الرئيسية / كتاب الانتفاضة / حسين الشيخ / الثورة هي اقصى ما يمكن من الشعر

الثورة هي اقصى ما يمكن من الشعر


كان لابد أن نذهب الى الأدب، ننصت لتشكل القصيدة أو الرواية أو الفكرة، كان لابد من أن نستطلع ذلك لدى مجموعة من الأدباء، ننصت لنبضهم الرقيق المميز وهم يصوغون الثورة من جديد في ذاكرتهم، وفي اوراقهم،هم يضعون أسئلة ابداعهم أمام حدث عميق بهذا الشكل، كان لابد أن نلمس هذا الارتباك الذي يضعه امامنا هذا الحدث المفرد، كان لابد من لمس القلب والروح وهي تنبض بعنف وحزن وفخر، لم يكن ذلك ممكنا لولم نستعن بهم هؤلاء الأدباء المسافرون في ضمير هذا الشعب البهي، كان لابد أن نسألهم:

1- هل توقعت حدوث هذه الانتفاضة الشعبية من قبل؟

2- كيف ترى تطورها؟

3- كيف تتابعها؟

4- هل يختلط السياسي بالادبي حين تحلل أحداثها؟

5- كيف أثرت على ابداعك الشخصي، هل كتبت شيئا عنه، مع مثال بسيط عن ذلك؟

6- هل تعتقد أن صمت الكتاب الآخرين، أو احجامهم عن المشاركة بها مبررا؟

7- ما هي امنياتك حولها.

ننشر اجاباتهم مرتبة حسب الترتيب الأبجدي، كان كل نص منهم يستحق القراءة مجددا، يستحق الصدارة، اكتشفنا تفاصيل رقيقة ومؤثرة لتفاعل السوري الأديب مع الثورة، لابد من الاشارة إلى أن العنوان مقتبس من مساهمة حازم العظمة.

تمام تلاوي

كان المستغرب بالنسبة لي ألا تحدث ثورة.. تركت سوريا قبل ثلاث سنوات بعد أن يئست من حدوثها، وأنا أردد في نفسي عبارة نصها: هذا البلد لم يعد لي ولا لأمثالي، ممن لا يطيقون صبرا على الفساد والاستبداد.. لكن إحساسا آخر كان ينتابني بالمقابل: لابد للثورة أن تحدث يوما.. وكنت أخاله يوما بعيدا.. أدونيس نفسه قالها في اول ما كتبه عن الراهن السوري: “كان منتظرا بالنسبة لي – على الأقل- أن يحدث ما حدث”..

التوقيت جاء مفاجئا وأسرع مما توقعت من تونس.. وراهنت على انتصار الثورة في مصر لقيام ثورة في سوريا.. وهذا ما حدث..

اليوم وبعد مضيّ تسعة أشهر ونصف عليها، ورغم كثرة التحليلات والتأويلات السياسية والثقافية والاجتماعية، إلا أنني لم أستطع الانزياح قيد أنملة عن التأويل الأخلاقي للثورة من المنطلق الثقافي ذاته: هذه ثورة ضد الظلم ومن أجل الحرية، ولا مناص من الوقوف إلى جانبها حتى النهاية.. فكان أول ما فعلته، هو ترك المغترب والعودة إلى الوطن.. لإيماني بأفضلية دعمها من الداخل عليه من الخارج بالنسبة لي، رغم المخاطر..

كتبت قصيدتان منشورتان على صفحتي في الفيس بوك، كما نشرت واحدة منهما في جريدة قاسيون التي تصدر من دمشق.

الثورة كسرت الخوف ومكنتنا من قول وكتابة ونشر ما لم نكن نجرؤ على التفكير بفعله من قبل، وهذه واحدة من أهم المكاسب التي حققتها الثورة بالنسبة لي كمثقف حتى الآن، ولم يعد ثمت اليوم من عزاء لصامت.

تتلخص أمنيتي أخيرا بانتصار الحرية والعدالة والديموقراطية والسلام وحق الفرد في الاختيار، على الفساد والاستبداد والظلم والقتل وقضبان المعتقلات.

جولان حاجي

 ((((كانت البداية في درعا بعيدة عن التوقعات، بعيدة عن الآمال القلقة التي راودت الكثيرين بعد أن أذهلتنا تونس ومصر. كنا نترقب المفاجأة في أمكنة أخرى. المدينة التي حاول سماسرة البلاد وصمها بالولاء والانتماءات الحزبية واحتقروها أسوة بعديدات سواها، أوقدت الشعلة. لكن حين تأخذ الآلام والجسارات كل هذا المدى تغدو ملحمية ومثالاً فريداً. كم مرة اقشعرت أجسامنا لمرأى الخوف في زواله؟ كم مرة فكر الكثيرون: لم تحن ساعتي بعد. وفي كل لحظة، ثمة من يتعذب ويتألم في خفاء الرعب؟

