الرئيسية / صفحات سورية / الحرب على سوريا من بوابة المقامات الشيعية

الحرب على سوريا من بوابة المقامات الشيعية

عمر قدور

“المستضعفون” يحاربون مع قوات يزيد!

بينما كان الإعلام الغربي منشغلاً قبل أشهر بالحديث عن المقاتلين الأجانب في سوريا، ويُقصد بهم الإسلاميون الذين أتوا للقتال ضد النظام، كان الأخير يستقبل دفعة من الأفغان الذين نقلتهم طائرة إيرانية إلى مطار دمشق الدولي تحت ستار من التكتم والسرية. حينها كان من السهل تكذيب خبر الطائرة، لأن إعلام النظام استبق الجميع بالتركيز على وجود مقاتلين أجانب في صفوف المعارضة، حتى قبل وجود معارضة مسلحة بالمعنى الواسع للكلمة. لكن مع إعلان الجيش الحر عن قتل ثلاثة أفغان في حي جوبر، وقبل ذلك تشييع عناصر من حزب الله شاركوا في حرب النظام، بات للمقاتلين الأجانب عنوان متداول هو “لواء أبي الفضل العباس”، وفي تسجيلات بُثّت مؤخراً على اليوتيوب لا يتحرج قادة ومنتسبو اللواء من الإفصاح عن جنسياتهم، وبالطبع طائفتهم، متذرعين بالمجيء لحماية المقامات الشيعية في سوريا.

ليس مهماً للمحاججة هنا أن نشير إلى مزاعم النظام حول علمانيته في وجه ما يصوّرها على أنها ثورة إسلامية متطرفة، وبالقدر نفسه ليست مهمة الإشارة إلى مزاعمه في خصوص السيادة الوطنية بعدما صارت المواقف تصدر من طهران وموسكو بالأصالة عنه؛ ما هو أكثر جدارة بالانتباه هو إدخاله العامل الشيعي في الصراع، مع أن نسبة الشيعة في سوريا ضئيلة بكل المقاييس ولا يعوّل عليها لاصطناع فتنة سنية شيعية في سوريا. إلا أن النظام، وهو يمنح حقوقاً سيادية للشيعة الأجانب، يجعل منهم شركاء لا في الحرب فقط، وإنما أيضاً شركاء في اقتسام أجزاء من التراب السوري الذين يدّعون الوصاية عليه بصفاقة قلّ نظيرها.

لم يكن اختيار اسم “أبو الفضل العباس” للواء المذكور اعتباطياً، فما يُروى عن شجاعة العباس وافتدائه لأخيه الحسين في معركة كربلاء لا يغيب عن أذهان الذين أطلقوا هذا الاسم، وأن يأتي مقاتلون تحت راية “أبي الفضل العباس” ليدخلوا دمشق فهذا استرجاع للتاريخ وانتقام منه، حيث دخل العباس دمشق في المرة الأولى شهيداً على رماح مقاتلي يزيد بن معاوية. لكن الانتقام يمرّ عبر دماء السوريين، الذين من المرجح ألا يعرف الكثير منهم شيئاً عن معركة كربلاء، باستثناء الحسرة التي ورثها وجدانهم على مقتل محبوبهم الحسين.

ومن المرجح أن تثير الجملة الأخيرة الالتباس في بعض الأذهان، ففي العقود الثلاثة الأخيرة تم احتكار محبة الحسين وآل البيت عموماً على نحو مذهبي، بعد أن كانت مكانة آل البيت عنواناً مشتركاً للطوائف الإسلامية عامة. فشيوع اسمي الحسن والحسين لدى أبناء السنة كان دائماً يتفوق بشكل ساحق على اسم يزيد، ولعل الحفاظ على المقامات الشيعية يدلّ على المكانة المرموقة التي احتفظ بها السنة السوريون لآل البيت تاريخياً، بخاصة أن هذه المقامات موجودة في مناطق أو أحياء يقطنها السنة، وقد لا يعرف الكثيرون أن إحياءها العمراني يعود أساساً إلى عصري المماليك والأيوبيين، وحتى إلى العصر العثماني المتأخر، حيث قام الولاة السنة آنذاك بتخصيص ميزانيات لتوسيعها وإضافة غرف ضيافة أو دراسة بجانبها.

