأن يترك وشأنه في سلام وسكينة. وكان الحزب البرلماني يشله خوف مزدوج: خوف من أن يتسبب ثانية بتعكير ثوري للسكينة وخوف من أن يظهر هو نفسه بمظهر المحرض على تعكير السكينة في عيون طبقته ذاتها، في عيون البرجوازية. ولما كانت فرنسا تطالب بالسكينة قبل كل شيء فإن حزب النظام لم يجرؤ على أن يجيب “حربًا” بعد أن تكلم بونابرت في رسالته “سلامًا”. أما الجمهور الذي توقع مشاهد من الفضائح الكبرى لدى افتتاح الجمعية الوطنية فقد خابت توقعاته. فنواب المعارضة الذي طالبوا بعرض محاضر مناقشات اللجنة الدائمة حول حوادث تشرين الأول خذلتهم الأغلبية. وتجنبت الجمعية، من حيث المبدأ، جميع المناقشات التي كان ممكنًا أن تؤدي إلى أهاجة المشاعر. أن إجراءات الجمعية الوطنية خلال تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) 1850 كانت عديمة الأهمية.

وفي أواخر كانون الأول فقط، بدأت صدامات صغيرة حول عدد من صلاحيات البرلمان. وقد تفهت الحركة وانحصرت في مشاحنات صغيرة حول صلاحيات كلتا السلطتين منذ أن تخلصت البرجوازية من الصراع الطبقي للأوقات القريبة القادمة بإلغائها حق الاقتراع الشامل.

لقد أصدرت المحكمة حكمها بحق موغين، أحد النواب، بسبب ديونه، ورادًا على استفسار رئيس المحكمة، أعلن روييه، وزير العدلية، وجوب إصدار مذكرة بإلقاء القبض على المدين دون مزيد من الأخذ والرد. وهكذا زج بموغين في حبس المدينين. وثارت ثائرة الجمعية الوطنية عندما علمت بالاعتداء على حصانة النواب. ولم تكتف بإصدار الأمر بإطلاق سراحه في الحال بل إنها عملت على إحضاره بالقوة من كليشي في المساء ذاته بواسطة كاتبها. بيد أنها لكي تثبت إيمانها بقداسة الملكية الفردية، ومع الفكرة التي كانت تساورها بفتح ملجأ، إذا أقتضى الأمر، “للجبليين” الذين غدوا مزعجين، أعلنت أن حبس النواب بسبب الدين يمكن السماح به بعد الحصول على موافقة سابقة منها. ونسيت أن ترسم بأنه يمكن حبس الرئيس أيضًا بسبب الدين. لقد قضت على آخر مظهر من مظاهر الحصانة التي كانت تحيط بأعضاء هيئتها نفسها.

لقد أشرنا أعلاه إلى أن يون، مفوض الشرطة، قد أخبر عن تدبير فرع من فروع جمعية العاشر من كانون الأول لخطة اغتيال دوبان وشانغارنييه، بناء على إخبارية من شخص يدعى آلية. ونظرًا لهذا قدم الكويستور في الجلسة الأولى ذاتها اقتراحا بتشكيل شرطة خاصة بالبرلمان، تدفع مرتباتها من الميزانية الخاصة للجمعية الوطنية وتكون مستقلة استقلالا مطلقًا عن مدير الشرطة. وأحتج وزير الداخلية، باروش، على هذا الاعتداء على ميدان اختصاصه. بعد هذا، تمت مساومة بائسة بهذا الشأن أصبح راتب مفوض شرطة البرلمان بموجبها بدفع حقيقة من ميزانيته الخاصة ويعين ويعزل من قبل كويستور البرلمان ولكن بعد اتفاق سابق مع وزير الداخلية فحسب. وفي هذه الأثناء باشرت الحكومة بالملاحقات القضائية بحقّ آلية. وكأن من السهل هنا إظهار إخباريته بأنها خزعبلة وإظهار دوبان وشانغارنييه ويون والجمعية الوطنية بكاملها بمظهر مضحك، وذلك على لسان المدعي العام. وبعد هذا، يكتب الوزير باروش في 29 كانون الأول رسالة إلى دوبان يطالب فيها بعزل يون. ويقرر ديون الجمعية الوطنية بقاء يون في منصبه، بيد أن الجمعية الوطنية، وقد ذعرت من عنفها في قضية موغين وأعتادت أن تتلقي من السلطة التنفيذية ضربتين مقابل كل ضربة تجرأت على توجيهها إليها، لم تصادق على هذا القرار. وعزلت يون مكافأة له على ما أبداه من حماسة في الوظيفة وسلبت نفسها صلاحية برلمانية لا غنى عنها إزاء شخص لا يقرر ليلاً ما ينفذه نهارًا بل يقرر نهارًا وينفذ ليلاً.

لقد رأينا كيف أن الجمعية الوطنية في مناسبات جدية بارزة خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول قد تفادت أو رفضت الصراع مع السلطة التنفيذية. ونحن الآن نجدها مرغمة على مباشرته في أصغر المناسبات شأنًا. ففي قضية موغين تؤكد، من حيث المبدأ، حبس النواب بسبب الدين ولكنها تحتفظ بحق تطبيقه على النواب الذين تمقتهم فحسب، وتتشاجر حول هذا الامتياز الشائن مع وزير العدل. وبدلاً من أن تستفيد من نبأ أعداد مؤامرة القتل فتأمر بإجراء تحقيق في نشاط جمعية العاشر من كانون الأول وتكشف بذلك القناع نهائيًا عن بونابرت أمام فرنسا وأوروبا، بحيث يستحيل ستره بعد ذلك، وبحيث يبدو في صفته الحقيقية رئيسًا لحثالة البروليتاريا في باريس، حصرت الصراع في مشاجرة بينها وبين وزير الداخلية هي أيهما صاحب الصلاحية في تعيين مفوض شرطة وعزله. وهكذا نرى حزب النظام، خلال هذه الفترة بأسرها، قد أرغمه موقفه المبهم على تبديد صراعه مع السلطة التنفيذية وتحويله إلى هذر ولغو وتفتيته في مناوشات صغيرة حول حدود الصلاحيات ومماحكات صغيرة ونزاعات قانونية سفسطائية وخلافات على تحديد السلطات، وعلى جعل المسائل الشكلية الفارغة موضوعًا لنشاطه. إنه لا يجرؤ على الدخول في الصراع في اللحظة التي يكون فيها للصراع معنى من حيث المبدأ، عندما تكون السلطة التنفيذية قد فضحت نفسها حقًا وتكون قضية الجمعية الوطنية هي قضية الأمة. وهو إذ يفعل ذلك يكون قد أعطى الأمة الأوامر بأن تهاجم في حين إنه ليس له ما يخشاه أكثر من أن تتحرك الأمة. ولذا يرفض في مثل هذه المناسبات اقتراحات “الجبل” وينتقل إلى إجراءات دورية. وبعد ما أمتنع حزب النظام عن النضال الواسع النطاق، أخذت السلطة التنفيذية تتحين بهدوء الوقت الذي يمكن لها فيه أن تخوض هذا النضال ثانية في مناسبات صغيرة تافهة، أي عندما يكون لها فيه أن تخوض هذا النضال ثانية في مناسبات صغيرة تافهة، أي عندما يكون الأمر، كما يقال، ذا أهمية برلمانية محلية فحسب. وعندئذ ينفجر غضب حزب النظام المكبوت، عندئذ يزيح حزب النظام الستار عن الكواليس، عندئذ يكشف قناع الرئيس، عندئذ يعلن الجمهورية في خطر، ويكن عندئذ أيضًا تبدو غيرته سخيفة وتبدو مناسبة الصراع ذريعة ملؤها النفاق أو غير حرية مطلقًا بالصراع. وتصبح العاصفة البرلمانية عاصفة في فنجان، ويصبح الصراع مكيدة والنزاع فضيحة. وبينما تتأمل الطبقات الثورية مليًا بشماتة الإذلال الذي صارت إليه الجمعية الوطنية وذلك لأن حماستها لصلاحيات هذه الجمعية البرلمانية تعادل تمامًا حماسة الأخيرة للحريات العامة، لا تدرك البرجوازية خارج البرلمان كيف تقدر البرجوازية داخل البرلمان على إضاعة الوقت في مشاحنات صغيرة كهذه وتهديد السكينة بمثل هذه المنافسات الحقيرة مع الرئيس، وتنتابها البلبلة من إستراتيجية يعقد بموجبها الصلح في لحظة تتوقع فيها الدنيا كلها المعارك، ويبدأ بموجبها الهجوم في اللحظة التي تعتقد فيها الدنيا كلها أن الصلح قد عقد.

في العشرين من كانون الأول تقدم باسكال دوبرا باستجواب إلى وزير الداخلية بشأن يانصيب قضبان الذهب. أن هذا اليانصيب كان “ابنة الأيليزيوم” ([48])وقد جلبه للدنيا بونابرت وأتباعه ووضعه مدير الشرطة كارلييه تحت حمايته الرسمية، رغم أن القانون الفرنسي يحرم جميع أنواع اليانصيب ما عدا اليانصيب الذي يخصص للأغراض الخيرية. فقد صدرت سبعة ملايين تذكرة يانصيب، ثمن التذكرة فرنك، يخصص ريعه في ظاهر الأمر لتسفير مشردي باريس إلى كاليفورنيا. فمن جهة كان للأحلام الذهبية أن تحل محل الأحلام الاشتراكية لبروليتاريا باريس وللأمل المغري في الفوز بالجائزة الأولى أن يحل محل الحق النظري في العمل. ومن الطبيعي أن عمال باريس لم يتعرفوا في بريق قضبان كاليفورنيا الذهبية على الفرنكات المتواضعة التي سحبها الإغواء من جيوبهم. وعلى العموم، كان هذا اليانصيب “نصبًا” صريحًا. أن المشردين الذي أرادوا فتح مناجم ذهب كاليفورنيا دون أن يزعجوا أنفسهم بترك باريس كانوا بونابرت نفسه وحاشيته المثقلة بالديون. فإن الملايين الثلاثة التي وافقت الجمعية الوطنية على اعتمادها قد بعزقت وكان لابد من إملاء صناديق المال الفارغة ثانية بطريقة أو بأخرى. وعبثًا أفتتح بونابرت اكتتابا وطنيًا لإنشاء ما يسمى Cités ouvrieres (حواضر العمال. الناشر.) وظهر هو نفسه على رأس القائمة بمبلغ كبير. أن البرجوازيين قساة القلوب انتظروه بارتياب حتى يسدد حصته، ولما لم يحدث هذا بطبيعة الحال، اندثرت المضاربة بالقصور الاشتراكية كفقاعات الصابون. وكان سحب قضبان الذهب أفضل. أن بونابرت وشركاه لم يكتفوا بأن يملئوا جيوبهم بجزء من دخل اليانصيب بقي من السبعة ملايين فرنك بعد حسم قيمة القضبان المعروضة في اليانصيب بل صنعوا تذاكر يانصيب مزورة، إذ أصدروا عشر وخمس عشرة بل وعشرين تذكرة تحمل ذات الرقم – وهي عملية مالية تنسجم مع روح جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر)! إن الجمعية الوطنية لم تواجه هنا كان في وسعها أن تمسكه متلبسًا بفعلته، ليس خلافًا للدستور بل خلافًا   لـCode pénal (قانون العقوبات. الناشر.).  وإذا كانت الجمعية الوطنية قد أجابت على استجواب دوبرا بالانتقال إلى الإجراءات الدورية، فإن هذا لم يحدث لمجرد أن اقتراح جيراردين بأنه ينبغي أن تعلن “ارتياحها” قد ذكر حزب النظام بالفساد المنظم القائم بين صفوفه. أن البرجوازي، وفي الدرجة الأولى البرجوازي الذي تضخم فأصبح رجل دولة، يكمل لؤمه العملي بالإسراف النظري. وهو يصبح، بوصفه رجل دولة، شأن سلطة الدولة التي تواجهه، كائنًا أعلى لا يمكن محاربته إلا بشكل أعلى وأشد تكريسًا.

أن بونابرت الذي كان يتمتع بوصفه وليد البوهيميا وزعيمًا لحثالة البروليتاريا، بمزية على البرجوازي النذل من حيث أنه أستطاع أن يقود الصراع بوسائل سافلة رأي الآن، بعد أن قادته الجمعية نفسها بيدها بنجاح عبر مزالق الولائم العسكرية والاستعراضات وجمعية العاشر من كانون الأول وأخيرًا Code penal، أن اللحظة التي يستطيع فيها أن ينتقل من الدفاع الظاهري إلى الهجوم قد حانت. وقليلاً ما أزعجته الهزائم الصغيرة التي حلت في هذه الأثناء بوزير العدلية ووزير الحربية ووزير البحرية ووزيرة المالية والتي أعربت الجمعية الوطنية من خلالها عن استيائها المزمجر. فهو لم يكتف بأن يمنع الوزراء من أن يستقيلوا فيعترفوا بذلك بسيادة البرلمان على السلطة التنفيذية بل إنه أستطاع الآن أن يتم ما بدأه أثناء عطلة الجمعية الوطنية: أي فصل السلطة العسكرية عن البرلمان إذ أنه أقصى سانغازنييه.

 نشرت صحيفة من صحف الايليزيه أمرًا يوميًا زعم إنه وجه في شهر أيار (مايو) إلى الفرقة العسكرية الأولى وأنه صدر بالتالي عن شانغارنييه، وفيه أوُصى الضباط بالا تأخذهم في حالة التمرد رأفة بالخونة في صفوفهم بل بأن يرموهم بالرصاص على الفور وأن يرفضوا مد الجمعية الوطنية بالجند، فيما لو استدعتهم. وفي 3 كانون الثاني (يناير) 1851 تلقت الوزراء استجوابا بشأن هذا الأمر. وتطلب الوزارة، من أجل إجراء تحقيق في هذه القضية، مهلة ثلاثة أشهر في أول الأمر، ثم أسبوعًا وأخيرًا أربعا وعشرين ساعة فحسب. وتصر الجمعية على تفسير فوري، وينهض شانغارنييه ويصرح بأنه لم يصدر أمرًا كهذا على الإطلاق ويضيف أنه سيبادر دائمًا إلى الأمثال لطلبات الجمعية الوطنية وأنها تستطيع في حالة حدوث اصطدام أن تعول عليه. وتستقبل الجمعية تصريحه بتهليل وتصفيق لا يوصف وتصدر قرارًا بالثقة فيه. أنها تتخلى عن السلطة وتصدر حكمًا بعجزها هي وبقدرة الجيش الكلية بوضع نفسها تحت الحماية الخاصة لجنرال. بيد أن الجنرال يخطئ عندما يضع تحت أمر البرلمان ضد بونابرت قوة حازها بمثابة أقطاع فقط من بونابرت نفسه، وعندما يتوقع، هو بدوره، أن يحميه هذا البرلمان، هذا اللائذ به الذي يحتاج إلى الحماية. بيد أن شانغارنييه يؤمن، على كل حال، بالقوة الغامضة التي أسبغتها البرجوازية عليه منذ 29 كانون الثاني 1849. إنه يعتبر نفسه السلطة الثالثة التي تقوم جنبًا على جنب مع سلطتي الدولة الأخريين. وهو يشارك سائل أبطال هذه الفترة، أو بالأحرى قديسيها، مصيرهم، وهم الذين تقوم عظمتهم، بوجه التحديد، على الفكرة العظيمة المتحيزة التي شيّعها عنهم حزبهم والذين ينكمشون إلى أشخاص عاديين حالما تدعوهم الظروف إلى القيام بالمعجزات. أن عدم الإيمان هو، بصورة عامة، العدو المميت لهؤلاء المحسوبين أبطالاً والقديسين الحقيقيين. ومن هنا ينشأ غضبهم الفاضل الجليل على هذا الفقر في الحماسة الذي يبديه المتندرون والساخرون.

في المساء نفسه يدعي الوزراء إلى قصر الايليزيه. ويصر بونابرت على عزل شانغازنييه ويرفض خمسة وزراء توقيع العزل. وتعلن “Moniteur” نشوء أزمة وزارية بينما تهدد صحف حزب النظام بتشكيل جيش برلماني تحت قيادة شانغارنييه. وقد كان لدى حزب النظام الحق الدستوري في اتخاذ هذه الخطوة. ولم يكن عليه إلا أن ينتخب شانغارنييه رئيسًا للجمعية الوطنية يستدعى العدد الذي يشاؤه من الجنود لحمايتها. وكان في وسعه أن يفعل ذلك باطمئنان تام لأن شانغارنييه كان ما يزال بالفعل على رأس الجيش والحرس الوطني في باريس وكان ينتظر فقط أن يستدعى هو والجيش لتقديم المساعدة. ولم تجرأ الصحف البونابرتية لغاية الآن حتى على مناقشة حق الجمعية الوطنية في استدعاء الجنود مباشرة، وهو تشكك قانوني لم يكن يبشر في تلك الظروف بأي حظ من النجاح. أما أن الجيش كان سيطيع أوامر الجمعية الوطنية فهو أمر محتمل كثيرًا إذا تذكر المرء أن بونابرت أضطر إلى أن يفتش باريس كلها مدة أسبوع لكي يجد جنرالين – باراغة ديليه وسان – جان دانجيلي – أعلنا استعدادهما لإضافة توقيعهما على أمر عزل شانغارنييه. أما أن حزب النظام كان سيجد في صفوفه نفسها وفي البرلمان العدد اللازم من الأصوات لإتخاذ قرار كهذه فهذا أكثر من مشكوك فيه لو أخذ المرء بالحسبان أنه أنفصل 286 نائيًا عن الحزب بعد أسبوع وأنه في شهر كانون الأول سنة 1851، في ساعة الفصل الأخيرة، كان “الجبل” يرفض اقتراحًا مماثلاً. ورغم هذا، ربما كان ما يزال في وسع البورجرافيين أن ينجحوا في دفع جمهرة حزبهم إلى بطولة الأختفاء خلف غابة من الحراب وإلى قبول خدمات جيش التحق بمعسكرهم. وبدلاً من هذا، توجه السادة البورجرافيون مساء 6 كانون الثاني إلى قصر الايليزية ليحملوا بونابرت، باستخدام الأساليب والحجج الدبلوماسية، على عدم اتخاذ قرار بإقالة شانغارنييه. وكلّ من تسعى لإقناعه فإنما تعترف بأنه سيّد الموقف. وفي 12 كانون الثاني عمد بونابرت، وقد بعثت هذه الخطوة التي أتخذها البورجرافيون في نفسه الاطمئنان، إلى تشكيل وزارة جديدة بقى فيها زعيمًا الوزارة القديمة، فولد وباروش. وأصبح سان – جان دانجيلي وزيرًا للحربية، ونشرت “Moniteur” مرسوم إقالة شانغارنييه وتوزيع وظيفتيه بين باراغه ديليه الذي أستلم فرقة الجيش الأولى، وبيرو الذي أستلم الحرس الوطني. وأُقيل “حصن المجتمع”، وبينما لم يتسبب هذا في سقوط أية أجرة من الأسطحة فإن أسعار البورصة قد ارتفعت بالمقابل.

أن حزب النظام، إذ صدّ الجيش الذي يضع نفسه في شخص شانغارنييه تحت تصرفه وتنازل عنه بذلك بصورة قطعية للرئيس، قد أثبت أن البرجوازية قد فقد القدرة على الحكم. ولم يعد هنالك وزارة برلمانية. وهو إذ فقد الآن بالفعل قبضته على الجيش والحرس الوطني فما هي وسائل القوة لديه التي يتمكن بها من أن يحتفظ في آن واحد بسلطة البرلمان المغتصبة على الشعب وبسلطته الدستورية ضد الرئيس؟ لا شيء. لم يبق له الآن إلا أن يلجأ إلى المبادئ العاجزة، إلى المبادئ التي فسرها هو نفسه دائمًا مجرد قواعد عامة يشير بها على الآخرين لكي يتمكن من أن يتصرف هو بحرية أكبر. أن عزل شانغارنييه وسقوط العسكرية بيدي بونابرت يختمان الجزء الأول من هذه الفترة التي نحن بصددها، فترة الصراع بين حزب النظام والسلطة التنفيذية. وقد أعلنت الحرب بين السلطتين الآن بصورة رسمية، وهي تخاض بصورة مكشوفة، ولكن بعد أن فقد حزب النظام السلاح والجند. وإذ غدت الجمعية الوطنية بلا وزارة ولا جيش ولا شعب ولا رأي عام، ولم تبق بعد إصدارها القانون الانتخابي للحادي والثلاثين من أيار (مايو) تمثل الأمة ذات السيادة، وإذ غدت بلا عيون ولا آذان ولا أسنان ولا أي شيء، تحولت تدريجيًا إلى برلمان فرنسي قديم ([49])عليه أن يترك العمل للحكومة ويكتفي هو بهمهمة الاعتراضات Post festum (بعد العيد، أي بعد وقوع الحادث. الناشر.).

وأستقبل حزب النظام الوزارة الجديدة بعاصفة من السخط وإعادة الجنرال بيدو إلى الذهن اللطف الذي أبدته اللجنة الدائمة أثناء العطلة والاعتبار الزائد الذي أظهرته بالعدول عن نشر محاضر جلساتها. وأخذ وزير الداخلية بنفسه يصر الآن على نشر هذه المحاضر التي غدت في هذا الوقت بطبيعة الحال راكدة كمياه الخندق لا تكشف عن إيه حقائق جديدة وليس لها أدنى تأثير على الجمهور المتعب الضجر. وبناء على اقتراح ريمواز، عينت الجمعية الوطنية، بالاعتماد على جلسات لجانها، “لجنة الإجراءات فوق العادة”. أما باريس فلم تخرج في حياتها عن مجراها العادي إذ أن التجارة كانت في هذه اللحظة رائجة والمؤسسات الصناعية ناشطة وأسعار الحنطة منخفضة والمواد الغذائية فائضة وصناديق التوفير تتلقي يوميًا الودائع الجديدة. وتمخضت “الإجراءات فوق العادة” التي أعلن عنها البرلمان بكل تلك الضجة فولدت قرارًا في اليوم الثامن عشر من كانون الثاني بحجب الثقة عن الوزراء حتى دون أن يأتي للجنرال شانغارنييه ذكر. وقد أضطر حزب النظام إلى صياغة قراره بهذه الصورة لكي يؤمن أصوات الجمهوريين، ذلك لأن عزل شانغارنييه كان من بين جميع الإجراءات التي اتخذتها الوزارة هو الإجراء الوحيد الذي يوافق عليه الجمهوريون بينما لم يكن حزب النظام في الواقع في وضع يمكنه من شجب الأعمال الوزارية الأخرى إذ أنه هو الذي أملاها بنفسه على الوزارة.

أن قرار حجب الثقة الصادر في 18 كانون الثاني قد أتخذ بأربعمائة وخمسة عشر صوتًا مقابل مائتين وستة وثمانين، أي أنه لم يتخذ إلا بائتلاف الشرعيين والاورليانيين المتطرفين مع الجمهوريين الصرف و”الجبل”. فبيّن ذلك أن حزب النظام لم يفقد في نزاعاته مع بونابرت الوزارة وحدها ولا الجيش وحده بل فقد أيضًا أغلبيته البرلمانية المستقلة، وأن فريقًا من النواب قد أنفضوا عن معسكره بدافع الميل الأعمى إلى المساومة أو الخوف من الصراع أو الكلل أو الحرص العائلي على مرتبات الدولة القريبة إليهم العزيزة عليهم أو المضاربة على المناصب الوزارية التي تخلو (دويلون بارو) أو بدافع الأنانية الحقيرة التي تجعل البرجوازي العادي يجنح دائمًا إلى تضحية المصلحة العامة لطبقته لهذا الباعث الشخصي أو ذاك. ومنذ البداية لم يتشبث النواب البونابرتيون بحزب النظام إلا في الصراع ضد الثورة. ومنذ ذلك الحين عمد مونتالمبير، زعيم الحزب الكاثوليكي، إلى إلقاء نفوذه الشخصي في الكفة البونابرتيه لأنه يئس من قدرة الحزب البرلماني على الحياة. وأخيرًا أضطر زعيمًا هذا الحزب، الأورلياني تيير والشرعي بيرييه، إلى أن يعلنا نفسيهما جمهوريين بصورة مكشوفة وأن يعترفا بأن قلبيهما ملكيان ولكن رأسيهما جمهوريان وأن الجمهورية البرلمانية كانت الشكل الوحيد الممكن لحكم البرجوازية ككل. وهكذا، اضطرا على ملأ من الطبقة البرجوازية نفسها، إلى أن يصما مشروعات العودة التي واصلا العمل على تحقيقها بلا كلل من وراء ظهر البرلمان، بأنها ميكدة فيها من الخطر بقدر ما فيها من فراغ العقل.

