الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أحمد عمر / الحمامة الْمُطَوَّقَة/ أحمد عمر

الحمامة الْمُطَوَّقَة/ أحمد عمر

 

 

واظب الصبي الضلّيّل على إرسال الرسائل والمكاتيب إلى مجلات “ميكي” الفأر الخبيث، و”سمير” ذي الشعر الأجعد، و”أسامة” البعثي المثالي. لم يدركه اليأس. رمى رسالة جديدة في هاوية البريد باسم مستعار هذه المرة، سمّى نفسه: إلياس إلياس، كتب إلى هيئة التحرير تحية عريضة، فيها ورود ورياحين وأنهار، يطلب الوداد والصداقة، ونشْرَ صورته في بريد الأصدقاء، وعاد. وقال: سنرى الموسم بعد هطول الأمطار. الزهور تزهر تحت الصخور الصماء بعد المطر.

كان يمشي وبصره مرفوع دائما إلى السماء والشجر، يراقب حركة الطير صافّات، ويبحث بين الأغصان عما يصلح لمقذاف أو نقيفة. شتم جاذبية نيوتن وأم نيوتن القبحة، لو كان لي ريش، ليتني كنت طائرا. بلغ بيت أحمد قرمجي، فوجد حمامة غريبة!

يَا بُشْرَى: هَذَا يمام!

حطت الحمامة على شجرة التوت، الحمام البلدي في البلدة لا يحط على الشجر!

لم يكن يدري أنها نذير حرب، ستكون حمامة البسوس الكردية، الحمامة رمز السلام، الحمامة التي طارت من سفينة نوح رسولاً حسب الروايات، عادت، وحين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها، وفي رجليها من الطّين والحمأة ما برجليها، فعوّضها الله من ذلك الطّين خضاب الرّجلين، ومن حسن الدّلالة والطّاعة طوق العنق ثواباً لها ومكافأة، ولم يعد الغراب الذي انشغل بجيفة. لابد أن رسائلي غربانية. ومع بشرى الحمامة كانت الحركة التصحيحية قد حطت ببراثنها في البلد، وزرعت أول وكر لها، وسمتها المفرزة. تلك الجيفة التي سقط عليها الغراب.

لم تكن حمامة عادية، إنها آية من آيات الله … ولم تكن المفرزة جهازا عاديا، كانت طريقا إلى الكارثة.

استطاعت المفرزة التي كانت تبعد عن ملعبهم رمية مقلاع، أن تمتص الهيبة من كل المؤسسات، في سنوات، وتحولت إلى ثكنة ونهر رعب صاف. المفرزة كانت تقص ريش أبناء الشعب، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، فيكف إذا كان العبيد هم من دخلوا القرية؟

أشار الصبي الضلّيّل إليها، كان الوقت مساء، هذه حمامة وافدة!  سنكرم الضيف، وأومأ إلى زميليه هامساً، وأسرع إلى تسلق الشجرة بهدوء وحذر، تسلل إليها من ورائها، ومدّ يده، وأمسك بها، كانت صيدا سهلا، الحمامة بلهاء، يضربون المثل بالحمامة في البله، “كونوا بلهاً كالحمامة” هكذا ورد في قول منسوب إلى المسيح عليه السلام. انزلق بيد واحدة، وبلغ الأرض، وفي يده الثانية الحمامة أسيرة، أول شيء فعله هو ما يفعله الجندي مع سلاحه تأميناً بمسمار الأمان، وما يفعله الحاوي مع الثعبان: طلب مقصا، وقصقص ريش الحمامة، ثم رماها على الأرض فحطت مذهولة، وقعت في إسار جاذبية نيوتن، وقال ما قاله هارون الرشيد للغيمة: طيري حيثما شئت، فإن مرجعك إليَّ. صارت في عصمته. ستكون قد اكتسبت جنسية المكان الجديد، وحق الإقامة فيه. مع أجنحة جديدة.

أمسك بها أحمد قرمجي وقال: والله إنها من أجمل ما رأيت. سبحان البارئ المصور.

انتزعها صلاحي قوب ليتبرك بها: ولها خلاخيل جميلة!!

إنها المرة الأولى التي يرون فيها حمامة محلّاة بالخلاخيل والحجول، الحمامة المطوقة لا تحتاج إلى زينة، فهي مزينة خلقة وتكويناً، وجيدها طويل، الحمامة متدرجة الألوان، من يرها يشتهِ تقبيلها، الناس تشبّه الشيء الجميل بالحمامة، يقول القائل اشتريت سيارة جميلة كالحمامة، بنيت بيتا كالحمامة.، خطبت صبية كالحمامة ..

