الرئيسية / صفحات سورية / الثورة السورية في مواجهة “القذارة” السياسية

الثورة السورية في مواجهة “القذارة” السياسية


وائل مزرا

منذ عقود، لخَّص الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان رأيهُ في السياسة بهذه العبارة: «من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، ولكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهاً كبيراً بينها وبين أقدم مهنة»..

ربما يجرح الكلامُ البعض من مرهفي الأحاسيس، لكنه يُعبّر عن معنىً محدد للسياسة كان ولازال يؤثر في العالم بأسره، وهو يكاد يكون اليوم المعنى الأكثر بروزاً عندما يتعلق الأمر بالثورة السورية.

صحيحٌ أن بالإمكان الإشارة إلى الدلالات التي أرادها ريغان من عبارته بشكلٍ آخر، ربما يكون أقلّ صراحةً وأكثر تهذيباً.لكن الواقعية تفرض علينا الاعتراف بأن تلك الدلالات كانت ولا زالت وستبقى موجودة، إلى درجة أو أخرى، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في كلّ مكان يوجد فيه ساسةٌ وسياسة على هذه الأرض.

تواجهُ الثورة السورية وستواجه تحدياتٍ كثيرة قد يكون عنفُ النظام ودمويتهُ أبرزَها، لكن أصعبَها على الإطلاق يتمثل في درجة (المكْر) السياسي الذي يُحاول أن يُحيط بنقائها إحاطة السوار بالمعصم، ويعملُ على تلويث طهارتها وإزاحتها عن أهدافها بكل طريقةٍ ممكنة.

ثمة ألفُ شاهدٍ وشاهدٍ على مانقول.

فقبل بضعة أيام، خرج السيد كوفي عنّان بعد لقائه رأس النظام السوري بتصريحٍ لم ينتبه الكثيرون إلى معانيه الخطيرة. إذ قال للصحفيين بعد إجراء محادثات في طهران إن الأسد «اقترح وضع منهج تدريجي يبدأ من بعض المناطق التي شهدت أسوأ أعمال عنف في محاولة لاحتوائه فيها والبناء خطوة بخطوة على ذلك لإنهاء العنف في كافة أرجاء البلاد».

نُدرك درجة (الفوقيّة) التي يتعامل بها السيد عنّان مع الشعب السوري وثورته، وهي فوقيةٌ نُشهدُ العالم بأنها ستُصبح مسمار الخطيئة الأخير في نعشِ حياته السياسية. لكننا نستغرب أن يصل الأمر إلى درجة (استغباء) السوريين من خلال صياغة عبارةٍ مراوِغة تُقدّمُ كـ (بشارةٍ) ينقلها إليهم عن السفاح الأكبر. فالحديث يوحي وكأن النظام سيبدأ عملية إصلاحٍ شاملة في تلك المناطق «التي شهدت أسوأ أعمال عنف»، أو أنه، في أقلّ الأحوال، سيسحب منها الدبابات والمدافع والشبيحة ليملأها بالمستشفيات والغذاء وشركات الإعمار. في حين أن أبسط قراءة سياسية لطريقة النظام في التفكير تُظهر بأن المقصود من العبارة يتمثل يقيناً في موجة التدمير المنهجي الوحشي لمناطق ريف دمشق ودرعا وحمص حماة والساحل وريف حلب ودير الزور، والتي بدأت قبل تصريح عنان ولاتزال مستمرةً إلى وقت نشر هذه الكلمات.

نعرف أن الموفد العربي والأممي ليس غبياً، وأنه كان يُدرك معنى الرسالة التي نقلها، فبماذا كان يُفكّر حين طلع علينا بتلك البشارة؟ لانتطلّع هنا لموقفٍ مُشرّفٍ يقوم فيه عنان بشرح الرسالة وتوضيح خطورتها على الشعب السوري وتناقضها مع الهدف المُعلن من مبادرته العتيدة. ولانجرؤ حتى بأن نحلم بإمكان إعلانه الاستقالة بسبب ماعرف أنه سيجري من مذابح ومجازر. وإنما كنا ننتظر حداً أدنى من الإحساس بالمسؤولية يتمثل في ألا يستخفّ بعقول السوريين والعالم، فلا يعرض علينا جميعاً تلك المقولة وكأنها إنجازٌ عظيم.

نعلم طبعاً أن السيد عنان لايقوم بممارساته بالأصالة عن نفسه، وإنما بالنيابة عن أطراف أخرى تمارس السياسة بنفس الطبيعة التي تحدّث عنها ريغان. وإذا كنا نعتب عليه أنه ارتضى لنفسه هذه المهمة البائسة، فإننا ندرك أن مصدر المشكلة يكمن في تلك الأطراف التي تُحرّكه وترعاه في نهاية المطاف.

من الواضح تماماً أن الثورة السورية تُواجه نقلةً نوعيةً في المكْر السياسي الذي يُحاول الكثيرون محاصرتها بأساليبه المختلفة. وقد بدأت هذه النقلة مع وضوح وصولها إلى نقطة اللاعودة في مسيرتها لإسقاط النظام في الأسابيع القليلة الماضية.

فحجم المكائد والمناورات والصفقات يزداد كمتواليةٍ حسابية. ودوائر اللاعبين الذين ينغمسون في (اللعبة) تتسعُ بشكلٍ سريعٍ ومتصاعد. وسيناريوهات (الاحتواء) والتلاعب لحرف الثورة عن تحقيق أهدافها الحقيقية تتكاثر مثل الفطر. وفي هذا الإطار، تجري عملية خلطٍ كبرى للأوراق تهدف إلى لفت الأنظار عن الحقائق والثوابت، والانتقال بدلاً من ذلك للحديث عن (الممكن) و(المعقول) بدعوى وشعارات الواقعية والعقلانية السياسية.

لاأعلم بماذا يُفكّر ثائرٌ مثل خالد أبو صلاح بعد أن رأى مارآه من عجائب في رحلته المؤقتة خارج سوريا، لكنني على ثقة بأنه زاد يقيناً بمقولة أحد مؤرخي اليونان، دولاكروا، حين قال: «الوقائع كائناتٌ مقدسة، تمارس انتقاماً بشعاً من الباحث الذي يتظاهر أنها غير موجودة». ذلك أن أبو صلاح يعرف تماماً طبيعة الوقائع على أرض سوريا الطاهرة، ويُدرك مَن الذي يصنع تلك الوقائع.

الأهمّ من هذا أن أبو صلاح وإخوانه الثوار يعرفون طبيعةَ من يواجهونهم من خلال وصفهم الواضح في الكتاب الحكيم: {وقد مكروا مَكْرَهُم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزولَ منه الجبال}، لكنهم يمضون مطمئنين بوعد الله حين يقول: {ولاتحزن عليهم ولاتكن في ضيقٍ مما يمكرون}، لأنهم يؤمنون أشد الإيمان بالنتيجة النهائية التي تؤكد بأنه: {ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا}.

* نقلاً عن “المدينة” السعودية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...