الرئيسية / صفحات مميزة / الثورة وإفلاس نماذج التحليل السائدة

الثورة وإفلاس نماذج التحليل السائدة


ياسين الحاج صالح

تدين الثورة السورية للثورات العربية السابقة لها بثلاثة أشياء أساسية. أولها المثال الإيجابي الناجح. ما كان لأي مقدار من السخط المنتشر في المجتمع السوري أن يتحول إلى ثورة عامة لولا مثال ناجح قريب يسهل التماهي به. الشيء الثاني الشعار المركزي، «الشعب يريد إسقاط النظام»، ويتضمن تحديداً للهدف المباشر للثورة. الشيء الثالث هو الأسلوب: تظاهرات سلمية في كل البلد، تحاول حشد أكبر عدد من الناس.

وما كان مدهشاً على نحو خاص هو أن سقوط هذه الأنظمة الرهيبة بدا سهلاً: احتجاجات شعبية سلمية، تدوم أسابيع قليلة، ويسقط فيها مئات قليلة من الضحايا، فنتخلص من طاغية يحكم البلد منذ ربع قرن أو ثلاثة عقود! ترك هذا المثال أثراً بالغاً على جمهور سوري واسع، لديه أسباب كثيرة للاعتراض على النظام والرغبة في تغييره، لكنه يخشى أن تكون التكلفة باهظة، على ما ينبئ تكوين النظام وسوابقه التاريخية. وإلى حين، بدا أننا عثرنا أخيراً على وصفة ذهبية للتغيير، تجمع بين التنشيط الشعبي والهدف الديموقراطي والوسيلة الراقية. وقبل الثورة السورية بوقت قصير كتبت مقالاً بعنوان «الخطة الشعبية المجربة لإسقاط الأنظمة المتجبرة»، يتحدث عنوانها عن مضمونها، وتستند إلى مثالي الثورتين التونسية والمصرية.

قبل موسم الثورات، وخلال نحو ربع قرن، كانت النخب المثقفة والسياسية العربية فقدت كلياً الثقة بنفسها وقدرتها على المبادرة، ووقعت تحت تأثير نماذج التغيير الذي وقع في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية: سلمية عموماً، ومحدودة التكلفة البشرية، وليبرالية بصورة ما. كانت أفكار الديموقراطية وحقوق الإنسان هي السقف الفكري القيمي الذي صار الجميع يستظل به، على اختلاف أصولهم الفكرية، ليس على مستوى التطلعات والأهداف فقط، وإنما على مستوى الوسائل أيضاً. وكان العنف قد طُرِدَ من تفكيرنا كلياً، على المستوى القيمي وكموضوع للتفكير. وطوال ربع قرن شاع التفكير في السياسة بلغة حقوقية، تضع الطبقات والأديان والطوائف والأوضاع الجيوسياسية خارج السياسة، فتشير في الواقع إلى خروج أصحاب هذه المقاربة من السياسة، ممارسة وتفكيراً.

بهذه الاستعدادات الفكرية والنفسية دخلنا زمن الثورات العربية. ولم تطرح الثورتان التونسية والمصرية الخاطفتان أي تحد على هذه الاستعدادات أو تدفع إلى مراجعتها. أما نتائجهما الأولية فتبدو للذهن المتعجل مناسبة لانتعاش مزاج ثقافوي متشائم، تقاسم تفكير عموم المثقفين مع التفكير الحقوقي في السياسة. ونجد ما يشبه ذلك منذ الآن في أوساط سورية من الطبقة الوسطى المتعلمة، يحرجها ألا تكون إلى جانب الثورة، لكنها تجد فيها خشونة وعنفاً وتعقيداً لا يرتاح لها حسها السياسي والحقوقي. التذمر والشكوى المستمران هما الحل.

