الرئيسية / صفحات الرأي / الثوار العرب من مفهوم الشرف الجاهلي إلى مفهوم الكرامة الإنسانية

الثوار العرب من مفهوم الشرف الجاهلي إلى مفهوم الكرامة الإنسانية


عايدة الجوهري

أدخلت الثورات العربية مفردة جديدة على الخطاب الإعلامي والشعب الاحتجاجي العربي هو مصطلح «الكرامة» بعدما كان، تراثياً، وتقليدياً، رديفاً للكرم والسخاء وعلو المكانة والمعجزات والكرامات (الكرامات الصوفية)، ونادر الاستعمال بمعانيه المعاصرة في الحياة العربية اليومية. جل ما كان يتردد هو مفردة «شرف»، التي غالباً ما تلفظ في لحظة الانفعال والاهتياج، والتي بنيت استعمالاتها الأساسية الأصلية على اعتبارات طبقية، تملكية، ذكورية، تمييزية، تعود جذورها إلى ما سمي «الحقبة الجاهلية». و«الكرامة» و«الشرف» مفهومان فلسفيان أخلاقيان معنيان بضبط السلوك الإنساني وتوجيهه. فما الفرق بينهما، وما مدى تطابقهما مع التعريف الأولي لوظيفة الأخلاق الحداثوية؟ وما الذي سوغ معرفياً وأخلاقياً العبور الفخم إلى مفهوم الكرامة المعاصر؟ وما هي أولاً وظيفة الأخلاق الجوهرية؟

في المنظور الفلسفي، الأخلاق في تعريفها الأولي «نظرية عقلية ذهنية عن الخير والشر، تفترض تصورا نظريا عن الإنسان والعالم، وهي جملة ما يتحقق في العلاقات الاجتماعية من اهداف ذات صفة انسانية أعظم»1، هي بمعنى آخر منظومة قواعد السلوك التي ينبغي على المرء اتباعها ليحيا وفق طبيعته الحقيقية، وحاجاتهت الحقيقية لا المفتعلة، أي ان المنظومة الأخلاقية المثلى هي التي تحقق إنسانية الإنسان. هي العلم بالخير البشري الحقيقي غير الموهوم.

ولكن المعرفة الأخلاقية قد تنتهج أحد سبيلين: سبيل الاعتقاد الوثوقي، حين يكتسب الأفراد معرفتهم بالتدريب والتلقين، حين يلقي الآباء والامهات المواعظ الاخلاقية على أبنائهم، او حين يصغي التلاميذ إلى دروس الأخلاق في معاهدهم، او حين يتلقى الأولاد والشباب والكهول الإرشادات الأخلاقية من رجال الدين والدعاة. هذه الأخلاق هي نموذج الأخلاق الاتباعية، ولكن من شأن المفكر والباحث، وضع هذه القيم موضع التدقيق والتمحيص والسؤال ولو اصطدم وجدانه الفردي المتمرد بالوجدان الجمعي الاتباعي، لأن هذا الأخير يحاول إرضاخه لقيم الثقافة الشائعة وأعرافها. وعلى إيقاع الاصرار على «الثوابت، يتم استعمال مصطلح «الشرف» وتجديد معانيه القديمة وإلباسها لبوس الوقائع الحاضرة.

«الشرف» مفهوم أخلاقي راسخ في الخطاب العربي الأخلاقي، يعود بجذوره الى الحقبة الجاهلية، وقعه للوهلة الأولى ايجابي، لكن غالبية استعمالاته الراهنة تديم محمولاته القديمة، التي سيتضح للباحث فيها انها على تضاد مع القيم الكلية، المتوافق عليها نظرياً، كالحرية والمساواة والعدالة، بل حتى على تضاد مع مفهوم وظيفة الاخلاق» نفسها كما عرفناها، ما عدا الاستعمالات اليومية المستحدثة التي تجعله أكثر دينامية وشمولية والتصاقاً بالحياة اليومية.