طوال الأشهر الماضية وقعت في سوريا جرائم لم تتوقف بعد، فضحها واجب أخلاقي أولاً. جرى القتل حفاظاً على المسروقات، وسعياً مسعوراً لاستعادة هيبة اللصوص المهدورة. حاول النظام، ولا يزال، الإبقاء على حالته التي لم يقدم ولم يعرف سواها، دون أن تصدقها أغلبية الناس: “الما بينية”، والصمود في وضاعة الغموض. ولا يزال ينتظر عبور الوقت ليجد في هذا العبور منقذاً. لم يقدم خلال الانتفاضة إلا المراوحات والذعر والأكاذيب مرة أخرى، هو من تبجح بما يسمى الإصلاح الزراعي ولم يلغِ الإقطاع؛ سنَّ القوانين للمستفيدين من التجار والمختارين وافتتح المصارف وقدم حياة الفقراء قرباناً على مذبح لفظي: مذبح اللغو الوطني والقومي؛ حاصر الديانات وادعى التغاضي عن تشييد المعابد بأموال المحسنين والتوّابين؛ خفض الخدمة الإلزامية قليلاً دون نزع القداسة عنها…

أسباب كثيرة تتكفل بسقوط النظام في شروط بطلان الإنسانية هذه، وقد عشنا ما رجوناه طويلاً: الحرية، وحيدين في الحاضر وللمرة الأولى معاصرين للعالم)))).

حازم العظمة

واقع الأمر أننا نتحدث عن سلسلة من الثورات أو الإنتفاضات لا يمكن أن نتوقع واحدة بدون التي بعدها ..هكذا تشبه هذه الثورات ” التفاعل المتسلسل ” النووي .. ليس فقط في تتابعها بل ايضاً في تأثيرها الذي يشبه ما هو ” نووي” ولكن بالمعنى الطيب المشرق لا المدمر ..كنت أتوقع ذلك في مصر أولاً ، بالتأكيد أن الشرارة الأولى انطلقت ، بعكس هذا التوقع من تونس .. كان مدهشاً لي أن أرى كيف أن “طبيعة التاريخ” تعمل .. هكذا أتجنب ما في عبارة ” قوانين التاريخ” من حتمية ، وجبرية لا تتناسب مع ما هو مدهش في هذا الثورات ، أعني المفاجأة .. “المفاجأة” هكذا لم تكن مفاجأة حقاً لآن هذه الكمية من الصفاقة التي استمرت سنيناً طويلة ، وأنا أعني هنا كل الصفاقات وكل الوقاحات التي كان لا يمكن أن تمر هكذا وأن “يعفى” عنها هكذا أو أن يسامَح عليها لصوصها ومجرموها .. المسألة كانت مسألة وقت .. والحال أن الوقت تاخر كثيراً ولكنه أتى في النهاية ..

في ما هو يومي وآني ..هناك هذا ” التناقض” بين ما هو ” سياسي” وما هو ” ثورة” لكن الشعر في هذا التناقض ينحاز إلى الثورة .. لا إلى السياسة

كتبت قصائد ومقالات وعبارات قصيرة أو طويلة بتأثير مباشر من الحدث .. كتبت في بداية الإنتفاضات : “الثورة هي اقصى ما يمكن من الشعر” ولا زلت أتبنى هذه العبارة وأدافع عنها .. بمعنى أنه حيال حدث كهذا بطبيعته ” شعري” ، كما أراه ، في إحدى جوانبه جتماً ، القصائد تغدو صدى أو ترداداً ربما لما هو أبعد من القصائد ..

أو أن القصائد بمعنى ما تتنافس مع الثورة في من يذهب أبعدَ ..

خلف علي الخلف

ببساطة نعم. بعد أن “طار” مبارك أصبح يقيني راسخاً ان الاسد ايضا يطير؛! وكنت ارقب الدعوات على الفيس بوك واحسب عدد الاعضاء في الصفحات. ربما قبل جمعة الغضب المصرية يوم 28 يناير/كانون الثاني من العام الماضي كانت تبدو بعيدة. إذ أن ثورة تونس جعلتها احتمالا واردا حتى أني كتبت “البوعزيزي يعيدني إلى أمي” أما بعد مصر فأصبح حتمياً، لذلك عندما كان هناك دعوة للتظاهر أمام السفارة السورية بالقاهرة، بالتزامن مع دعوة التظاهر في سوريا كان يقيني لا يتزعزع أن الناس ستخرج. أذكر أن أحد الاصدقاء الصحفيين المصريين قال لي حين دعوته قبل أيام من الموعد: انت واثق أن الناس ستتظاهر يوم 15 كان جوابي نعم. وقلت في حينها حتى لو لم يتظاهروا هناك سنتظاهر هنا.

رغم كل ذلك في الأيام الأولى كنت أنظر للتظاهرات كمن يشاهد شخصا عزيزا عاد من الموت، الأمر كان يصيبني بنشوة حقيقية لامجازية. كلنا نعرف النظام وكنا نتوقع هذا العنف المفرط؛ بل لو قال أحد في النظام “نحن لم نستخدم القوة بعد لصدقته. اعتقد أن الثورة دخلت في مسار اجباري فرضه العنف والاجرام المستخدم ضد المحتجين ولا أتوقع أن يتم تسليم السلطة من هذا النظام دون دخل دولي يرغمه على هذا، أيّا كان شكل هذا التدخل وحجمه.

 الثورة أصبحت هواء يومي لي أصحو أنام اتحرك اخرج على حركة سحبها، لا يوجد وسيلة توصل للثورة إلا ولحقتها.