أن قرار حجب الثقة الصادر في 18 كانون الثاني (يناير) قد أصاب الوزارة لا الرئيس. ولكن ليست الوزارة بل الرئيس هو الذي عزل شانغارنييه. أفلم يكن يجب أن يضع حزب النظام بونابرت نفسه موضع الاتهام؟ بسبب رغبات العودة التي لديه؟ ولكن الأخيرة كانت مجرد تكملة لرغباته هو بسبب مؤامرته المتصلة بالاستعراضات العسكرية وجمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر)؟ ولكنه دفن هذه الموضوعات منذ زمن طويل تحت جداول الأعمال البسيطة اليومية. بسبب عزل بطل 29 كانون الثاني و13 حزيران (يونيو)، الرجل الذي هدد في أيار 1850 بإشعال النار في أركان باريس الأربعة في حالة حدوث تمرد؟ ولكن حلفاءه من “الجبل” وكافينياك لم يسمحوا له حتى بأن يؤيد “حصن المجتمع” الساقط بوساطة شهادة رسمية بالعطف عليه. بل أن حزب النظام نفسه لم يستطع إنكار حق الرئيس الدستوري في عزل الجنرالات. أنه لم يتهيج إلا لأن الرئيس استخدام حقه الدستوري ضد البرلمان. ولكن ألم يستخدم حزب النظام نفسه باستمرار صلاحيته البرلمانية ضد الدستور، خصوصًا فيما يتعلق بإلغاء حق الاقتراع الشامل؟ ولذا لم يبق له غير أن يتمسك بدقة بالحدود البرلمانية. وبغير هذا الداء الغريب الذي استشرى منذ عام 1848 في طول القارة الأوروبية وعرضها، وهو داء البلاهة البرلمانية، والذي يشد المصابين به إلى عالم خيالي ويسلبهم كل عقل وكل ذكرى وكل فهم للعالم الخارجي الفظ – بغير هذه البلاهة البرلمان بإيديه، وكان لا بد له من أن يدمرها في صراعه من الطبقات الأخرى، وظل مع ذلّك يعتبر انتصاراته البرلمانية انتصارات ويعتقد أنه يصيب الرئيس بتوجيهه الضربات إلى وزرائه. وكل ما فعله هو أنه منح الرئيس الفرصة لإذلال الجمعية الوطنية من جديد في عيون الأمة. ففي العشرين من كانون الثاني أعلنت “Moniteur” قبول استقالة الوزارة بأسرها. وبذريعة أن حزبًا برلمانيًا واحدًا لم يعد يتمتع بالأغلبية، كما أثبت ذلك تصويت 18 كانون الثاني، هذه الثمرة لائتلاف “الجبل” والملكيين، وريثما يتسنى تشكيل أغلبية جديدة، عمد بونابرت إلى  تعيين ما يسمى بوزارة انتقالية لم يكن عضو واحد من أعضائها عضوًا في البرلمان بل كانوا جميعًا أشخاصًا مغمورين تمامًا ولا شأن لهم، وزارة مجرد كتبة ونساخ. وأصبح في وسع حزب النظام الآن أن يبدد قواه في اللعب مع هذه الدمى. أما السلطة التنفيذية فلم تعد تعتقد بأن الأمر يستحق منها أن تكون ممثلة تمثيلاً جديًا في الجمعية الوطنية. وكلما كان وزراء بونابرت مجرد دمى، كلما ركز هو السلطة التنفيذية بأسرها في شخصه وأتسع المجال أمامه لاستغلالها لغاياته الخاصة.

وبالائتلاف مع “الجبل”، ثأر حزب النظام لنفسه برفض منح الرئيس مبلغ مليون وثمانمائة ألف فرنك، وهو المبلغ الذي كان رئيس جمعية العاشر من كانون الأول قد أرغم صنائعه الوزراء على أن يقترحوه. وقد تقرّرت المسألة في هذه المرة بأغلبية مائة صوت وصوتين فقط، أي أن سبعة وعشرين صوتًا جديدًا أنفضت منذ 18 كانون الثاني (يناير) عن حزب النظام؛ أن انحلال حزب النظام كان يجري قدمًا. وفي الوقت ذاته، ولكي لا يكون هنالك مجال للالتباس لحظة واحدة بشأن معنى ائتلافه مع “الجبل”، أنف حتى أن يبدأ المناقشات حول اقتراح موقع من مائة وتسعة وثمانين عضوًا من “الجبل” يدعو إلى إصدار عفو عام من المجرمين السياسيين. كان يكفي وزير الداخلية، وهو شخص يدعي فايس، أن يعلن أن السكينة ظاهرية فحسب وأن تحريضًا قويًا سريًا ينتشر في البلاد وأنه يجري تنظيم جمعيات سرية في كل مكان وأن الصحف الديموقراطية تستعد للظهور ثانية وأن التقارير الواردة من المقاطعات لا تبشر بالخير وأن لاجئي جنيف يرأسون مؤامرة تمتد خيوطها عن طريق ليون إلى سائر أنحاء جنوبي فرنسا وأن فرنسا على حافة أزمة صناعية وتجارية وأن أصحاب المعامل في مدينة روبية قد خفضوا ساعات العمل وأن مساجين بيل – أيل ([50])قد ثاروا – كان يكفي فايس هذا أن يستحضر الشبح الأحمر حتى يرفض حزب النظام دون مناقشة اقتراحًا كان من شأنه أن يكسب الجمعية الوطنية على وجه التحقيق شعبية عظيمة ويرمي بونابرت بين ذراعيها من جديد. وكان ينبغي عليه، بدلاً من أن يدع السلطة التنفيذية ترهبه باحتمال نشوب اضطرابات جديدة، أن يمنح الصراع الطبقي بالأحرى بعض المجال حتى يبقى السلطة التنفيذية في حالة اعتماد عليه. بيد أنه لم يكن يشعر بأنه أهل لمهمة اللعب بالنار.

وفي غضون ذلك عاشت ما تدعي بالوزارة الانتقالية معيشتها الخاملة حتى منتصف نيسان (أبريل). وقد أنهك بونابرت الجمعية الوطنية وخادعها بمناورات وزارية جديدة مستمرة. فتارة كان يبدو عليه أنه يريد تشكيل وزارة جمهورية تضم لامارتين وبيّو وطورًا وزارة برلمانية تضم أوديلون بارو، الذي لا بد أن يكون أسمه حاضرًا أبدًا عندما يحتاج الأمر إلى مغفل، ثم وزارة شرعية تضم فاتيمينيل وبنوا دازي، ثم تارة أخرى وزارة أورليانية تضم مالفيل. وبينما أبقى بونابرت على هذا الوجه التكتلات المختلفة من حزب النظام في حالة توتر الواحدة ضد الأخرى وأفزعها ككل باحتمال تشكيل وزارة جمهورية وما يستتبعه ذلك حتمًا من إعادة حق الاقتراع الشامل، كان يوحي إلى البرجوازية في الوقت نفسه الاقتناع بأن عدم تسامح التكتلات الملكية هو الذي يحبط جهوده الشريفة لتشكيل وزارة برلمانية. أما البرجوازية فكان يعلو صراخها من أجل “حكومة قوية” وتجد أن ترك فرنسا “دون إدارة” يصبح أمرًا أقل أحتمالاً للغفران بقدر ما كان يبدو أن الأزمة التجارية العامة الزاحفة أخذت تكسب الاشتراكية أنصارًا جددًا في المدن. تمامًا كما فعل الهبوط المخرب في سعر القمح في الريف. وأزداد كساد التجارة يومًا بعد يوم كما زادت الأيدي العاطلة بصورة ملموسة وبات عشرة آلاف عامل، على الأقل، محرومين من الخبر في باريس وتعطل عدد لا يحصى من المعامل في روان ومولهوس (مولوز. الناشر.) وليون وروبيه وتوركوين وسانت – اتيين والبيف، الخ.. وفي هذه الظروف أستطاع بونابرت أن يجترئ في 11 نيسان (أبريل) على إعادة وزارة 18 كانون الثاني (يناير): السادة وييه وفولد وباروش، الخ.، أضيف إليهم المسيو ليون فوشيه الذي كانت الجمعية التأسيسية في أيامها الأخيرة قد وصمته بإجماع الأصوات، باستثناء خمسة أصوات أدلى بها الوزراء، بقرار حجب لإذاعة برقيات كاذبة. وهكذا، ما أحرزت الجمعية الوطنية انتصارها على وزارة 18 كانون الثاني وما تصارعت مع بونابرت ثلاثة أشهر إلا لتمكن فولد وباروش من إدخال المتزمت فوشيه في 11 نيسان شخصًا ثالثًا في حلفهما الوزاري.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1849 أكتفي بونابرت بوزارة غير برلمانية وفي كانون الثاني 1851 اكتفى بوزارة خارجة عن البرلمان وفي 11 نيسان أنس من نفسه القوة بحيث يشكل وزارة معادية للبرلمان كانت تجمع في ذاتها بانسجام قرارات حجب الثقة التي أصدرتها الجمعيتان التأسيسية والتشريعية، الجمهورية والملكية. وقد كان هذا التدرج في الوزارات هو مقياس الحرارة الذي كان البرلمان يستطيع بواسطته أن يقيس انخفاض حرارة حياته هو. وما أن أشرف شهر نيسان على نهايته حتى كانت الأخيرة قد هبطت إلى حد استطاع معه برسنييه أن يحث شغارنييه، في مقابلة شخصية، على انضمام إلى معسكر الرئيس وأكد له أن بونابرت يعتبر أن نفوذ الجمعية الوطنية قد قضي عليه تمامًا وأنه تم أعداد المنشور الذي سيذاع بعد Coup d’état، الذي كان ماثلاً في الذهن بصورة واضحة ولكنه تأجل بفعل الصدفة مرة أخرى. وقد أبلغ شانغارنييه زعماء حزب النظام بحكم الموت هذا. ولكن من ذا الذي يظن عضات البق مميتة؟ وما كان في وسع البرلمان، وهو العاجز المفكك الذي دب فيه الموت والذي يوشك أن يلفظ نفسه الأخير، أن يتغلب على نفسه ليرى في مبارزته مع الرئيس المسخ لجمعية العاشر من كانون الأول شيئًا غير مبارزة مع بقة. ولكن بونابرت أجاب حزب النظام بمثل ما أجاب اجيسلاوس الملك أجيس: “أبدو لعينيك نملة ولكني سأكون ذات يوم أسدا”([51]).

 

(6)

أن الائتلاف مع “الجبل” والجمهوريين الصرف الذي وجد حزب النظام أنه محكوم به عليه في جهوده غير المجدية للاحتفاظ بالسلطة العسكرية ولاستعادة الأشراف الأعلى على السلطة التنفيذية أثبت بلا جدال أنه قد خسر أكثريته البرلمانية المستقلة. وفي 28 أيار أعطت القوة البسيطة للتقويم الزمني ولعقرب الساعة الإشارة لتفككه تفككًا تامًا. في 28 أيار بدأت السنة الأخيرة من سني حياة الجمعية الوطنية. لقد كان عليها الآن أن تقرر أما أبقاء الدستور دون تغيير أو إعادة النظر فيه. بيد أن أعادة النظر في الدستور لم يكن تعني فحسب الاختياريين حكم البرجوازية أو حكم ديموقراطية البرجوازية الصغيرة، بين الديموقارطية أو الفوضى البروليتاريا، بين الجمهورية البرلمانية أو بونابرت، بل كانت تعني في الوقت نفسه الاختيار بين أورليان أو بوربون! وهكذا سقطت وسط البرلمان نفسه تفاحة الشقاق التي كان لا بد لها أن تؤجج علنًا التضارب في المصالح التي شقت حزب النظام إلى تكتلات متعادية. أن حزب النظام كان خليطًا من عناصر اجتماعية غير متجانسة. وقد ولدت مسألة أعادة النظر في الدستور درجة الحرارة السياسية التي ينحل عندها هذا الخليط إلى عناصره الأصلية.

أما مصلحة البونابرتيين في إعادة النظر في الدستور فبسيطة. فبالنسبة إليهم كانت المسألة قبل كل شيء هي مسألة إلغاء المادة 45 التي كانت تمنع إعادة انتخاب بونابرت وتمديد سلطته. ولم يكن موقف الجمهوريين ليبدو أقل بساطة. فقد كانوا ينبذون دون قيد أو شرط أية أعادة نظر إذ كانوا يرون فيها مؤامرة عامة على الجمهورية. ولما كانوا يحكمون على أكثر من ربع الأصوات في الجمعية الوطنية، وكان يلزم ثلاثة أرباع الأصوات، حسب الدستور، ليكون القرار القاضي بإعادة النظر صحيحًا من الوجهة القانونية وليتم عقد جلسة خاصة لإعادة النظر، فقد كان بحسبهم أن يعدوا أصواتهم ليكونوا واثقين من النصر. وقد كانوا واثقين من النصر.

وخلافًا لهذين الموقفين الواضحين وجد حزب النظام نفسه متورطًا في تناقضات لا قبل بحلها. فإذا ما رفض إعادة النظر، لهدد الوضع القائم لأن ذلك يترك لبونابرت مخرجًا واحدًا فحسب هو اللجوء إلى القوة، ولأن ذلك يعني تسليم فرنسا يوم الأحد الثاني من أيار سنة 1852، وفي لحظة الفصل، إلى تعسف الفوضى الثورية مع رئيس فقد سلطته وبرلمان لم يكن يملكها منذ زمن بعيد وشعب ينوي استردادها ثانية. وإذا ما أقترع إلى جانب إعادة نظر دستورية فقد كان يعرف أنه يقترع عبثًا وكان لا بد له أن يفشل دستوريًا بسبب اعتراض الجمهوريين. وإذا ما أعلن، خلافًا للدستور، أن قرارًا يتخذ بالأكثرية البسيطة سيكون ملزمًا فلن يكون لديه حينئذ أمل في التغلب على الثورة إلا إذا أخضع نفسه بلا قيد أو شرط لسيادة السلطة التنفيذية، وبذلك يضع تحت تصرف بونابرت الدستور وإعادة النظر فيه ومصير الحزب نفسه. أما إعادة النظر الجزئية الرامية إلى إطالة أمد سلطة الرئيس فإنها تمهد السبيل للاغتصاب البونابرتي. وأما إعادة النظر العامة الرامية إلى تقصير أمد بقاء الجمهورية فإنها تؤدي بلا محالة إلى وقوع اشتباك بين ادعاءات الأسر المالكة الأورليانية لم تكن تختلف بعضها عن بعض فحسب بل كانت تنفي بعضها بعضًا بصورة متبادلة.

أن الجمهورية البرلمانية كانت أكثر من تربة محايدة تستطيع كتلتا البرجوازية الفرنسية، الشرعيون والأورليانيون، الملكية العقارية الكبيرة والصناعة – أن تتصرفا عليها جنبًا إلى جنب متمتعتين بالحقوق المتساوية. فقد كانت الشرط الذي لا بد منه لحُكمهما المشترك، شكل الدولة الوحيد الذي سيطرت معه مصلحتها الطبقية العامة على إدعاءات بعض كتل البرجوازية وكذلك على جميع طبقات المجتمع الباقية. وبوصفهم ملكيين، ارتدوا إلى عداوتهم القديمة، إلى الصراع بين الملكية العقارية وبين النقد من أجل السيادة، وأعلى تعبير عن هذه العداوة، وتجسيدها، إنما كان ملوكهم أنفسهم وأسرهم المالكة. وهذا ما يفسر مقاومة حزب النظام لعودة البوربون.

كان الأورلياني والنائب كريتون قد تقدم بصورة دورية في سنوات 1849و 1850 و1851 باقتراع يدعو لإلغاء مرسوم النفي الصادر بحق الأسر المالكة. وظهر البرلمان نفسه، بانتظام مماثل، بمظهر جمعية من الملكيين توصد بعناد الأبواب التي يمكن أن يعود منها ملوكهم المنفيون إلى الوطن. أن ريتشارد الثالث قتل هنري السادس قائلاً أنه أطيب من أن يعيش في هذه الدنيا وأن مكانه الذي يستحقه هو السماء. والملكيون أعلنوا أن فرنسا أسوأ من أن تحصل على ملوكها المنفيين ثانية. فقد أرغمتهم الظروف القاهرة على أن يصبحوا جمهوريين ويصادقوا تكرارًا على القرار الشعبي الذي نفي ملوكهم من فرنسا.

أن إعادة النظر في الدستور – وكانت الظروف تجبر طرح هذه المسألة على بساط البحث – عرضت للخطر، إلى جانب الجمهورية، الحكم المشترك للكتلتين البرجوازيين وأحيت، مع إمكانية قيام الحكم الملكي، تنافس المصالح التي كان يمثلها هذا الحكم بصورة غالبة بالتناوب، كما أحيت الصراع من أجل سيادة أحدى الكتلتين على الأخرى. وأعتقد ديبلوماسيو حزب النظام أنهم يستطيعون إطفاء الصراع يدمج الأسرتين، بما يسمى صهر الحزبين الملكيين وبيتيهما المالكين. أن الصهر الحقيقي لعهد العودة ولملكية تموز (يوليو) كان الجمهورية البرلمانية التي محيت فيها الألوان الأورليانية والشرعية وانحلت فيها الأنواع المختلفة من البرجوازية في البرجوازية بشكل عام، في البرجوازية – النوع. أما الآن فيجب على الأورلياني أن يصبح شرعيًا والشرعي أورليانيا. وكان للملكية التي كانت تجسيدًا لعداواتهم أن تصبح تجسيدًا لوحدتهم. وكان للتعبير عن مصالحهم التكتلية المتنافرة أن يصبح تعبيرًا عن مصلحتهم الطبقية المشتركية، وكان على الملكية أن تفعل ما لم يستطع فعله ولم يفعله غير إلغاء الملكيتين، غير الجمهورية. لقد كان هذا حجر الفلسفة الذي صدّع كيمائيو حزب النظام رؤوسهم في سبيل أنتاجه. فكأنّ الملكية الشرعية يمكن أن تغدو يومًا ملكية البرجوازيين الصناعيين أو كأن الملكية البرجوازية يمكن أن تغدو يومًا ملكية اريستقراطية الأرض الوارثية. وكأن الملكية العقارية والصناعة يمكن أن تتعايشا بسلام تحت تاج واحد، في حين لا يستطيع التاج أن يكلل إلا رأسًا واحدًا، رأس الأخ الأكبر أو الأصغر. وكأن الصناعة على العموم يمكن أن تتفق مع الملكية العقارية ما دامت الملكية العقارية لا تقرر أن تصبح هي نفسها صناعية. فإذا مات هنري الخامس غدًا، فإن كونت باريس لا يغدو لهذا السبب ملك الشرعيين إلا إذا كف عن أن يكون ملك الأورليانيين. بيد أن فلاسفة الصهر الذين كان يزداد زعيقهم بمقدار ما كانت قضية إعادة النظر في الدستور تأتي إلى مركز الصدارة والذين هيأوا لأنفسهم من جريدة “Assemblée nationale” ([52])صحيفة رسمية يومية تنطق باسمهم والذين يعكفون على العمل ثانية حتى في هذه اللحظة بالذات (شباط – فبراير – 1852) رأوا أن الصعوبة كلها ناشئة عن الخصومة والتنافس بين الأسرتين المالكتين. أن محاولات التوفيق بين أسرة أورليان وهنري الخامس، التي بدأت منذ وفاة لويس فيليب ولكن التي كانت لا تقوم، شأنها شأن كل المكائد المتصلة بالأسر المالكة عمومًا، إلا في أثناء عطلة الجمعية الوطنية، فيما بين الفصول ووراء الكواليس، بوصفها مداعبة عاطفية للخرافة القديمة أكثر منها شغلاً بالمعنى الجدي، هذه المحاولات أصبحت الآن تمثيلية مهيبة يقوم بها حزب النظام على المسرح العام بدلاً من مسارح الهواة، كمان كان الأمر حتى الآن. لقد تراكض الرسل بلا انقطاع من باريخ إلى البندقية ([53])ومن البندقية إلى كليرمونت ومن كليرمونت إلى باريس. ويصدر الكونت شامبور بيانًا يعلن فيه، “بمعونة عموم أفراد عائلته” لا إعادته هو بل الإعادة “القومية”. ويلقي الأورلياني سالفاندي بنفسه عند أقدام هنري الخامس. ويسافر الرؤساء الشرعيون: بيرييه وبنوا دازي وسان – بريست، إلى كليرمونت لكي يقنعوا الطقم الأورلياني ولكن على غير طائل. أن أنصار الصهر يدركون بعد فوات الأوان أن مصالح الكتلتين البرجوازيتين لا تصبح أقل تنافرًا ولا تكسب ليونة عندما يجرى التشديد عليها في شكل مصالح عائلية، مصالح بيتين مالكين. فإذا ما أعترف هنري الخامس بكونت باريس خلفًا له – وهو النجاح الوحيد الذي يمكن أن يأمل أنصار الصهر فيه في أحسن الحالات – فأن آل أورليان لن يكسبوا بذلك أي حقوق غير تلك التي أمّنها لهم عقم هنري الخامس بل أنهم سيفقدون جميع الحقوق التي كسبوها بثورة تموز (يوليو). أنهم يكونون قد تخلّوا عن ادعاءاتهم القديمة وجميع الحقوق التي انتزعوها من الفرع الأقدم للبوربون خلال مائة عام من الصراع تقريبًا، أنهم يكونون قد تخلوا عن امتيازاتهم التاريخية، امتيازات الملكية الحديثة، لصالح الامتياز القائم على شجرة النسب. ولهذا لن يكون الصهر إلا تنازلاً طوعيًا من قبل آل أورليان، تنازلاً عن حقوقهم في صالح الشرعية وانسحابا نادمًا من كنيسة الدولة البروتستانتية إلى الكنيسة الكاثوليكية، أنسحابًا لن يأتي بهم، فضلاً عن هذا، حتى إلى العرش الذي فقدوه بل إلى درجة من سلم العرش الذي ولدوا عليه. أن الوزراء الأورليانيين القدماء غيزو ودوشاتل وغيرهما الذي سارعوا بالمثل إلى كليومونت لكي يعدوا الصهر سلفًا لم يكونوا يمثلون في الواقع إلا شعور الضيق والكآبة بعد ثورة تموز، وخيبة آمالهم في ملكية برجوازية وبرجوازية ملكية، والاعتقاد الخرافي بالشرعية باعتبارها التعويذة الأخيرة ضد الفوضى. وهم أذ تصوروا أنفسهم وسطاء بين الأورليان والبوربون، كانوا في الواقع مجرد مرتدين أورليانيين وبهذه الصفة أستقبلهم الأمير جوانفيل. أما الفريق المحب للعراك والقابل للحياة من الأورليانيين، تيير وباز، الخ.، من جهة أخرى، فقد أقنع أسرة لويس فيليب بسهولة أكثر بأنه إذا كانت أية إعادة مباشرة للمكية تفترض مقدمًا صهر الأسرتين ولما كان أي صهر كهذا، على أية حال، يفترض مقدمًا تخلي آل أورليان عن حقوقهم، فمما يتفق تمامًا مع تقاليد أجدادهم هو أن يعترفوا بالجمهورية مؤقتًا وينتظروا حتى تسمح الأحداث بتحويل كرسي الرئاسة إلى عرش. وقد راجت أولاً الشائعات عن ترشيح جوانفيل لرئاسة الجمهورية وبات فضول الجماهير في حالة ترقب وقاق، بعد أشهر قليلة، في شهر أيلول (سبتمبر)، وبعد نبذ إعادة النظر في الدستور، أعلن ترشيحه بصورة علنية.