و«الشرف» كلمة عرفها العرب في الجاهلية، وما فتئ هؤلاء يستعملونها إلى اليوم، في ظروف شتى من حياتهم الفردية والاجتماعية، ولكن أحداً منهم لا يتعمق في العادة في فهم دلالاتها، ولا يتكبد عناء التفسير ساعة الاستعمال، لأنه يلجأ في الأغلب، إلى فكرة الشرف عند الانفعال، انفعال الهيجان والهوى، بأكثر من لجوئه إليها في جو من التريث والتبصر.

يمكننا ان نستشف من معاني الشرف في الجاهلية على انه أنفة وكبر وشمم ودليل على رفعة النسب والحسب، والنظرة إليه تقرر ان الشرف الرفيع لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم، ومنه يصدر واجب هو واجب الذود عن «الأرض والعرض» فالذي لا يدافع بقوة السلاح عن «أرضه وعرضه» يفقد شرفه. فإذا كان الدفاع عن الأرض مسألة تستحق الكفاح لأنها تتعلق بمصير الإنسان وكينونته وكرامته السياسية، إلا ان مسألة «العرض» تطرح بارتداداتها قضية النظرة العتيقة إلى المرأة ومعنى وجودها، فهي جزء من مقتنيات الرجل أو القبيلة ويقع على هذا الرجل أو القبيلة حمايتها، بل حماية جسدها من انتهاكات الخصوم، ولكن هذه النظرة التملكية لجسد المرأة لم تقتصر على مناوئة الخصوم ومعاقبتهم وامتدت بالمنطق ذاته إلى ما يمكن ان تقدم عليه هي ذاتها طوع الخاطر، حينئذ تتساوى المرأة الخارجة على أعراف القبيلة مع الخصم لأن كليهما يعتدي على ملكية المالك أو المالكين، ومن هنا انبثق مفهوم «جريمة الشرف».

ولا يزال العرب حتى هذه اللحظة يستعملون مصطلح «العرض» للدلالة على «شرف الرجل»، الذي يتوجب عليه صيانته بكل ما أوتي من حنكة ويقظة كي لا ينتقص ويسلب، تماماً كما يتوجب عليه صون أرضه، فتتكرر في الحروب عبارة واجب حماية «العرض والأرض»، ويدخل ملفوظ «العرض» كمكون في مجموعة السباب والشتائم التي يتبادلها اللبنانيون عند الغضب، فيقال: «لعن الله عرضك».. ومجموع هذه القيم قيم ذكورية ترتبط بالقدرة على القتال والعدوانية، كما بالقدرة على السيطرة على النساء وحمايتهن كجزء من ملكية الرجل ومقتنياته، فلم لا يرتبط شرفه مثلاً بجسده هو أو أجساد ذكور عائلته؟

بمحمولاته ودلالاته التي تشمل حماية أجساد النساء من الغرباء ومن أنفسهن أي من خطر انصياعهن لرغباتهن، يمثل «الشرف» مجموع التمثلات والتصورات والسلوكات والقوانين التي شيّد عليها المجتمع الأبوي قاعدته الأساسية، التي تفضي الى تنازل المرأة عن جسدها تنازلاً كاملاً للجماعة التي تحيا في كنفها قسراً لا طوعاً، إلزاماً لا نبلاً، وتأسس مع هذا النظام مفهوم «الزنى» الذي يوقع أقسى العقوبات بالمرأة التي تستقل بجسدها، ومنها القتل لا الطلاق، إذا لا يكفي المجتمع الذكوري إعلان انتهاء العقد وفشله والمعاهدة وفشلها.

كما يستعمل مفهوم «الشرف» للدلالة على نبل السلالة والمحتد والشجرة الجينالوجية الاستثنائية، يقابلها في الغرب «طبقة النبلاء» و«الارستقراطيين»، فيقال على سبيل المثال «عائلة شريفة» «شريف مكة»، و«الشريف حسين» ولقد استبق ابن خلدون المتنورين بإفراغ مفهوم النسب الرفيع من مضمونه بقول «علم لا ينفع وجهالة لا تضر». وتضيف هذه الدلالة إلى مصطلح «شرف» قيمة طبقية تضمر تمييزاً عنصرياً إضافياً.