في العموم لا أدخل رغباتي ولا تمنياتي و… حين أحلل هذه الثورة ومسارها ومآلاتها. بالتأكيد حين أكتب أو أتحدث خارج التحليل أبرز مايقوي عزيمة الناس ويعينها.. الثورة السورية شاعرة، لا لامتزاجها بالاغاني والدبكات والاهازيج ولا لتحويلها لكل جنازة إلى عرس بل لأنها لولا وجود شعراء حالمين وشجعان لما كان لها أن تبدأ لأن التحليل المبني على الوقائع كان يقول “سوريا ليست الآن” أو قد تتأخر قليلا.

في الأبداع اعتقد انها تشكل ذاكرة قادمة. استجبت طفيفا ببعض القصائد الشعبية “الموجهة”.. غير ذلك لم اكتب نصا ابداعيا متعلق بالثورة فنحن نعيشها الان ولا وقت لكتابتها.

 صمت الكتاب ربما كان مبررا في البدايات. لكنه الآن عار سيلاحقهم حتى بعد رحيلهم وسيكتب في سيرهم الذاتية. أعتقد أن ذلك عقابا قاسيا يستحقونه.

 أمنياتي أن تنجح بأقل مايمكن من الشهداء وبأقل ما يمكن من الخراب. وبعد نجاحها أريد أن أرى أقل ما يمكن من المسؤولين الانتهازيين أقل ما يمكن اللصوص وأقل ما يمكن من المزايدين والمتاجرين بالثورة وأقل ما يمكن من استبداد. وأريد آن أعود فقد تعبت لم يبق من روحي شيئا للمنفى..

خولة دنيا

أصدقائي في صفحات سورية

سأحاول أن أجيب عن الأسئلة في إطار حكايتي مع الثورة

هي حكاية بكل معنى الكلمة… تتوهج نارها رويداً رويداً لتصل إلى الذروة المحبوكة بإتقان ، وتتهادى إلى نهاياتها السعيدة..

فهل ستكون نهاية حكايتنا سعيدة كذلك؟

هو سؤالي الآن وليس سؤال “صفحات”.. سؤال أبحث عن إجابة له بدقائق اليوم والساعات، في كل ما مرَّ ويمر بنا من آلام..

نريدها بشدة تلك النهاية السعيدة.. حين يتزوج العاشق من العاشقة ويعيشوا بسبات ونبات..

نريد أن تتزوج ثورتنا من تضحيات شبابنا، لتعيش سورية بسبات ونبات

هل كنا ننتظرها؟

منذ بداية الخلق انتظرناها.. لحظتنا السورية هذه، قد يكون خلقنا نحن الذين اكتوينا بنار الدكتاتورية والقمع.. الذين رفضنا الصمت حين كانت سورية مملكة الصمت.. الذين دفعنا أثمانا مختلفة لعدم صمتنا ورفضنا..

ولكن لم نتوقع لحظتها هذه؟ أو لم نصدق أنها وصلت إلينا بعد طول انتظار

الانتفاضة السورية كانت حلماً لنا نحن الذين تابعنا مارد تونس ومصر بكل سعادة. كل أطياف المجتمع السوري كانت سعيدة بهذا المارد، ولكن بقي سؤالنا هل سيكون لنا نصيب مما يجري؟

وعندما تحركت الشام، كانت فرحة القلب والروح، وبداية الشعور بالخلاص، فأخيراً هناك من قرر رفض الصمت والقمع، هناك من قال كفى للديكتاتورية والفساد، ولحكم العائلة المتسلطة على رقاب جميع.

كانت بداية هادئة، لم نتوقع أن تستمر وبدأت التجهيزات لشعلة أخرى ولكن ما حدث في درعا وما اشعله أطفال درعا، كان الشرارة التي أنارت درب انتفاضتنا..

هي كذلك تشتعل رويداً رويداً لتمتد إلى ريف دمشق وتنتقل إلى الساحل السوري، فيزداد أوارها فتعود منتشية إلى حمص وحماه.. وتوغل شرقاً إلى دير الزور..

هي التي اختارت أن تحتل بلدةً كل يوم… استمرت رغم كل الدماء والتضحيات..

مدن خُرِبَتْ وعائلات تيتمت وبيوت استبيحت ونهبت.. سجونٌ امتلأت على آخرها حتى فتحت سجون جديدة.. مدارس، مقار أمنية، وأخرى عسكرية، ملاعب رياضية.. كلها تحولت إلى سجون دائمة أو مؤقتة مع استمرار القمع والإرهاب

أيُّ احتلالٍ كنا نعيش طوال هذه السنوات، واليوم نرى ما يعنيه عيناً بعين!!

كم انتهك من أعراض، كم من الأجساد عُذّبت .. وكم وكم..

هو الثمن الغالي الذي تحتاجه الحرية كي ترى النور.. ثمن يدفع مازال في كل مكان..