وهكذا فإن محاولة القيام بصهر ملكي للأورليانيين والشرعيين لم تمن بالفشل فحسب بل إنها دمرت صهرهم البرلماني، شكلهم الجمهوري المشترك، وجزأت حزب النظام ثانية إلى جزئيه الأصليين الذين كان يتألف منهما. بيد أنه كلما ازداد الجفاء بين كليرمونت والبندقية وكلما أخفق التوفيق بينهما وأحرز تهييج جوانفيل نجاحًا، ازدادت المفاوضات بين فوشيه وزير بونابرت والشرعيين حماسة وجدية.

إن انحلال حزب النظام لم ينحصر في تفككه إلى عنصريه الأصليين. فإن كلا من الكتلتين الكبيرتين قد تحللت بدورها من جديد. وبات الأمر كما لو أن جميع الفروق الطفيفة القديمة التي تصارعت وتزاحمت سابقًا في داخل كل من المعسكرين، سواء أكان شرعيًا أم أورليانيًا، قد ساحت ثانية كما تسيح النقاعيات الجافة لدى ملامستها الماء، كما لو أنها اكتسبت مجددًا طاقة حيوية كافية لتشكيل جماعات خاصة ذات مصالح متناقضة مستقلة. وعاد الشرعيون في أحلامهم إلى الماضي، إلى زمن المجادلات فيما بين قصر التويلري وجناح مارسان، بين فيلي وبولينياك ([54]). وعاش الأورليانيون من جديد الأيام الذهبية لمواكبة المبارزة بين غيزو وموليه. وبروغلي وتيير وأوديلون بارو.

إن ذلك الجزء من حزب النظام الذي كان حريصًا على إعادة النظر في الدستور، ولكنه كان منقسمًا أيضًا حول حدود إعادة النظر، وهو فريق مؤلف من الشرعيين بقيادة برييه وقالوا من جهة وبقيادة لاروشجاكلين من جهة أخرى، ومن الأورليانيين الذين أتعبهم الصراع بقيادة موليه وبروغلي ومونتالمبير وأوديلون بارو، اتفق مع النواب البونابرتيين على الاقتراح التالي الذي صيغ بعبارة واسعة غير محدودة:

“إن النواب الموقعين أدناه، بقصد أن تعدا إلى الأمة ممارسة سيادتها بصورة تامة، يقترحون إعادة النظر في الدستور”.

بيد أنهم صرحوا بالإجماع في الوقت نفسه، بلسان رواية إخبارهم توكفيل، بأن الجمعية الوطنية لم يكن يحق لها أن تقترح إلغاء الجمهورية – وأن هذا الحق كان منوطًا بمجلس ينعقد من أجل إعادة النظر في الدستور. وفضلاً عن ذلك صرحوا أنه لا يجوز إعادة النظر في الدستور إلا بصورة “قانونية”، أي إلا إذا كانت ثلاثة أرباع الأصوات التي نص عليها الدستور إلى جانب إعادة النظر. وفي اليوم التاسع عشر من تموز (يوليو)، وبعد ستة أيام من النقاش العاصف، نبذت إعادة النظر، كما كان متوقعًا. فقد اقترع إلى جانبها أربعمائة وستة وأربعون صوتًا بيد أن مائتين وثمانية وسبعين كانت ضدها. وقد صوت الأورليانيون المتطرفون، تيير وشانغارنييه، إلخ، مع الجمهوريين و”الجبل”.

وهكذا أعلنت أكثرية البرلمان وقوفها ضد الدستور، بيد أن هذا الدستور نفسه أعلن أنه يقف مع الأقلية وأن قرارها هو الملزم. ألم يقم حزب النظام بإخضاع الدستور للأكثرية البرلمانية في 31 أيار (مايو) سنة 1850 وفي 13 حزيران (يونيو) 1849؟ ألم تكن سياسته كلها تستند حتى الآن إلى إخضاع مواد الدستور لقرارات الأكثرية البرلمانية؟ ألم يترك للديموقراطيين الاعتقاد الخرافي الذي أكل عليه الدهر وشرب بحرفية القانون ويقاض الديموقراطيين بسببه؟ بيد أن إعادة النظر في الدستور لم تكن تعني في اللحظة الراهنة سوى إطالة مدة سلطة الرئيس، بينما كان تمديد مفعول الدستور لا يعني سوى الإطاحة ببونابرت. أن البرلمان أعلن وقوفه إلى جانب بونابرت ولكن الدستور أعلن وقوفه ضد البرلمان. ولذلك كان بونابرت يعمل بروح البرلمان عندما مزق الدستور وكان يعمل بروح الدستور عندما صرف البرلمان.

إن البرلمان أعلن الدستور وأعلن مع الدستور حكمه هو “خارج الأكثرية”؛ وبالقرار الذي اتخذه هو، ألغي الدستور ومد في أجل سلطان الرئيس كما أعلن في الوقت ذاته أنه لا يمكن للدستور أن يموت ولا لسلطان الرئيس أن يعيش ما دام البرلمان نفسه على قيد الحياة. وأولئك الذين سيدفنونه كانوا يقفون بالباب. وبينما كان البرلمان يناقش إعادة النظر، عمد بونابرت إلى إقصاء الجنرال باراغه ديليه الذي أثبت قلة الحزم، عن قيادة الفرقة الأولى للجيش وعين بدلاً منه الجنرال مانيان، صاحب النصر في ليون وبطل أيام كانون الأول، وهو أحد صنائعه وكان من قبل، زمن لويس فيليب، قد أساء إلى سمعته إلى هذا الحد أو ذاك بوصفه من أنصار بونابرت لمناسبة الحملة على بولون.

لقد أثبت حزب النظام بالقرار الذي اتخذه بشأن إعادة النظر في الدستور أنه ليس قادرًا لا على أن يحكم ولا على أن يخدم، لا على أن يعيش ولا على أن يموت، لا على أن يحتمل الجمهورية ولا على أن يقبلها، لا على أن يدعم الدستور ولا على أن يطرحه، لا على أن يتعاون مع الرئيس ولا على أن ينابذه. فإلى من يتطلع، إذن، لحل جميع التناقضات؟ إلى التقويم الزمني، إلى مجرى الأحداث. لقد كف عن الادعاء بأنه يتحكم بالأحداث، ولذلك استسلم لسلطان الأحداث، أي لسلطان تلك القوة التي تنازل لها عن صلاحية تاو أخرى من صلاحيات السلطة في نضاله ضد الشعب حتى وقف هو نفسه عاجزًا إزاء هذه القوة. ولكي يمكن رئيس السلطة التنفيذية من أن يضع خطة الحملة ضده دونما إزعاج ويعزز وسائل الهجوم ويختار أدواته ويحصن مواقعه، قرر في هذه اللحظة الحرجة بالذات أن يعتزل المسرح وأن يرفض ثلاثة أشهر، من 10 آب لغاية 4 تشرين الثاني.

إن الحزب البرلماني لم ينحل إلى كتلتيه الكبيرتين فحسب ولم تنقسم كل واحدة من هاتين الكتلتين من الداخل فحسب بل أن الخلاف قد دب بين حزب النظام في البرلمان وحزب النظام خارج البرلمان. فإن خطباء البرجوازية وكتابها، منابرها وصحافتها، وبكلمة مختصرة، أيديولوجيي البرجوازية والبرجوازية ذاتها، الممثلين والممثلين، واجهوا بعضهم بعضًا بالجفاء ولم يعد يفهم واحدهم الآخر.

إن الشرعيين في الأقاليم، بما كانوا عليه من أفق محدود وحماسة غير محدودة، اتهموا زعيميهم البرلمانيين، بيرييه وفالو، بالتخلي عنهم والانضمام إلى المعسكر البونابرتي وبالارتداد عن هنري الخامس. أن عقولهم الزنبقية (نسبة إلى زهرة الزنبق: fleur-de-lis، شعار ملكية آل بوربون الشرعي. الناشر) كانت تؤمن بخطيئة آدم لا بالديبلوماسية.

بيد أن ما كان أكثر شؤمًا من هذا بكثير وأكثر حسمًا فهو قطيعة البرجوازية التجارية مع ساستها. لقد وبختهم، لا لنخليهم عن مبادئهم، كما فعل الشرعيون مع ساستهم بل بالعكس لتشبثهم بمبادئ أصبحت عديمة الجدوى.

لقد أشرت من قبل إلى أن ذلك الفريق من البرجوازية التجارية الذي كانت له حصة الأسد من السلطة في زمن لويس فيليب، أي أريستقراطية المال، قد غدا منذ دخول فولد الوزارة بونابرتيًا. أن فولد لم يكن يزود عن مصالح بونابرت في البورصة فحسب بل كان يدافع في الوقت نفسه عن مصالح البورصة أمام بونابرت. ونحن نجد موقف أريستقراطية المال مصورًا بأجلى بيان في فقرة وردت في لسان حالها الأوروبي، صحيفة „Economist“ ([55]) اللندنية. ففي عددها الصادر في 1 شباط 1851 كتب مراسلها في باريس يقول:

“تفيد الأنباء الواردة من جميع الجهات أن فرنسا تطالب بالسكينة قبل كل شيء. الرئيس يعلنها في رسالته إلى الجمعية التشريعية، وصداها يتردد من على المنابر الوطنية، وهي تؤكد في الصحف وتذاع من كراسي الوعظ في الكنائس، وتثبتها حساسية السندات الحكومية حيال أقل بادرة من بوادب الاضطراب وثباتها في اللحظة التي يتضح فيها أن السلطة التنفيذية هي المنتصرة”.

وتعلن „Economist“ في عددها الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني 1851 باسمها الخاص:

“إن الرئيس هو حامي النظام. وبهذه الصفة تعترف به الآن جميع بورصات أوروبا”.

ولهذا استنكرت أريستقراطية المال الصراع البرلماني لحزب النظام مع السلطة التنفيذية بوصفه إخلالاً بالنظام ورحبت بكل نصر أحرزه الرئيس على ممثليها هي بالذات، كما يبدو، باعتباره نصرًا للنظام. ولا يجوز أن نفهم هنا من عبارة “أريستقراطية المال” مجرد كبار متعهدي تقديم القروض والمضاربين في السندات الحكومية، الذين تتفق مصالحهم تمام الاتفاق مع مصالح سلطة الدولة لأسباب واضحة تمامًا. إن عالم المال الحديث كله، أشغال البنوك بأسرها، متشابكة أوثق التشابك مع قروض الدولة. أن شطرًا من رساميل البنوك هو بالضرورة مستثمر ومشغل بالربا في سندات حكومية قابلة للتصريف بسرعة كما أن الودائع البنكية ورأس المال الموضوع تحت تصرف البنوك التي توزعها بين التجار ورجال الصناعة مستمدة جزئيًا من أرباح حاملي السندات الحكومية. وإذا كان استقرار سلطة الدولة قد عني في جميع الأزمنة قدس الأقداس بالنسبة إلى السوق المالية بأسرها وبالنسبة إلى كهان هذه السوق المالية فلماذا لا يكون الأمر كذلك من بابا أولى اليوم عندما يهدد كل طوفان بكنس الدول القديمة وكنس ديون الدول القديمة معها؟

كذلك البرجوازية الصناعية في تعصبها الأعمى للنظام أغضبتها مناقرات حزب النظام البرلماني مع السلطة التنفيذية. وقد تلقى تيير وأنجلاس وسان-بيف وغيرهم، بعد تصويتهم في 18 كانون الثاني بمناسبة عزل شانغارنييه، توبيخات علنية من منتخبيهم، من المناطق الصناعية بالذات، عنفوا فيها بشدة لائتلافهم مع “الجبل” بوجه خاص باعتباره خيانة عظمى للنظام. وإذا كانت التقريعات المتبجحة والمكائد التافهة التي انحصر فيها صراع حزب النظام ضد الرئيس لا تستحق، كما رأينا، استقبالاً أفضل مما استقبلت به فإن هذا الجزء من البرجوازية الذي طالب ممثليه بأخذ القوة العسكرية من برلمانه وإعطائها بلا قيد ولا شرط إلى مدع مغامر، كان لا يساوي، من ناحية أخرى، حتى هذه المكائد التي يعزقت من أجل مصالحه. ولقد أثبت أن الصراع من أجل مصالحه العامة ومصالحه الطبقية الخاصة وسلطته السياسية لم يكن من شأنه إلا أن يزعجه ويتعبه لأنه كان عائقًا لأعماله الخصوصية.

إن أعيان البرجوازية في مدن المقاطعات ومستشاري البلديات وأعضاء المحاكم التجارية، إلخ، قد استقبلوا بونابرت في كل مكان تقريبًا أثناء رحلاته بمنتهى الخنوع وحتى في ديجون حيث شن هجومًا غير متحفظ على الجمعية الوطنية وخصوصًا على حزب النظام.

عندما كانت التجارة رائجة، كما كانت ما تزال عليه في أول عام 1851، ثارت البرجوازية التجارية ضد أي صراع برلماني لئلا يعتكر مزاج التجارة. وعندما كانت التجارة بائرة، كما كانت باستمرار منذ نهاية شباط 1851، اتهمت البرجوازية التجارية الصراعات البرلمانية بأنها سبب الركود وطالبت بالكف عن هذا الصراع قصد تشجيع التجارة. وقد جرت مناقشات إعادة النظر في الدستور في هذه الفترة السيئة بالضبط. ولما كانت القضية هنا هي فيما إذا كان الشكل القائم للدولة سيكون أو لن يكون فقد شعرت البرجوازية بأن لها ملء الحق في أن تطالب ممثليها بإنهاء هذه الحالة الانتقالية المعذبة وبالمحافظة في الوقت نفسه على الوضع القائم. ولم يكن في هذا أي تناقض. فقد كانت تفهم بنهاية الحالة الانتقالية إطالتها بالضبط وتأجيل البت في الأمور إلى المستقبل البعيد. ولم يكن في الوسع المحافظة على الوضع القائم إلا بطريقتين: بتمديد سلطة بونابرت أو باعتزاله اعتزالاً دستوريًا وانتخاب كافينياك. وكان قسمن البرجوازية يميل إلى الحل الأخير ولكنه لم يكن يعرف نصيحة يسديها إلى ممثليه أفضل من أن يلتزموا الصمت ويتركوا القضية الملحة دون مساس. وكان يرى أنه إذا لم يتكلم ممثلوه فإن بونابرت لن يعمل. كان يريد برلمانًا نعامة يخفي رأسه حتى لا يراه أحد. وكان قسم آخر من البرجوازية يرغب في أن يدع بونابرت جالسًا على كرسي الرئاسة، ما دام كان يجلس عليه بالفعل، حتى يبقى كل شيء في مجراه القديم. وقد سخط لأن برلمانه لا يريد أن يخرق الدستور صراحة ويتخلى عن سلطته دون شكليات.

إن المجالس العمومية في المقاطعات، تلك الهيئات التمثيلية الإقليمية للبرجوازية الكبيرة، التي انعقدت منذ 25 آب (أغسطس) فصاعدًا خلال عطلة الجمعية الوطنية، أعلنت بالإجماع تقريبًا أنها مع إعادة النظر ووقفت بذلك ضد البرلمان وإلى جانب بونابرت.

وقد أظهرت البرجوازية سخطها على ممثليها الأبيين، على صحافتها هي على نحو أقل ليسا حتى من قطيعتها مع ممثليها البرلمانيين. فإن الأحكام التي أصدرتها المحاكم البرجوازية بالغرامات النقدية الباهظة وبعقوبات السجن العديمة الحياء لكل هجوم يقوم به الصحفيون البرجوازيون على شهوات بونابرت الاغتصابية ولكل محاولة تقوم بها الصحافة للدفاع عن حقوقهم البرجوازية السياسية ضد تطاولاً السلطة التنفيذية لم تدهش فرنسا وحدها بل أدهشت أوروبا بأسرها.

وإذا كان حزب النظام البرلماني، بصراخة من أجل ضرورة السكينة، كما بينت سابقًا، قد حكم على نفسه بالهمود وإذا كان يعلن أن حكم البرجوازية السياسي لا يتفق مع أمن البرجوازية وبقائها، بتدميره بيديه جميع شروط حكمه هو، أي الحكم البرلماني، في الصراع ضد طبقات المجتمع الأخرى، فقد كانت جمهرة البرجوازية خارج البرلمان، من جهة أخرى، يخنوعها تجاه الرئيس ويعيبها في البرلمان وبسوء معاملتها الوحشية لصحافتها ذاتها، تحفز بونابرت لإخماد وإبادة الجزء الناطق والكاتب منها، سياسييها وأدبائها، منبرها وصحافتها حتى يتسنى لها حينئذ متابعة شؤونها الخاصة في ثقة تامة بحماية حكومة قوية غير مقيدة. لقد أعلنت بغير التباس أنها كانت تحن إلى التخلص من حكمها السياسي الخاص لكي تتخلص من هموم الحكم ومخاطره.

وهذه البرجوازية خارج البرلمان، التي ثارت من قبل على الصراع البرلماني والأدبي الصرف من أجل حكم طبقتها هي والتي خانت زعماء هذا الصراع، تجرؤ الآن، بعد حدوث ما حدث، على اتهام البروليتاريا بأنها لم تنهض من أجلها إلى كفاح دام، كفاح حياة أو موت! وهذه البرجوازية التي كانت تضحي في كل لحظة بالمصالح العامة لطبقتها، أي بمصالحها السياسية في سبيل أضيق المصالح الخاصة وأخسها وكانت تطالب ممثليها بتضحية مماثلة، تنوح الآن زاعمة أن البروليتاريا قد ضحت بمصالحها السياسية المثالية (أي مصالح البرجوازية) في سبيل مصالحها المادية (أي مصالح البروليتاريا)، أنها تتصرف كأنها كائن جميل أساءت البروليتاريا التي ضللها الاشتراكيون فهمه وخذلته في الساعة الحاسمة. وتجد صرخاتها صدى في العالم البرجوازي كله. وأنا لا أتحدث هنا بطبيعة الحال عن الساسة الألمان التافهين والجهلة. أني أقصد، على سبيل المثال، مجلة „Economist“ نفسها التي أعلنت، في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1851، أي قبل الانقلاب بأربعة أيام، بونابرت “حاميًا للنظام” وتيير وبيرييه وإضرابهما “فوضويين”، والتي تصيح في 27 كانون الأول (ديسمبر) 1851، أي بعد أن أخمد بونابرت هؤلاء “الفوضويين”، بشأن الخيانة التي ارتكبتها “جماهير البروليتاريين الجهلة غير المهذبين البلداء” بحق “مواهب فئات المجتمع الوسطى والعليا وعلمها وانضباطها وتأثيرها العقلي ومواردها الفكرية ووزنها الأدبي”. ولكن الجمهور البليد الجاهل المبتذل لم يكن سوى الجمهور البرجوازي ذاته.

صحيح أن فرنسا مرت في عام 1851 بنوع من أزمة تجارية صغيرة. فقد أشارت نهاية شهر شباط (فبراير) إلى هبوط في الصادرات بالمقارنة مع عام 1850، وفي شهر آذار (مارس) ساءت حال التجارة وأخذت المصانع تغلق أبوابها، وفي شهر نيسان (إبريل) كان وضع المقاطعات الصناعية يبدو في حالة من اليأس تماثل تلك التي سادت بعد أيام شباط، وفي شهر أيار لم تكن الحال قد تحسنت بعد، وقد دلت مقتنيات بنك فرنسا حتى في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو)، وذلك استنادًا إلى الزيادة الضخمة في الودائع والنقصان الكبير المماثل في التسليف على الحوالات المالية، على أن الإنتاج كان في حالة ركود؛ ولم يطرأ تحسن تدريجي على الأشغال التجارية إلا في منتصف تشرين الأول (أكتوبر). وقد عزت البرجوازية الفرنسية هذا الركود التجاري إلى أسباب سياسية بحتة، وإلى الصراع بين البرلمان والسلطة التنفيذية، وإلى عدم رسوخ الشكل المؤقت للحكم، وغلى المنظر المفزع ليوم الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) 1852. ولست أنكر أن هذه الظروف جميعًا كان لها أثرها في التدهور الذي طرأ على بعض فروع  الصناعة في باريس والمقاطعات. بيد أن هذا التأثير للظروف السياسية كان على أية حال تأثيرًا محليًا وزهيدًا فحسب. وهذا ما تبرهنه بأفضل نحو الحقيقة التي تشير إلى أن تحسن التجارة قد بدأ في أواسط تشرين الأول بالضبط في اللحظة عينها التي ساءت فيها الحالة السياسية واكفهر الأفق السياسي وكان نزول صاعقة من قصر الإيلزيه متوقعًا في أية لحظة. ثم أن البرجوازي الفرنسي الذي لم تكن “مواهبه وعلمه وبصيرته الروحية وموارده العقلية” تصل إلى أبعد من أنفه، كان في وسعه طيلة فترة انعقاد المعرض الصناعي في لندن ([56]) أن يجد سبب بؤسه التجاري تحت أنفه تمامًا. فبينما كانت المصانع في فرنسا تقفل أبوابها، كانت الإفلاسات التجارية تتفشى في إنجلترا، وبينما بلغ الذعر الصناعي أوجه في فرنسا في نيسان وأيار، بلغ الذعر التجاري في نيسان وأيار أوجه في إنجلترا. وكما قاست صناعة الصوف الفرنسية، كذلك قاست صناعة الصوف الإنجليزية، وكما قاست صناعة الحرير الفرنسية كذلك قاست صناعة الحرير الإنجليزية. صحيح أن معامل القطن الإنجليزية واصلت أعمالها ولكنها لم تعد تجني نفس الأرباح التي جنتها في سنتي 1849 و1850. الفرق الوحيد هو أن الأزمة في فرنسا كانت صناعية وفي إنجلترا تجارية. وأنه بينما تعطلت المعامل في فرنسا، وسعت أعمالها في إنجلترا ولكن في ظروف أقل مؤاتاة من ظروف السنوات السابقة؛ أن الصادرات هي التي تلقت الضربة الرئيسية في فرنسا وفي إنجلترا الواردات. أما السبب المشترك، الذي لا يجوز أن تبحث عنه بطبيعة الحال ضمن حدود الأفق السياسي الفرنسي، فقد كان واضحًا. أن سنتي 1849 و1850 كانتا سنتين من أعظم سنوات الرخاء المادي وفيض الإنتاج الذي لم تظهر نتائجه إلا في 1851. ففي بداية هذه السنة، اشتد فيض الإنتاج بوجه خاص بسبب من انعقاد المعرض الصناعي في المستقبل. وهنالك فضلاً عن ذلك الظروف الخاصة التالية: أولاً قلة محصول القطن في 1850 و1851، وبعدئذ الثقة والأمل في محصول قطن أكبر مما كان متوقعًا، أولاً ارتفاع أسعار القطن ثم هبوطها المفاجئ، وبالاختصار التقلبات في أسعار القطن. إن محصول الحرير الخام، في فرنسا على الأقل، كان حتى أقل من المعدل. وأخيرًا اتسعت صناعة الصوف لدرجة كبيرة منذ عام 1848 حتى لم يعد في وسع إنتاج الصوف أن يجاريها فارتفعت أسعار الصوف الخام بحيث انعدم كل تناسب بينها وبين أسعار المصنوعات الصوفية. هنا إذن، في حالة المادة الخام لثلاثة فروع صناعية عالمية، توفرت لدينا قاعدة مثلثة للركود التجاري. وفضلاً عن هذه الظروف الخاصة لم تكن الأزمة الظاهرية لعام 1851 إلا الوقفة التي تحدث على الدوام في حالة فيض الإنتاج والمبالغة في المضاربة في سياق الدورة الصناعية قبل أن يستجمعا كل قوتهما لكي يقطعا بشكل محموم المرحلة الأخيرة لهذه الدورة ويصلا مرة أخرى إلى نقطة بدئهما، الأزمة التجارية العامة. وفي مثل هذه الفترات في تاريخ التجارة، تتفشى الإفلاسات التجارية في بريطانيا في حين تتعطل الصناعة نفسها في فرنسا، إذ تكون بتوع ما مرغمة على التقهقر أمام مزاحمة الإنجليز في جميع الأسواق. تلك المزاحمة التي لا تستطيع أن تصد لها في هذه الحال، وتكون بنوع آخر شديدة الحساسية بكل ركود في الأعمال بوصفها صناعة كماليات. وهكذا تجتاز فرنسا، فضلاً عن الأزمات العامة، أزمات تجارية وطنية خاصة بها يحددها ويشترطها برغم ذلك الوضع العام للسوق العالمية أكثر بكثير من المؤثرات المحلية الفرنسية. ولا يخلو الأمر من متعة إذا قارنا بين رأي البرجوازي الإنجليزي وبين وهم البرجوازي الفرنسي. كتب واحد من أكبر البيوتات التجارية في ليفربول في تقريره التجاري السنوي لعام 1851 يقول:

“سنوات نادرة كذبت التوقعات التي تكونت عند بدايتها على نحو أتم مما فعلت السنة التي انقضت الآن. فبدلاً من الازدهار العظيم الذي كان يتطلع إليه الجميع أثبتت أنها واحدة من أكثر السنين التي رأيناها في ربع القرن الأخير تثبيطًا للعزائم – وهذا يتعلق، بطبيعة الحال، بالطبقات التجارية لا الصناعية. ومع ذلك كانت هنالك بالتأكيد دواع كافية لتوقع العكس في بداية السنة – مخزون البضائع كان قليلاً والرساميل كانت وفيرة والطعام كان رخيصًا وكان يبدو أن المحصول الغني مضمون؛ سلام غير منقطع على القارة ولا صعوبات سياسية أو مالية في الوطن، وبالفعل، كان في وسع التجارة، على ما يبدو، أن تطلق أجنحتها أوسع مما في أي يوم مضى… فلأي شيء إذن يمكن أن تعزي هذه النتيجة المشؤومة؟ نحن نعتقد – إلى تضخم التجارة بصورة فائقة العادة سواء في الواردات أو في الصادرات. وإذا لم يضع تجارنا بأنفسهم حدودًا أضيق لنشاطهم، فلن يحفظ توازننا غير فزع يتجدد كل ثلاث سنوات”.