معان إضافية

على مر الأيام اكتسبت لفظة «شريف» معاني إضافية، لم تعد تقتصر على الحسب والنسب والمكانة الاجتماعية الموروثة والاستعداد للدفاع عن العرض والأرض، صارت تستعمل من قبل البعض للدلالة على الإنسان الصادق والنزيه والأمين والمستقيم، وهي قيم غيرية إيثارية لا تدور حول الذات وامتدادها ونفوذها فحسب. إلا ان استعمال هذه الصفة، على هذه الصورة، يكا يكون نادراً، فنادراً ما يقال «فلان شريف»، لعل هذا المعنى ومترادفاته لا يندرج في أولويات سلم قيم المجتمعات العربية وبالأحرى المجتمع اللبناني، ويستعملها غالباً المتحدثون باللغتين العربية والأجنبية، الفرنسية أو الانكليزية، وربما في لغات أخرى، وهؤلاء يضيفون، من باب الإيضاح، لفظة honnête أو honneste كي يمنحوها الشحنة التعبيرية اللازمة.

وتتردد بين الفينة والفينة عبارة «شرف المهنة» أي أخلاقياتها، وتطغى عبارة «الشرف العسكري» على ما عداها، ولكن «شرف المهنة» مطاط ويتوارى حتى الاضمحلال أمام عنت المصلحة والمنفعة وعلاقات القوة، أو تردي ظروف العمل.

ولكن حتى هذه اللحظة، حين تستعمل هذه اللفظة لوصف امرأة، أي حين يقال «امرأة شريفة» يظن فوراً ان المستهدفة بالوصف هو تلك التي لا تعاشر الرجال خارج الضوابط المتعارف عليها، لأن شرف النساء مقصور على حقل معين، ولا ينتظر منهن فضائل أخرى كثيرة ونجاحهن في الحفاظ على شرفهن المزعوم، لا يقاس، في بعض البيئات الراكدة والمغلقة على التاريخ بكل ما حققته وتحققه هذه النساء من نجاحات مهنية واجتماعية.

ولمفهوم الشرف استعمالات متنوعة إضافية، فعندما تنضب حجج المستبد يلجأ هذا الأخير، ساعة الحشر، إلى الاستثمار في مفهوم الشرف الأنثوي الحساس، ففحوص العذرية التي أجراها بعض عساكر مصر لفتيات ميدان التحرير كانت تستهدف إذلال النساء ولكن أيضاً إيذاء الذكور والطعن في «شرفهم» اللصيق بشرف النساء، في محاولة ابتزاز بالوكالة. وفي سوريا ـ الثورة يخطف الشبيحة النساء للضغط على المعارضين، ومن المنظور ذاته.

ليست هذه الاستعمالات شبه الحصرية لمصطلح «الشرف، عشوائية، بل تعكس بأمانة مضامين سلم القيم المهيمن، فالاعتداد بالحسب والنسب ما زال سائداً، ولا زال هذا الاعتداد ذريعة للنفوذ والتسلط على الآخرين، كما ان الدفاع عن «الحوض والعرض» لا يلبث معيار القيمة الرئيس لدى بعض المجموعات السوسيولوجية الإثنية، التي لا تفاخر سوى بحماية الأرض والعرض»، ولا هم أن يكون المدافعون عنهما، أمناء صادقين مستقيمين، عفيفي النفس، أو شرفاء.

الكرامة

وعلى تضاد من هذه المعاني ارتكز مفهوم «الكرامة» الحديث، على مفهوم الشخص المعنوي، ذكراً أم أنثى، مع استخلاص حق الشخص الإنساني، بوصفه وحدة متمايزة عن سائر الكائنات الحية، فالكرامة قيمة اجتماعية وثقافية، أي قيمة أخلاقية تلازم كل إنسان، باعتبار المساواة بين البشر، وبين الشعوب والأعراق، الجنين البشري بوصفه إنساناً ممكناً، والطفل، والمرأة والرجل، ويتم بذلك الانتقال من فخامة الشرف وعليائه إلى عزة المساواة، وباتت الكرامة الإنسانية تتمثل في قيمة الاستقلال الذاتي الذي يحول دون ان يكون كل فرد مطابقاً فردا آخر من جهة، ويمنع من جهة أخرى، استعلاء كل فرد على سائر الأفراد، ومن هنا يحضر من باب أولى، القتل المادي أو العنف المعنوي وترفض من جهة أخرى الإساءة، بفرض الخنوع والرضوخ والاستغلال في شتى تمظهراته.

