الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بكر صدقي / الثورة الشعبيّة في سوريا: مخاطرُ اليوم وتحدّياتُ الغد

الثورة الشعبيّة في سوريا: مخاطرُ اليوم وتحدّياتُ الغد


بكر صدقي

أتاح التتابعُ الزمنيّ لاندلاع ثورات الربيع العربيّ، منذ مطلع 2011، رؤيةً متزامنةً لمراحلها، وإنْ حَملت الثورةُ في كلّ بلد خصوصيّاتِها. هكذا أمْكن سوريين معارضين، في الأسبوعين الأولين من الثورة السوريّة، أن يكتبوا على صفحاتهم الفيسبوكيّة: “هذا الفيلمُ شاهدناه من قبل،” وذلك تعليقًا على إجراءاتٍ أعلن عنها النظامُ لامتصاص النقمة الشعبيّة، أو تعليقًا على الرواية الرسميّة العجيبة لما يجري.

ويتيح التلفزيونُ اليوم، بتقنية تقسيم الشاشة، مشاهدةً عيانيّةً متزامنةً للصراعات السياسيّة المحتدمة في تونس، ولمحاكمةِ مبارك وعائلته، وللمعارك الضارية في ليبيا ضدّ فلول القذافي، وللمظاهرات الحاشدة في اليمن، ولمجازر الأجهزة الحاكمة في سوريا ضدّ المتظاهرين السلميين. ويحْدث أن يقطعَ التلفزيونُ نشرةَ الأخبار هذه لينقل خطابًا للرئيس الجزائريّ أو الملك المغربيّ، يعلنان فيه عن إجراءاتٍ إصلاحيّة استباقيّة درءًا لاندلاع ثورة شعبيّة في بلديهما. وفي المقابل يسعى المدافعون عن الطُّغَم الفاسدة الحاكمة إلى استغلال الفوضى التي تلي سقوط هذا الرئيس، أو ذاك، للتخويف من عواقب الثورة، ودفاعًا عن النظام القائم، وتغنّيًا بنِعَم “الاستقرار” المزعوم.

هنا محاولة لقراءة المخاطر المحتملة التي تتربّص بالثورة الشعبيّة في سوريا اليوم، ولقراءة بعض التحدّيات التي قد تواجهها بعد سقوط النظام.

رهابُ العنف والحربِ الأهليّة والتطرّفِ الإسلامويّ

هناك شراكةٌ بين الدول الغربيّة الفاعلة، والنظام السوريّ، وقسمٍ من الرأي العام المحليّ، في التخويف من “مخاطر” ينطوي عليها التغييرُ في سوريا.

هكذا تنطلق القوى الغربيّة من رؤيةٍ استشراقيّةٍ ترى في المجتمع السوريّ “فسيفساءَ” من الجماعات الدينيّة والإثنيّة والمذهبيّة، معرَّضةً للاشتعال إذا رُفع عنها غطاءُ الاستبداد. أما النظام فقد سعى جاهدًا، منذ بداية الثورة في سوريا، إلى إشعال هذا الفتيل فعلاً، سواءٌ من خلال تجييشه الإعلاميّ، أو من خلال عمليّاتٍ نوعيّةٍ لأجهزته (كالاغتيالات الموجّهة إلى أهدافٍ محدّدة). وأخيرًا هناك الذاكرة الجمعيّة السوريّة التي استعادت الصراعَ الداميَ في مطلع الثمانينيّات بين النظام والطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، وكان صراعًا شهد استهدافاتٍ طائفيّة.

لكنْ، هل ينطوي التغييرُ في سوريا فعلاً على هذه الاحتمالات؟

الواقع أنّ الثورة الشعبيّة المستمرّة في سوريا منذ أكثر من سبعة أشهر قد أجابت، بسلوكها العمليّ، بالنفي. فالمتظاهرون متمسّكون بسلميّة حركتهم بإصرارٍ مدهش، على رغم السلوك المتوحّش للنظام في مواجهتهم. لقد فعل النظامُ كلَّ ما يمكن فعلُه لدفع الثائرين إلى الردّ بعنفٍ على عنفه، ولو فعلوا لما لامهم أحد: فالردّ على العنف بالعنف، دفاعًا عن النفس، يملك كلّ مبرِّراته الأخلاقيّة. بيْد أنّ السوريين امتلكوا نضجًا رائعًا، فأدركوا أنّ الانزلاق إلى العنف يعني مقتلَ الثورة، لكون الخصم متفوّقًا في هذا الميدان بكلّ وضوحٍ ولا روادع أخلاقيّة أو وطنيّة لديه.

