الرئيسية / رئيس التحرير الزائر / شيرين الحايك / أحداث الربع الساعة الأخيرة / الحكومة الانتقالية، و العديد من إشارات الاستفهام.

الحكومة الانتقالية، و العديد من إشارات الاستفهام.


طريف الخياط

عندما نجد مجموعة من الأفراد تتفاعل الخصومات فيما بينها، و تعاني قطيعة مع حاضنها الاجتماعي، فإن أقل ما يمكن وصفها به، أنها دخيلة و منعزلة. يشبه التوصيف السابق حالة التشكيلات المعارضة السورية بأمراضها المزمنة التي تركت أثرها على واقع الثورة.

لقد كان مؤتمر توحيد رؤى المعارضة الذي انعقد مؤخرا في القاهرة، ثمرة لجهود مضنية بذلت لتحقيق الحد الأدنى من التوافق بين الفصائل المختلفة و المتناحرة، لكن الاعتراض على تشكيل لجنة المتابعة بين أن الهوة أعمق من أن تردمها جهود دولية و عربية، و أن أي فصيل غير مستعد للتنازل عن أمتاره على خشبة المسرح، في حين أن السوريين يديرون ظهورهم للعرض الهزلي، منهمكين بمتابعة أخبار الأعمال العسكرية على الأرض.

اليوم هناك محاولة جديدة لتشكيل حكومة انتقالية فرضتها الضرورة و تسارع الأحداث، في وضع يعيد إلى الأذهان ظروف تشكيل المجلس الوطني السوري في العام الماضي. الدعوة هذه المرة أتت على لسان وزير الخارجية الفرنسي، فتلقفتها جامعة الدول العربية في اجتماعها الوزاري الأخير المنعقد بالدوحة، و ترافقت مع تصريح للسفير الروسي بموسكو، كرره مرتين، عن تقبل الأسد للتنحي. و على الرغم من أن إشارات السفير الروسي، لا تنسجم مع تصريحات وزير الخارجية و الرئيس الروسيين، إلا أن تزامنها مع انشقاق العميد مناف طلاس و المشهد الإعلامي المحيط به، قد دفع بعض المحللين إلى التوجس من صفقة سياسية يجري الترويج لها بروية، سيما أن العميد المنشق و المقرب من الأسد، يلقى تقبلا دويليا و إقليميا كرجل للمرحلة المقبلة.

يبدو حال التشكيلات السورية المعارضة كأسماك صغيرة في أكواريوم تزييني على طاولة المفاوضات و المخططات الدولية، و يمتلك كل فصيل منها بوصلته الخاصة، بما يكفي لتغطية الجهات الأربع و يطرح العديد من الأسئلة حول نجاح الجهود بتشكيل هذه الحكومة الانتقالية، و ما هو دورها و من هم أعضاؤها، و ما هي حصة العميد مناف طلاس فيها؟

تلك الأسئلة و إن اختلفنا بإجاباتها، لكنها تقودنا إلى سؤال ملح، عن فاعلية تلك الحكومة في ظل انفصالها عن الحراك الثوري على الأرض؟

إذ تبين الوقائع أن من يجعل تطور العملية السياسية ضرورة، هو تقدم الثوار بمعاركهم، و انتقال الصراع إلى دمشق و حلب، و تزايد سيطرة الكتائب المسلحة على مساحات واسعة من التراب السوري، لكن تحت هذه القشرة الإعلامية المبشرة بسقوط النظام، تتخفى مشاكل من نوع آخر، فأعداد كتائب الجيش الحر ناهزت المئة، و تسلل العناصر الجهادية إلى الحراك بات واقعا يفضل البعض إنكاره، و إن كان من غير الممكن تقدير الحجم الحقيقي للجهاديين و فاعليتهم، لكنه يضعنا في مواجهة مخاطر فوضى السلاح، التي حذر منها مبكرا دعاة السلمية، دون أن يقدموا حلولا بديلة، في دعوات أغفلت طبيعة المجتمع.

 إن انهيار النظام سيضع الحكومة الانتقالية المزمع إنشاؤها في مواجهة تحديات غيراعتيادية، و ستضطر للتعامل مع تنظيمات عسكرية، قد يظهر التباين بتوجهاتها و نظرتها لسوريا المستقبل بعيد السقوط المتوقع، و قد لا تعترف تلك التنظيمات العسكرية بالحكومة المشكلة،في ترجمة للعبارة الشائعة “ثوار الخنادق و ليس ثوار الفنادق” و التي تسحب بمضمونها الشرعية عن أي تشكيل سياسي مقبل، يضاف إليها القاعدة الشعبية المدنية التي تخلخلت ثقتها بكل الوجوه المعروفة من المعارضة، و قد لا تتقبل الوافدين الجدد إلى صفوف المنشقين.

إن كان لأي حكومة انتقالية أن تتكلل بالنجاج، فإنها يجب أن تتوجه نحو الداخل بهدف شرعنة تمثيلها له و توحيده بخطوات ممرحلة، فهل تستطيع حكومة مصنعة وفقا للمواصفات الدولية و لا تتطابق مع المواصفات السورية الخاصة، أن تضطلع بهذه المهمة؟

إن تشكيل أي حكومة هو بحد ذاته جهد بالغ الصعوبة،و قد يتعرض لكثيرمن الطعون، سيما أن تشكيلتها لن تخرج عن إطار شخصيات تنتمي إلى الكتل المعارضة الحالية، و بالتالي فقد تحمل معها ذات الأمراض المستعصية، التي تجعلها عرضة للانهيار أمام أي مطب متوقع أو طارئ. و إلى جانب الإشكالات المتعلقة بالثوار أنفسهم كما أسلفنا، يجب أن تؤخذ أيضا بعين الاعتبار طريقة انهيار النظام و تبعاتها، بما فيها مصير ميليشيات الشبيحة و عناصر الأجهزة الأمنية و كتائب الجيش النظامي، عدا عن احتمالات لجوء الأسد إلى التقسيم . فهل ستصمد تلك الحكومة المرتقبة أمام تحديات ما بعد السقوط؟

ليس مبالغة وصف أحداث الثورة السورية أنها تجري في عالمين مختلفين في حالة قد تكون فريدة، فانفصال العمل السياسي عن واقع الحراك الثوري، و المفاعيل الداخلية و الخارجية لكل منهما تجعلنا نتساءل سؤالا مؤلما، من هو القادر على لجم تداعيات كل هذه الفوضى، و إلى أي اتجاه ستسير المرحلة الانتقالية؟

خاص – صفحات سورية –

الصورة للمصور
Alessio Romenzi
أليسيو رومنزي
صور هذا العدد الرئيسية كلها لهذا المصور بمثابة تحية من “صفحات سورية” له، ولأعماله المميزة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...