ولن يتأخر الوقت قبل أن يتكشف أن النموذج التونسي-المصري أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة. في ليبيا طال أمد الثورة وتسلحت مبكراً، ثم وقع تدخل عسكري غربي لإسقاط النظام. وفي اليمن تمخضت الثورة عن تغيير الرئيس وفق مبادرة سياسية خليجية. وباتت البحرين نقطة تجاذب خليجية إيرانية وسنّية شيعية. وبمجملها تدل هذه الأمثلة على أن الثورات بعد أن تنطلق تصير أشبه ببلدانها أكثر مما بمثال مشترك، وأنها تتشكل في صور معقدة تحيل إلى تعقيد الأوضاع التي تواجهها. وهي على أرجح تقدير ستضع نهاية للتفكيرين الثقافوي و «الحقوقوي»، وربما تحرر التفكير السياسي والتأمل التاريخي من مفاهيمهما الهلامية.

وتبدو سورية مثالاً لا يشبه غيره، ويذكّر بثورات تاريخية كبيرة، أكثر مما يذكّر بنماذج التغيير السياسي التي عرفناها في ربع القرن الأخير. ولعل منبع الاختلاف الجوهري يتمثل في مدى تشكل الدولة واستقلالها عن المجتمع الأهلي. في مصر وتونس دولتان راسختا التكون ككيانين سياسيين تاريخيين، وإن كانتا تعانيان مشكلات كبيرة كمؤسستي حكم.

سورية في المقابل تعاني من قدر ربما يفوق غيرها من مشكلات الدولة ككيان سياسي تاريخي، بالنظر إلى حداثة هذا الكيان و «اصطناعه». هذا ينعكس في مفارقة نادرة: الأيديولوجيا المشرعة للدولة السورية كمؤسسة حكم تقوم على نفي شرعية الدولة ككيان سياسي تاريخي، وتتطلع إلى تعميم هذا النفي عربياً. وكمؤسسة حكم، استتبِعَت الدولة السورية من قبل طغيان شخصي وأسري، ينفرد عن نظائره العربية بتوريث السلطة ونشوء أسرة حاكمة في أقدم الجمهوريات العربية. وربما تمتد جذور هذا التحول المشؤوم في تلاقي حداثة الكيان السياسي وضعف التماهي به مع التكوين الإثني والديني والمذهبي المعقّد للمجتمع السوري الذي يسهّل أمر التلاعب السياسي، إن من الداخل أو من الخارج. ثم إنه يستجيب غرور سلطة وأسرة دام حكمها فوق أربعين عاماً -أقل بقليل من نصف عمر الكيان السوري الفتي- لديها الكثير جداً مما تخسره، وألفت أن تعالج المشكلات الكبيرة بالعنف الكثير. لا يبدو أن «الخطة الشعبية المجربة» تكفي في مواجهة نظام متجبر كهذا، على رغم أن السوريين لم يعتمدوا في منطلق ثورتهم غير هذه الخطة. ومعلوم كيف سارت الأمور مع مضي الشهور، وظهور المقاومة المسلحة، وانفتاح أوضاع البلد على صراعات عنيفة ومعقدة، يختلط فيها السياسي بالديني، والمحلي بالإقليمي والدولي.

واضح أن تصور ثورة على هدي الميثاق العالمي لحقوق الإنسان لا يصلح لاستيعاب الوضع السوري وتوجيه العمل فيه. التشاؤم يتولد من الإصرار على نموذج تحليلي تنفلت منه كل الوقائع التي يفترض أن ينظم إدراكنا لها. وكان واضحاً من قبل أن نموذج الثورة اللينينية لا يجدي كذلك.

لدينا واقع مغاير يذكّر في بعض وجوهه بالثورة الفرنسية، ثورة شعبية، تنطلق ضد أوضاع سياسية واجتماعية جامدة، لا تتوافر فيها مؤسسات عامة يمكن الاستناد إليها، ثم تسير في مسارات يستحيل التنبؤ فيها أو التحكم بها. إنها «قوة الأشياء تدفعنا إلى حيث لا نريد»، على ما قال سان جوست، أحد أبطال الثورة الفرنسية، قبل أن تسوقه «قوة الأشياء» ذاتها إلى المقصلة.

والغرض أننا في حاجة إلى تفكير في السياسة والتاريخ أكثر تعقيداً، ينفتح على تعقد مسارات الثورة، ويحتسب للمفاجئ وغير المتوقع، وللعنيف والمنفلت. هذا ليس سهلاً أثناء الثورة، لكن ما هو سهل لا ينفع في شيء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...