من جهةٍ أخرى، شهد شهرا آب وأيلول انشقاقاتٍ متزايدةَ الاتساع من الجيش، ويُعتَقَد أنّ عدد الجنود والضبّاط المنشقين بلغ الآلاف. فالطغمة الحاكمة، التي فشلتْ في القضاء على الثورة بالقمع “العاديّ” من خلال المخابرات والشبّيحة، زجّت بالجيش في عمليّات قمع استُخدمتْ فيها الدبّاباتُ والعرباتُ المصفّحة والطيرانُ والسفنُ الحربيّة، بهدف القضاء على البؤر المشتعلة على امتداد أرض الوطن. ويحدث أن يرفض جنودٌ الأوامرَ بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين ـ وهذا هو السلوكُ الطبيعيّ المتوقّع ممن ينتمون إلى الشعب ويُفترض فيهم حمايتُه من المخاطر، لا الاعتداءُ عليه. وهناك أدلّةٌ متواترةٌ على قتل الجنود الرافضين لإطلاق النار على الشعب الأعزل، بطلقةٍ في الرأس، وغالبًا من الخلف. وهكذا لا يبقى أمام أولئك الجنود الوطنيين، ممن لديهم نيّةٌ لعصيان أوامر قمع المتظاهرين، إلّا الانشقاق والفرار، وبعضُهم مع سلاحه الفرديّ. كذلك تحدث احتكاكاتٌ بين أجهزة المخابرات وأفراد الجيش: الأولى تمثّل الطغمة الحاكمة وتنفّذ سياستها القمعيّة، لكنها غيرُ قادرة على فعل ذلك من دون مساعدة الطرف الثاني، أيْ أفراد الجيش؛ وهي تعامل الجنودَ بفوقيّةٍ واستعلاءٍ يدفعان هؤلاء إلى التمرّد والاشتباك معها ومع الشبّيحة (الميليشيات المدنيّة المسلّحة).

الخلاصة أنه تشكّلتْ منظّماتٌ عسكريّةٌ من الضبّاط والجنود المنشقّين، أعلنتْ تمرّدَها على النظام الحاكم، وانحيازَها إلى الشعب وثورته، وعزمَها على القتال ضدّ التشكيلات العسكريّة الموالية للنظام. لقد تسلّحت الثورةُ فعلاً في شقٍّ منها، ولكنها حافظتْ على سلميّتها على العموم. وخلاصةُ الخلاصة أنّ شعبًا قاوم كلّ إغراءات اللجوء إلى العنف، على مدى أكثر من سبعة أشهر من القمع المنفلت ـ الذي بلغ حدّ تقطيع أوصال المعتقلين، وانتزاعِ حناجرهم، واختطافِ شقيقات الناشطين، والتنكيلِ بأهالي فنّانين وطنيين لم تطُلْهم أيديهم ـ هو شعبٌ يمكن الركونُ إلى وعيه الرفيع في عدم الانزلاق إلى العنف أو الاقتتال الطائفيّ.

وبصدد هذا الخطر الأخير، فقد استمات النظامُ في إشعال فتيل حرب طائفيّة، ظنّاً منه أنها طوقُ نجاته، فشرعن قمعَه المنفلتَ بذريعة الحفاظ على “السلْم الأهليّ.” فهو يعتقد أنه سيكسب تعاطفَ العالم إنْ هو قمع أطرافَ صراعٍ طائفيٍّ مفترض؛ إضافةً إلى ثقته بأنّه متمرّسٌ في هذا النوع من العمليّات بعد “ولايةٍ ناجحةٍ” له على لبنان أثناء الحرب الأهليّة وما بعدها، على مدى ثلاثة عقود.