قال الضلّيّل: كأنها قُمّري.

– بل هي ورشان

– هي فاختة

انتزع الضلّيّل فردة خلخال، وانتزع أحمد قرمجي الثانية، سنريحها من حمل الحجول، لا نريد القيود في معصميها، حرام صلاحي قوب لا يهتم إلا بلحم الطيور، جائع، قرم إلى اللحم دوما.  استقر في ما بعد أحد الخلخالين في سلسال على صدر أحمد قرمجي، وصار الثاني علّاقة مفاتيح للصبي الضلّيّل. لم يكن بالعلاقة أي مفتاح، الخلخال هو المفتاح!

قرر قرمجي قائلا: سأبني لها بيتا في دارتنا العالية، مقابل مدرسة رابعة العدوية، البيت عال، ولا يطاله طائل، وسنزوّج الحمامة، سنكمل نصف دين هذا الفحل، قصقصنا جناحيه، وسنعوضه عنهما بأنثى تدفئ له فراشه في الليل.  هذا مهر الزوجة وصداقها، هيت لك أيها الفحل.

– وما أدراك أنه فحل يا بن المنكوحة؟

– أما ترى كيف يتفجر ريشا، ويكاد ينبثق طيرانا، ويعرّم، ويفخر بزينته مثل الديك الرومي، ويزغرد، ويكاد أن يتبول واقفا، الحمامة حيية خجولة يا أبناء المنكوحات.

– فحل.

أطلقوا على الحمامة اسما: غريبو

لم تمض شهور قليلة حتى كان غريبو قد سافد حمامات كثيرة، وبذر قبيلة من الحمام، أنجب حمامات، وأغوى حمامات أخرى، كل حمامة تطير في الأنحاء، يضمّها إلى عشيرته وإناثه. تحول الصندوق الخشبي الذي وضعوه على السطح ولحموه بالطين، إلى صناديق وأرفف ووكنات وبيوت، يفيقون كل صباح، وينظرون إلى الأعلى، يسمعون هديل العائلة وهي تتبادل التحيات والسجع والنوح، ثم ينصرفون إلى اللعب بكرة القدم، أو لعبة “اللاكا”، أو لعبة “الجيخا” …

انضم إلى ألعابهم وافد جديد هو ابن المفرزة، ابن الحركة التصحيحية، وهو صبي في عمرهم، كان مسكينا أول قدومه، فأشفقوا عليه، وعلموه ألعابا لم يكن له بها عهد. تعلم بعض المفردات الكردية. بعد سنة كان قد نمت لابن المفرزة قرون، وبدأ ينطح، ويفسد الألعاب، ثم طغى وتجبر، بلغة هذه الأيام، صار شبيحا صغيرا، الآباء والأمهات نصحوا أولادهم: إياكم أن تتحرشوا بهذا الولد، أبوه رئيس المفرزة، والمفرزة هي الجحيم، الداخل إليها مفقود والناجي منها مولود، استشعر الصبي مصادر قوته، ومكامن ضعف الصبية. تنمر واستذأب واستأسد، وبدأ يسطو على ما تطوله رغباته وغرائزه: فضربات العارضة في كرة القدم تصير هدفا، والعارضة في المرمى حجارة، المرمى ليست له شباك والأهداف محل شبهة. إذا رأى دحاحل زجاجية دريّة حلوةً صادرها، وإذا ما أعجب بحجارة من حجارة اللعب المختارة بعناية استولى عليها. يبطش، ويصيح، لقبه ابن المفرزة، له نفوذ، ويتودد إليه الأولاد، ويستقوون به. صار يستولي على أطعمتهم، أمسى قبضاي الحارة، فضاقوا به، صاروا يهربون إلى أحياء أخرى، فيحاول اللحاق بهم، وباتوا يفضلون الصيد في البراري على اللعب في الحارة، ثم كانت الريشة التي قصمت ظهر البعير.

عادوا يوما من الصيد، ورفعوا رؤوسهم يتفقدون طيورهم، وهم لا يخفضون رؤوسهم أبدا، مستغربين الصمت، أين هديل الحمام، كانت الأعشاش خاوية. سألوا؟ فأجاب الأولاد: سطا عليها ابن المفرزة.

ابن القحبة…

قالوا: الغلام يعشق الحمام، سباها إلى داره.