والآن لنتصور البرجوازي الفرنسي كيف يتعذب ذهنه المخبول بالتجارة في غمرة هذا الذعر التجاري ويدور في دوامة وينذهل من شائعات الانقلاب وإعادة حق الاقتراع الشامل، من الصراع بين البرلمان والسلطة التنفيذية، من مخاصمات الفروند فيما بين الأورليانيين والشرعيين، من المؤامرات الشيوعية في جنون فرنسا، من انتفاضات الفلاحين المزعومة في مقاطعتي نيفر وشير، من إعلانات مختلف المرشحين للرئاسة، من الشعارات الكثيرة الوعود في الصحف، من تهديدات الجمهوريين بالدفاع عن الدستور وحق الاقتراع الشامل بقوة السلاح، من الرسائل الانجيلية من المهاجرين الأبطال  in partibusالتي تبشر بإنتهاء العالم يوم الأحد الثاني من أيار (مايو) 1852 – لنتأمل كل ذلك، نفهم لماذا كانت البرجوازية، في هذه الفوضى التي لا توصف والتي تصم الأذان بما فيها من صهر وإعادة نظر وتمديد دستور وتآمر وأئتلاف وهجرة وأغتصاب وثورة، ترغى وتزبد مبهورة الأنفاس، وتزعق في جمهوريتها البرلمانية: “النهاية برعب ولا رعب بلا نهاية!”.

وقد فهم بونابرت هذه الصرخة. أن قدرته على الإدراك قد أرهفتها الجلبة المتزايدة للدائنين الذي كانوا يعتقدون أنه مع كل مغيب للشمس يقرّب آخر يوم الرئاسة، الأحد الثاني من أيار 1852، تعلن حركة النجوم رفض دفع كمبيالاتهم الأرضية. لقد أصبحوا منجمين حقيقيين. أن الجمعية الوطنية بددت آمال بونابرت في تمديد سلطته تمديدًا دستوريًا، ولم يعد ترشيح الأمير جوانفيل يسمح بأي تأرجح.

لو أن حادثًا ألقى يوم بظلاله أمامه قبل مجيئه بمدة طويلة لكان هذا انقلاب بونابرت. ففي اليوم التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1849، ولما يكد ينقضي على انتخابه شهر، قدم اقتراحًا بهذا المعنى إلى شانغارنييه. وفي صيف عام 1849 تحدث رئيس وزرائه ذاته، أوديلون، سراعن سياسية الانقلاب، وفي شتاء عام 1850 فعل تيير ذلك علنًا. وفي أيار 1851 سعي برسنييه مرة أخرى لكسب شانغارنييه إلى جانب الانقلاب وقد نشرت “Messager de l’Assemblée” ([57])وصفًا لهذه المفاوضات. وفي أثناء كل عاصفة برلمانية كانت الصحف البونابرتيه تهدد الانقلاب وكلما كانت الأزمة تقترب كانت نبرتها ترتفع. وفي مجالس القصف والسكر التي كان بونابرت يعقدها ليليا مع رجال ونساء من طغام الناس وحالما كانت ساعة منتصف الليل تقترب والجرعات الكبار تطلق الألسنة وتلهب الخيال كان الصباح التالي يحدّد موعدًا للانقلاب. كانت السيوف تسل والكؤوس تقرع والنواب يلقى بهم من النافذة والعباءة الإمبراطورية تسقط على كتفي بونابرت إلى أن يلاشي الصباح التالي الأشباح مرة أخرى ويعلم باريس المندهشة من كاهنات فستا (فستا: إلهة المواقد ونيران الذبائح عند الرومان القدماء. كاهنات فستا كناية عن النساء العفيفات. في حالة خرق بكارتهن يدفنونهن حيات في الأرض. الناشر.) القليلات الكتمان ومن الفرسان الطائشين بالخطر الذي نجب منه مرة أخرى. في خلال شهري أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) كانت شائعات Coup d’etat تتوالى بسرعة  الواحدة في أثر الأخرى. وكان الظل يكتسب لونًا مثل الداجوروتيب (صورة فوتوغرافية مطبوعة على لوحدة معدنية معالجة على نحو خاص. الناشر.) المرقش. حسبنا أن نتصفح أعداد شهري أيلول وتشرين الأول من الجرائد الأوروبية لنجد فيها كلمة فكلمة أخبارًا كما يلي: “شائعات انقلاب تملأ باريس. يقولون أن العاصمة ستحتل بالجنود أثناء الليل، وسيجلب الصباح التالي مراسيم بحل الجمعية الوطنية وبإعلان حالة الحصار في مقاطعة السين وإعادة حق الاقتراع الشامل والرجوع إلى الشعب. يقال أن بونابرت يبحث عن وزراء لتنفيذ هذه المراسيم غير القانونية”. وكانت الرسائل التي تأتي بهذه الأنباء تنتهي دائمًا بكلمة المشؤومة: “يؤجل”. أن الانقلاب كان دائمًا الفكرة الراسخة لدى بونابرت. بهذه الفكرة وطئت قدماه ثانية الأرض الفرنسية. وقد كانت تلح عليه وتلاحقه بحيث كان يفشيها بصورة متواصلة ويفتفت بها. وكان من الضعف بحيث كان يقلع عنها بنفس الصورة المتواصلة. أن ظل الانقلاب قد أصبح مألوفًا للباريسيين كشبح حتى أنهم لم يكونوا على أستعداد للتصديق به عندما مثل أمامهم أخيرًا باللحم والدم. وعلى هذا فلا الكتمان المتحفظ لرئيس جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ولا أخذ الجمعية الوطنية على حين غفلة هما السبب الذي أتاح للانقلاب أن ينجح. ولئن نجح فهو قد نجح بالرغم من هذر بونابرت ومع علم الجمعية الوطنية التام السابق بالانقلاب، وكان نتيجة ضرورية وحتمية للتطورات السابقة.

في اليوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) أعلن بونابرت لوزرائه قراره بإعادة حق الاقتراع الشامل، وفي اليوم السادس عشر قدموا استقالاتهم، وفي اليوم السادس والعشرين علمت باريس بتشكيل وزارة تورينيي. وفي الوقت ذاته نحّي مدير الشرطة كارلييه وأستبدل به موبا، بينما قام رئيس الفرقة العسكرية الأولى مانيان بتركيز أكثر الفصائل أهلاً للثقة في العاصمة. وفي الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) استأنفت الجمعية الوطنية جلساتها. ولم يكن لديها ما تفعله أفضل من أن تجمل في صيغة وجيزة مقتضبة الطريق الذي سلكته وأن تثبت إنها لم تدفن إلا بعد أن ماتت.

وكان أول مركز خسرته في الصراع مع السلطة التنفيذية هو الوزارة. وكان عليها أن تأخذ بوقار علمًا وخبرًا بهذه الخسارة وذلك باعترافها التام بوزارة تورينيي الزائفة تمامًا. واستقبلت اللجنة الدائمة المسيو جيرو بالضحك عندما قدم نفسه باسم الوزارة الجديدة. مثل هذه الوزارة الضعيفة لمثل هذه الإجراء القوى كإعادة حق الاقتراع الشامل! ومع ذلك كان الهدف بالضبط عدم أجازة شيء بواسطة البرلمان بل أجازة كل شيء ضد البرلمان.

وفي اليوم الأول بالذات لإعادة افتتاح الجمعية الوطنية تلقت الجمعية من بونابرت الرسالة التي طلب فيها إعادة حق الاقتراع الشامل وإلغاء قانون 31 أيار 1850. وفي اليوم نفسه قدم وزراؤه مرسومًا بهذا الشأن. وقد رفضت الجمعية الوطنية على الفرم اقتراح استعجال المرسوم الذي قدمه الوزراء ورفضت القانون نفسه في 13 تشرين الثاني بثلاثمائة وخمسة وخمسين صوتًا مقابل ثلاثمائة وثمانية وأربعين. وهكذا مزقت تفويضها مرة أخرى وأثبتت مرة أخرى أنها قد حولت نفسها من ممثلة للشعب منتخبة انتخابًا حرًا إلى البرلمان غاصب لطبقة واحدة، لقد اعترفت مرة أخرى بأنها قطعت بنفسها العضلات التي تصل الرأس البرلماني بجسم الأمة.

وإذا كانت السلطة التنفيذية باقتراحها إعادة حق الاقتراع الشامل قد استأنفت الأمر من الجمعية الوطنية إلى الشعب، فأن السلطة التشريعية بمشروع قانون الكويستور قد استأنفت الأمر من الشعب إلى الجيش. وقد قصدت الجمعية الوطنية من مشروع القانون هذا أن تثبت حقها في استدعاء الجنود مباشرة وتشكيل جيش برلماني. وإذا عينت الجمعية الوطنية الجيش على هذا الوجه حكمًا بينها وبين الشعب، وبينها وبين بونابرت، وإذا اعترفت بالجيش بوصفة القوة الحاسمة في الدولة فقد كان عليها أن تؤكد. من الجهة الأخرى، أنها قد تخلت منذ زمن طويل عن إدعائها بالسيطرة على هذه القوة. وإذا هي ناقشت حقها في استدعاء الجنود بدلاً من أن تستدعيهم على الفور، فضحت الشكو التي كانت تساورها بشأن قوتها بالذات. وإذا هي رفضت مشروع قانون الكويستور، اعترفت على الملأ بعجزها. أن مشروع القانون هذا قد هزم لأنه نال أقلية من مائة وثمانية أصوات. وهكذا فصل “الجبل” في الأمر. لقد وجد “الجبل” نفسه في موقف حمار بوريدان، ولكنه لم يكن بين حزمتين من القش كان عليه أن يقرر الأظرف منهما بل كان بين زختين من الضربات وعليه أن يقرر الأقسى منهما. كان هنالك من جهة الخوف من شانغارنييه ومن جهة أخرى الخوف من بونابرت. وعلى المرء أن يعترف بأن الموقف لم يكن بالموقف البطولي.

في اليوم الثامن عشر من تشرين الثاني ورد تعديل على قانون الانتخابات البلدية الذي قدمه حزب النظام بالذات، ويقضى التعديل باعتبار الإقامة لمدة سنة واحدة، بدلاً من ثلاث سنوات، كافية بالنسبة للناخبين البلديين. وقد خذل التعديل بأغلبية صوت واحد فقط، بيد أنه تبين على الفور أن هذا الصوت الوحيد كان مسجلاً من قبيل الخطأ. أن حزب النظام، وقد أنقسم إلى أتكتلات متعادية، قد خسر منذ زمن بعيد أكثريته البرلمانية المستقلة. وقد تبين الآن أنه لم تعد هناك في البرلمان أغلبية على الإطلاق. أن الجمعية الوطنية غدت عاجزة عن اتخاذ القرارات. لم تعد هنالك قوة تماسك من أي نوع تشد جزئياتها بعضها لبعض. لقد لفظت نفسها الأخير. لقد ماتت وأخيرًا وقبل الكارثة بأيام قلائل، كان على جمهرة البرجوازية خارج البرلمان أن تؤكد مرة أخرى على نحو مهيب انقطاع العلائق بينا وبين البرجوازية في البرلمان. أن تيير، وهو كبطل برلماني مصاب أكثر بكثير من الباقين بداء البلاهة البرلمانية العضال، قد عمد، بعد موت البرلمان، بالاشتراك مع مجلس الدولة، إلى تدبير مكيدة برلمانية جديدة – قانون مسؤولية من شأنه أن يفيد الرئيس تقييدًا صارمًا بحدود الدستور. وكما أن بونابرت، لدى وضعه حجر الأساس لقاعات السوق الجديدة المسقوفة في باريس في 15 أيلول (سبتمبر)، قد سحر، كأنه مازنيللو ثان، سيدات السوق، بائعات السمك – صحيح أن الواحدة منهم كانت ترجح في قوتها الحقيقية سبعة عشر برجرافا – وكما أنه، بعد تقديم مشروع قانون الكويستور، فئن الملازمين الذين أقام لهم الولائم في قصر الأيليزيه، كذلك الآن في 25 تشرين الثاني ساق وراءه البرجوازية الصناعية التي اجتمعت في السيرك لتستلم من يديه الأوسمة عن معرض لندن الصناعي. وسأورد الجزء ذا المغزى من خطابه كما ورد في “Journal des Débats”:

“مع مثل هذه النجاحات التي لم يكن يأملها أحد، لدى ملء الحق في أن أكرر: كم ستكون الجمهورية الفرنسية عظيمة لو أتيح لها أن تلاحق مصالحها الحقيقية وتصلح مؤسساتها بدلاً من أن تمنى بالخسارة على الدوام بسبب من إزعاج الديماغوجيين من جهة واضغاث الملكية من جهة أخرى. (تصفيق مدو، عاصف، متواصل مع جميع أرجاء المدرج.) أن الاضغاث الملكية تعرقل كل تقدم وكل فروع الصناعة الهامة. بدلاً من التقدم لا شيء سوى الصراع. ونحن نرى قومًا كانوا قبلاً أشد المؤيدين الغير السلطة الملكية والامتيازات الملكية ويعملون الآن بروح الكونفانسيون لا لشيء إلا ليضعفوا السلطة التي انبثقت عن حق الاقتراع الشامل. (تصفيق مدو متواصل.) ونحن نرى قومًا عانوا أشد المعاناة من الثورة وتذمروا منها أشد التذمر يستثيرون ثورة جديدة وما ذلك إلا ليقيدوا إرادة الأمة.. أنني أعدكم بالسكينة بالنسبة للمستقبل”، الخ.، الخ.. (هتافات عاصفة: “موحي”، “مرحي”)”.

وهكذا تهلل البرجوازية الصناعية بصيحات الاستحسان الذليلة لانقلاب الثاني من كانون الأول ولإبادة البرلمان ولسقوط حكمها هي – ولديكتاتورية بونابرت. أن هدير التهليل في 25 تشرين الثاني قد وجد جوابه في هدير المدافع في 4 كانون الأول، وقد كان بيت المسيو سالاندروز، الذي فاق الجميع بالتصفيق، أكثر البيوت تعرضًا للقصف.

عندما حل كرومويل البرلمان الطويل، ذهب بمفرده إلى قاعة الجلسات وأخرج ساعته حتى لا يبقى البرلمان دقيقة واحدة بعد الوقت الذي ضربه، وصرف كل عضو من أعضاء البرلمان مشيعًا بالتوبيخات الفكهة المرحة. ونابوليون، وهو أصغر من قدوته، أخذ نفسه على الأقل في الثامن عشر من برومير إلى الجمعية  التشريعية وتلا عليها، ولو بصوت متقطع، الحكم باعدامها. أما بونابرت الثاني الذي وجد في حيازته، فضلاً عن هذا، سلطة تنفيذية تختلف كل الاختلاف عن سلطة كرومويل أو نابوليون فقد بحث عن نموذجه لا في صحائف تاريخ العالم بل في تاريخ جمعية العاشر من كانون الأول، في تاريخ المحاكم الجنائية. فقد سلب بنك فرنسا خمسة وعشرين مليونًا من الفرنكات فاشترى الجنرال مانيان بمليون والجنود بخمسة عشر فرنكا للنفر الواحد وبالخمر وأجتمع بشركائه في الجريمة سرًا كاللص في الليل واوعز باقتحام منازل أشد الزعماء البرلمانيين خطرًا وبجبّر كافينياك ولاموريسيير وليفلو وشانغارنييه وشاراس وتيير وباز، الخ.، من الفراش وبسوقهم إلى السجن وباحتلال الجنود للمراكز الرئيسية في باريس ولمبنى البرلمان وبتعليق الإعلانات في الصباح الباكر على جميع الجدران تعلن حل الجمعية الوطنية ومجلس الدولة وإعادة حق الاقتراع الشامل وفرض حالة الحصار في مقاطعة السين. وبعد مدة جيزة نشر في “Moniteur” وثيقة مزورة تزعم أن ذوي النفوذ من البرلمانيين قد اجتمعوا حوله وشكّلوا مجلس دولة استثنائية.

واجتمعت بقايا البرلمان في مبنى بلدية الدائرة العاشرة وكانت تتألف بصورة رئيسية من الشرعيين والأورليانيين، وقرروا خلع بونابرت وسط الصيحات المتكررة: “عاشت الجمهورية!”، وجلجلوا عبثًا في الجماهير الفضولية أمام المبنى، ثم سيقوا أخيرًا في حراسة الرماة الأفريقيين أولاً إلى ثكنات اورسى وكسوا بعد ذلك في عربات السجن ونقلوا إلى سجون مازاس وهام وفنسين. وهكذا انتهى حزب النظام والجمعية التشريعية وثورة شباط.

وقبل أن نبادر إلى الختام لنلخص بإيجار تاريخ الأخيرة:

1-         الفترة الأولى: من شباط (فبراير) لغاية 4 أيار (مايو) 1848. فترة شباط. تمهيد مهزلة التأخي الشامل.

2-         الفترة الثانية: فترة تأسيس الجمهورية والجمعية الوطنية التأسيسية.

1)      من 4 أيار (مايو) لغاية 25 حزيران (يونيو) 1848. نضال جميع الطبقات ضد البروليتاريا. هزيمة البروليتاريا في أيام حزيران.

2)   من 25 حزيران (يونيو) لغاية 10 كانون الأول (ديسمبر) 1848. ديكتاتورية الجمهوريين البرجوازيين الصرف. صياغة الدستور. إعلان حالة الحصار في باريس. تنحية الديكتاتورية البرجوازية في 10 كانون الأول بانتخاب بونابرت رئيسًا للجمهورية.

3)   من 20 كانون الأول (ديسمبر) 1848 لغاية 28 أيار (مايو) 1849. صراع الجمعية التأسيسية ضد بونابرت وضد حزب النظام المتحالف معه. هلاك الجمعية التأسيسية. هزيمة البرجوازية الجمهورية.

3-         الفترة الثالثة: فترة الجمهورية الدستورية والجمعية  الوطنية التشريعية.

1)   من 28 أيار 1849 لغاية 13 حزيران 1849. صراع البرجوازية الصغيرة ضد البرجوازية وضد بونابرت. هزيمة الديموقراطية البرجوازية الصغيرة.

2)   من 13 حزيران 1849 لغاية 31 أيار 1850. الديكتاتورية البرلمانية لحزب النظام. الحزب يكمل حكمة بإلغاء حق الاقتراع الشامل ولكنه يخسر الوزارة البرلمانية.

‌أ-       من 31 أيار 1850 لغاية 12 كانون الثاني 1851. البرلمان يخسر القيادة العليا للجيش.

‌ب- من 12 كانون الثاني (يناير) لغاية 11 نيسان (أبريل) 1851. البرلمان يخذل في محاولاته لإخضاع السلطة الإدارية لنفسه ثانية. حزب النظام يخسر النظام يخسر أكثريته البرلمانية المستقلة. ائتلافه مع الجمهوريين و”الجبل”.

‌ج-  من 11 نيسان 1851 لغاية 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1851. محاولات لإعادة النظر في الصلاحيات وصهرها وتمديدها. حزب النظام ينحل إلى عناصره الأصلية. القطيعة النهائية بين البرلمان البرجوازي والصحافة البرجوازية وجمهرة البرجوازية.

‌د-   من 9 تشرين الأول لغاية 2 كانون الأول 1851. القطيعة المكشوفة بين البرلمان والسلطة التنفيذية. البرلمان يلفظ نفسه الأخير، فقد سقط وتركته طبقته ذاتها والجيش وجميع الطبقات الباقية. هلاك النظام البرلماني وحكم البرجوازية. انتصار بونابرت. مهزلة إعادة الإمبراطورية.

 

(7)

لقد ظهرت الجمهورية الاجتماعية على عتبة ثورة شباط كأنها لفظة، كأنها نبوءة. وفي أيام حزيران 1848 أغرقت بدم بروليتاريا باريس، بيد أنها تخيم كالشبح على الفصول التالية من الدراما. وظهرت الجمهورية الديموقراطية على  الحلبة. وفي 13 حزيران 1849 تزول هي وبرجوازيوها الصغار الذي يتشتتون، لكنها في أثناء هروبها تتغنى بمناقبها بتبجح مضاعف.وتستولي الجمهورية البرلمانية، هي والبرجوازية، على المسرح بأسره. وتتمتع هذه بالبقاء غاية التمتع؛ بيد أن الثاني من كانون الأول عام 1851 يدفنها على وقع صيحة الرعب التي يطلقها الملكيون المؤتلفون: “عاشت الجمهورية!”