تشكك المرويات التاريخية، بما فيها المرويات الشيعية، في صحة بعض الأضرحة التي تحتويها المقامات، ورمزية هذه المقامات دليل إضافي على مدى التقدير الذي يكنّه سكان البلاد لتلك الشخصيات التي ربما لم يصل بعضها إلى بلاد الشام أصلاً. مدينة حماة التي ينظر إليها البعض بوصفها معقلاً للأصولية السنية تحتوي على جامع الحسنين التاريخي، وأهل المدينة يتبركون بالموقع اعتقاداً منهم بأن رأس الحسين قد وضع هناك في أثناء رحلته من كربلاء إلى دمشق، وفي جوار حماة يقع جبل زين العابدين والمقام الذي أنشئ فوقه، وقد نال هذه التسمية بناء على ما قيل من صلاة للإمام زين العابدين هناك في أثناء رحلة أسره إلى دمشق. مدينة حلب، التي يعتبرها البعض أيضاً عنواناً للسنة المحافظين، تحتوي على “مشهد النقطة”، حيث يُقال أن رأس الحسين نزف نقطة من الدماء هناك وهو في الطريق إلى دمشق، وتحتوي أيضاً على “مشهد محسن”، ويروى أنه جنين أسقطته إحدى نساء الحسين في تلك التغريبة الحزينة، هذان المشهدان كانا على الدوام مباركان من عموم المسلمين في المدينة، التي لا يُعرف فيها حيّ شيعي واحد اليوم.

إن استرجاع هذه الوقائع، وهناك الكثير مما يشبهها، يدلّ على أن المقامات الشيعية وحتى مظلومية شهداء كربلاء لم تكونا يوماً شأناً شيعياً خالصاً، وهي وإن كانت في زمنها حرباً سياسية إلا أن المحصلة الوجدانية العامة لم تكن يوماً لصالح المنتصر، وإلا لما كان مهد الدولة الأموية يحتفظ بنحو خمسين مقاماً شيعياً حتى الآن. وأن يأتي اليوم مقاتلون شيعة أجانب، بزعم الدفاع عن تلك المقامات، فهذا اعتداء على التاريخ مثلما هو اعتداء على الأرض. وفي المرتبة الأولى، هو اعتداء على الوجدان العام للبلد الذي عاقب المنتصر بتخليد ضحاياه. فلا يُشتهر في دمشق ضريح ليزيد يتبرك به المؤمنون، بينما يذهبون إلى مقبرة “باب الصغير” للتبرك بأضرحة ضحايا كربلاء، ومنهم أبو الفضل العباس الذي يرفع اسمه قتلة اليوم. غير بعيد عن ذلك، ليس مستغرباً أن أول قصف عنيف لطيران النظام في مدينة حلب طال المنطقة التي تحتضن “مشهد محسن”، فقط لأن أهالي الحي تظاهروا سلمياً رافعين شعار إسقاط النظام.

قد لا تنطلي على الكثيرين لعبة النظام في تطييف حربه على السوريين، لكن ما لا ينطلي على الأذهان قد يحفر في الواقع، طالما أنه يتوسل القتل والإرهاب تحقيقاً لمآربه. وفي الواقع، هناك خشية مبررة من نجاح النظام السوري وراعيه الإيراني في مصادرة الشيعة السوريين. على نحو ما حصل في بلدان أخرى. وهو نجاح سيكون على حساب أبناء الطائفة، التي لا يؤهلها ثقلها الديموغرافي للعب دور مؤثر في التحالفات الإقليمية، بخاصة عندما يكون هذا الاصطفاف على الضد من إرادة غالبية السوريين. إن تأليب الشيعة في الخارج من أجل القدوم والقتال بحجة حماية المقامات الشيعية، هو دليل إضافي على ضعف النظام والتهافت المطرد للقوى الداعمة له في الداخل. ولا يخفى أن إعلان الجهاد “العالمي” من قبل مفتي النظام كان تغطية ومدخلاً لحرب طائفية كبرى، ولا يخفى أن اعتراف مؤيديه في لبنان بوجود المقاتلين الشيعة الأجانب وتحديد أماكنهم، أتى إثر الفتوى ليعزز من طائفيتها، وليشرعن على نحو طائفي مكشوف التدخل في سوريا.

بعد الحديث عن خطر مزعوم يتهدد المقامات الشيعية، لم يبقَ من رادع أمام قوات النظام لتقصف ضريح وجامع خالد بن الوليد في حمص، وهي منذ بداية الثورة لم تتوانَ عن قصف مساجد أقل عراقة ورمزية. غير أن تدمير جامع خالد بن الوليد يصب مباشرة في تعزيز المغزى الطائفي، وفي استجلاب ردود أفعال مشابهة لتشريع احتلال المقامات الشيعية؛ الأمر الذي يبدو بعيداً حتى الآن ما لم تتكفل الأذرع الأمنية للنظام بهذه المهمة. هذا لا ينفي وجود متطرفين في الجانب الآخر، وهم يعلنون عن أنفسهم بلا مواربة، ويدفع مجتمع الثورة ثمن تطرفهم؛ هؤلاء على الأقل وضعوا على لائحة دولية للإرهاب، أما مقاتلو “لواء أبي الفضل العباس” وأمثالهم فلا أحد يتوقف عند إرهابهم، ولا يزالون يقدّمون أنفسهم كمستضعفين حتى وهم يقاتلون مع قوات يزيد!

دمشق

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 22 = 26

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...