كيف صعد إلى السطح؟ لا يحق له، للبيوت عورة. من أعطاه الحق؟

قالوا: استعار سلماً، ونصبه على الحائط، ثم تسلقه، واصطاد الحمام كله.

جلس الفرسان الثلاثة واجمين، كأن على رؤوسهم الطير، أوشكوا على البكاء من الذلِّ والحزن. هل نذهب إليه ونطلب إعادة المسروقات؟ لم يجرؤ أحد. ماذا لو خرج أبوه، الملقب أبو غدير، رئيس المفرزة، القادم من ساحل جهنم، وقرى الجبال الوعرة، بوجهه المرعب. استسلموا، بعد ساعة خرج ابن المفرزة، يريد أن يلعب ألعاب المساء معهم. سألوه عن الحمام فقال: إنها أعجبته فاستولى عليها!

هذا كفر. يا لثارات كليب. يا لثارات عبس وذبيان وكردستان

خلصوا نجيا، هم وثلة من الصبيان.

حاولوا ابتلاع الهزيمة، لكنها خسارة مذلة لا تُبلع، الغصّة كبيرة. حاول الفرسان الثلاثة أن ينسوا، فهربوا من بأس الواقعة إلى اللعب، اللعب له سكرة، يشوطون الكرة شوط الكفار، سجلوا هدفا غاضبا في مرمى فريق ابن المفرزة، فأنكره، هذا هدف مؤكد، لكنه أنكره، قال: إنه لن يحتسبه لأنه غفل عنه.

بلغ السيل الزبى.

هنا بلغ الغيظ بالصبي الضلّيّل مداه، فراغ عليه ضربا باليمين، ولطمه على وجهه لطمة أوقعته على الأرض، وبدأ الصبيان كلهم يضربونه، رفسا، ولكما، وصفعا، حتى أعضاء فريقه اشتركوا في ضرب ابن القحبة، وسموه على الخرطوم، وتفرق دمه بين القبائل. نهض جريحا. باكيا، وجرّ نفسه إلى المفرزة وأنفه في الجانب الأيمن من خده!

أقبل الصبية بعضهم على بعض يتلاومون، يا ويلنا. ماذا فعلنا، ضربنا ابن الأنذلين.

انتشروا … اختبئوا..

البدار البدار، الفرار الفرار.

تفرقوا شذر مذر، لم يعد صبي إلى داره، حتى أرسين الأرمني، وكميل السرياني توليا ذعرا، خبأهما الأهل في الكنيسة.

انطلقوا جميعا إلى كرم أعمام أحمد قرمجي، على مقربة من هضبة اتاتورك، على الحدود التركية، بعد ساعات سمعوا أسوأ الأخبار:

داهم عناصر المفرزة البيوت، واقتيد الحاج إسماعيل أبو أحمد قرمجي حافيا، وهو رجل في الستين، ومن الوجهاء، ودوهِم محل أبي صلاحي قوب، واقتيد عمه معتقلا، وسيق إلى المفرزة ذليلا، وكذلك أبو مروان كنسبي، وصوفي سعدو، وصوفي درويش، وصوفي كتك، وحجي طلو ملو. وصل عدد المعتقلين من الآباء عشرة. داهموا بيت الصبي الضلّيّل، فوجدوه خاليا، فأبوه يقضي وقته بعد صلاة العصر في ظلال شجر الجامع، فنهبوا ألعاب الصبي الضلّيّل كلها، وضجت البلدة، ودارت نواعير الهواتف، وهي هواتف يدوية، نادرة، لكل أب معتقل عائلة وعشيرة، يصل أنساب بعضهم إلى تحوم الأناضول وإيران، أغلبهم لا يجيد من الحديث بالعربية سوى بعض كلمات الترحيب، وما تيسر من آيات القرآن الكريم.  قيل إن الشكاوى وصلت القصر الجمهوري، فأطلقوا سراح الآباء بعد ساعات، وقيل إن سبب الإطلاق آنسة، مدرِّسة، من الساحل، كانت مستأجرة في أحد البيوت، وردّت جميل الضيافة. اتصلت بأقاربها وشرحت لهم الواقعة. خرج الآباء مكلومين، مهانين، مذلين، رأوا يوما عبوسا قمطريرا، لم يروا في حياتهم المليئة بالشقاء والكدح، مثل يوم الحمامة من الذلِّ، والمشأمة. شُتمت أمهاتهم وأخواتهم وعماتهم وخلاتهم وبنات الأخ وبنات الأخت.