فقد وَصفتْ بثينة شعبان، مستشارةُ الأسد ، في أوّل ظهورٍ إعلاميّ لها ـ ولأيّ ناطق سلطويّ على الإطلاق ـ منذ بداية الثورة، وقبل أيّام قليلة من أوّل خطاب لبشّار الأسد بعد الثورة، ما يجري في سوريا بمؤامرة لإشعال فتنةٍ طائفيّة. وجرى ذلك في توقيتٍ واحدٍ مع بداية التشبيح في مدينة اللاذقيّة، ذاتِ التركيبة السكانيّة المتنوّعة. وكانت مظاهراتٌ شعبيّةٌ كبيرةٌ قد خرجتْ في تلك المدينة قبل أيّام على تصريحات شعبان، وضمّت أفرادًا من جميع الانتماءات ونخبًا ثقافيّةً بارزة، فبدأ التشبيحُ على الفور بإطلاق التهديدات بمجازر ذات طابع طائفيّ. صحيح أنّ إشعال نار الفتنة فشل بفضل الوعي الشعبيّ الناضج، لكنّ نظام الشبّيحة حقّق شيئًا من النجاح بتحييد القسم الأكبر من سكّان المدينة من انتماءٍ مذهبيّ محدد.

وتكرّرتْ محاولاتُ إشعال الفتنة الأهليّة في الأشهر التالية في مدينة حمص بصورة رئيسة، وهي البؤرةُ الأقوى للتظاهرات السلميّة. هنا أيضًا كانت حكمةُ الشعب والناشطين الميدانيين أقوى من خبث الأجهزة، فماتت تلك المحاولات في مهدها.

ولكنْ، هل هناك ضمانة من عدم انزلاق الوضع إلى فتنة أهليّة؟

هنا أيضًا، كما بصدد خطر العنف، سطّر السوريون مأثرةً وطنيّةً مدهشة. فمن رأى، مثلاً، الفيديو الشهير الذي يصوّر تنكيلَ الشبّيحة برجال قرية البيضا، قرب بانياس، لا بدّ أن يدرك عظمة هذه الملحمة الوطنيّة. تقول رواياتٌ موثوقة إنّ كثيرًا من الشبّيحة، الذين كانوا يدوسون على رؤوس رجال البيضا المكبّلي الأيدي، هم من سكّان القرى المجاورة، ومن انتماءٍ مذهبيٍّ محدّد. ويَستخدم النظامُ، عمومًا، رجالاً من هذا الانتماء لأعمال التنكيل الأكثر وحشيّةً وقذارةً. والغاية من ذلك توريطُ جماعةٍ مذهبيّةٍ بكاملها بوزر جرائمه، وتوريطُ الشعب الثائر بأعمال ثأريّة ذات طابع أهليّ.

وفي وجه آخر من وجوه تشجيع النظام على الانشطارات العموديّة في قلب الشعب السوريّ، لا بدّ من ذكر سياسة النظام تجاه أكراد البلاد. فقد سارع، منذ الخطاب الأول للأسد، إلى إعادة الجنسيّة السوريّة إلى قسمٍ من المحرومين منها منذ الستينيّات. وجاء ردّ نشطاء المظاهرات في القامشلي وعامودا وغيرهما من مدن منطقة الجزيرة ذات الغالبيّة السكّانيّة الكرديّة بأنْ رفع المتظاهرون الكرد، في اليوم التالي، لافتاتٍ كتبوا عليها: “لا نريد الجنسيّة، مطلبنا هو الحريّة!” في تضامنٍ وطنيٍّ رائعٍ مع مدينة درعا المنكوبة.

ثم حافظ النظامُ طوال الأشهر اللاحقة على مواجهةٍ سلميّةٍ للمظاهرات السلميّة في تلك المنطقة، رغبةً منه في عدم استفزاز الأكراد لكي تبقى مظاهراتُهم ضمن حدودٍ ضيّقة. وفي بلدة عين العرب، في محافظة حلب، حثّ رجالُ الأمن النشطاءَ على رفع علم كردستان بدلاً من العلم السوريّ. لكنّ المتظاهرين الكرد خذلوا النظام في هذه المحاولة أيضًا وهتفوا في مظاهراتهم: “الشعب السوري واحد!”

لكنْ على الرغم من كلّ هذا الصمود البطوليّ للشعب السوريّ الأعزل أمام آلة قمع جهنميّة طالت عشرات آلاف السوريين قتلاً وتشريدًا واعتقالاً، يمكن القولُ إنّ مخاطر العنف والصراع الطائفيّ لا يمكن استبعادُها تمامًا. وتحقّقُ هذه المخاطر يرتبط بعامل اليأس الذي قد يتسلّل إلى قلوب السوريين أو بعضهم. فإذا تمكّن النظامُ من القضاء على المظاهرات السلميّة تمامًا ـ وهذا مستبعدٌ إلى هذه اللحظة ـ فمن المحتمل أن يدفع اليأسُ وتراكمُ الضغينة تجاه وحشيّة النظام بعضَ السوريين إلى التسلّح وتشكيل منظّماتٍ سريّةٍ لمقاتلة النظام أو الانضمام إلى المجموعات العسكريّة المنشقّة من الجيش. فإذا وصلت الأمورُ إلى هذه النقطة، خرجتْ أيضًا عن نطاق سيطرة العقل، وبات من المحتمل أن ينزلق الوضعُ إلى صراعاتٍ أهليّة، خاصةً أنّ النظام متورّط في الحرب الأهليّة أصلاً منذ بداية الثورة، ولكنْ من طرفٍ واحد (هو بالذات).