أن البرجوازية الفرنسية قد تمردت على سلطة البروليتاريا العاملة. وجلبت حثالة البروليتاريا إلى السلطة وعلى رأسهم رئيس جمعية العاشر من كانون الأول. وأبقت البرجوازية فرنسا في خوف يكتم الأنفاس من الفظائع المقبلة للفوضى الحمراء. وقد خصم بونابرت لها هذا المستقبل عندما ترك جيش النظام الذي لعبت به نشوة الخمر يقتل روميا بالرصاص في 4 كانون الأول أعيان البرجوازية في بولفار مونمارتر وبولفار الطليان وهم على نوافذ بيوتهم. لقد ألّهت السيف، فحكمها السيف. لقد دمرت الصحافة الثورية، فدمرت صحافتها هي. لقد وضعت الاجتماعات الشعبية تحت رقابة الشرطة، فوضعت صالوناتها تحت رقابة الشرطة. لقد سرحت الحرس الوطني الديموقراطي، فسرح حرسها الوطني. لقد فرضت حالة الحصار، ففرضت عليها حالة الحصار. لقد استعاضت عن المحلفين باللجان العسكرية، فاستعيض عن محلفيها باللجان العسكرية. لقد أخضعت التعليم العام لحكم الكهنة، فاخضع الكهنة تعليمها هي. لقد أبعدت الناس دون محاكمة، فأُبعدت هي دون محاكمة. لقد قمعت كل حركة في المجتمع بواسطة سلطة الدولة، باخمدت سلطة الدولة كل حركة في مجتمعها. لقد ثارت، بدافع الغيرة على جزدانها، ضد ساستها وأدبائها، فكُنس ساستها وأدباؤها جانبًا ولكن جزدانها ينهب الآن وقد كمم فمها وكسر قلمها. أن البرجوازية لم تكل أبدًا من الصياح للثورة بمثل ما صاح القديس أرسينيوس بالمسيحين: “Fuge, tace quiesce! الهرب، والصمت، السكينة!”، وصاح بونابرت بالبرجوازية: Fuge, tace quiesce! الهرب، الصمت، السكينة!”

أن البرجوازية الفرنسية قد وجدت منذ زمن بعيد حلا لمعضلة نابوليون المزدوجة Dans cinpuante ans l’Europe sera républicaine ou cosaque (في مدى خمسين سنة ستكون أوروبا أما جمهورية أو قوزاقية. الناشر) أنها وجدت الحل في “république cosaque” (الجمهورية القوزاقية. الناشر.).

ساحرة إغريقية مسخت بسحرها الشرير ذلك العمل الفني، الجمهورية البرجوازية، فأحالته إلى شكل وحش فظيع. أن تلك الجمهورية لم تفقد شيئًا إلا مظاهر اللياقة. أن فرنسا الراهنة (أي فرنسا انقلاب سنة 1851. الناشر.) كانت تضمها الجمهورية البرلمانية وهي في حالة كمال وانتهاء. ولم تكن تحتاج ألا إلى طعنة حربة حتى تنفجر الفقاعة ويثب الوحش أمام عيوننا.

لماذا لم تهب بروليتاريا باريس ثائرة بعد 2 كانون الأول؟

إن قلب البرجوازية كان حتى ذلك الحين قد صدر به قرار فحسب، ولم يكن هذا القرار قد وضع موضع التنفيذ. وقد كان من شأن أي تمرد جدي تقوم به البروليتاريا أن يبعث في البرجوازية جياة جديدة على الفور وأن يصالحها مع الجيش ويضمن هزيمة جديدة العمال كهزيمة حزيران.

في الرابع من كانون الأول قام البرجوازيون وأصحاب الدكاكين بتحريض البروليتاريا على القتال. وفي مساء ذلك اليوم وعدت عدة فرق من الحرس الوطني بالظهور. بسلاحها ولباسها العسكري في مسرح المعركة. ذلك أن البرجوازيين وأصحاب الدكاكين بلغ مسامعهم أن بونابرت قد ألغى الاقتراع السري في أحد القرارات التي أصدرها في 2 كانون الأول واوجب عليهم أن يسجلوا كلمة “نعم” أو “لا” في سجلات الناخبين الرسمية بعد أسمائهم. أن مقاومة 4 كانون الأول قد أرهبت بونابرت فأوعز بتعليق لافتات أثناء الليل على جميع منعطفات الشوارع في باريس تعلن إعادة الاقتراع السري. وأعتقد البرجوازيون وأصحاب الدكاكين أنهم أدركوا غايتهم. وكان الذين تخلفوا عن الحضور في الصباح التالي هم البرجوازيون وأصحاب الدكاكين بالذات.

وبضربة مفاجئة في ليلة 1 إلى 2 كانون الأول سلب بونابرت بروليتاريا باريس زعماءها، قادة المتاريس. وإذ غدت البروليتاريا جيشًا بلا ضباط، عازفًا عن القتال تحت لواء “الجبل” بسبب ذكريات حزيران (يونيو) 1848 و1849 وأيار (مايو) 1850، فقد تركت لطليعتها، الجمعيات السرية، مهمة إنقاذ شرف التمرد لمدينة باريس وهو الذي سلمته البرجوازية للجند دون أدنى مقاومة حتى أن بونابرت أستطاع فيما بعد أن يفسر متهكمًا الدافع الذي حدًا به إلى نزع سلاح الحرس الوطني بأنه كان يخشى أن يوجه الفوضويون أنفسهم هذا السلاح ضد الحرس نفسه!

“C’est el triomphe complet et definitive du socialisme!”  (هنا هو انتصار الاشتراكية التام النهائي!. الناشر.) هكذا وصف غيزو أنقلاب 2 كانون الأول. ولكن إذا كانت الإطاحة بالجمهورية البرلمانية تحمل في طياتها بذرة أنتصار الثورة البروليتارية فإن نتيجتها المباشرة والمحسوسة كانت انتصار بونابرت على البرلمان وانتصار السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وانتصار القوة بلا كلام على قوة الكلام. في البرلمان جعلت الأمة إرادتها العمومية هي القانون أي أنها جعلت قانون الطبقة الحاكمة إدارتها العمومية. وهي أمام السلطة التنفيذية تتخلى عن كل إرادة خاصة بها وتذعن لآمرة أرادة غريبة، للسلطة. أن السلطة التنفيذية، بالمقابلة مع السلطة التشريعية، تعبر عن خضوع الأمة لحكم الغير بالمقابلة مع ممارستها للحكم الذاتي. ولهذا يبدو أن فرنسا لم تنج من استبداد طبقة برمتها إلا لتقع تحت استبداد فرد بل وتحت سلطة فرد بلا سلطة. ويبدو أن الصراع قد انتهى بحيث أن جميع الطبقات، وقد تساوت عجزًا وسكوتًا، حيث على ركبها أمام عقب البندقية.

بيد أن الثورة عميقة الجذور. أنها ما تزال في رحلتها خلال المطهر. وهي تقوم بعملها بصورة منهجية. وقد كانت لغاية 2 كانون الأول قد أتمت نصف عملها التحضيري وهي الآن تتم النصف الآخر. أنها أكملت أولاً السلطة البرلمانية حتى تتمكن من الإطاحة بها. أما الآن وقد بلغت هذه الغاية فهي تكمل السلطة التنفيذية، تردها إلى أخلص تعبيراتها وتعزلها ثم تنصبها في مواجهتها هي باعتبارها الهدف الوحيد حتى تركز جميع قواتها التدميرية ضدها. وعندما تكون قد أنجزت هذا النصف الثاني من عملها التمهيدي شتثب أوروبا من مقعدها وتصيح متهللة: لقد أحسنت نبشًا إيها الخلد العجوز! ([58]).

أن هذه السلطة التنفيذية، بما لها من منظمة بيروقراطية وعسكرية ضخمة وبما لها من جهاز دولة معقد جدًا ومضخم قصدًا وجيش من الموظفين يبلغ نصف مليون عدد، فضلاً عن جيش عدده نصف مليون آخر، هذه الهيئة الطفيلية المريعة التي تلتف حول جسد المجتمع الفرنسي كالشباك وتخنق جميع مسامّة، نشأت أيام الملكية المطلقة، مع تدهور الإقطاعية الذي ساعدت هذه الهيئة على التعجيل به. أن امتيازات السيادة التي كان يتمتع بها ملاكو الأراضي وتتمتع بها المدن قد تحول بالكثرة نفسها إلى خصائص لسلطة الدولة وتحول الأعيان الإقطاعيون إلى موظفين ذوي مرتبات وتحولت الخريطة المبرقشة من الحقوق الإقطاعية المطلقة المتنازعة التي كانت قائمة في القرون الوسطى إلى خطة منسقة لسلطة الدولة التي ينقسم عملها ويتمركز كما هو في مصنع من المصانع. أن الثورة الفرنسية الأولى، بما أخذته على عاتقها من تحطيم لجميع السلطات المحلية والإقليمية المتفرقة وسلطات المدن والمقاطعات حتى يتسنى لها خلق الوحدة الأهلية للأمة، كانت ملزمة بأن تطور ذاك الذي بدأت به الملكية المطلقة: المركزية، ولكن كان عليها أن تطور في الوقت نفسه امتداد السلطة الحكومية وخصائصها وعدد الوكلاء العاملين فيها. وقد أكمل نابوليون جهاز الدولة هذا. ولم تضف الملكية الشرعية وملكية تموز (يوليو) شيئًا إليه سوى مزيد من تقسيم العمل كان ينمو بقدر ما كان تقسيم العمل ضمن المجتمع البرجوازي يخلق مجموعات مصالح جديدة فيخلق بالتالي مادة جديدة لإدارة الدولة. أن كل مصلحة مشتركة كانت تفصل توا عن المجتمع وتوضع في مواجهته باعتبارها مصلحة عامة أعلى وتنزع من مجال نشاط أعضاء المجتمع أنفسهم وتجعل موضوعًا للنشاط الحكومي، ابتداء من الجسر ومبنى المدرسة والملكية المشاعية لمجتمع قرية من القرى حتى السكك الحديدية والثروة القومية وجامعات فرنسا الحكومية. وأخيرًا وجدت الجمهورية البرلمانية نفسها، في صراعها ضد الثورة، مرغمة على تعزيز وسائل سلطة الحكومة ومركزتها جنيًا إلى جنب مع اتخاذ الإجراءات القمعية. أن جميع الانقلابات أكملت هذه الآلة بدلاً من أن تحطمها. وكانت الأحزاب التي تنازعت السيطرة بالتناوب تعتبر حيازة صرح الدولة الضخم هذا الغنيمة الرئيسية للمنتصر.

ولكن البيروقراطية، في ظل الملكية المطلقة وخلال الثورة الأولى وفي عهد نابوليون، لم تكن إلا وسيلة لإعداد الحكم الطبقي للبرجوازية. وقد كانت في عهد العودة وعهد لويس فيليب وعهد الجمهورية البرلمانية أداة الطبقة السائدة، رغم كل جهادها (أي البيروقراطية) لكي تجعل من نفسها سلطة مستقلة.

وفي عهد بونابرت الثاني فقط، بدا أن الدولة جعلت نفسها مستقلة تمام الاستقلال. وقد وطد جهاز الدولة مركزه إزاء المجتمع المدني حتى أنه أصبح ممكنًا أن يكون على رأسه رئيس جمعية العاشر من كانون الأول، وهو مغامر جاء من الخارج ورفعته على الترس أيدي الجند السكارى الذين اشتراهم بالخمر والمقانق وكان عليه أن يمونهم على الدوام بالمقانق من جديد. ومن هنا كان اليأس الذليل وشعور الإذلال والامتهان الفظيع الذي يثقل صدر فرنسا ويحبس أنفاسها. أنها تشعر بالعار.

ومع هذا فإن سلطة الدولة ليست معلقة في الهواء. أن بونابرت يمثل طبقة هي فضلاً عن ذلك، أكثر طبقات المجتمع الفرنسي عددًا ونعني بها الفلاحين الصغار.

وكما أن البوربونيين كانوا أسرة العقارات الكبيرة وكما أن الأورليانيين كانوا أسرة المال كذلك البرونابرتيون هم أسرة الفلاحين أي جمهرة الشعب الفرنسي. فليس بونابرت الذي خضع للبرلمان البرجوازي بل بونابرت الذي شتت البرلمان البرجوازي هو مختار الفلاحين. لقد نجحت المدن طيلة ثلاث سنين في تزوير معنى انتخاب العاشر من كانون الأول (ديسمبر) وفي خداع الفلاحين وتخييب أملهم بعودة الأمبراطورية. أن انتخاب العاشر من كانون الأول 1848 لم يبلغ تمامه إلا بانقلاب الثاني من كانون الأول 1851.

أن الفلاحين الصغار يشكلون كتلة ضخمة يعيش أعضاؤها في ظروف متشابهة ولكن دون أن يدخلوا في علاقات متشعبة بعضهم مع بعض. أن أسلوبهم في الإنتاج يعزلهم الواحد عن الآخر بدلاً من أن يدفعهم إلى التعامل المتبادل. وتشتد هذه العزلة بسبب وسائل المواصلات السيئة في فرنسا وبسبب فقر الفلاحين. أن ميدان أنتاجهم – وهو قطعة الأرض الصغيرة – لا يسمح بتقسيم العمل في فلاحتها ولا بتطبيق العلم ولا يسمح بالتالي بتنوع أشكال التطور ولا بتنوع المواهب ولا بغنى العلاقات الأجتماعية. أن كل أسرة فلاحية بمفردها مكتفية ذاتيًا تقريبًا، وهي نفسها تنتج مباشرة الجزء الأكبر من أستهلاكها وتحصل بذلك وسائل عيشها من التبادل مع الطبيعة أكثر مما تحصلها من التعامل مع المجتمع. قطعة أرض صغيرة، فلاح وأسرته. وإلى جوارهم قطعة أرض صغيرة أخرى وفلاح آخر وأسرة أخرى. أن حفنة من هذه الوحدات تشكل قرية وحفنة من القرى تشكل مقاطعة. وبهذه الطريقة تتكون الجمهرة العظمى من الأمة الفرنسية بمجرد إضافة مقادير متناظرة مثلما تكون رؤوس البطاطا في كيس كيس بطاطا. وبما أن ملايين الأسر تعيش في ظروف اقتصادية الأخرى ومصالحها وثقافتها، وتضعها في موضع التضاد العدائي مع الأخيرة فإنها تشكل طبقة. وبما أنه لا يقوم بين هؤلاء الفلاحين الصغار غير علاقات محلية وبما أن تطابق مصالحهم لا يخلق بينهم رابطة مشتركة أو رابطة وطنية أو تنظيمًا سياسيًا فهم لا يشكلون طبقة. ولذلك يعجزون عن الدفاع عن مصلحتهم الطبقية باسمهم الخاص سواء أكان ذلك بواسطة برلمان أم بواسطة كونفانسيون (هيئة تشريعية عليًا في فرنسا أنشئت في زمن الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن؛ وقد دامت من 20 أيلول (سبتمبر) 1792 حتى 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1795. الناشر.). أنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم ولا بد أن يمثلهم غيرهم. ولا بد لممثلهم أن يظهر في الوقت نفسه كسيد لهم، كسلطة فوقهم، كسلطة حكومية غير محدودة تحميهم ضد الطبقات الأخرى وترسل لهم الغيث وضوء الشمس من فوق. ولهذا يجد النفوذ السياسي للفلاحين الصغار تعبيره النهائي في واقع أن السلطة التنفيذية تخضع المجتمع لنفسها.

أن التقليد التاريخي المتوارث ولد عند الفلاحين الفرنسيين الاعتقاد الصوفي بأن رجلاً يدعي نابوليون سيعيد لهم جميع الخيرات المفقودة. وطلع شخص أدعى بأنه هو هذا الرجل لمجرد أنه يحمل أسم نابوليون، بناء على مادة من Code Napoléon تنص: “La recherché de la paternité est interdife” (مجموعة قوانين نابوليون: “التحقيق في الأبوة ممنوع”. الناشر.). بعد تشرد دام عشرين سنة وبعد سلسلة من المغامرات السخيفة يتحقق التكهن ويصبح الرجل إمبراطور الفرنسيين. لقد تحققت فكرة أبن الأخ الراسخة لأنها انطبقت تمام الانطباق على الفكرة الراسخة لدى أكثر طبقات المجتمع الفرنسي عددًا.

ورب معترض يقول: ولكن ما شأن انتفاضات الفلاحين في نصف فرنسا والغارات التي شنها الجيش على الفلاحين وحبس الفلاحين بالجملة ونفيهم بالجملة؟

إن فرنسا لم تشهد منذ لويس الرابع عشر مثل هذا الاضطهاد للفلاحين “بسبب الدسائس الديماغوجية”.

ولكن لنكن على بينه من الأمر. أن أسرة بونابرت لا تمثل الفلاح الثوري بل الفلاح المحافظ، لا تمثل الفلاح الذي يسعى إلى التخلص من ظروف وجوده الاجتماعية التي تحددها قطعة أرضه الصغيرة، بل تمثل بالأحرى الفلاح الذي يريد توطيد هذه الظروف وهذه الأرض، لا سكان الريف الذي يريدون الارتباط مع المدن والإطاحة بالنظام القديم بجهودهم الخاصة بل، على النقيض، أولئك الذي يعزلون أنفسهم بعناد بليد ضمن هذا النظام القديم منتظرين أن ينقذهم شبح الإمبراطورية وينقذ قطع أراضيهم ويمنحهم وضعًا مميزًا. أن آل بونابرت لا يمثلون استنارة الفلاح بل خرافاته، لا عقله بل أوهامه، لا مستقبلة بل ماضيه، لا سيفين الحديثة بل فنده الحديثة ([59])  .

أن حكم الجمهورية البرلمانية القاسي الذي دام ثلاث سنوات قد حرر قسمًا من الفلاحين الفرنسيين من الوهم النابوليوني وأحدث انقلابًا ثوريًا في نفوسهم، وأن كان ذلك بصورة سطحية فحسب؛ بيد أن البرجوازية كانت تدفعهم بالقوة إلى الخلف كلما كانوا يأخذون في التحرك. وفي ظل الجمهورية البرلمانية كان الوعي العصري للفلاح الفرنسي ووعيه التقليدي يتنازعان السيادة. كانت هذه العملية تجري بشكل صراع مستمر بين معلمي المدارس والكهنة – وكانت البرجوازية تقمع المعلمين. ولأول مرة بذل الفلاحون جهودًا في التصرف بصورة مستقلة إزاء نشاط الحكومة، وتجلي هذا في النزاع المتواصل بين رؤساء البلديات والحكام الإداريين وكانت البرجوازية تعزل رؤساء البلديات. وأخيرًا ثار الفلاحون في أماكن متعددة خلال فترة الجمهورية البرلمانية ضد وليدهم هم الجيش وكانت البرجوازية تعاقبهم بفرض حالات الحاصر وبالحملات التأديبية. وهذه البرجوازية نفسها تصيح الآن عن بلادة الجماهير، عن هذه vile multiude (السوقة الحقيرة. الناشر.) زاعمة بأنها باعتها لبونابرت. أنها هي نفسها التي عززت بالقوة المشاعر الإمبراطورية عند طبقة الفلاحين وحفظت بعناية الظروف التي كانت بمثابة التربة التي تنبت عليها ديانة الفلاح هذه. صحيح أنه ينبغي على البرجوازية أن تخشى جهل الجماهير طالما ظلوا محافظين، ووعي هذه الجماهير حالما تصبح ثورية.

في الانتفاضات التي أعقبت coup d’état أحتج قسم من الفلاحين الفرنسيين، والسلاح في أيديهم، ضد صوتهم الانتخابي الذي أدلوا به هم أنفسهم في العاشر من كانون الأول 1848. أن المدرسة التي اجتازوها منذ عام 1848 قد شحذت ذكاءهم. بيد أنهم أسلموا أنفسهم إلى جحيم التاريخ، والتاريخ قيدهم بكلمتهم، وكانت الأكثرية منهم ما تزال غارقة في الضلال لدرجة أن سكان الريف في أشد المقاطعات احمرارا بالذات صوتوًا بصورة مكشوفة لبونابرت. كانوا يرون أن الجمعية الوطنية قد عرقلت تقدمه. وكل ما فعله بونابرت الآن هو أنه كسر القيود التي فرضتها المدن على إرادة الريف. بل أن الفلاحين في بعض الأنحاء داعبتهم الفكرة السخيفة: فكرة قيام كونفانسيون جنبًا إلى جنب مع نابوليون.

بعد أن حولت الثورة الأولى الفلاحين من أشباه أقنان إلى ملاكين أحرار ثبت نابوليون ونظم الشروط التي يمكنهم بموجبها أن يستغلوا دونما عائق أرض فرنسا التي آلت إليهم قبيل ذلك بقليل ويطفئوا غليلهم الفتى للتملك. بيد أن سبب أملاق الفلاح الفرنسي الآن أنما هو أرضه الصغيرة نفسها، تقسيم الأرض، شكل الملكية الذي وطده نابوليون في فرنسا. أنها بالضبط تلك الظروف المادية التي جعلت من الفلاح الفرنسي من عهد الإقطاع، مالكًا عقاريًا صغيرًا، وجعلت من نابوليون إمبراطورا. وقد كفى جيلان لبلوغ النتيجة التي لا مناص منها: التدهور المتزايد في الزراعة والدين المتزايد على المشتغلين بالزراعة. أن الشكل “النابوليوني” للملكية الذي كان في بداية القرن التاسع عشر شرطًا لتحرير أهل الريف الفرنسيين وإثرائهم قد تطور في بحر هذا القرن إلى قانون يثبت استبعادهم وفقرهم. وهذا القانون بالضبط هو أول فكرة من idées napoléoniennes (الأفكار النابوليونية. الناشر) كان يترتب على بونابرت الثاني أن يذود عنها. وإذا كان ما يزال يشاطر الفلاحين الوهم القائل بأن سبب خرابهم ينبغي تلمسه لا في هذه الملكية العقارية الصغيرة ذاتها في خارجها، وفي تأثير ظروف ثانوية، فأن تجاربه سوف تنفجر كفقاعات الصابون لدى ملامستها علاقات الإنتاج.

أن التطور الاقتصادي للملكية العقارية الصغيرة قد غير علاقات الفلاحين بطبقات المجتمع الأخرى تغييرًا جذريًا. ففي عهد نابوليون كان تقسيم الأرض في الريف على قسائم صغيرة يكمل المزاحمة الحرة والصناعة الكبيرة المبتدئة في المدن. وكانت طبقة الفلاحين في جميع الأماكن هي الاحتجاج ضد اريستقراطية الأرض التي أطيح بها قبل ذلك بقليل فحسب. أن الجذور التي ضربتها الملكية العقارية الصغيرة في التربة الفرنسية قد حرمت الإقطاع من كل غذاء. وكانت علامات الحدود لقطعة الأرض الصغيرة بمثابة التحصينات الطبيعية للبرجوازية ضد أي هجوم عليها من جانب أسيادها القدماء بيد أن أمراء الإقطاع حل محلهم في غضون القرن التاسع عشر مرابو المدن، والالتزام الإقطاعي الذي ينيخ بكلكله على الأرض حل ملحه الرهن، والملكية الاريستقراطية للأرض حل محلها رأس المال البرجوازي. أن قطعة ارض الفلاح لم تعد سوى ذريعة تتيح للرأسمالي أن يجني من الأرض ربحًا وفائدة وريعًا، وأن يترك لمالك الأرض نفسه أمر الاهتمام بالطريقة التي يراها ناجحة للحصول على أجرته. أن دين الرهن الذي يثقل أرض فرنسا يفرض على الفلاحين الفرنسيين دفع مبلغ من الفائدة السنوية المترتبة على الدين القومي البريطاني بأسره. أن الملكية العقارية الصغيرة، التي أستبعدها الرأسمال لهذه الدرجة – ويؤول تطور هذه الملكية إلى هذا الاستعباد بصورة محتومة – قد حولت أغلبية الأمة الفرنسية على سكان كهوف. ستة عشر مليونًا من الفلاحين (بمن فيهم النساء والأطفال) يسكنون في أخصاص معظمها ليست له سوى فتحة واحدة، وبعضها الآخر له فتحتان فقط، وأحسنها حظًا له ثلاث فتحات فحسب. والنوافذ بالنسبة للبيت هي كالحواس الخمس بالنسبة للرأس. أن النظام البرجوازي الذي أقام الدولة في بداية القرن حارسًا على الملكية العقارية الصغيرة الناشئة وسمّدها بالغار أصبح الآن عفريتًا يمتص دماءها ونخاعها ويقذف بها في القدرالكيماوي لرأس المال. إن Code Napoléon ليست الآن سوى مجموعة قوانين لتنفيذ قرارات المحاكم وإجراءات الحجز والبيع بالمزاد العلني. ولا بد لنا أن نضيف إلى الملايين الأربعة (بمن فيهم الأطفال، إلخ) من المتسولين والمتشردين والمجرمين والمومسات في فرنسا، المعترف بهم رسميًا، خمسة ملايين يحومون على شفا البقاء وهم إما يسكنون الريف نفسه أو يهجرون الريف باستمرار، هم وخرقهم وأطفالهم، إلى المدن أو يهجرون المدن إلى الريف. وبكلمة، إن مصالح الفلاحين لم تعد، كما كانت في عهد نابوليون، تتفق مع مصالح البرجوازية، مع رأس المال بل هي في تناقض مستعص معهما. ومن هنا يجد الفلاحون حليفهم الطبيعي وقائدهم في بروليتاريا المدن التي مهمتها الإطاحة بالنظام البرجوازي. ولكن الحكومة القوية المدن التي مهمتها الإطاحة بالنظام البرجوازي. ولكن الحكومة القوية غير المحدودة – وهذه هي « idée napoléoninne » الثانية التي يترتب على نابوليون الثاني تنفيذها – مدعوة للدفاع عن هذا النظام “المادي” بالقوة. والحقيقة، إن هذا « ordre matériel » (“النظام المادي”. الناشر) يتكرر كاللازمة في جميع بلاغات بونابرت ضد الفلاحين العاصين.

