الرئيسية / صفحات الثقافة / الثقافة والعدوان في حياتنا/ مصطفى علوش

الثقافة والعدوان في حياتنا/ مصطفى علوش

 

 

لسنا بحاجة لكثير من التقصي لنكتشف كمية العدوانية التي تميّز سلوك قطاعات اجتماعية سورية. بعض تلك العدوانيات مقنّع، رمزي، وبعضها الآخر صريح، واضح.

عدوانية تظهر في السلوك العام للأفراد، وأفضل مكان ظهرت فيه هي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصل بعض التعليقات على منشور ما إلى التحريض على القتل والإبادة، وذلك بسبب رأي لسوري آخر.

هنا يجب علينا البحث عميقاً في الأسباب الحقيقية التي تجعل هذا العدوان يصل لهذه الدرجة من البشاعة، فغياب العدالة، والظلم الهائل الواقع على عموم الناس، وأيضاً الدور التخريبي الذي لعبه رجال الدين المتحالفون مع النظام، كل هذه أسباب قوية لفهم هذا العدوان، إنما هناك أسباب أخرى قد لا تكون ظاهرة كثيراً، منها مثلاً: الحسد والرغبة بالانتقام، إنما ليس من المستبد ومنظومته القمعية التي تسببت في تشريد الناس وقهرهم، بل من أناس مثلنا مقهورين.

في الطب النفسي، حين لا يعرف المريض النفسي أنه مريض، فهذا يعني استفحال المرض ووصوله إلى مرحلة متقدمة، وربما يصل الأمر بالمريض لارتكاب أعمال يؤذي بها نفسه.

عدوانية السوري تجاه السوري متعددة الأشكال والأساليب، منها التجاهل المقصود، اللامبالاة تجاه بعضنا البعض، رمي التهم على بعضنا جزافاً، الإشاعات التي نصنعها نحن أحياناً ثم نتناقلها ومن ثم نصدقها، التبريرات الجاهزة، ادعاء الفهم في أي مجال معرفي، الواسطات والرشاوى التي انتقلت مع السوريين إلى أمكنة اللجوء، عداء سوريين في الداخل لسوريين في الخارج، عداء سوري متنقل، يمكن أن تجد مؤشرات عليه في أعداد المحظورين من سوريين لسوريين في وسائل التواصل الاجتماعي.

ربما كان صحيحاً تفهم كل الأسباب السياسية التي تقع في عمق أسباب هذا العدوان العام، ولكن نحن نعيش نتائج عامة لاستبداد سياسي واجتماعي وديني أيضاً.

في المجتمعات الحضارية كالمجتمع الألماني مثلاً تتكفل منظومة العدالة الاجتماعية بضبط وردع أي عدوان فردي صارخ، بينما نجد في المجتمع السوري درجة من التبريرات لعدوانية شرائح اجتماعية موالية ضد شرائح اجتماعية ضد النظام، أو شرائح معارضة ضد شرائح معارضة أيضاً، مما يجعل الغرق في مستنقع العدوانية سهلاً لمن يريد أن يبقى في حقل ردود الفعل القطيعية.

المؤلم هو عدوانية الضحايا تجاه ضحايا آخرين، عدوانية تتجلى في مئات الأشكال والأشكال.

الآن وغداً وفي كل حين نحتاج إلى ثقافة إنسانية الجوهر وجديدة، ثقافة تنتج مساحات من الاطمئنان العام لدور القوانين في الحياة العامة، ثقافة جديدة تجعل من أدق التفاصيل الاجتماعية مادة للاهتمام والقراءة.

في ألمانيا تغرّم البلديات بغرامة مالية أي صاحب منزل أو مستأجر إذا أهمل حلاقة عشب حديقته، بينما نرى بلداً برمته يغرق في وحل التلوث الأخلاقي والنفسي، وبدل أن تدق أجراس الإنذار، نجد ازدياداً في حفر الخنادق الاجتماعية بين السوريين.

ثقافة جديدة لا تعلي من شأن التنظير على حساب التطبيق العملي، إنما توازن بينهما، ثقافة تجعل من التواضع الحقيقي محورها الدائم، ثقافة تنتج مفردات جديدة نظيفة، خالية من عنفها الرمزي.

ثمة جيل سوري لا يريد التقاعد ثقافياً، لأن بدائله الشابة مشتتة وضائعة في جغرافية ممتدة من سورية حتى آخر بلد لجأ إليه السوريون، وعلى منتجي الثقافة تكريم جيل الآباء هذا عبر إنتاج ثقافتهم الجديدة التي تبدأ ربما من عمل تطوعي في بلد اللجوء أو تبدأ من زراعة شجرة في حديقة البيت.

الثقافة ومثلما هي إنتاج فكري وعلمي، هي أيضاً جملة قواعد وعلاقات اجتماعية أساسها ومحورها احترام الإنسان والحياة.

* كاتب سوري

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصيدة لبابلو نيرودا

    أستطيع كتابة الأبيات الأكثر حزناً هذا المساء أكتب مثلا: “هذة الليلة مليئة بالنجوم، ...