نحن كما كل أبناء شعبنا.. دفعنا ما علينا من ثمن، قد يكون أقل حتى من كثيرين، غربتنا عن بيوتنا وحياتنا.. أماكن اختفاءنا التي تتغير بين حينٍ وحين حسب الأوضاع الأمنية، أصدقاؤنا المعتقلين.. وآخرون ممن تركوا البلد.. انتظار لحظات الاعتقال المرتقبة، والخوف من العيون والأماكن، كيف سيكون الغد، وأين سنمضي ليلتنا التالية؟

قد تكون مفاجأتنا الأجمل هي هذا الإصرار الرائع على السلمية، وعلى الاستمرار وعلى دفع التضحيات بكل أشكالها من أجل الوصول إلى النصر… نعم ما أجملنا.. نحن السوريون المصرون على التظاهر والرفض والنضال حتى الوصول إلى هدفنا.

ما أجمل نساؤنا وأطفالنا وشبابنا ورجالنا، وهم ينزلون اليوم تلو الآخر ليعلنوا رفضهم.

ما أجمل نكاتنا ولافتاتنا، وروحنا الصاخبة والثائرة.. ونحن نبدع أساليبنا ومستقبلنا بأجمل ما يمكن.. فنندهش نحن وندهش العالم.

أما مفاجأتنا الأخرى فهي نكوص مثقفينا، أو العديد من مثقفينا عن الانتماء للثورة، هؤلاء الذين كانوا بوصلة لنا لسنين طويلة، ماذا جرى لهم كي يكونوا إلى صف الجلاد فجأة؟

أي خوفٍ أبكمهم، وأي شكوكٍ تلبستهم فخلعونا ولبسوا ريبتهم؟

لا شيء يجعلنا نصفح عن صمتهم وخوفهم وريبتهم وجبنهم… لا شيء

كيف يمكن أن يشككوا بثورة بنضارة وروعة ثورتنا، وينتموا لجلادٍ خانهم وخاننا وتلاعب بهم حتى أقنعهم أو أسكتهم؟

اليوم أكثر من أي يومٍ مضى نعلم وجهتنا، ونرى نهاية ثورتنا، قريبة أو بعيدة ولكن سننتصر وينتصر شعبنا، ونصل إلى حريتنا رغم كل الآلام والتضحيات.

نحن اليوم لسنا كما كنا أبداً، تغيرنا إلى الأبد، كما تغيرت كل ذرة تراب في سورية..

بالنسبة لي

لم أكن يوماً أفضل مما أنا اليوم..

لم أكتب يوماً، كما كتبت للثورة والناس..

لم أبكي يوماً، كما بكيت للشهداء والمعتقلين والمنفيين..

لم أعش عشقي لبلدي وانتمائي كما أعشق الآن..

لم أحب أصدقائي من عرفت منهم ومن لم أعرف.. كما اليوم..

هي سورية التي أعادت خلقنا من جديد، فنسجتنا على منوالها، وأعادت شبك أطرافنا المهملة إلى قلوب بعضنا بعضنا، فأصبحنا سجادة صلاة لها على وسعِ رقعتها وبجمال أبناءها وتلاوينهم…

يا سورية آه منكِ ما أجملك….

آهٍ عليكِ كم تألمتِ وآلمتِ من قلوب..

نحنُ منك ولكي…

ولن نكفيكِ حقك علينا.. ولن نكتفي منكِ……

رشا عمران

لم يكن واردا أن تمر الثورة على منطقتنا وتستثني سوريا ، ربما كنت من القائلين أنها ستتأخر قليلا قبل أن تصلنا ، لكن لحسن الحظ المعجزة حدثت ، وكانت كما النار ما أن بدأ حطبها يشتعل حتى امتد لهيبها ، هل هي انتفاضة كما يحلو للبعض ان يطلق عليها !؟ هي أجمل من أن تكون مجرد انتفاضة ، هي ثورة بكل تفاصيل الثورة ، شيء ما يشبه الاسطورة ، هذا الاصرار على التغيير رغم أعتى آلات العنف المقابلة ، هذا الاصرار على الفرح رغم الحزن الذي عرش على الاجساد ، هذا الاصرار على الحياة رغم رائحة الموت التي لا تكاد تشم غيرها !! نعمة أنني عشت لأرى هذه الثورة ، لاختبر ما لم اعرفه ، لاكتشف من أنا وماهي خيارات حياتي ، وكم من الأوهام حول نفسي كنت اعيشها ، حول آخرين أيضا !! ليست مجرد ثورة هذه التي تجعلك تتعرى أمام نفسك وأمام الأخرين ، وتنكشف هكذا محاولا التخلص من كل زيفك و أقنعتك و أوهامك ، هي فعلا المعجزة ، الأشبه بالاسطورة ،، كيف يمكن لكتاباتنا أن تبقى على ما هي عليه ، لا أعرف مالذي سأكتبه، شعرا ، لاحقا ، حتى الآن لم أستطع كتابة اي شيء ، أقصد الشعر طبعا ، كتبت نصا طويلا نشر في القدس العربي ، حاولت أن أقول فيه رأيي بكل ما حدث وأسبابه وحالتي أنا فيه ، نص رأى البعض فيه موقفا سياسيا ، شخصيا لا اكتب سياسة ، ولكن لا يمكن لأي كتابة الآن ان تكون ادبية صرف ، لا يمكن لا أخلاقيا ولا ثقافيا ، الذاكرة تراكم الان كل التفاصيل ، كل ما يحدث ، كل شيء ، سيظهر هذا يوما ما ،، شعرا ربما لا أعرف ، لست متيقنة من شيء ابدا ، غير تيقني من هذه الثورة ستنتصر ، وأن سوريا الجديدة التي حلمنا بها قادمة ، وان مستقبل ابنائنا الذي يصوغونه هم بدمائهم وعذاباتهم وآمالهم قادم ،، أبناؤنا هم من صنعوا هذه المعجزة ، نحن لحقنا بهم علنا نعوض لنا ولهم مافاتنا

