الرئيسية / صفحات سورية / الثورة السورية .. إلى أين ؟

الثورة السورية .. إلى أين ؟

 


عبدالله تركماني

بعد أن يئس الشعب السوري من استجابة السلطة، التي ورثت العهد القديم في العام 2000، لدعوات الإصلاح التدرجي والشامل، وبعد أن لاحقت الأجهزة الأمنية النشطاء واعتقلت المئات منهم طوال عقد من الزمن، انتقلت الحركة الشعبية إلى تبنّي خيار التغيير الديمقراطي بالضغط السياسي والنشاط الميداني السلمي، متأثرة بأنموذجي الثورتين التونسية والمصرية. فانطلقت المظاهرات الشعبية منذ 15 مارس/آذار الماضي وما زالت مستمرة حتى الآن، بعد تقديم ما يزيد عن 850 شهيداً وآلاف الجرحى والمعتقلين في مختلف المحافظات السورية.

لقد عقد الشعب السوري العزم على أن يخرج من حياة العبودية‏,‏ التي تخبط في أوحالها وظلماتها أكثر من 40 سنة‏,‏ ويعود حراً كما ولدته أمهاته‏.‏ فما الذي ينبغي تغييره ؟ وما الذي ينبغي الإبقاء عليه ؟ وكيف نضمن التطورات المستقبلية ؟ وهل التغيير يحدث من تلقاء نفسه أم لابد من إدارته ؟ وما الذي خسرته سورية أثناء الحكم الشمولي ؟ وما هي الفترة التي ستستغرقها عملية التحول ؟

لقد نهضت الانتفاضة السورية بفعل عوامل داخلية أساساً وبسبب تفاقم معاناة الشباب الثائر في بحثه عن لقمة عيشه وكرامته وحريته، ربطاً بحالة غير مسبوقة من الاستبداد والقهر واستشراء الفساد أفضت إلى تخريب البنى الوطنية وامتصاص طاقاتها لحساب مجموعة صغيرة من أصحاب النفوذ والامتيازات، وهذه الأخيرة يسكنها هاجس الخوف من مصير غير محمود في حال أُزيحت عن مواقعها.

إنّ التغيير أضحى حاجة موضوعية في سورية، إذ تؤكد كل المعطيات المتوفرة الحاجة الماسة إلى الإصلاح الشامل، فالنمو الديمغرافي هو من النسب الأعلى في العالم (يتراوح بين 2.1 إلى 2.3 %)، بينما النمو الاقتصادي مازال منخفضاً، وأكثر من 800 ألف عاطل عن العمل، وما بين 200 إلى 250 ألف طالب عمل سنوياً. يضاف إلى ذلك أنّ متوسط الدخل الفردي يقل عن مثيله في الدول المجاورة، ويزداد أثر ذلك بسوء التوزيع، إذ تشير المعطيات المتوفرة أنّ 5% من السكان يتمتعون بـ 50% من الدخل الوطني. كما تشير إلى أنّ 60 % من المواطنين السوريين يعيشون في حدود خط الفقر(أي من دولار واحد إلى دولارين في اليوم)، وأنّ 25 – 27 % يعيشون تحت خط الفقر (أي بأقل من دولار في اليوم)، كما أنّ أغلب المؤسسات السورية تعاني من الترهل والتسيّب والركود.

وإذا أضفنا عمق التحوّلات في العلاقات الإقليمية والدولية، خاصة تداعيات الثورتين التونسية والمصرية وإرهاصات الثورة في العديد من الأقطار العربية، فإنّ الوضعية لم تعد تحتمل تأجيل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة.

وفي كل الأحوال لن نستغرب إن بقيت القيادة السورية تراوح مكانها في سياساتها التي أكل عليها الدهر وشرب، فبنيتها الاستبدادية تبدو عصية على الانفتاح وفهم متغيّرات ومستجدات العصر. ويبدو أنّ أسلوب النظام في مواجهة الغضب الشعبي كمن يريد إطفاء النار بالزيت، ومع ارتفاع النيران فإنّ التعنت وعمى البصيرة يدفعان بالنظام إلى إلقاء المزيد من الزيت، مما يزيد لهيب الاحتجاجات عنفاً وتصميماً وإصراراً. وهكذا، يبدو أيضاً أنّ السلطة المستبدة مستميتة لحرف الاحتجاج السلمي إلى أي شكل من أشكال المواجهة المسلحة، لتتحول الصورة من ضحايا مسالمين طلاب حرية وكرامة إلى جناة قتلة مجرمين، بما ينطوي عليه ذلك من فتنة عمياء تتداخل فيها الخطوط وتنقلب إلى معركة غير متكافئة بين طرفين مسلحين.

إنّ آليات السيطرة، التي تجذرت منذ انقلاب حافظ الأسد على رفاقه سنة 1970، شكلت الغطاء للفساد العام والركود الاقتصادي على مدى سنوات عديدة، وعطّلت انطلاق مبادرات المجتمع السوري الذي يتميز بالحيوية، ودفعت بالأزمات المتتابعة نحو الأمام متوهمة التخلص منها إلى أن تراكمت ووصلت إلى حالة المأزق الذي تعيشه سورية حالياً.