وبالإضافة إلى الرهن الذي يفرضه رأس المال على قطعة الأرض الصغيرة ترهق الضرائب هذه القطعة. إن الضرائب هي ينبوع الحياة بالنسبة للبيروقراطية والجيش والكهان والبلاط وبالاختصار بالنسبة لجهاز السلطة التنفيذية بأسره. إن الحكومة القوية والضرائب الباهظة هما شيء واحد. إن الملكية العقارية الصغيرة تشكل بطبيعتها أساسًا مناسبًا لبيروقراطية كاملة الجبروت ولا حصر لها. إنها تخلق مستوى متناسقًا للعلاقات والأشخاص فوق أديم البلاد جميعها. ولذا تتيح أيضًا ممارسة تأثير متناسق من مركز واحد أعلى وعلى جميع نقاط هذه الكتلة الرتيبة. إنها تقضي على الدرجات الأريستقراطية المتوسطة بين جمهرة الشعب وسلطة الدولة. وهي لذلك تستدعي التدخل المباشر الشامل لسلطة الدولة هذه وتدخل أجهزتها المباشر. وهي تخلق أخيرًا فيضًا من السكان العاطلين الذين لا مكان لهم سواء في الريف أو في المدن والذين يمدون أيديهم بناء على ذلك إلى وظائف الدولة بوصفها صدقات لائقة وتشكل حافزًا لزيادة عدد المناصب في جهاز الدولة. كان نابوليون يسدد الضرائب الإجبارية مع الفوائد وذلك بالأسواق الجديدة التي افتتحها بحد السيف وبنهب القارة. وقد كانت هذه الضرائب النابوليونية حافزًا لنمو الحرف الفلاحية بينما هي تسلب الآن هذه الحرف مواردها الأخيرة وآخر إمكانية لمقاومة الإملاق. والبيروقراطية الضخمة، التي تنعم بالحلل الموشاة والطعام الطيب، إنما هي « idée napoléonienne » كانت أقرب فكرة إلى نفس بونابرت الثاني. وكيف يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك ونحن نراه مرغمًا على أن يخلق إلى جانب الطبقات الفعلية في المجتمع طائفة اصطناعية تصبح المحافظة على حكمة بالنسبة لها مسألة رزق وعيش؟ وعليه كان من أوائل العمليات المالية التي قام بها رفع مرتبات الموظفين التي جري تخفيضها من قبل إلى مستواها القديم وإيجاد وظائف جديدة بلا عمل.

وهناك « idée napoléonienne » أخرى هي سيطرة الكهان بوصفها أداة في يدي الحكومة. ولكن بينما تكون قطعة الأرض الصغيرة التي برزت إلى الوجود حديثًا، في وفاقها مع المجتمع واعتمادها على القوى الطبيعية وخضوعها للسلطة التي هي حاميها الأعلى، متدينة بطبيعة الحال، فإن قطعة الأرض الصغيرة التي تخربها الديون والتي هي والمجتمع والسلطة على طرفي نقيض والتي تكلف فوق ما في وسعها والمضطرة إلى أن تخرج من نطاق محدوديتها ذاتها، تصبح بطبيعة الحال غير متدينة. أن السماء كانت ملحقًا لا بأس به بالنسبة لقطعة الأرض الصغيرة التي كسبت حديثًا خصوصًا لأن السماء تصنع الطقس، ولكن هذه السماء تغدو إهانة حالما تطرح بمثابة بديل عن القطعة الصغيرة. وعندئذ يتحول القسيس إلى كلب ممسوح بالميرون من كلاب الشرطة الدنيوية – وهذه أيضًا « idée napoléonienne ». وفي المناسبة التالية ستجري الحملة على روما في فرنسا نفسها ولكن بمعنى معاكس لذاك الذي يقصده المسيو دي مونتالمبير.

وأخيرًا أن ذروة « idées napoléoniennes » هي غلبة أهمية الجيش. إن الجيش كان point d’honneur (مناط العزة. الناشر) للفلاحين الصغار: كان الجيش يجعل منهم أبطالاً يدافعون عن ممتلكاتهم الجديدة ضد الأعداء الخارجيين، ويمجدون الوحدة القومية التي اكتسبوها مؤخرًا، وينهبون الدنيا وينفحون فيها روح الثورة. البزات العسكرية كانت لباسهم للاحتفالات والحرب كانت قصيدهم، وقطعة الأرض الصغيرة التي يضخمها الخيال ويكملها كانت وطنهم، والشعور الوطني كان الشكل المثالي للشعور بالملكية. بيد أن الأعداء الذين كان على الفلاح الفرنسي الآن أن يحمي ملكيته منهم ليسوا هم القوزاق، أنهم مأمورو الأجراء وجباة الضرائب. وقطعة الأرض الصغيرة لم تعد تقع فيما يدعى بالوطن بل في سجل الرهون. والجيش نفسه لم يعد زهرة شباب الفلاحين. إنه زهرة مستنقع حثالة الفلاحين، إنه يتألف إلى حد كبير من المتجندين البدلاء تمامًا كما أن بونابرت الثاني نفسه ليس إلا بديلاً عن نابوليون. إن مآثره البطولية تتجلى الآن في مطاردة الفلاحين وفي القيام بوظيفة الدركي. ولو أن التناقضات الداخلية لنظامن رئيس جمعية العاشر من كانون الأول طاردت هذا الرئيس إلى ما وراء الحدود الفرنسية فإن جيشه سوف يجني، بعد بضعة أعمال لصوصية، لا أكاليل الغار بل الضربات.

وهكذا نرى أن جميع « idée napoléonieenes » هي أفكار قطعة الأرض الصغيرة غير المتطورة، والتي لا تزال بعد في ريعان شبابها، أما بالنسبة لقطعة الأرض الصغيرة التي انقضى زمانها فهي سخافة، إنها مجرد أضغاث نزعها الأخير، كلمات تحولت إلى عبارات، أرواح تحولت إلى أشباح. بيد أن مهزلة الإمبراطورية كانت ضرورية لتحرير جمهرة الأمة الفرنسية من وطأة التقاليد ولاستجلاء التناقض بين سلطة الدولة والمجتمع بصورته الخالصة. ومع التدهور المتزايد الذي طرأ على الملكية العقارية الصغيرة ينهار مبنى الدولة المشيد فوقها. إن مركزية الدولة التي يتطلبها المجتمع المعاصر تنشأ فقط على أنقاض جهاز الحكم العسكري البيروقراطي الذي صُنع في سياق النضال ضد الإقطاعية ([60]).

إن حال الفلاحين الفرنسيين تكشف لنا عن لغز الانتخابات العامة في 20 و21 كانون الأول التي قادت بونابرت الثاني إلى أعلى طور سيناء لا ليتلقى التشريعات بل ليعطيها.

وظاهر أن البرجوازية لم يكن لديها الآن خيار إلا انتخاب بونابرت. عندما شكا أنصار الأخلاق الصارمة في مجمع كونستانسيا ([61]) من الحياة المنحلة التي يحياها الباباوات وأعولوا حول ضرورة الإصلاح الخلقي، أرعد الكاردينال بيير دابي قائلاً لهم: “ما من أحد إلا الشيطان بشخصه يستطيع الآن إنقاذ الكنيسة الكاثوليكية وأنتم تطلبون ملائكة!” وبمثل هذا صاحت البرجوازية الفرنسية بعد الانقلاب: ما من أحد إلا رئيس جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر) يستطيع الآن إنقاذ المجتمع البرجوازي! السرقة وحدها هي التي تستطيع الآن إنقاذ الملكية، والزور وحده إنقاذ الدين والنغولة إنقاذ العائلة، الفوضى إنقاذ النظام!

إن بونابرت، بوصفه السلطة التنفيذية التي جعلت نفسها قوة مستقلة، يعتبر أن رسالته هي حماية “النظام البرجوازي”؛ أما قوة هذا النظام البرجوازي فتكمن في الطبقة الوسطى ولذا ينظر إلى نفسه باعتباره ممثلاً للطبقة الوسطى ويصدر مراسيم مناسبة. ولكنه، مع ذلك لم يصبح شيئًا يُذكر إلا لأنه حطم القوة السياسية لهذه الطبقة الوسطى ولأنه يحطمها مجددًا في كل يوم. وبناء على ذلك ينظر إلى نفسه كخصم للقوة السياسية والأدبية للطبقة الوسطى. ولكنه إذ يحمي قوتها المادية، بولد قوتها السياسية من جديد. ولهذا لا بد للعلة أن تبقى على قيد الحياة؛ أما المعلول، حيثما ظهر، فينبغي أن يقضي عليه. بيد أن هذا لا يمكن أن يحدث دون خلط بسيط بين العلة والمعلول لأنهما كليهما يفقدان في تفاعلهما المشترك خصائصهما المميزة. مراسيم جديدة متوالية تمحو خط الحدود. وبونابرت ينظر إلى نفسه، في الوقت ذاته، باعتباره ممثلاً للفلاحين وللشعب بصورة عامة ضد البرجوازية، ممثلاً يريد أن يسعد الطبقات الدنيا من الشعب ضمن إطار المجتمع البرجوازي. مراسيم جديدة تحتال على “الاشتراكيين الحقيقيين” ([62]) وتسليهم سلفًا قدرتهم على إدارة الدولة. ولكن بونابرت ينظر دائمًا إلى نفسه، قبل كل شيء، بوصفه رئيسًا لجمعية العاشر من كانون الأول، بوصفه ممثلاً لحثالة البروليتاريا التي ينتمي هو نفسه وبطانته وحكومته وجيشه إليها والتي همها الأول هو العيش كما يطيب لها وسحب جوائز يانصيب كاليفورنيا من خزينة الدولة. وهو يزكي لقبه كرئيس لجمعية العاشر من كانون الأول بمراسيم وبدون مراسيم وبرغم المراسيم.

إن مهمة هذا الرجل المتناقضة هذه تفسر الإجراءات المتناقضة لحكومته التي تتصرف على غير هدى وتسعى تارة لتكسب وطورًا لتذل أولاً هذه الطبقة ثم تلك وتصف الطبقات جميعًا ضدها على حد سواء، تلك الحكومة التي يشكل ما بها من الحيرة العملية مفارقة مضحكة جدًا مع الأسلوب العاتي القاطع لمراسيم الحكومة، وهو أسلوب منقول بمذلة وخنوع عن مراسيم العم.

إن الصناعة والتجارة، أي إشغال الطبقة الوسطى، ينبغي لها أن تزدهر برعاية حكومة قوية كأنها في مستنبت دافئ. فيجري منح ما لا حصر له من امتيازات سكك الحديد. بيد أن حثالة البروليتاريا من البونابرتيين ينبغي أن تثري. فيبدأ الأشخاص المطلعون سلفًا على أسرار امتيازات سكك الحديد لعبة الغش في البورصة. ولكن رأس مال السكك الحديدية لا يظهر له أثر، ويلزمون البنك بتقديم سلف على أسهم السكة الحديدية. غير أن البنك، في الوقت نفسه، سيستغله بونابرت لأغراضه الشخصية ولا بد من مداجاته لهذا السبب. يعفون البنك من الالتزام بنشر تقريره أسبوعيًا ويعقد البنك اتفاقية مع الحكومة تضمن له حصة الأسد. والشعب لا بد من إيجاد أعمال له، فيشرعون في الأشغال العمومية. ولكن الأشغال العمومية تزيد من أعباء الشعب الضرائبية. من هنا تخفيض الضرائب بالهجوم على إيرادات أصحاب الدخل والريع بتحويل ريع الخمسة في المائة إلى أربعة ونصف في المائة. ولكن لا بد للبرجوازية أن تأخذ الحلوى من جديد مع الحبة المرة. ومن هنا مضاعفة ضريبة الخمر على الشعب الذي يشتريه en detail (بالمفرق. الناشر) وإنقاص ضريبة الخمر إلى النصف بالنسبة للطبقة الوسطى التي تشربه en gros (بالجملة. الناشر). تحل جمعيات العمال القائمة فعلاً ولكن الحكومة تعد بمعجزات بعد تشكيل الجمعيات في المستقبل. الفلاحون لا بد من تقديم المساعدات لهم. تؤسس بنوك الرهن التي تعجل في إيقاعهم بالديون وفي تركيز الملكية. ولكن يجب استخدام هذه البنوك لابتزاز المال من أملاك آل أورليان المصادرة. ما من رأسمالي يريد أن يوافق على هذا الشرط الذي لم يذكر في المرسوم ويبقى بنك الرهن مجرد مرسوم. إلخ، إلخ..

إن بونابرت يحب أن يظهر بمظهر الأب المنعم لجميع الطبقات. ولكنه لا يستطيع أن يعطي طبقة من الطبقات دون أن يأخذ من الأخرى. وكما كان يقال عن الدوق دي جيز زمن الفروند بأنه كان أعظم متفضل في فرنسا لأنه حول جميع أملاكه إلى التزامات في ذمة أنصاره يدينون له بها. كذلك سيقبل بونابرت راضيًا بأن يكون أعظم متفضل في فرنسا ويحول كل ممتلكات فرنسا وكل شغلها إلى التزام شخصي له. إنه يحب أن يسرق فرنسا بكاملها حتى يتسنى له أن يقدمها هدية إلى فرنسا أو بالأحرى حتى يتسنى له أن يشتري فرنسا من جديد بنقود فرنسية وذلك لأنه ينبغي عليه بالضرورة، باعتباره رئيس جمعية العاشر من كانون الأول، أن يشتري ما ينبغي أن يكون له. وجميع مؤسسات الدولة ومجلس الشيوخ ومجلس الدولة والهيئة التشريعية ووسام جوقة الشرف ومداليات الجنود ومحال الغسيل والأشغال العمومية والسكك الحديدية والأركان العامة للحرس الوطني باستثناء عامة الجند والأملاك المصادرة لآل أورليان – جميعها تصبح موضوعًا للبيع والشراء. وكل مركز في الجيش وفي جهاز الحكومة يصبح وسيلة للرشوة. بيد أن أهم ملامح هذه العملية التي يكمن معناها في أخذ فرنسا من أجل إهدائها إياها نفسها، إنما هو الفوائد المئوية التي تجد طريقها إلى جيوب رئيس جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر) وأعضائها أثناء دورة رأس المال. إن الملحة التي وصفت بها الكونتسة ل.، حظية المسيو دي مورني، مصادرة أملاك أورليان: « C’est le premier vol de l’aigle » (كلمة « vol » تعني طيران وسرقة) (هذا أول طيران للنسر) تنطبق على كل طيران لهذا النسر الذي هو أشبه بالغراب. إنه هو وأشياعه ينطقون كل يوم بأنفسهم لأنفسهم كلمة الراهب الكارتيزياني (الكارتيزياني – من أتباع فلسفة ديكارت (ديكارت باللغة اللاتينية، cartesius. المترجم) الإيطالي إذ وعظ البخيل الذي تباهى بعد المتاع الذي كان في وسعه أن يعيش عليه لسنين مقبلة طويلة: « Tu fai conto sopra i beni, bisogna prima far il conto sopra gli anni » (أنت تحصي متاعك، وأولى لك أن تحصي سنيك) ولئا يخطئوا في السنين عدوا الدقائق. لقد شقت حفنة من الأشخاص طريقها إلى البلاط، إلى الوزارات، إلى رأس الإدارة والجيش، جماعة من الأجلاف ينبغي أن يقال عن أحسنهم بأن أحدًا لا يعرف  أصله، جماعة بوهيمية صخابة نهابة شائنة السمعة تدب في المعاطف المقصبة بعين الوجاهة المضحكة مثل أعيان سولوك. وفي وسع المرء أن يتصور بوضوح هذه الطبقة العليا من جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر) إذ أخذ بعين الاعتبار أن فيرون – كريفيل (لقد حدد بلزاك في روايته “ابنة العم بيتي” معالم الباريسي التافه المنحل كليًا في شخصية كريفيل، وهي شخصية روائية رسمها على غرار دكتور فيرون صاحب جريدة « Constitutionnel ») هو واعظها الأخلاقي وأن غرانييه دي كاسانياك هو مفكرها. كان غيزو، إبان وزارته، يستخدم غرانييه هذا للعمل في صحيفة سيئة السمعة ضد المعارضة الأسرية وكان يباهي به قائلاً عادة في تملق: « C’est le roi des drôles » “إنه ملك المهرجين”. ومن الخطأ أن يعيد المرء عهد الوصاية ([63]) أو لويس الخامس عشر إلى ذهنه في مجال الحديث عن بلاط لويس بونابرت وعصابته. وذلك لأن “فرنسا قد بلت مرارًا من قبل حكم محظيات، بيد أنها لم تبل قط حكم قوادين” (الكلام المقتبس هو كلام مدام جيراردين).

إن بونابرت، وقد ساقته إلى ذلك مطالب وضعه المتناقضة وكان في الوقت نفسه يقوم بدور الحاوي المضطر إلى إبقاء نفسه محط الأنظار كبديل لنابوليون، وذلك بقيامه بالمفاجئات المستمرة، أي بالأحرى إلى إجراء انقلاب مصغر كل يوم، إن بونابرت هذا قد ألقى الاقتصاد البرجوازي برمته في هاوية الفوضى وانتهك كل ما كان يبدو مصونًا بالنسبة لثورة 1848، وجعل البعض يتسامحون مع الثورة، وآخرين يرغبون في الثورة، وخلق فوضى فعلية باسم النظام، بينما كان في الوقت نفسه يجرد جهاز الدولة بكامله من الهالة التي تحيط به ويلوثه ويجعله بغيضًا ومحلاً للسخرية في آن واحد. إنه يعيد في باريس بصورة مزورة ساخرة عبادة الرداء المقدس في ترير ([64]) على شاكلة عبادة العباءة الإمبراطورية النابوليونية. ولكن عندما تسقط العباءة الإمبراطورية أخيرًا على كتفي لويس بونابرت، سيهوي تمثال نابوليون البرونزي من على قمة مسلة فندوم ويتحطم.

كتبه ماركس في ديسمبر/كانون الأول 1851 لغاية مارس/ آذار 1852. نشر في مجلة « Die Revolution » بنيويورك عام 1852. الطبعة الثانية التي راجعها ماركس ظهرت في كتاب على حده في هابمبورغ عام 1869. الطبعة الثالثة ظهرت في هامبورغ عام 1885، مع مقدمة بقلم أنجلس.

 