عمر قدور

لو لم يحدث ما نعرفه لكنت بقيت عند تقديري بأن سوريا ستنفجر خلال خمس سنوات، لا أدّعي أنني أستشرف المستقبل وأن توقعاتي لا تخيب. السنوات الخمس التي توقعتها كانت من باب وصول الأزمة إلى أقصى حالاتها وبما يفوق قدرتنا على التحمل، أيضاً لم يكن غياب الحريات هو السبب الوحيد فالأمر يتعلق بالنظام بمجمله. ما حدث في مصر وتونس أيقظ الأمل بقرب التغيير، النشاط الافتراضي السوري الذي رافق الثورتين داعياً إلى الثورة في سوريا أعطى الأمل، وإن تعثر لأكثر من شهر وولّد الخشية من فشل يرتد انتكاسة كبيرة على المعنويات.

أجمل ما في الثورة السورية هو اختراقها للتوقعات على مستويات عديدة، ويدهشني حقاً من يقول إن الثورة تطابقت مع توقعاته، مثلاً فاجأتنا درعا بانتفاضتها التي ضربت مثلاً للسوريين، فاجأتنا حمص بصمودها، وفاجأنا الكثير من السوريين بتلك المواهب الاستثنائية التي غيّبها اللاستبداد؛ فوجئنا على نحو ما بأنفسنا. ليس هذا الكلام من باب التقليل من أهميتنا كسوريين، ولكن المفاجأة أتت من سحر الاكتشاف، ومن الجدارة التي أثبتها السوريون لأنفسهم بإنسانيتهم وتشبثهم بحريتهم وكرامتهم بعد عقود من الاستكانة. لا بأس بالقول إن النظام أيضاً فاجأنا بالتردي المطلق لأدائه السياسي، وكأنه إذ حرم المجتمع من السياسة فقد ارتد ذلك عليه وأصبح نظاماً بلا سياسة سوى السياسة الأمنية والقمعية. لقد اكتشف السوريون أنفسهم، وانكشف النظام على حقيقته التي بدت أسوأ من التصورات السابقة.

كتبتُ عدداً لا بأس به من المقالات التي واكبت الثورة، ونُشرت في منابر عديدة. بالأحرى لم أكتب سوى القليل خارج موضوع الثورة، وأعتقد أن هذا طبيعي جداً؛ أرى هذا الموقع بمثابة القدر الذي أقبله برضا تام. في المقابل أستغرب عدم كتابة البعض عن حدث تاريخي بهذا الحجم، أعذر زملائي الأدباء الذين لم يقربوا المقالة من قبل، أما الذين داوموا على كتابة المقالات والزوايا فلا أجد تبريراً معقولاً لتجاهلهم ما يحدث. حدث كالثورة يُفترض أن يثير الكثير من الانفعالات وأن يهيمن على التفكير، وأن ينعش الآمال. الأمل بالثورة السورية يُفترض أنه يكبر مع الزمن أيضاً، لأن التضحيات الغالية يليق بها تحقيق أمنيات كبيرة، إن تم ذلك سيشعرنا ببعض العزاء.

خلال أربعين عاما من الاحساس بقيمتنا كمواطنين طبيعيين قادرين على بناء وطن يفاخر ابناؤنا به

فارس البحرة

عندما زرت سوريا آخر مرة في نيسان 2010 شعرت أن لا مخرج لهذا البلد إلا الثورة. و لكنني لم أتوقع حدوث هذه الثورة قبل مرور سنوات، لم أخمّن أبداً أنها على الأبواب. رغم شعوري أن وضع الانسان العربي بات لا يطاق، و أنه على أهبة الانفجار سواء كان مقيماً في بلده أو خارجه.

حققت الثورة السورية باعتقادي الجزء الأهم من أهدافها: تثوير الانسان و تحويله من منفعل إلى فاعل. فلا أعتقد بإمكانية أي تغيير و تطوير في منطقتنا دون المرور بهذه المرحلة. لهذا السبب أرى كل عثرات الثورة و أخطائها قضايا تفصيلية و جانبية، لا بد طبعاً من مواجهتها و تجاوزها، لكن حدوث الانقلاب على مستوى الذهنية الفردية سيرينا حتماً نتائجه الإيجابية على المدى البعيد و على القريب قبله. مشكلتي الأدبية الشخصية في هذه المرحلة هي أن الثورة تقتضي الأخلاقيات الإيثارية التي تتناقض مع النرجسية الواسمة للأدب كما اعتدت أن أراه حتى وقت قريب على الأقل. بالمقابل أخشى الوقوع في التقريرية و أمراض الأدب الواقعي الاشتراكي المعروفة. كما أن الموت اليومي و الطابع الشعبي للثورة يجعلان الانصراف إلى قصيدة النثر ذات الميل النخبوي ليس بالأمر اليسير. ثم أن النزوع المجتمعي العام لمواجهة الحقائق بما هي عليه يبطل الوظيفه المألوفة للشاعر العربي، كقائل ما لا يجوز لغيره. و ربما يكون هذا، إضافة إلى رعاية المصالح الخاصة، من أسباب انصراف بعض الفنانين الذين عرفناهم مشاكسين فيما مضى عن الثورة أو غضبهم عليها و تحريضهم ضدها. فالثورة تهدد امتياز الفنان العربي كمهرج الملك.