ومن هنا دخلت انتفاضة الشعب السوري في طور نوعي جديد، حين رفعت شعارات تتصل بالحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والدولة المدنية، وتطلعت إلى إرساء أرضية جديدة لنهوض شامل ركيزته إرادة الشعب الحر، الذي قرر أن لا يقبل من جديد بالمهانة والذل. ومن المؤكد أنّ سورية لن تنعم بلحمة وطنية صحية إلا في حال البدء بتحرير السياسة من السيطرة الشمولية للسلطة، من الوصاية والنمطية، ومن سيادة الرأي الواحد والصوت الواحد والحزب الواحد، وتفكيك منظومة الدولة الأمنية للقطع مع الاستبداد بكل تجلياته، وإدراك ” المستوى السياسي ” خطورة ارتهانه إلى ” المستوى الأمني “، بما يعني الاستعداد لخطوات جريئة على صعيد حقوق المواطنة والعدالة وسيادة القانون، والقبول بالتعددية والاختلاف كمقدمة لا غنى عنها لصياغة عقد اجتماعي جديد، يضمن للجميع حقوقهم على قدم المساواة في المشاركة السياسية وإدارة الشؤون العامة، بعد أن حلت الأجهزة الأمنية المتنوعة مكان المؤسسات ذات الشأن بقضايا المواطنين.

والمهم هو أن يتم إطلاق مسار إصلاحي واضح وشفاف يراعي تلبية وتنفيذ الأولويات السورية في الإصلاح، على أن يتم ذلك بمشاركة فاعلة وحقيقية من كافة مكوّنات المجتمع السياسية والفكرية والقومية، فالشعوب لا تنتفض لمجرد الرغبة في الثورة، وإنما لتحقيق أهداف ومطالب مشروعة، وإذا تم التعامل بجدية مع هذه المطالب ستتوقف التحركات الشعبية. المهم هو الجدية في التعامل مع هذه المطالب وعدم الالتفاف عليها، فالشعب السوري أصبح واعياً ومدركاً ولا يمكن الالتفاف حول مطالبه، وأي تأخير في إحداث التغيير المنشود يترتب عليه حدوث ارتفاع في سقف المطالب الشعبية.

وفي هذا السياق لا ينبغي توجيه طاقات الشعب السوري لتصفية الحساب مع الماضي وإهمال تحديات الحاضر وتأجيل التفكير في آفاق المستقبل، لأنّ تصفية الحساب مع الماضي ينبغي، استعانة بخبرات الدول الأخرى التي انتقلت من السلطوية إلى الديمقراطية، ألا تؤدي في النهاية إلى تفكيك الدولة ذاتها إلى مكوّناتها الفسيفسائية.

إنّ ما يحدث في سورية يؤكد فشل الحل الأمني، وبات البحث عن حلول سياسية هو الخيار الأفضل، لهذا لابد من البحث عن مخارج مرضية. فرغم كل ما حدث ويحدث ما يزال لهذه المخارج مساحة في المعادلة السورية، انطلاقاً من حل يبدأ بوقف إطلاق النار على المتظاهرين، والسماح بالتظاهر السلمي، والإفراج عن معتقلي الرأي والضمير القدماء والجدد الذين وصل عددهم إلى الآلاف، وكف يد قوات الأمن، ومحاسبة المتسببين بنزف الدماء، وإعلان الحوار الوطني الشامل بهدف الاتفاق على عقد سياسي جديد، يستجيب لمعايير الشرعة الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعليه، فإنّ توافقاً بين السلطة والتيارات السياسية والمجتمعية المعارضة وممثلي الشباب الثائرين قد يساهم بإخراج سورية من محنتها، خاصة إذا تم التوافق على تشكيل مجلس للوفاق والإنقاذ يضم ممثلين عن كل المكوّنات الفكرية والسياسية والقومية للشعب السوري، بما يساعد على إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة.

إنّ التغيير الشامل في سورية، بعد ثمانية أسابيع على الحراك الشعبي المتواصل الذي تتسع قاعدته الاجتماعية، وبعد مئات الشهداء وآلاف الجرحى، أصبح مهمة إنقاذية لا تقبل التردد ولا التأجيل، وأية محاولة إلى إفراغه من محتواه الحقيقي، أو محاولة تقزيمه إلى إصلاح جزئي، أو تغيير أشخاص بآخرين، أو تلميع صور عتيقة، لن تفعل إلا أن تفاقم في سوء الأوضاع، وتضع سورية على حافة المجهول.

فهل يعي الحكم السوري ذلك قبل فوات الأوان، ويتجاوز استجاباته البطيئة التي حملت طابع ردود فعل متوترة وعقيمة، عنوانها الحل الأمني الذي يهدف إلى شل حراك ناشطي الشأن الوطني العام من السوريين، حين أقدمت سلطة الاستبداد على تصعيد نوعي وخطير، حيث نشرت شبّيحتها وقناصتها على أسطح بنايات المدن واستخدمت الرصاص الحي ضد الشعب، بهدف إدامة ثقافة الخوف وإسكات أي صوت معارض وإعادة المجتمع السوري إلى زمن الصمت ؟ أم ينتقل إلى مقاربة جديدة تقوم على المبادرة، تقطع الطريق على الأخطار بإزالة ركائزها الذاتية، من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني عام يعيد صياغة أسس الحياة السياسية الجديدة التي تنقل سورية من الاستبداد إلى الديمقراطية ؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...