انبثق مطلب الكرامة الإنسانية، من مسار فكري فلسفي مديد، هجس بأنسنة الإنسان، ولقد صاغ «كانت» في «الأمس الميتافيزيقية للأخلاق»، مبدأ الكرامة الإنسانية بقوله «كل إنسان يوجد هدف في ذاته، لا مجرد وسيلة» وهو يسمى شخصاً، أي ان القضايا التي تتسامى عن الإنسان كقيمة جوهرية مطلقة سواء كانت قومية أو دينية أو مالية ربحية أو سياسية نفعية (سياسوية)، هي قضايا ناقصة واستلابية، فالأفراد الذين يسخرون البشر نساء ورجالاً لأغراضهم الشخصية، السلطوية ينقضون مبدأ الكرامة الإنسانية.

يقوم مبدأ الكرامة الإنسانية على المساواة الأصلية بين البشر وتشاركهم في المنطق والعقل والوجدان بمعنى الحس الأخلاقي، والشعور، وأنا خاصة بكل فرد، مما يحرم اهانة واحتقار واستغلال وكبت حريات أي إنسان وإعاقة تفتحه وازدهار شخصيته، ومن يساوم على هذه المبادئ يعرض كرامة غيره للانتهاك، ولكن كرامته أيضاً، لان الآخر شبيه، لأنه «أنا أخرى»، على قول بول ريكور، لأنه بانتهاكه كرامة الآخرين أي حقهم في الاعتراف والاحترام، أنكر المعتدي على كرامة الآخرين قيمة أخلاقية جوهرية، تجعله شريكاً في الإنسانية.

وقد يقول قائل ان هذه المشاعر تفوت الطغاة الذين يمعنون في سحق الآخرين، ولكن هذا القول ينفي عن الطغاة قلقهم وشعورهم العميق بالذنب، الذي يعالجونه بمزيد من قهر الآخرين ومضاعفة ضحاياهم. كم سمعنا عن قلق الطغاة.

وفق هذا المنطق الفردي والتبادلي، يفقد من يخدش وينتهك كرامة الآخرين كرامته وشرفه بالذات، من قبل ان أدرك كرامته، بفعل التربية أو الثقافة، أو بعثت فيه في لحظة تاريخية معينة، وهذا ما يفسر تهافت صورة الطغاة العرب لدى شعوبهم ومعها شرفهم المزعوم ومكانتهم.

وإذا أردنا إعادة ربط مفهوم الشرف بالكرامة، استناداً إلى معانيهما، نجد ان وعي الإنسان الحقيقي بشرفه، أي بمكانته الحقيقية وبصورته الايجابية عن ذاته، هو وعيه بكرامته، أي بقيمته الإنسانية، بامتلاكه منطقاً مستقلاً وأنا خاصة مستقلة وإرادة مستقلة، وهو وعي قائم على الوثوق بملكاته، وعلى العمل على تفتح شخصيته، والتأثير في مصيره الذاتي، بحيث لا ينصاع في كل لحظة إلى أوامر وأفعال وتدابير خارجة عن إرادته وعن حاجاته الحقيقية، هو مفهوم فلسفي إنسانوي إنساني ولكنه غير منفصم عن الفعل السياسي. فالديموقراطية هي في جوهرها اعتراف الحكام بمجمع ذوات المحكومين وبكياناتهم وأنواتهم المستقلة الخاصة، وبقدرتهم على التفكير والتعقل والتمييز، وبامتلاكهم إرادة حرة.

يراد من إعادة التأمل في هذين المصطلحين إعادة التفكير في اللغة التي تحكم العقليات والسلوكيات، على ضوء الانبثاق الصاروخي لمفهوم «الكرامة»، هذا الانبثاق الذي يفسر بالمنطق الأخلاقي الإنسانوي، كثورة على الماضي والحاضر باسم المستقبل من أجل تحقيق إنسانية الإنسان. وتغيير ما في نفوس الحكام والمحكومين سواء بسواء.

1ـ أنظر الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الأول، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1986، ص35.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...