لا أرى الثورة سياسية بالدرجة الأولى، الثورة كالأدب: انسان قبل كل شيء، هذا الانسان سياسي و أدبي و غير ذلك. في بدايتها كتبت الكثير, لأصاب تدريجياً بالخوف أمام مسؤولية القلم و مشاعر الذنب تجاه الثوار في الميادين، و ليتغير فهمي لنفسي عملياً: من شاعر و كاتب، إلى مدون على الفيسبووك، لا أتورع عن الكتابة بالعامية أحياناً، عن الرسم حين تعوزني الكلمات، و عن الغناء و التمثيل أيضاً. أتجنب حالياً النصوص الطويلة و المتوسطة حتى، لا أستطيع كتابتها و لا قراءتها. لست خائفاً على مصير ثورة أنجزت أهدافها الأهم بمجرد نشوبها. ما يهمني هم الأفراد الذين سيفقدون الحياة أو يتأذون جسدياً أو نفسياً إلى حين انتصارها. أخيراً أنا متابع سياسي سيئ جداً تمر أيام دون أن أستمع لنشرة أخبار، أتابع المستجدات عبر الأصدقاء و صفحات الفيسبووك. لا أميز الهيئات التمثيلية المختلفة للثورة من بعضها البعض. أعتقد أن تسعين بالمئة من أعضاء هذه الهيئات سيمضون مع النظام إلى مزابل التاريخ. الثوار الحقيقيون بالنسبة لي هم المتظاهرون في الشوارع و المتمترسون لحمايتهم. المعارضون الحقيقيون هم من يدركون ذلك.

مروان علي

سوريا لم تكن سوريا كنت ابحث عنها وانا هناك وحين وصلت الى أمستردام في منتصف التسعينيات وجدتها في قلبي

سوريا الجميلة كما نريدها جميعا ان تكون وطنا لكل السوريين

لم اتخيّل يوما ثورة في بلادي

لان النظام بدمويته وجبروته حطم كل شيء

وبعد تونس ومصر كان الاصدقاء يسألونني ومتى سوريا ، اقول : قريبا هكذا

بلا امل

ولكنها جاءت من حيث لم يتوقعها احد ، من درعا لتعيد تشكيل مفهوم الوطنية السورية بعد ان رددت كل المدن السورية : درعا حنا معاك للموت

كتبت قصائد قصيرة

عن حماه ودرعا وحمص وتلكلخ والشام

عن الجندي والدبابة التي تستريح تحت الشجرة حيث مكان العاشق وحبيبته

عن النوافذ التي تنتظر الشمس والحرية والرصاص أيضاً،ستجد مكانها في مجموعتي التي اعدها للنشر

لا أحلل الثورة ولا انظر لها انتظر انتصارها القريب كي اذهب برفقة مينا وميرا وميريام الى الشام وحماه وحمص وادلب

نضع ورودا على قبر الشهيد ونبكي

( أيها الجندي

لاتطلق الرصاص عليَّ

أنا قلبك)

( أنا ابراهيم محمد الشيبان

أعتذر منك

أيها الجندي

قلبي لايتسع

لغير رصاصة واحدة)

مها حسن

1ـ هل توقعت حدوث هذه الانتفاضة الشعبية من قبل؟

رغم انتفاضتي تونس ومصر، ولكنني لم أصدق أن يحدث هذا في سوريا. في صباح الخامس عشر من آذار، كتبتُ على صفحتي ” اليوم 15 آذار، لا تنسوا هذا التاريخ”، وانتظرتُ سماع خبر خروج تظاهرة من سوريا. قبل منتصف النهار بقليل، كنت مع صديق لي في سوريا نتحدث عبر الماسينجر، قال لي أنه محبط، وأن السوريين لن يخرجوا… لم نكن لنصدق… وحين سمعنا الأخبار بعد منتصف النهار، كنت أرتجف من الفرح …كان ذلك فوق مستوى توقعي، لقد فاجأتني انتفاضتنا السورية.

2- كيف ترى تطورها؟

إنها أسطورة تنمو يوما تلو الآخر… لا يصدق أحد همة السوريين وشجاعتهم، وخروجهم تحت التظاهر، وتمسكهم بالسلمية، يوما تلو الآخر، يزداد عدد القتلى، وتزداد نقاط التظاهر وحجم المتظاهرين… إنها فعلاً أسطورة تبهر العالم.

