الرئيسية / صفحات الثقافة / الحكاية رقم ثلاثة (قراصنة وأباطرة)

الحكاية رقم ثلاثة (قراصنة وأباطرة)

 


د. شهلا العجيلي

يعيدني الحراك السياسيّ الذي ينتاب الساحة العربيّة بعامّة والسوريّة بخاصّة، وما يتبعه من تداعيات ثقافيّة، إلى كتاب قديم للمفكّر الأمريكيّ نعوم تشومسكي، وعنوانه (قراصنة وأباطرة) يتحدّث فيه تشومسكي عن ظاهرة الإرهاب.

وعن العلاقة بين إرهاب الدولة للأفراد، وبين إرهاب الأفراد للدولة، وقد استعار له تشومسكي حكاية تقول: إنّ قرصاناً بدأ يبسط سيطرته على الحدود البحريّة لإحدى الإمبراطوريّات، وراح يقوم بأعمال شغب وعنف، ممّا هدّد قوّة السلطة فيها، وبعد أن تمّ القبض عليه، مَثُل أمام الإمبراطور، الذي قال له: كيف تجرؤ على إزعاج البحر، والاستيلاء على خيراته، وعلى إقلاق راحتي؟ فأجابه القرصان: نحن سواء في الفعل يا سيّدي، لكن لأنّني أفعل ذلك بسفينة صغيرة أُسمّى قرصاناً، ولأنّك تفعل الأمر ذاته، بأسطول ضخم، تُسمّى إمبراطوراً!

لاشكّ في أنّ المحمول الدلاليّ في هذه الحكاية يمكن أن يقاس على حال بعض الأفراد الذين اعتادوا الاستجابة السريعة لكلّ موقف تتخذه السلطة السياسيّة في بنيتهم الاجتماعيّة، إذ يأنسون في أنفسهم عرّابي الحراك الثقافيّ في تلك البنية، ومثل تلك الشخصيّات تشكّل نماذج جماليّة واضحة، وقائمة في كلّ زمان ومكان، وتفرزها تحديداً مراحل التحوّلات الكبيرة التي تمسّ صلب الحالة الوطنيّة، ولا بدّ من التنويه إلى أنّ النماذج الجماليّة تضمّ نموذج الجميل مثلما تضمّ نموذج القبيح. ولعلّ أهمّ سمات هذا النموذج أنّه يحصّل المكتسبات من أيّ حراك كان، ويستطيع تطويع مقدّراته لتكون مع متطلّبات الحالة التي كانت قائمة قبل الحراك، مثلما سيطوّعها لتناسب حالة ما بعد الحراك، لأنّه أصلاً يوهم بطريقة أكروباتيّة بأنّه جزء عضويّ من الحراك ذاته. وقد يشكّل هذا النموذج للمثقّف الحالة الاستثنائيّة الوحيدة التي تخالف حكاية شعبيّة تقول: إنّ ملكاً طلب إلى وزيره أن يرشده إلى عبارة تجعله يبكي إذا ما كان فرحاً، ويفرح إذا ما كان حزيناً، فابتأس الوزير حين أعياه الجواب، إلاّ أنّ ابنته الفطنة أسعفته إذ قالت له: يا أبي، قل له: دوام الحال من المحال! لكنّ هذا النموذج من المثقّفين الذي نتكلّم عليه، تدوم معه حال المكتسبات بطريقة استثنائيّة، فيستثمر أيّ ظرف ليكون نشطاً وفاعلاً، فيملأ الدنيا ويشغل الناس بمواقفه البركانيّة التي لا يناضل فيها سوى بمواقف الآخرين، وبدمائهم أحياناً.

أرجو أن يحمل مشروع الإصلاح في سورية، إصلاحاً للحالة الثقافيّة المخرَّبة، فمن غير المعقول أن يتبادل القراصنة والأباطرة مكتسبات المرحلة، أو أن يتقايضوا بها، أو أن يقتسموها فيما بينهم، ولعلّ من أَولى خطوات الإصلاح الثقافي، من وجهة نظري، تقويض سياسة (التكريس) التي تقوم على مقوّمات غير أدبيّة أو غير ثقافيّة، بل تقوم على اعتبارات أخرى، أكره أن أذكرها، كي لا أسهم في دعم أفكار ومفردات عملنا طويلاً على وأدها، لكنها قامت من جديد بحبر أقلام تستفيد من وجودها وإيقاظها، وتدّعي محاربتها في آن معاً، على سبيل (الركمجة) الثقافيّة.

آمل أن يخرج الحوار الوطنيّ في سورية من نطاق أفواه القراصنة والأباطرة، الذين لم يفكّروا يوماً بالصيّادين المسالمين على الشاطئ، أولئك الذين يرجون سلام البحر وحريّته ونماء خيره. لم ير كلّ من القراصنة والأباطرة يوماً، المفكّرين المتأملين في حال الناس، والذين امتلكوا مفاتيح الخلاص والمستقبل البهيّ، ولم يشعروا يوماً بأهميّة السبّاحين، والشعراء، والمحبين الذين يحفظون البحر بنواياهم الصادقة وبأفعالهم المجيدة، التي وحدها حمت البحر وأهله من كوارث معاركهم، إنّ ذلك الفريق الثالث، الثقافيّ، وإن شئت،الاجتماعيّ، يرفض أن يُسرق مستقبله مثلما سرق ماضيه، وهو إن تغاضى عن الغبن، فليس ذاك إلاّ تغاضي الحليم المخلص، الذي يتجنّب صبّ الزيت على النار، ويفضّل أن يبلع الموسى على الحدّين كما يقال.

يقودني التواتر السلاليّ بين القراصنة والأباطرة، إلى الحكاية الثالثة، التي تحضر من صلب تاريخنا الإسلامي، بل من مرحلة بذور الفتنة الأولى التي يدّعي المستفيدون منها فقط، أنّها التي قادتنا إلى واقع الحال، إنّها حكاية معاوية رضي الله عنه مع عقيل بن أبي طالب، وهو أخ لـ (عليّ) كرّم الله وجهه، فقد غاضب عقيل أخاه عليّاً، وأقام في الشام ، ويوماً قال معاوية: يا أهل الشام، هل سمعتم قول الله تعالى في كتابه ‘تبّت يدا أبي لهب وتب’؟ قالوا: نعم. قال: فإنّ أبا لهب عمّه. فقال عقيل: فهل سمعتم قول الله عزّ وجل: ‘وامرأته حمّالة الحطب’؟ قالوا: نعم. قال: فإنّها عمّته!

لابدّ لنجاح المستوى الثقافيّ من الحراك الإصلاحيّ في سورية، من إفراد مساحة واضحة للثقافة المتحرّرة من أسر كلّ من الأباطرة والقراصنة، الذين يثبتون باستمرار أنّهم ليسوا سوى ذريّة بعضها من بعض!

‘ كاتبة من سورية

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...