دليل الأسماء

  • آيي (Ailly) بيار دي (ولد عام 130 توفي في عام 1420 أو في عام 1425) كردينال فرنسي، لاهوتي معروف. اضطلع بدور بارز في مجمع كونستانسيا.
  • الإسكندر المقدوني (356 – 323 قبل الميلاد) قائد عسكري شهير ورجل دولة في العالم القديم.
  • أوبول (Hautpoul) الفرنسي هنري دي (1789 – 1865) جنرال فرنسي. شرعي. فيما بعد بونابرتي. نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851). وزير الحربية (1849 – 1850) .
  • أودينو (Oudinol) نقولا شارل فيكتور (1791 – 1863) جنرال فرنسي. أورلياني. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. في 1849، كان آمر القوات التي أرسلت ضد جمهورية روما. حاول مقاومة انقلاب 2 كانون الأول 1851.
  • أورليان سلالة ملكية في فرنسا (1830 – 1848) .
  • باراغه (Baraguay d’Hilliers) ديليه آشيل (1795 – 1878) جنرال فرنسي. ماريشال منذ عام 1854. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. في 1851 كان آمر حامية باريس. بونابرتي.
  • بارو (Barrot) أوديلون (1791 – 1873) سياسي برجوازي فرنسي. قبل شباط (فبراير) 1848، رئيس المعارضة الأسرية الليبرالية. من كانون الأول (ديسمبر) 1848 إلى تشرين الأول (أكتوبر) 1849، ترأس الوزارة المعتمدة على ائتلاف الكتلتين الملكيتين المعادي للثورة.
  • باروش (Baroche) بيار جول (1802 – 1870) سياسي وحقوقي فرنسي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية، وممثل من حزب النظام. في 1849، مدع عام في محكمة الاستئناف. بونابرتي، اشترك في جملة من الوزارات قبل وبعد انقلاب الثاني من كانون الأول (ديسمبر).
  • باريس كونت. راجع: لويس فيليب الدوق أورليان.
  • باز (Baze) جان ديديه (1800 – 1881) محام وسياسي فرنسي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. أورلياني – ص 112، 132.
  • بايي (Bailly) جان سيلفان (1736 – 1793) فلكي فرنسي، من رجالات الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، ومن قادة البرجوازية الدستورية الليبرالية.
  • برشييه (Persigny) جان جيلبر فيكتور، كونت (1808 – 1872) رجل دولة فرنسي، بونابرتي. نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851). من منظمي انقلاب 2 كانون الأول 1851. وزير الداخلية (1852 – 1854 و1860 – 1863) .
  • بروت مارك يوني (حوالي 85 – 42 قبل الميلاد) سياسي روماني. من منظمي المؤامرة الجمهورية الأريستقراطية ضد يوليوس قيصر.
  • برودون (Proudhon) بيار جوزيف (1809 – 1865) صحفي واقتصادي وعالم اجتماعي فرنسي. أيديولوجي البرجوازية الصغيرة. من مؤسسي الفوضوية. في 1848، نائب في الجمعية التأسيسية.
  • بروغلي (Broglie) آشيل شارل ليو نفيكتور، دوق (1785 – 1870) رجل دولة فرنسي. رئيس الوزراء (1835 – 1836). نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851). أورلياني.
  • بلان (Blanc) لويس (1811 – 1882) اشتراكي برجوازي صغير ومؤرخ فرنسي في 1848، عضو الحكومة المؤقتة، ورئيس لجنة اللوكسمبورغ. وقف مواقف الاتفاق مع البرجوازية. في آب (أغسطس) 1848 هاجر إلى بريطانيا. أحد قادة المهاجرين البرجوازيين الصغار في لندن.
  • بلانكي (Blangui) أونوره دي (1805 – 1881) ثوري فرنسي. شيوعي طوبوي. نصير التاكتيك التآمري. قائد الجمعية السرية، “جمعية مواسم السنة”؛ منظم انتفاضة 12 آيار (مايو) 1839. إبان ثورة 1848، وقف في أقصى الجناح الأيسر من الحركة الديموقراطية والبروليتارية في فرنسا. حكم عليه غير مرة بالسجن – ص 21.
  • بلزاك (Balzac) أونوره دي (1799 – 1850) كاتب واقعي فرنسي كبير.
  • بنوا دازي (Benoit d’Azy) داني (1796 – 1880) سياسي ومالي وصناعي فرنسي. نائب رئيس الجمعية التشريعية (1849 – 1851) شرعي.
  • بوربون، سلالة ملكية في فرنسا (1589 – 1792، 1814 – 1815، 1815 – 1830) .
  • بولينياك (Polignac) أوغست جول أرمان ماري، أمير (1780 – 1847) رجل دولة فرنسي في عهد العودة. شرعي وإكليريكي. وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء (1829 – 1830) .
  • بيدو (Bedeau) ماري ألفونس (1804 – 1863) جنرال وسياسي فرنسي. جمهوري برجوازي معتدل. في عهد الجمهورية الثانية، نائب رئيس الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية .
  • بييرييه (Berryer) بيير أنطوان (1790 – 1868) محام وسياسي فرنسي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. شرعي.
  • بيو (Billault) أوغست أدولف ماري (1805 – 1863) سياسي ومحام فرنسي. أورلياني. نائب في الجمعية التأسيسية (1848 – 1849). بعد عام 1849 بونابرتي، وزير الداخلية (1854 – 1858) .
  • تورينيي (Thorigny) بيار فرانسوا إيلزابت (1798 – 1869) حقوقي فرنسي. في 1834، حقق في قضية المشتركين في انتفاضة نيسان (إبريل) بمدينة ليون. بونابرتي. وزير الداخلية (1851) .
  • توكفيل (Tocaueville) ألكسيس (1805 – 1859) مؤرخ وسياسي فرنسي. شرعي ونصير الملكية الدستورية. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير الخارجية (حزيران – يونيو – تشرين الأول – أكتوبر 1849) .
  • تيير (Thiers) أدولف (1797 – 1877) مؤرخ ورجل دولة برجوازي فرنسي. رئيس وزراء (1836، 1840). في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. أورلياني. رئيس الجمهورية (1871 – 1873). جلاد كومونة باريس.
  • جيراردين (Girardin) إميل دي (1806 – 1881) كاتب برجوازي وسياسي فرنسي. من العقد الرابع إلى العقد السابع ضمنًا، كان بصورة متقطعة محررًا في جريدة «Presse ». في حقل السياسة تميز بأقصى اللامبدئية. قبل ثورة 1848، عارض حكومة غيزو. إبان الثورة، جمهوري برجوازي. نائب في الجمعية التشريعية (1850 – 1851). فيما بعد بونابرتي .
  • جيراردين (Girardin) دلفين دي (1804 – 1855) كاتبة فرنسية. زوجة إميل دي جيراردين – ص 156.
  • جيرو (Giraud) شارل جوزيف برتيليمي (1802 – 1881) حقوقي فرنسي. ملكي. وزير التعليم (1851) .
  • جوانفيل (Joinville) فرانسوا فردينان فيليب لويس ماري، دوق أورلياني. أمير (1818 – 1900). ابن لويس فيليب. بعد انتصار ثورة شباط (فبراير) 1848، هاجر إلى بريطانيا .
  • دانتون (Danton) جورج جاك (1759 – 1794) واحد من أبرز قادة الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. زعيم الجناح اليميني من اليعاقبة.
  • داي بيير، راجع: آيي، بيار دي.
  • دوبان (Dupin) أندري ماري جان جاك (1783 – 1865) حقوقي وسياسي فرنسي. أورلياني. نائب في الجمعية التأسيسية (1848 – 1849) ورئيس الجمعية التشريعية (1849 – 1851)، فيما بعد، بونابرتي.
  • دوبرا (Duprat) باسكال (1815 – 1885) سياسي فرنسي. صحافي. جمهوري برجوازي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وقف ضد لويس بونابرت.
  • دوبول ألفونس هنري، راجع: أوبول ألفونس هنري.
  • دوشاتل (Duchatel) شارل (1803 – 1867) رجل دولة فرنسي. أورلياني. وزير الداخلية (1839 – 1840. 1840 – شباط (فبراير) 1848) .
  • ديفلوت (De Flotte) بول (1817 – 1860) ضابط بحري فرنسي. ديموقراطي واشتراكي. نصير بلانكي. مشترك نشيط في أحداث 15 أيار (مايو) وانتفاضة حزيران (يونيو) 1848 في باريس. نائب في الجمعية التشريعية (1850 – 1851) .
  • ديمولان (Des,oulins) كميل (1760 – 1794) كاتب سياسي فرنسي. من رجالات الثورة البرجوازية في أواخر القرن الثامن عشر. يعقوبي يميني.
  • راتو (Rateau) جان بيار (1800 – 1887) محام فرنسي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. بونابرتي – ص 39.
  • روبسبيير (Robespierre) ماكسيميليان (1758 – 1794) قائد بارز في الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. زعيم اليعاقبة. رئيس الحكومة الثورية (1793 – 1794) .
  • رويه كولار (Royer Collard) بيار بول (1763 – 1845) فيلسوف وسياسي فرنسي. نصير الملكية الدستورية.
  • روييه (Rouher) أوجين (1814 – 1884) رجل دولة فرنسي. بونابرتي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير العدلية (1849 – 1852 مع انقطاعات). في عهد الإمبراطورية الثانية، شغل عدة مناصب عليا في الدولة.
  • ريتشارد الثالث (1452 – 1485) ملك إنجليزي (1483 – 1485) .
  • ريموزا (Rémusat) شارل فرانسوا ماري، كونت (1797 – 1875) رجل دولة فرنسي. كاتب أورلياني. وزير الداخلية (1840). في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير الخارجية (1871 – 1873) .
  • رينو دي سان جان دانجيلي (Regnault de Saint-Jean d’Angély) أوغست ميشال أيتيان، كونت (1794 – 1870) جنرال فرنسي. بونابرتي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير الحربية (كانون الثاني – يناير 1851). اشترك في حرب القرم.
  • سالاندروز (Sallandrouse) شارل جان (1808 – 1867) صناعي فرنسي. نائب في الجمعية التأسيسية (1848 – 1849). دعم لويس بونابرت أثناء انقلاب 2 كانون الأول 1851.
  • سالفاندي (Salvandy) فرسيس آشيل، كونت (1795 – 1856) كاتب ورجل دولة فرنسي. أورلياني. وزير التعليم (1837 – 1839 و1845 – 1848).
  • سان – أرنو (Saint – Arnaud) أرمان جاك ليروا دي (1801 – 1854) جنرال فرنسي. ابتداء من عام 1852، ماريشال. بونابرتي. وزير الحربية (1851 – 1854). أحد منظمي انقلاب 2 كانون الأول 1851. في 1854 القائد الأعلى للقوات الفرنسية في القرم.
  • ساندبريست (Saint-Priest) عمانوئيل لويس ماري، فيكونت (1789 – 1881) جنرال وديبلوماسي فرنسي. شرعي. نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851) .
  • سان – بيف (Saint-Beuve) بيير هنري (1819 – 1855) صناعي وملاك عقاري فرنسي. نصير حرية التجارة. ممثل حزب النظام. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية .
  • ساندجان دانجيلي. راجدع: رينو دي سان – جان دانجيلي أوغست ميشال إيتيان.
  • ساندجوست (Saint-Just) لويس أنطوان (1767 – 1794) قائد بارز في الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. من زعماء اليعاقبة .
  • ساي (Say) جان باتيست (1767 – 1832) اقتصادي برجوازي فرنسي. ممثل الاقتصاد السياسي المبتذل.
  • سو (Sue) أوجين (1804 – 1857) كاتب فرنسي. مؤلف روايات عاطفية مبتذلة في مواضيع اجتماعية. نائب في الجمعية التشريعية (1850 – 1851) .
  • سولوك (Soulougue) فاوستين (حوالي 1782 – 1867) رئيس جمهورية هاييتي الزنجية. في عام 1849 نادي بنفسه إمبراطورا تحت اسم فاوستين الأول .
  • سيسموندي (Sismondi) جان شارل ليونار سيموند دي (1773 – 1842) اقتصادي سويسري. ناقد برجوازي صغير للرأسمالية.
  • شاراس (Charras) جان باتيست أدولف (1810 – 1865) رجل سياسي وعسكري فرنسي. جمهورية برجوازي معتدل. اشترك في قمع انتفاضة عمال باريس في حزيران (يونيو) 1848. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. عارض لويس بونابرت. بعد انقلاب 2 كانون الأول 1851، نفي من فرنسا.
  • شامبور (Chambord) هنري شارل، كونت (1820 – 1883)، آخر ممثل الفرع الأكبر من آل بوربون. حفيد شارل العاشر. طامح بالعرش الفرنسي تحت اسم هنري الخامس .
  • شانغارنييه (Changarnier) نقولا آن تيودول (1793 – 1877) جنرال وسياسي برجوازي فرنسي. ملكي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. بعد حزيران (يونيو) 1848، آمر حامية باريس والحرس الوطني في باريس. اشترك في تفريق مظاهرة 13 حزيران 1849 في باريس.
  • شرام (Schramm) جان بول آدم (1789 – 1884) جنرال وسياسي فرنسي. بونابرتي. وزير الحربية (1850 – 1851) .
  • شكسبير (Shakespeare) وليم (1564 – 1616) كاتب إنجليزي كبير.
  • غراك تيبير سمبروني (163 – 133 قبل الميلاد) خطيب شعبي (133 قبل الميلاد). في روما القديمة، ناضل من أجل سن قوانين زراعية في مصلحة الفلاحين.
  • غراك غايي سمبروني (153 – 121 قبل الميلاد) خطيب شعبي (123 – 122 قبل الميلاد). في روما القديمة ناضل من أجل سن قوانين زراعية في مصلحة الفلاحين. أخو تييري غراك .
  • غرانيه دي كاسانياك (Granier de Cassagnac) أدولف (1806 – 1880) صحافي فرنسي. سياسي لا مبدئي. قبل ثورة 1848 أورلياني. ثم بونابرتي. في عهد الإمبراطورية الثانية، نائب في المجلس التشريعي – ص 155.
  • غيزو (Guizot) فرانسوا بيار غيوم (1787 – 1874) مؤرخ برجوازي ورجل دولة فرنسي. من عام 1840 إلى ثورة شباط (فبراير) 1848، أشرف عمليًا على السياسة الداخلية والخارجية، وأعرب عن مصالح البرجوازية المالية الكبيرة .
  • فاتيمينيل (Vatimesnil) أنطوان فرانسوا هنري (1789 – 1860) سياسي فرنسي. شرعي. وزير التعليم (1828 – 1830). نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851) .
  • فالو (Falloux) ألفريد (1811 – 1886) سياسي وكاتب فرنسي. شرعي وإكليريكي. في 1848، صاحب المبادرة إلى حل المشاغل الوطنية وملهم قمع انتفاضة حزيران (يونيو) في باريس. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير التعليم (1848 – 1849) .
  • فايس (Vaisse) كلود ماريوس (1799 – 1864) رجل دولة فرنسي. بونابرتي. وزير الداخلية (كانون الثاني (يناير) – نيسان (إبريل) 1851) .
  • فوشيه (Faucher) ليو ن(1803 – 1854) صحفي وسياسي برجوازي فرنسي. أورلياني. اقتصادي من أنصار مالتوس. وزير الداخلية (كانون الأول – ديسمبر 1848 – أيار – مايو 1849، 1851). فيما بعد، بونابرتي .
  • فولد (Fould) آشيل (1800 – 1867) سياسي وصاحب مصرف فرنسي. أورلياني. فيما بعد، بونابرتي. في 1849 – 1867 شغل غير مرة منصب وزير المالية .
  • فيدال (Vidal) فرانسوا (1814 – 1872) اقتصادي فرنسي. اشتراكي برجوازي صغير. في 1848، أمين لجنة اللوكسمبورغ. نائب في الجمعية التشريعية (1850 – 1851) .
  • فيديماير (Weydemeyer) يوسف (1818 – 1866) شخصية بارزة في الحركة العمالية الألمانية والأميركية. عضو عصبة الشيوعيين. اشترك في ثورة 1848 – 1849 في ألمانيا. إبان الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأميركية، كولونيل في جيش الشماليين. دشن عهد ترويج الماركسية في أميركا. صديق ماركس وأنجلس ورفيقهما بالفكر والنضال .
  • فيليل (Villèle) جان باتيست سيرافان جوزيف، كونت (1773 – 1854) رجل دولة فرنسي في عهد العودة. شرعي. رئيس وزارة (1822 – 1828) .
  • قيصر غايي يولي (حوالي 100 – 44 قبل الميلاد) قائد عسكري ورجل دولة روماني شهير .
  • كارلييه (Carlier) بيار (1799 – 1858) مدير البوليس في باريس (1849 – 1851). بونابرتي.
  • كافينياك (Cavaignac) لويس أوجين (1802 – 1857) جنرال وسياسي فرنسي. جمهوري برجوازي معتدل. اشترك في فتح الجزائر. بعد ثورة شباط (فبراير) 1848، حاكم الجزائر. تميز بطرائقه الوحشية في خوض الحرب. من أيار (مايو) 1848 وزير الحربية الفرنسية. قمع بقساوة خارقة انتفاضة عمال باريس في حزيران (يونيو). رئيس السلطة التنفيذية (حزيران (يونيو) – كانون الأول (ديسمبر) 1848).
  • كاليغولا (12 – 41) إمبراطور روماني (37 – 41) .
  • كرومويل (Cromwell) أوليفر (1599 – 1658) زعيم البرجوازية والنبلاء المتبرجزين إبان الثورة البرجوازية الإنجليزية في القرن السابع عشر. ابتداء من عام 1653، اللورد حامي إنجلترا وأسكتلنده وأولنده .
  • كريتون (Creton) نقولا جوزيف (1798 – 1864) محام فرنسي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. أورلياني.
  • كوزين (Cousin) فيكتور (1792 – 1867) فيلسوف فرنسي. مثالي. اختياري .
  • كوسيديير (Caussidière) مارك (1808 – 1861) ديموقراطي برجوازي صغير فرنسي. مشترك في انتفاضة 1834 في ليون. واحد من منظمي الجمعيات الثورية السرية في عهد ملكية تموز (يوليو). بعد ثورة شباط (فبراير) 1848، مدير البوليس في باريس. نائب في الجمعية التأسيسية. في حزيران 1848، هاجر إلى بريطانيا .
  • كونستان (Constant) بنيامين (1767 – 1830) سياسي برجوازي ليبرالي فرنسي. صحفي وكاتب .
  • لاروشجاكلين (La Rochejaquerlein) هنري أوغست جورج، مركيز (1805 – 1867) سياسي فرنسي. عضو مجلس الشيوخ. أحد زعماء الحزب الشرعي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. فيما بعد، شيخ في عهد الإمبراطورية الثانية.
  • لامارتين (Lamartine) ألفونس (1790 – 1869) شاعر ومؤرخ وسياسي فرنسي. في الأربعينيات جمهوري برجوازي. في 1848 زير الخارجية ورئيس الحكومة المؤقتة عمليًا .
  • لاموريسيير (Lamoricière) كريستوف لويس ليون (1806 – 1865) جنرال وسياسي فرنسي. جمهوري برجوازي معتدل. في 1848 اشترك بنشاط في قمع انتفاضة حزيران (يونيو). فيما بعد، وزير الحربية في حكومة كافينياك (حزيران – يونيو – كانون الأول – ديسمبر). في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية .
  • لاهيت (La Hitte) جان أرنست (1789 – 1878) جنرال فرنسي، بونابرتي. نائب في الجمعية التشريعية (1850 – 1851). وزير الخارجية (1849 – 1851) .
  • لوتر (Luther) مارتن (1483 – 1546) من رجال الإصلاح البارزين. مؤسس البروتستانتية (اللوترية) في ألمانيا. أيديولوجي البرجوازية الألمانية. إبان حرب الفلاحين في عام 1525، وقف ضد الفلاحين الثائرين وضد فقراء المدن إلى جانب الأمراء .
  • لوك (Locke) جون (1632 – 1704) فيلسوف ثنائي إنجليزي بارز. حامي. اقتصادي برجوازي.
  • لويس الرابع عشر (1638 – 1715) ملك فرنسا (1643 – 1715) .
  • لويس الخامس عشر (1710 – 1774) ملك فرنسا (1715 – 1774) .
  • لويس الثامن عشر (1755 – 1824) ملك فرنسا (1814 – 1815 و1815 – 1824) .
  • لويس فيليب (1773 – 1850) دوق أورليان. ملك فرنسا (1830 – 1848) .
  • لويس فيليب ألبر دوق أورليان. كونت باريس (1838 – 1894). حفيد الملك لويس فيليب. طامح بالعرش الفرنسي.
  • لويس نابوليون، راجع: نابوليون الثالث.
  • ليدرو – رولان (Ledru-Rollin) ألكسندر أوغست (1807 – 1874) كاتب وسياسي فرنسي. من زعماء الديموقراطيين البرجوازيين الصغار. محرر في جريدة «Réforme » في 1848، عضو الحكومة المؤقتة. نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية حيث ترأس حزب “الجبل”. بعد مظاهرة 13 حزيران (يونيو) 1849، هاجر إلى بريطانيا.
  • ليفلو (le Flo) أدولف عمانوئيل شارل (1804 – 1887) جنرال وسياسي وديبلوماسي فرنسي. ممثل حزب النظام. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير الحربية في “حكومة الدفاع الوطني” (1870 – 1871) .
  • ماراست (Marrast) أرمان (1801 – 1852) صحفي وسياسي فرنسي. من زعماء الجمهوريين البرجوازيين المعتدلين. محرر جريدة « National ». في 1848 عضو الحكومة المؤقتة ورئيس بلدية باريس. رئيس الجمعية التأسيسية (1848 – 1849) .
  • ماركس (Marx) كارل (1818 – 1883) .
  • مازنيللو (Masaniello) (اللقب لتومازو أنيللو) (1620 – 1647). صياد سمك. زعيم الانتفاضة الشعبية في نابولي عام 1647 ضد السيطرة الإسبانية .
  • مالفيل (Maleville) ليون (1803 – 1879) سياسي فرنسي. أورلياني. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. وزير الداخلية (النصف الثاني من كانون الأول – ديسمبر – 1848) .
  • مانيان (Magnan) برنار بيار (1791 – 1865) جنرال فرنسي. من كانون الأول (ديسمبر) 1851، ماريشال. بونابرتي اشترك في قمع انتفاضات العمال في ليون (1831 – و1849) وفي ليل وروبيه (1845) وانتفاضة حزيران (يونيو) 1848 في باريس. نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851). من منظمي انقلاب 2 كانون الأول 1851 .
  • موبا (Maupas) شارلمان إميل (1818 – 1888) محام فرنسي. بونابرتي. مدير البوليس في باريس (1851). من منظمي انقلاب 2 كانون الأول 1851. وزير البوليس (1852 – 1853) .
  • مورني (Morny) شارل أوغست لويس جوزيف، كونت دي (1811 – 1865). سياسي فرنسي. بونابرتي. نائب في الجمعية التشريعية (1849 – 1851). من منظمي انقلاب 2 كانون الأول 1851. وزير الداخلية (كانون الأول 1851 – كانون الثاني 1852) .
  • موغين (Mauguin) فرانسوا (1785 – 1854) حقوقي وسياسي فرنسي. قبل 1848، أحد زعماء المعارضة الأسرية الليبرالية. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. التصق بالنواب اليمينيين .
  • موليه (Molè) لويس ماتيه، كونت (1781 – 1855) رجل دولة فرنسي. أورلياني. رئيس وزارة (1836 – 1837، 1837 – 1839) في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية.
  • مونتالمبير (Montalembert) شارل (1810 – 1870) سياسي وصحفي فرنسي. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية. أورلياني. ترأس الأوساط الكاثوليكية. دعم لويس بونابرت أثناء انقلاب 2 كانون الأول 1851 .
  • مونك (Monk) جورج (1608 – 1670) جنرال إنجليزي وقائد في الثورة البرجوازية الإنجليزية في القرن السابع عشر. اشترك بنشاط في بعث الملكية في إنجلترا عام 1660 .
  • نابوليون الأول بونابرت (1769 – 1821). إمبراطور فرنسا (1804 – 1814 و1815) .
  • نابوليون الثالث (لويس نابوليون بونابرت) (1808 – 1873) ابن أخي نابوليون الأول. رئيس الجمهورية الثانية (1848 – 1851)، إمبراطور فرنسا (1852 – 1870) .
  • نيماير (Neumayer) مكسيميليان جورج جوزيف (1789 – 1866) جنرال فرنسي. نصير حزب النظام. آمر القوات العسكرية في باريس (1848 – 1850) .
  • نيي (Ney) أدغار (1812 – 1882) ضابط فرنسي. بونابرتي. مرافق الرئيس لويس بونابرت. نائب في الجمعية التشريعية (1850 – 1851) .
  • هنري الخامس، راجع: شامبور هنري شارل.
  • هنري السادس (1421 – 1471) ملك إنجليزي (1422 – 1461) .
  • هوغو (Hugo) فيكتور (1802 – 1885) كاتب فرنسي كبير. في عهد الجمهورية الثانية، نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية .
  • هيغل (Hegel) غيورغ ولهلم فريدريك (1770 – 1831) أكبر ممثلي الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. مثالي موضوعي. أسهب في عرض الدياليكتيك المثالي على أوسع وجه.

([1] ) « Die Revolution » (“الثورة”) مجلة شيوعية أسبوعية، أصدرها عام 1852 في نيويورك فيديماير، صديق ماركس وأنجلس وعضو عصبة الشيوعيين. وافق ماركس وأنجلس على الكتابة بانتظام للمجلة. غير أن فيديماير توفق في إصدار عددين فقط من مجلته الأسبوعية في شهر كانون الثاني (يناير) 1852، وبعد ذاك، تعين عليه وقف إصدارها بسبب من المصاعب المالية. وفي أيار (مايو) 1852، أصدر فيديماير مؤلف ماركس “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت” في كتاب على حدة، وبصورة العدد الأول من مجلة « Revolution » “غير دورية” – ص 3.

([2] ) الثاني من كانون الأول (ديسمبر) – المقصود هنا انقلاب الثاني من كانون الأول عام 1851 في فرنسا وقد قام به لويس بونابرت الذي كان يشغل ابتداء من 10 كانون الأول 1848 منصب رئيس الجمهورية الفرنسية: فقد جرى حل الجمعية التشريعية ومجلس الدولة، واعتقال عدد كبير من النواب، وإعلان الأحكام العرفية في 32 مقاطعة، ونفي الزعماء الاشتراكيين والجمهوريين من فرنسا. وفي 14 كانون الثاني (يناير) 1852، أقر دستور جديد يحصر السلطة كلها في يدي الرئيس؛ وفي 2 كانون الأول 1852، نودي بلويس بونابرت إمبراطور فرنسا باسم نابوليون الثالث – ص 7.

([3] ) Brumaire، الشهر الثاني من سنة التقويم الجمهوري (22 تشرين الأول – 20 تشرين الثاني) الذي كان معمولاً به في فرنسا من 1793 حتى 1 كانون الثاني (يناير) سنة 1806.