3- كيف تتابعها؟

بكل ما يمكن من وسائل متابعة، عبر الفيسبوك بشكل عام، عبر  صفحات التنسيقيات، عبر مواقع الانترنت، نشرات الأخبار المتلاحقة…

4- هل يختلط السياسي بالأدبي حين تحلل أحداثها؟

لا أبدا… لا أعتقد أصلا أن هذه الثورة هي حالة سياسية… إنها انتفاضة شعبية. صحيح أن ثمة انخراطات حزبية وسياسية لحقت بها، ولكنها تبقى أقلّ من مستوى الشارع ذاته، الشارع الذي يقدم روحه كثمن للحرية، من هنا، أرى أن السياسة والأدب، كلاهما متأخّر عن هذه الانتفاضة، وكلاهما أقل من أن يفسّرها الآن.

5- كيف أثرت على إبداعك الشخصي، هل كتبت شيئا عنه، مع مثال بسيط عن ذلك؟

أولا أثّرت الانتفاضة على مشاعري ، وغيرت كثيراً في مفاهيمي، ومفاهيم العالم ، سواء العربي عن ذاته، أو حتى العالم الغربي الذي كان قد نمّط صورتنا في وعيه. إبداعياً لم أكتب بعد، ولكنني كتبت عدد لا بأس به من المقالات، كمقال” إنه دم حقيقي على الشاشة” لملحق المستقبل الثقافي”نوافذ” تحدثت فيه عن العلاقة بين الدم في السينما والدم الذي نشاهده على شاشات التلفزة واليوتيوب عما يحدث في بلادنا. حاولت في مقالاتي لجريدة “الحياة” أيضاً الدفاع، بل و”جرّ”، وإن كانت اللفظة غير لائقة، المثقف للخوض في هذه الانتفاضة، وتبنّيها.

  6- هل تعتقد أن صمت الكتاب الآخرين، أو إحجامهم عن المشاركة بها مبررا؟

لستُ من النوع الذي ينصب المحاكمات للآخرين، ولكن هذا الحدث استثنائي ولا يتم في كل شهر أو كل سنة، إنه يحدث ربما لأول مرة منذ أربعين أو خمسين سنة. لهذا فأنا أعتقد أن صمت المثقف أو إحجامه، هو خسارة له أولاً، يحرم نفسه من التعرف على عالم أخلاقي، إنساني، من تجربة مهمة. نحن، أنا خاصة، نتعلم يومياً من الشارع، وأخاف أن أصبح فجأة خارج الفهم، أو خارج الحدَث، إن المستنكف، لهو يؤذي نفسه أولاً، لأن الانخراط في هذا التيار الإنساني، لأن هذه الانتفاضة إنسانية، وأخلاقية، يمنح أحدنا أبعاداً جمالية، رغم بشاعة المشهد، الملوث بالدم والجثث، التي لا يتحمل لا المتظاهر السلمي ولا المثقف مسؤوليتها، إلا أن المشهد أسطوري تماماً، وأنا أعيش هذه الأسطورة بتفاصيلها، وإن آلمني، أنني مفصولة عنها، بفعل بعدي الفيزيائي، حيث روحي هناك، وجسدي في مكان آخر.

7- ما هي أمنياتك حولها.

أمنيتي الآنية والملحة، هي وقف الدم، ووقف القتل. ثم تأتي فيما بعد أمنياتي في ألا يذهب دم الذين غادروا مجاناً، أن يتحقق الهدف من خروجهم وتظاهرهم، وموتهم، أي الحريات. أمنيتي أن أرى سوريا بلدا ديمقراطيا يحترم التعددية الفكرية والسياسية، وأخشى كثيراً على مواقع المرأة وحقوقها في المرحلة القادمة. أتمنى من المثقفين والكتاب على الأخص، أن يتمتعوا بالنزاهة والأخلاقية، وإعلاء العام على الشخصي، للتعاون معاً ، في المرحلة القادمة، من أجل موضوع تكريس الديمقراطية وحقوق المرأة ، وأن يتخلى الكثير منا من أهم مرض يخيفني لدى هؤلاء، وهو النجومية أو النرجسية.

وائل طربية

من شدة التوق وتراكم الخيبات لم أجرؤ أن أتوقع شيئاً طيباً.. وحتى عندما انطلقت الثورة بدت كشيء من الحلم المنتظر الذي لا تصدقه حتى تتلمسه باليد.. والحقيقة أن اليأس المزمن جعلني في الأيام وحتى الشهور الأولى أتابع كل يوم بيومه وأعِدُّ نفسي لتقبّل أن يكون هو بداية الانحسار!!.. ربما لأنني لا أعرف الشعب السوري جيداً ولم أعش يوماً على أرض بلدي التي نسميها هنا – في الجولان – “الشرق” مجازاً.. هنا تكمن الفضيحة الكبرى لضآلة العقل.. عندما تكون الثورة هي الحل والخيط الذي يشدّ كل أشكال نشاطك وأحلامك ومواقفك.. وعندما تأتي تفاجئك وتصعقك!

أعتقد أن هذه الثورة تحمل طاقة المفاجأة الدائمة.. تخذل كل التوقعات الكارثية وتصدم محبيها قبل أعدائها بعمقها وفرادتها.. ما يعلق على أطرافها من عواهن هو شيء من كونها فعلاً بشرياً أرضياً.. هي الأكثر جذرية في هذا الربيع بغض النظر عن مآلاتها.