كان يوما، سيتكرر بعد أربعين سنة، أو أقل في درعا، لكن أطفال درعا، كانوا قد وضعوا العنوان الصحيح على الحيطان. التاريخ يتكرر، وسنة الله واحدة في الخلق، فسبحان الملك الحق.

في المساء توافد الكبار، آباء وأعماما وأخوة على الكرم، وقرروا إخفاء أولادهم إلى حين، وأخذ كل واحد منهم ابنه إلى قريته، سُفِّر رجب إلى ما وراء هضبة شرمولا في بيت جده، مروان أُخذ إلى قرية قره تبه، محمد إلى قرية طوبز، سيراج إلى قرية قزانبوك، وحيد إلى معيريكا…بقي الصبي الضلّيّل وأحمد قرمجي وصلاحي قوب في الكرم.  قالوا لهم: لا تخافوا هنا بخساً ولا رهقاً.  لن يجرؤ الكلاب على الاقتراب من حدود مصطفى كمال باشا.

عاش الفرسان الثلاثة تجربة نفي مبكر.

في أول ليلة جاؤوا لهم بالعشاء، خبز، وجبن، ولبن خاثر له طبقة سمكية من القشدة، ومربى، ومكدوس، وسوركه، بعض الكبار لام الأولاد، وبعضهم أثنى على فعلتهم كأنهم أبطال: سلمت أياديكم، لم تقصروا في ابن القحبة. وبصقوا. تقو على هذه الدولة، سنرى أياما سوداء.  كلوا يا أولاد. بارك الله بكم.

حلَّ المساء: تعشّوا سويا، عاد الآباء، ودَّعوهم في عهدة ناظر الكرم سينو، قال سينو لهم: إنه سيغيب ساعة ويعود، قالوا له: نستطيع أن ننام وحدنا، فقال: إن الوادي يكتظ في الليل ببنات أوى، عواؤها القريب يثير الضيق. أوقد لهم نارا قوية، ومضى على عربته التي يجرها الحصان العجوز.

فرش الثلاثة فوق السطح، واستلقوا، متوازيين، صافين، يتأملون النجوم على الفراش البارد، قال الصبي الضلّيّل: ما أجمل السماء في الليل يا قرمجي!

ثم سأل صاحبيه: أيهما أجمل هذه القبة السماوية، أم ردف الآنسة شذى؟

غرق قرمجي في الضحك ضحكة مدوية، طويلة، هادرة تكسر السدود، ولا عاصم لها، ضحكة بلا كوابح، تتدحرج على درج خفي في قصبته حتى تهدأ وحدها. لم يكن يتخيل هذه المقارنة الظالمة، تملى الضاحك من مصابيح الليل حتى سكر وأثخنه الضحك وتعتعه الضوء، وثمل، ونام.

انتبه الصبي الضلّيّل أن أظفره قد طالت، وأن ثمة فرجة في الخلخال، عالجها، فانفتحت عن ورقة صغيرة مثل ورقة السيكارة، أطلق عليها شعاع ضوء المصباح اليدوي، وسدّده على الورقة، إنه صدر بيت من الشعر بالخط التركي العثماني! مدّ يده إلى خلخال قرمجي ونزعه من رقبته، وعالجه، ففتحه، فوجد بها عجز البيت الشعري الماخر على البحور العربية، أو لعله الصدر؟ قرأ البيت مرات عدة، فلم يفهم شيئا، رسائلي لا تصل، وأجوبة رسائل غيري تصل إلي! ما هذه الأقدار يا ربي!! شتم نيوتن ابن القحبة!  تعالت أصوات بنات أوى، وضع قذيفة من الحصى، وأطلقها من نقيفته القوية اللدائن، باتجاه الأصوات العاوية فسكتت، انطلقت إثرها أصوات الضفادع في معزوفة الليل الخالدة. ردد البيت الشعري حتى حفظه من غير فهم واستيعاب، رأى الأرض خاشعة تسبح بذكر الله، نظر إلى السماء ذات الحبك، المزينة بمصابيح الله الكواكب، أثملته خمرة النجوم، وموشحات الصراصير، وأناشيدها العذبة، وتغريدات الضفادع، وأغنيات السفاد والوصال، وتلاحمت في ملحمة الوجود الكبرى، إلى أن غرق في بحيرة النجوم العليا، وغلبه النوم فطارت الورقتان من يده في غيابات الظلام:

وصل قدرني بلمدوم فرقت بلاسنة جكمدم

ظلمة هجر إت ده جوه تارك إشي روشن بنة

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...