        الثامن عشر من برومير السنة السابعة كان اليوم التاسع من نوفمبر 1799. في هذا اليوم قام نابوليون بونابرت بانقلاب أطاح به بمجلس المديرين وأعلن نفسه قنصلاً أولاً لفرنسا. وهكذا وصلت مرحلة الثورة البرجوازية المعاكسة إلى نهايتها وأقيمت الديكتاتورية العسكرية. ويعني ماركس على نحو سخري بالطبعة الثانية من “الثامن عشر من برومير” انقلاب الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1851 الذي قام به لويس بونابرت ابن أخ نابوليون الأول – ص 11.

([4] ) “بدلام”، مستشفى للمجانين في لندن – ص 14.

([5] ) في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1848، انتخب لويس بونابرت رئيسًا للجمهورية الفرنسية بنتيجة اقتراع عام، ص – 15.

([6] ) أثناء فرار اليهود من الأسر في مصر، كما تروي التوراة، شرع الجبناء بينهم، من جراء مصاعب الطريق وبسبب من الجوع، يتأسفون للأيام التي قضوها في الأسر، إذ كانوا آنذاك، على كل حال، شبعانين. ومن هنا جاء القول المأثور: “تأسف على حلل اللحوم المصرية” – ص 15.

([7] ) Hic Rhodus, hic saltat (هنا رودوس، فلتقفز هنا! – وتعني: هنا الأمر الرئيسي، وهنا قدم البرهان!) – قيل هذا (في قصة “الفشار” لا يزوب) لفشار زعم أنه وثب وثبة هائلة في جزيرة رودوس.

        “هنا الوردة، فلترقص هنا!” – تعديل القول السابق (Poooç – رودوس – باليونانية اسم الجزيرة المعروفة، وتعني كذلك “الوردة”) أوردة هيغل في مقدمة كتابه “فلسفة الحق” – ص 17.

([8] ) في أيار (مايو) 1852، انتهت مدة رئاسة لويس بونابرت. وبموجب الدستور الفرنسي لعام 1848، كان ينبغي انتخاب الرئيس الجديد مرة كل أربع سنوات في الأحد الثاني من شهر أيار (مايو) – ص 17.

([9] ) الألفية Chilliasm (من الكلمة اليونانية “خيلياس” ومعناها ألف). مذهب ديني صوفي يقول بمجيء المسيح ثانية وقيام “العهد الألفي” الذي تسوده العدالة والمساواة التامة والبركة والخير. انبثقت عقائد هذا المذهب في مرحلة تفسخ نظام الرق من جراء ما كان يعانيه الكادحون من مظالم وآلام لا تطاق، ففتشوا عن مخرج في أحلام خيالية غريبة. وقد انتشرت هذه العقائد واسع الانتشار في زمن المسيحية الباكرة، ثم انبعثت على الدوام في تعاليم مختلف الشيع والملل في القرون الوسطى – ص 17.

([10] ) تقول الأساطير أن قبائل الغاليين قد استولت على روما وحاصرت قلعتها الكابيتول. وذات ليلة، أخذوا يتسلقون جدران القلعة دون أن يحدثوا أي صوت، ولكن طيور الوز المقدسة طفقت توقوق وأيقظت الرومانيين – ص 18.

([11] ) المقصود هنا الجنرالات الذين اشتركوا في الاستيلاء على الجزائر في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر. – ص 18.

([12] ) غوته “فاوست”. الفصل الأول. المشهد الثالث (“مكتب فاوست”). – ص 19.

([13] ) “المعارضة الأسرية” – كتلة برئاسة أوديلون بارو في مجلس النواب الفرنسي في عهد ملكية تموز (يوليو). كان ممثلو هذه الكتلة التي تفصح عن مزاج الأوساط الليبرالية من البرجوازية الصناعية والتجارية، يطالبون بإجراء إصلاح انتخابي معتدل بوصفه وسيلة لتحاشي الثورة وللحفاظ على سلالة أورليان – ص 20.

([14] ) بيثيا، كاهنة هيكل الإله أبولون في مدينة دلفيس في زمن الإغريق. وكانت تجلس في جوار الهيكل على كرسي ثلاثية الأرجل منصوبة فوق فج ضيق تتصاعد منه أبخرة مخدرة. وبتأثير هذه الأبخرة، كانت بيثيا تنطق بكلمات غير موصولة بعضها ببعض، ويفسرها الكهان على أنها نبوءات – ص 25.

([15] ) كرابولنسكي، بطل قصيدة هينه “الفارسان”، نبيل بولوني مبذر. واسم عائلة كرابولنسكي مركب من الكلمة الفرنسية crapule – وتعني الانهماك في الخلاعة والأكل والسكر كما تعني أيضًا السفلاق.

([16] ) « Le National » (“الجريدة الوطنية”) جريدة يومية فرنسية صدرت في باريس من عام 1830 إلى عام 1851. لسان حال الجمهوريين البرجوازيين المعتدلين – ص 26.

([17] ) « Journql des Débats » (“جريدة المناقشات”) – اسم مختصر للجريدة البرجوازية اليومية الفرنسية « Journal des Débats politiques et littéraires » (“جريدة المناقشات السياسية والأدبية”). تأسست في باريس عام 1789. في عهد ملكية تموز (يوليو)، جريدة حكومية، ولسان حال البرجوازية الأورليانية. إبان ثورة 1848، أعربت الجريدة عن نظرات البرجوازية المعادية للثورة، والمسماة بحزب النظام – ص 26.

([18] ) الميثاق الدستوري أقر بعد الثورة البرجوازية في فرنسا عام 1830، وكان القانون الأساسي لملكية تموز (يوليو). أعلن الميثاق شكلاً أن حقوق السيادة ملك الأمة، وقيد بعض الشيء سلطة الملك. ولكنه، مع ذلك، لم يمس الجهاز البوليسي البيروقراطي، والقوانين الصارمة الصادرة ضد الحركة العمالية والديموقراطية –
ص 28.

([19] ) آخيل، واحد من أشجع أبطال الملحمة الإغريقية “الأليادة”. تقول الأسطورة أن أم آخيل، الاهة البحر فيتيدا، شاءت أن تخلد أبنها فلا يطاله الموت، فغطسته بمياه نهر ستيكس المقدسة. ولم يبقى من جسده موضعًا يصاب منه مقتلاً غير العقب الذي أمسكته به. وقد قتل آخيل بسهم أطلقه باريس وأصابه في عقبه. – ص 30.

([20] ) “Frére il taut mourir!” (“أيها الأخ، أستعد للموت!”) تحية يتبادلها أعضاء الرهبنة الكاثوليكية المسماة برهبنة الترابيين عندما يتقابلون. وقد ظهرت رهبنة الترابيين عام 1664، وتميزت بنظام داخلي صارم وبنمط معيشة متقشف. – ص 32.

([21] ) كليشي، سجن المدينين في باريس من عام 1826 إلى عام 1867. – ص 32.

([22] ) البريتوريون، في روما القديمة الحرس الخاص للقائد العسكري أو للإمبراطور، وكان القائد أو الإمبراطور يعوله، كما كان يتمتع بمختلف الامتيازات – ص 36.

([23] ) يقصد ماركس هنا اشتراك مملكة نابولي في التدخل ضد جمهورية روما في أيار – تموز (مايو – يوليو) 1849.

في 9 شباط (فبراير)1849، عمدت الجمعية التأسيسية في روما، المنتخبة بالاقتراع العام، وألغت سلطة البابا الدنيوية، وأعلنت الجمهورية، وقد تركزت السلطة التنفيذية في جمهورية روما بين أيدي هيئة من ثلاثة أعضاء برئاسة مادزيني. أثناء وجود الجمهورية، أجريت جملة من الاصلاحات البرجوازية الديموقراطية. ولكن ما اتسمت به الجمهورية، من طبيعة طبقية محدودة أثر في سياستها الزراعية: فإن الامتناع عن تحويل أراضي الملاكين العقاريين ملكًا للفلاحين حرم الجمهورية حليفًا في النضال ضد الثورة المعاكسة. ومن جراء تدخل فرنسا والنمسا ونابولي، سقطت جمهورية روما في 3 تموز (يوليو) 1849. – ص 36.

([24] ) يقصد ماركس هنا الوقائع التالية من حياة لويس بونابرت: في عام 1832، تجنس لويس بونابرت بالجنسية السويسرية في كانتون (قضاء) تورغام؛ في عام 1848، تطوع لويس بونابرت، أثناء أقامته في بريطانيا، فس صفوف “الكونستابل” الخصوصيين (وهؤلاء في بريطانيا هم رجال البوليس الاحتياطي من المدنيين) الذين عاونوا البوليس ضد المظاهرة العمالية التي نظمها الشارتيون (الميثاقيون) في 10 نيسان (أبريل) 1848. – ص 36.

([25] ) المقصود هنا تحليل انتخابات 10 كانون الأول (ديسمبر) 1848. الذي أورده ماركس في مؤلفه “نضال الطبقات في فرنسا من عام 1848 على عام 1850”. – ص 36.

([26] ) الشرعيون – legitimists – أنصار سلالة بوربون التي أسقطت في فرنسا عام 1792 والتي كانت تمثل مصالح كبار ملاكي الأراضي بالوراثة. بعد الإطاحة للمرة الثانية بهذه السلالة في عام 1830، أتحد الشرعيون في حزب سياسي. – ص 37.

([27] ) الأورليانيون، حزب ملكي لاريستقراطية المال والبرجوازية الكبيرة، وأنصار دوقات أورليان الذين هم الفرع الأصفر من سلالة بوربون المتسلم لزمام الحكم منذ ثورة تموز (يوليو) 1830 حتى ثورة 1848. في عهد الجمهورية الثانية (1848 – 1851) تكتلوا مع الشرعيين وشكلوا معًا ما يسمى حزب النظام. – ص 37.

([28] ) الإمبراطور الروماني كاليغولا (37 – 41) رفعه الحرس البريتوري إلى العرش – ص 41.

([29] ) انتزعت الحكومة الفرنسية من الجمعية التأسيسية أعتمادات لأجل تجهيز جيش الغزو إلى ايطاليا في نيسان (أبريل) 1849، بحجة مساندة البيمون في كفاحها ضد النمسا والدفاع عن جمهورية روما. أما الهدف الحقيقي من الحملة، فكان التدخل ضد جمهورية روما وإعادة سلطة البابا الدنيوية. – ص 42.

([30] ) المقصود هنا مشروع القانون الذي قدمه في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1851 الملكيون ليفلو وبازو وبانا “كويستور” الجمعية التشريعية (وكلاء الجمعية لإدارة شؤونها الاقتصادية والمالية ولتأمين سلامتها) والذي رفض في 17 تشرين الثاني بعد مناقشات حادة. عند التصويت، دعم “الجبل” البونابرتيين، لاعتباره أن الملكيين يشكلون الخطر الرئيسي – ص 43.

([31] ) الفروند، حركة النبلاء والبرجوازيين ضد الحكم المطلق في فرنسا في أعوام 1648  – 1653. أعتمد زعماء الحركة النبلاء على حاشياتهم وعلى الجنود الأجانب، واستغلوا في مصلحتهم انتفاضات الفلاحين والحركة الديموقراطية في المدن التي جرت في ذلك الوقت. – ص 45.

([32] ) بيتر شليمل، بطل قصة شاميسو “قصة بيتر شليمل المدهشة” الذي باع ظله مقابل صرة من النقود. –

 ص 46.

([33] ) القبعة الفريجية (القبعة الحمراء) عمرة الرأس عند الفريجيين القدامى. فيما بعد، صارت نموذجًا لقبعات اليعاقبة أبان الثورة البرجوازية الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، وأصبحت مذ ذلك رمز الحرية.-ص46.

([34] ) أيمز، منتجع في ألمانيا. في آب (أغسطس) 1849، عقد الشرعيون في أيمز مؤاتمرًا اشترك فيه الكونت شامبور، الطامح إلى العرش الفرنسي تحت أسم هنري الخامس.

     كليرمونت، قصر في جوار لندن كان مقر الملك لويس فيليب بعد هربه من فرنسا. ص 51.

([35] ) المادة v (الخامسة) هي بند من مقدمة الدستور الفرنسي لعام 1848. أما مواد النص الأساسي من الدستور، فمرقمة بالأرقام الهندية – ص 55.

([36] ) أريحا، تروي التوراة أن مدينة أريحا كانت أول مدينة استولى عليها اليهود بعد دخولهم إلى فلسطين. وقد سقطت أسوار أريحا على نفخات أبواق المحاصرين. – ص 57.

([37] ) تلميح إلى خطط لويس بونابرت الذي كان يأمل باستلام التاج الفرنسي من يدي بابا روما بيوس التاسع. وتوري التوراة أن البني صموئيل مسح الملك داود بالميرون عند تنصيبه ملكًا. – ص 62.

([38] ) تلميح إلى كتاب لويس بونابرت “ألأفكار النابوليونية” الذي صدر في باريس عام 1839. “Napoléon – Louis Bonaparte. “Des idées napoléoniennes” Paris. 1839”  – ص 70.

([39] ) البرجراف، أطلق هذا اللقب على زعماء الأورليانيين والشرعيين السبعة عشر الذين اشتركوا في لجنة الجمعية التشريعية لوضع مشروع قانون انتخابي جديد، وذلك نظرًا لادعاءاتهم التي لا مبرر لها بالسلطة ولميولهم الرجعية. واللقب مأخوذ من رواية تاريخية بالاسم نفسه لفيكتور هوغو عن الحياة في ألمانيا القرون الوسطى. وكانوا في ألمانيا يطلقون لقب برجراف على حكام المدن والدوائر الذين يعينهم الإمبراطور. – ص 76.

([40] ) بموجب قانون الصحافة الذي أقرته الجمعية التشريعية في تموز (يوليو) 1850، زيدت الضمانة النقدية التي كان أصحاب الصحف ملزمين بدفعها زيادة كبيرة، وفرضت ضريبة جديدة – ضريبة طابع أميري شملت كذلك الكراريس.

([41] ) كان هذا القانون الجديد مواصلة للتدابير الرجعية التي آلت إلى تصفية حرية الصحافة عمليًا في فرنسا. – ص 79.

([42] ) “La Presse” (مونيتور)، اسم موجز للجريدة اليومية الفرنسية “Le Moniteur universel” (“البشير العام”)، لسان حال الحكومة الرسمي. صدرت الجريدة بهذا الاسم في باريس من عام 1789 حتى عام 1869. – ص 83.

([43] ) المقصود هنا المحاولتان اللتان قام بهما لويس بونابرت في عهد ملكية تموز (يوليو) لإجراء انقلاب بواسطة تمرد عسكري. في 30 أيلول (سبتمبر) 1836 أفلح بمساعدة بعض الضباط ذوي الميول البونابرتية في استنهاض فوجين من المدفعية في حامية ستراسبورغ، ولكن بعد بضع ساعات، تم نزع سلاح المتمردين. وأعتقل لويس بونابرت نفسه ونفي إلى أميركا. وفي 6 آب (أغسطس) 1840، أستغل بعض الانتعاش الذي دب في الميول البونابرتية في فرنسا فنزل مع حفنة من المتآمرين في بولون وحاول استثارة تمرد بين رجال الحامية المحلية. وقد انتهت هذه المحاولة أيضًا بالإخفاق التام. وحكم على بونابرت بالسجن المؤبد، ولكنه فر من السجن في عام 1846 إلى بريطانيا – ص 85.

([44] ) نك بوتوم، شخصية من مسرحية شكسبير الهزلية “حلم ليلة صيف”. ويقصد ماركس هنا المشهد الثاني من الفصل الأول – ص 85.

([45] ) شوفتيرله وشبيغلبرغ – شخصيتان من مسرحية شيلر “قطاع الطرق”، نموذجان عن اللصوص والقتلة الخالين من كل ذرة من الأخلاق. – ص 86.

([46] ) المقصود هنا الأسطورة اليونانية عن زحف إله الخمر باخوس (ديونيزوس) إلى الهند. – ص 87.

([47] ) يقصد ماركس الجرائد ذات الاتجاه البونابرتي. والتسمية مأخوذة من قصر الايليزية، مقر لويس بونابرت في باريس، زمن رئاسته. – ص 88.

([48] ) يلجأ ماركس هنا إلى تلاعب بكلام بيت من قصيدة شيلر “الفرحة” وفيها ينشد الشاعر الفرحة – “ابنة الايليزيون” أو ميادين الايليزية (وهي مرادف الفردوس في آثار المؤلفين الأقدمين). وميدان الايليزية أسم جادة في باريس كان فيها قصر لويس بونابرت – ص 95.

([49] ) البرلمان، مؤسسات قضائية عليا في فرنسا قبل الثورة البرجوازية في أواخر القرن الثامن عشر. كانت البرلمان موجودة في جملة من مدن فرنسا. وكان أهمها شأنًا برلمان باريس الذي كان يسجل الأوامر الملكية والذي كان يملك ما يسمى حق الإشارة أي حق الاحتجاج على الأوامر التي لا تتطابق مع عادات البلاد وقوانينها. ولكن معارضة البرلمان كانت محرومة بين كل قوة فعلية لأن حضور الملك بشخصه في الجلسات كان يجعل تسجيل الأوامر الزاميا – ص 100.

([50] ) بيل – ايل، جزيرة في خليج بيكاو. في أعوام 1849 – 1857، كانت مكانًا لحبس السجناء السياسيين. وفيها أعتقل مثلاً العمال ممن اشتركوا في انتفاضة حزيران (يونيو) 1848 في باريس – ص 104.

([51] ) يستشهد ماركس هنا بحادثة منقولة بتصرف، رواها الكاتب القديم أتينه (القرنان الثاني والثالث بعد الميلاد) في كتابه “أحاديث العلماء حول المائدة” (“Deipnosophistae”). فقد قال الفرعون المصري تاخوس، ملمحًا إلى صغر قامة أجيسلاس، ملك أسبارطه، الذي جاء بجنوده لنجدته: “تمخض الجبل. فخاف زوس. ولكن الجبل ولد فأرة”. فأجابه أجيسلاس: “أنا أبدو لعينيك فأرة، ولكن سيأتي يوم أبدو فيه لعينيك أسدًا”. – ص107.

([52] ) “L’Assemblée nationale” (“الجمعية الوطنية”) – جريدة يومية فرنسية ذات اتجاه ملكي شرعي، صدرت في باريس من عام 1848 على عام 1857. – ص 111.

([53] ) كانت البندقة في الخمسينيات من القرن التاسع عشر محل أقامة الطامح الشرعي بالعرش الفرنسي الكونت شامبور. – ص 111.

([54] ) المقصود هنا الخلافات التاكتيكية في معسكر الشرعيين في عهد العودة. فإن لويس الثامن عشر وفيليل كانا يقولان بتطبيق التدابير الرجعية بمزيد من الحذر، بينا كان الكونت دارتوا (الملك شارل العاشر ابتداء من عام 1824) وبولينياك يتجاهلان تمامًا الوضع في فرنسا ويقولان ببعث أنظمة ما قبل الثورة كليًا.

قصر التويلري في باريس، مقر لويس الثامن عشر. جناح مارسان، أحد أجنحة القصر وكان مقر الكونت دارتوا في عهد العودة. – ص 113.

([55] ) “The Economist”، (“الاقتصاد”) مجلة أسبوعية انجليزية في قضايا الاقتصاد والسياسة؛ تصدر في لندن ابتداء من عام 1843. لسان حال البرجوازية الصناعية الكبيرة. – ص 117.

([56] ) المعرض الصناعي بلندن – أول معرض صناعي تجاري عالمي. أقيم في أيار – تشرين الأول (مايو – أكتوبر) 1851. – 123.

([57] ) “Le Messager de l’Assimblée”  – له ميساجه دي لاسامبله – (“بشير الجمعية”) جريدة يومية فرنسية ذات اتجاه معاد لبونابرت. صدرت في باريس من 16 شباط (فبراير) إلى 2 كانون الأول (ديسمبر) 1851. – ص127.

([58] ) شكسبير – “هملت”. الفصل الأول. المشهد الخامس. – ص 139.

([59] ) سيفين، منطقة جبلية في إقليم لانغيدوك بفرنسا، نشبت فيها في أعوام 1702 – 1705 انتفاضة فلاحيه أسميت بانتفاضة “الكاميزار” (“ذوي القمصان”). نشبت الانتفاضة بسبب من ملاحقة البروتستانت، واتخذت طابعًا معاديًا للإقطاعية ساطع التعبير. استمرت شراراتها تندلع هنا وهناك حتى عام 1715.

     فنده، إقليم في غرب فرنسا نشبت فيه أبان الثورة البرجوازية الفرنسية بأواخر القرن الثامن عشر انتفاضة فلاحيه معادية للثورة، برئاسة النبلاء ورجال الدين. – ص 144.

([60] ) بدلاً عن الجملتين الأخيرتين في آخر الفقرة المعنية ورد في طبعة عام 1852 ما يلي: “أن تحطيم آلة الدولة لا يشكل أي خطر على المركزية. فإن البيروقراطية ما هي غير الشكل الواطئ والفظ من أشكال المركزية التي ما تزال مصابة بنقيضها، الإقطاعية. وعندما تخيب آمال الفلاح الفرنسي في العودة النابوليونية، فأنه سيتخلى كذلك عن إيمانه بقطعة أرضه الصغيرة، وينهار كل صرح الدولة المشيد على قطعة الأرض هذه، وتحظى الثورة البروليتارية بتلك الجوقة التي بدونها يتحول غناؤها المنفرد في جميع البلدان الفلاحيه إلى غناء طير التم” (هذا التعبير الأخير يعني غناء الاحتضار. المترجم). – ص 151.

([61] ) مجمع كونستانسيا (1414 – 1418) أنعقد من أجل توطيد وضع الكنيسة الكاثوليكية المتقلقل في ظرف الحركة الإصلاحية البادئة. شجب المجمع تعليم زعيمي الإصلاح جون ويكليف ويان هوس. قضى المجمع على انشقاق في الكنيسة الكاثوليكية بانتخابه رئيسًا جديدًا للكنيسة بدلاً عن الطامحين الثلاثة المتنافسين على الكرسي الباباوي – ص 151.

([62] ) المقصود هنا الاشتراكية الألمانية أو الاشتراكية “الحقيقية” تيار رجعي أنتشر في ألمانيا في الأربعينيات من القرن التاسع بين المثقفين البرجوازيين الصغار على الغالب. استعاض ممثلو “الاشتراكية الحقيقية” غرون وغيس وكريغة وغيرهم عن أفكار الاشتراكية بوعظ عاطفي بالحب والأخوة وأنكروا ضرورة الثورة البرجوازية الديموقراطية في ألمانيا. انتقد ماركس وانجلس هذا التيار في مؤلفاتهما “الأيديولوجية الألمانية”، “منشور ضد كريغة”، “الاشتراكية الألمانية في الشعر والنثر”، “بيان الحزب الشيوعي”. – ص 152.

([63] ) المقصود هنا عهد وصاية فيليب أورليان في فرنسا من عام 1715 إلى عام 1723 عندما كان لويس الخامس عشر لا يزال قاصرًا. – ص 156.

([64] ) الرداء المقدس في ترير، ذخر كاثوليكي محفوظ في كاتدرائية ترير (ألمانيا) ويقال أنه رداء مقدس أخذ عن المسيح عند صلبه. وكان الرداء المقدس في ترير موضع إجلال الحجاج. – ص157.

أو حمله من أحد الرابطين التاليين

بصيغة الـ PDF

الثامن عشر من برومير ـ لويس بونابرت

بصيغة الـ DOC

الثامن عشر من برومير ـ لويس بونابرت

صفحات سورية ليست مسؤولة عن هذا الملف، وليست الجهة التي قامت برفعه، اننا فقط نوفر معلومات لمتصفحي موقعنا حول أفضل الكتب الموجودة على الأنترنت

كتب عربية، روايات عربية، تنزيل كتب، تحميل كتب، تحميل كتب عربية،

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حرب الكلب الثانية/ إبراهيم نصر الله

      جائزة البوكر الأخيرة/ أمير تاج السر منذ أيام قليلة أعلن في مدينة ...