أتابع التفاصيل بصورة محمومة يومياً، لأن فيها علامات الآتي والمقلق والمطمئن.. أكثر ما يريح القلب هو إسكات العقل بقراءة ما يكتبه بعض مؤرخي هذه الثورة ممن يلتحمون بها جسداً وعقلاً.. لأنها في الأساس ثورة أدبية وأخلاقية وروحية وإبداعية.. وليس أبلغ مما كتبه ياسين الحاج صالح: “.. اجتماع الثورة كفنّ مع العنف، ويحصل له أن يمارس من طرف الثورة أيضاً، هو ما يشكل خصوصية الثورة السورية، وما يحدد مستقبل سورية. فإذا كان الفوز للفنان على المحارب كان مستقبل سورية أكرم وأرحم. لكن فرص ذلك تتضاءل.”

راودتني الكثير من الأفكار لأعمال فنية، ولكن أعترف أنني عاجز تماماً عن انتاج شيء أمام ما أعايش.. أعود إلى آخر الأعمال وأعزي النفس أن فيها روحاً ما مما يحدث أو من هوامشه.. أذكر أن الجملة الأولى التي كتبتها في الخامس عشر من آذار على صفحة الفيسبوك: “.. تذكروا هذا اليوم جيداً.. سنحكي عنه كثيراً لأولادنا!”

لا شيء يبرر بعد الآن صمت الصامتين.. هذه من اللحظات النادرة التي تتطلب القليل من التفكير والكثير من الضمير.. الصمت الآن بندقية الجبان… تقتل من دون أن تطلق الرصاص.

–                     أتمنى أن أُفاجأ مرة أخرى وألا يتوقف ربيع سوريا إلا بفوز الفنان على المحارب!. وأن أعيش ليوم أجتاز فيه الستين كيلومتراً التي تفصل مجدل شمس عن دمشق.

ياسر خنجر

بعد أن ثار الشعب التونسي وتبعه أبطال مصر متوجين ثورتيهم بسقوط رأس الدولة في كلا البلدين، تيقنت أن سوريا وهي الوطن الأكثر حاجة إلى خلع نظام الحكم المستبد، لا بد ذاهبة إلى حراك ثوري يهدف تغيير أسس هذا النظام وبنيته. تصورتها ثورة تبدأ في الأرياف وترغم المدينة على النهوض، ذلك أن الدولة السورية تفتقر إلى أي تنظيمات أو أحزاب قادرة على خلق حراك ثوري، بالتالي تصير القرية –وهي الأكثر ترابطاً- قادرة على خلق بداية ثورية تحمل المدينة إلى إكمالها. كنت في البداية شديد القلق من حدوث انقلاب عسكري يثبط نهج الثورة ولا يلغي أسبابها، ثم تراجع هذا القلق ليصير شبه رغبة بعدما أخذ العسكر دورهم الأدائي بدل الأخلاقي، وصار القلق من أي دور لغير السوريين هو ما يشغلني.

لا أستطيع فصل السياسي عن الأدبي رغم معرفتي أنهما لا ينسجمان في كثير من الحالات، ولكن الأدبي في التحليل يأخذني إلى التغلب على اليومي الموجع ويحثني على التمسك بالمثل التي أؤمن بها طريقاً إلى الحرية. أُحاول أن

العيش في الثورة يمنعني من الكتابة عن غيرها. لا أجد كلمات لغيرها. ولا تشغلني الكتابة بقدر ما يشغلني الشهداء.

(بوصلة)

ثَمَّةَ بوصَلَةٌ لا بُدَّ صائِبةٌ:

يَقينكَ أنَّ الفُتاتَ على العتباتِ

شِراكٌ – مُمَوّهَةً أَو صَريحَةَ – مُحكَمَةَ القَصدِ،

فالصيدُ أنتَ.

تَنَبّه لوقعِ خُطاكَ ولا تُصغِ للريحِ

أو تمتماتَ العجائِزِ.

طريقُكَ موغِلَةٌ بالغِوايَةِ

وَهمُ النِصالِ يُمَرِّغُ حُلمَكَ بالدم،

يَثقبُ نَعلَ القَداسَةِ؛

وَوَهمُ التكاسُلِ يُرجِعُ حُلمَكَ لِلتيهِ،

يا صاحبي، فانتَقِ للنِهايةِ وَشماً

يليقُ بمئذَنَة القلب،

كي لا تَخونَ رفاقاً

تَعَجَّلَهُم سيفُ خصمِكَ

فانفَطَرَ الوَحيُ. يا صاحبي،

هدنةٌ تَبغَتُ القَلبَ كافيةٌ

كي تؤَرِّخَ ما عاشَ مِن أَجلِهِ الشُّهداءُ،

وتختارَ نبضاً شديدَ النقاءِ

كأَعيُنِهِم، وهُم ذاهِبونَ إلى آخِرِ القافية؛

لا نَشازَ يُعَكِّرُ صَفوَ اليَقينِ.

طَريقُكَ موغِلَةٌ بالغِوايَةِ

لا الريحُ دَليلٌ،

ولا التَّمتَماتُ على وَقعِها تَهتَدي؛

وَحدَهُ القَلبُ لا يَغفِرُ الانهِزامَ

ولا يَنتَشي في ضَجيجِ الحِرابِ

ثَمَّةَ بوصَلَةٌ لا بُدَّ صائِبَةٌ

هَل وَقَفتَ على نَبضِ قَلبِكَ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...