هذا، وتمارس وسائلُ إعلام النظام تجييشًا طائفيّاً رأينا بعضَ ثماره في أحقادٍ وغرائزَ منفلتةٍ ضدّ المتظاهرين، على شاشات التلفزيون وصفحات الفيسبوك.

وماذا عن الخطر الإسلاميّ المفترض؟

هناك إيديولوجيون تخصّصوا في التهويل من الخطر الإسلاميّ في سوريا ما بعد الأسد، من أبرزهم الشاعر أدونيس والمفكّر فراس السوّاح وغيرُهم من سوريين وعرب أقاموا فرضيّتَهم على قائمتين: تجربة الثمانينيّات الدامية في سوريا، ورؤية استشراقيّة سكونيّة للشرق الإسلاميّ عرَّفَتْ شعوبَه بدلالة الدين والمذهب (تمْكن العودةُ في هذا الصدد إلى مقالات ياسين الحاج صالح في نقد النزعة الثقافويّة التي يتشاطرها هؤلاء المثقفون). وفي تهويلهم الراهن من الخطر الإسلاميّ استلهامٌ إضافيّ من الإسلاموفوبيا [رُهاب الإسلام] التي شاعت في الغرب في العقد الذي تلا غزوة الحادي عشر من أيلول 2001.

بيد أن الواقع هو أنّ “الشرق الإسلاميّ” المفترض ينطوي اليوم على خياراتٍ متنوّعة تشمل طيفًا واسعًا من الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة، تتراوح بين النموذج الثيوقراطيّ (كما في إيران) والنموذج الديموقراطيّ العلمانيّ (كما في تركيا). كذلك لدينا مروحةٌ واسعةٌ من الحركات الإسلاميّة تتراوح بين الجهاديّة التكفيريّة المتطرّفة (كتنظيم القاعدة) والمحافظة المعتدلة (كحال حزب العدالة والتنمية التركيّ). وبالنسبة إلى سوريا على وجه الخصوص، يمكن في هذا الصدد تسجيلُ الملاحظات الآتية:

ـ على مستوى الجمهور المشارك في الثورة السلميّة، هناك تديّنٌ معتدل وغيرُ مسيّس، لاحظنا دورًا بارزًا فيه لأنصار اللاعنف. من أبرز دعاته جودت سعيد؛ ومن أبرز نشطائه الشهيد غيّاث مطر، الذي قُتل تحت التعذيب في أقبية المخابرات الجويّة، وهو الذي كان قد ابتكر في داريّا تقليدًا تمثّل في تقديم زجاجات الماء مع وردة إلى قوات القمع. وبخلاف المظاهر والأوهام، لا تتمتّع جماعةُ الإخوان المسلمين في سوريا بشعبيّةٍ واسعة بين جمهورها المفترض من المسلمين السنّة. إنّ التنوّع الاجتماعيّ وتنوّع أنماط حياة السوريين لا يسمحان بسيادة نظامٍ إسلاميّ. تضاف، إلى ذلك، ذاكرةُ السوريين الجمعيّة التي حمَّلَتْ قسمًا من الجماعة (طليعتها المقاتلة تحديدًا) قسطًا من المسؤوليّة عن أحداث الثمانينيّات الدامية والعقود المظلمة التي تلتها من تغوّل الأجهزة الأمنيّة وتكريسِ طقوس عبادة الفرد وإلغاء السياسة والاجتماع البشريّ لصالح تفكّكٍ اجتماعيّ وحالةٍ من الرعب المعمَّم والفساد المنفلت من عقاله، تُوِّجتْ بإلغاء المبدأ الجمهوريّ وإقامة نظامٍ عائليٍّ وراثيّ.

