الرئيسية / صفحات الثقافة / الثلج الحالك في بلاد اللجوء والخيام

الثلج الحالك في بلاد اللجوء والخيام

 

رحاب أبو هوشر

على غير عادته، جاء الثلج مبكرا هذا الشتاء، ولم يشبه ثلجنا الذي عرفناه. حل مثل فاجعة، لا طاقة لمثخنين عليها، برائحة البارود، ولون الدم، وبطعم الرعب واصطكاك الأعضاء بردا ويأسا، وهو يداهم عتباتنا المثلمة، المترجرجة فوقها أقدام قاب الانزلاق. كان بياضه ممتقعا بقدر امتداده على وجه الموت السوري في الأحياء المهجورة. ذابت سكينة هطوله، وقرع مثل جرس معلق في عنق ذبيح يصارع النزف بين الأزقة وفي عراء الصحراء. كان بياض العتمة المطبقة والجثث الشاحبة المثلجة، ملطخا بالعار والعجز، وبشقاء الفقر، وانكشاف ألم الفقراء ولؤم الأقرباء. كان جريمة معلنة مات فيها بشر بردا وجوعا!!!

الثلج تمدد ناعما، يخطف بياضه الأبصار، لكن العيون كانت شاردة، لم يتغير لونه حتما، نحن من تبدل أبيضنا، واختلطت فيه الدلالات، شيوخ ابيض جمر قلوبهم في عيون تجمد فيها حزن الانتظار، وقلوب تكومت مرتجفة في بيوت عارية، أو في خيام ممزقة، ترقب اللاشيء، ويلفها العدم، وأجساد نهب بهاءها قماط أبيض. هذا ما تصدر مشهد الثلج، وأغلق ممرات ذاكرته، لم يبق إلا صورة باهتة تلوح على بابها، لكرة ثلجية لا تتدحرج، بين كفي صغيرة بعيدة.

العاصفة القطبية الاستثنائية التي ضربت بلاد الشام الأسبوع الماضي، هجمت بقسوة على اللاجئين والمشردين والمسحوقين في لبنان وفلسطين والأردن وسوريا، فبلاد الشام أصبحت بلاد اللجوء والخيام، لم يعد المخيم ‘احتكارا فلسطينيا’!

وفي الزعتري، المخيم الصحراوي النائي للاجئين السوريين الواقع شمال شرق الأردن، خلخلت العاصفة العاتية ببردها وأمطارها وثلجها، ضلوع الكبار والصغار، وسكبت شمعا منصهرا في عيون الأمهات، وهن يوارين وجوههن عن أسئلة الفزع في وجوه أطفالهن: لماذا يحدث لنا هذا؟ لماذا هذا الألم، وكل هذا العذاب؟ ما الذي جال في أرواح اللاجئين المنكسرة في تلك الليالي الحالكات، الغارقات المغرقات؟

أي قلب وأي عقل يحتمل ما حل بهم وما زال؟ اقتلعت العاصفة أوتاد الخيام وتطايرت، غرق المخيم، وتخبط اللاجئون في الوحل المثلج، بدت الخيام مزروعة في الماء تتقاذفها دوامات الريح. لم تعد تسميتهم باللاجئين جائزة أخلاقيا، حين أصبحوا بلا ملجأ وإن كان خيمة يجمعون فيها أغراضهم الشحيحة، وتحميهم من صفعات الريح.

كانوا في عين العاصفة الثلجية، البقعة الأكثر إضاءة على مسرح البؤس المخزي، رغم كونها إضاءة زائفة من قبل عالم تحلو له الفرجة، وإعلام يبحث عن حدث ساخن. العالم ذاته امتلك الإرادة والهمة والأموال الكافية، لدعم استمرار الحرب والقتل والتهجيرفي سوريا، ثم تخلى عمن دفعوا الثمن وسيقوا إلى مصير التشرد واللجوء، وأمام كثافة الضوء الإعلامي ألقى لهم بفتات لا يزيد المشهد إلا فضائحية وقبحا. بضعة ملايين من الدولارات قدمها العالم، يقول القائمون على شؤون المخيم أنها لا تكفي شيئا لحماية اللاجئين من ظروف الشتاء، ينفق مقابلها عشرات الملايين على أسلحة تقتيل السوريين، وعلى أسلحة أخرى تشترى طعاما للصدأ، وأموال أكثر من ذلك تنفق بكل فخر على سفاهات بلا حدود، لكن كل تلك الأموال تشح وتنضب أمام عذابات اللجوء والفقر!

مات عدد من الأطفال بردا في المخيم، وانتشرت بينهم أمراض عديدة، وقتل ثمانية أشخاص حرقا باشتعال أحد ‘الكرفانات’ التي نقل إليها بعض اللاجئين ممن غرقوا في الخيام، وأقدم نازح سوري في جنوب لبنان على الانتحار، لأنه لم يستطع تأمين عشاء لعائلته، أو دواء لرضيعته المصابة بالربو! أي عار على العرب وعلى الإنسانية!

اللاجئون حديث ‘العاصفة’، ذروة المرارة التي أرمدت بياض الثلج، لكنهم رمز مكثف لهذا الظلم العميم، قمة هرم الهامشيين المنسيين، الذين تزايدوا هذا العام، وسحقتهم البطالة والغلاء والارتفاع الجنوني في أسعار الوقود لتجهزعليهم العاصفة. المسحوقون كلهم كانوا في كف الصقيع العارية، وأولئك لن تتذكرهم كاميرا ولن يحظوا بإضاءة شحيحة، وهم يرتجفون بردا في بيوت صفرت فيها الريح وتحولت إلى برك مائية، ولا يجدون ثمن وقود للتدفئة، أو طعاما قليلا.

أصبح الدفء، هذا الحق الإنساني الطبيعي، والمطلب البيولوجي الملح، عنوان ترف غير متاح للاجئين وغيرهم من المسحوقين، كان لا بد لأجسادهم المتجمدة أن تناضل للبقاء، ولجأوا لحلول بدائية تخجل الضمير، فقاموا بإشعال النار في ممتلكاتهم القليلة، ملابسهم وأثاثهم المتهالك.

طفلة تسير حافية القدمين، ممزقة الملابس في وحل الزعتري، وأطفال ثلاثة في ليلة مثلجة، لا يفصلهم عن الأرض البيضاء إلا فراش قليل وانجماد الهواء من فوقهم، وأم تطهو الماء المخلوط بقليل من الأرز وفتات الخبز على حطب مشتعل. هذه المشاهد المنقولة من مخيم الزعتري أثناء العاصفة، كانت ذاتها في أمكنة أخرى، عشش فيها الفقر وانمحت العدالة، مع مشاهد مستجدة تنذر بمستقبل مرعب، لمعوزين يتسولون ‘لترا’ من الكازولين أو أسطوانة غاز، ويدرأون عنهم الجوع بالسرقة أو بالبكاء خلف الجدران. في لبنان تشردت عائلات كاملة من بيوتها دون أي حرب هذه المرة!

قل هل يستوي المتنعم بالدفء والأمان، المبتهج بندف الثلج من خلف زجاج النوافذ، بالمكتوي بلظى الصقيع والتشرد حد الموت؟ هذا العالم ذاهب إلى حتفه بتصميم وحشي.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...