أما ما يروّج له النظامُ من “جماعات سلفيّة تكفيريّة” أو “جهاديّة،” فهو اختلاقٌ مخابراتيّ بمعنييْن. 1) فمن جهة، شجّعت الأجهزةُ جماعاتٍ منها في صراع النظام ضدّ الاحتلال الأميركيّ للعراق، كما في الهجوم على السفارات الغربيّة في دمشق، وفي الأحداث الدامية في مخيّم نهر البارد قرب طرابلس بلبنان. 2) ومن جهةٍ ثانية، اختلق إعلامُ النظام، في المرحلة الأولى من الثورة السوريّة، خبرَ وجود جماعاتٍ سلفيّةٍ في درعا وحمص وبانياس تهدف، في زعمه، إلى إقامة إماراتٍ إسلاميّة. هذه الرواية الملفّقة، التي غابت لاحقًا لصالح رواية “الجماعات المسلّحة الإرهابيّة،” كانت موجّهةً في الدرجة الأولى إلى الأقليّات الدينيّة والمذهبيّة في سوريا لحشد تأييدها. وربما شعر النظامُ أنّ الهدف من هذه الكذبة قد تحقّق إلى حدٍّ معقول، فتخلّى عنها لصالح الرواية الثانية الموجّهة إلى المجتمع الدوليّ.

تحدّيات اليوم التالي

يتوقّف نوعُ التحدّيات على الطريقة التي سيسقط بها النظام. من المحتمل أنّ النظام لن يستسلم ويغادر السلطة مهما اتّسعتْ رقعةُ الاحتجاجات السلميّة، ومهما امتدّ صمودُها في الزمن. وليس من المحتمل أن تنجح المجموعاتُ المنشقّة من الجيش في إطاحته بالقوة. وهناك عاملان يتفاقمان باطّراد، وسوف يزيدان من ضعف النظام، هما: الأزمة الاقتصاديّة، وتفكّكُ المؤسّسة العسكريّة. لكنّ العامل الحاسم قد يكون تحقيقَ إجماع عربيّ ودوليّ على عزل النظام واعتباره عصابةً خارجةً على القانون، وعلى الاعتراف بالمعارضة السوريّة ممثّلاً شرعيّاً وحيدًا للشعب السوريّ، بما يعنيه ذلك من انتقال الدولة التي اختطفها النظامُ إلى أصحابها الحقيقيين. ويؤمّل، في حال وصول الضغوط العربيّة والدوليّة إلى هذه المرحلة، أن تتفكّك بقايا القاعدة الاجتماعيّة الموالية للنظام، فينهار قبل حدوث تدخّل عسكريّ خارجيّ محتمل.

في جميع الأحوال سيجد السوريون أنفسهم، في اليوم التالي لسقوط النظام، في مواجهة ركام دولةٍ عمل النظامُ بدأبٍ على تدمير أسسها على مدى أربعة عقود. سيكون عليهم، أولاً، بناءُ جهاز أمن وطنيّ يحمي البلادَ من مخاطر انفلات العنف والفوضى ــ وليست هذه المهمّة بالسهلة أو العادية بالنظر إلى أنّ الأجهزة الموجودة أوغلتْ في العنف ضدّ الشعب، وأوغلتْ في الفساد، وكانت عقيدتُها غير المعلنة هي العداء للشعب. وسيتعيّن على السوريين، ثانيًا، الخروجُ من وضع اقتصاديّ مشوّش ومقلق قبل الشروع في معالجةٍ طويلةِ الأمد لأمراض الاقتصاد السوريّ. وسيواجه السوريون، ثالثًا، تحدّي بناء جيش وطنيّ جديد على أنقاض الجيش القائم الذي تورّط كثيرٌ من عناصره في حربٍ داخليّةٍ على الشعب السوريّ وأخذ يتفكّك. وسيحتاج جهازُ القضاء، رابعًا، إلى إعادة بناء لإعادة الاعتبار إلى مفهوم العدالة وسيادة القانون. وفي غضون ذلك سيخوض السوريون معركة إقامة النظام الديمقراطيّ المدنيّ العلمانيّ.

لقد نجحت الثورة إلى الآن في إعادة الاعتبار إلى الشعب وإرادته، مقدّمةً لاستعادة سيادته. ويؤمّل أن يستعيد وحدته بعد إطاحة النظام. وستبقى عليه، إذن، إعادةُ بناء الدولة.

*كاتب سوريّ.

الآداب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...