صفحات الرأي

حين يتنصل البعث من العروبة/ زكي بيضون

 

 

في سياق حرب التطهير الطائفي (عبر الترحيل) التي يخوضها النظام السوري وحلفاؤه، يبدو أنه قد تبنى “هوية سورية” مكان “العروبة” التي طالما تغنّى فيها. وهنا كثرت احتفاءات النظام بالهويات الإثنية التي طالما برع في تجاهل خصوصيتها باسم الأيديولوجيا العروبية.

على سبيل المثال، أحيا الإعلام السوري الرسمي للمرة الأولى، في نيسان/أبريل الماضي، عيد رأس السنة الآشورية “أكيتو”، في حين أقامت وزارة السياحة مهرجاناً موازياً بالشراكة مع قناة “الإخبارية” التي خصّصت للعيد تغطيات خاصة موسّعة إضافة إلى صفحة خاصة على فيسبوك. أجواء تذكّر ببعث نظام السادات لـ”الهوية الفرعونية” في مواجهة “الهوية العربية” بعد “كامب ديفيد”.

وحين يتصفّح المرء المواقع التابعة للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقع بانتظام على تعابير من قبيل “أنا سوري مو عربي”، لا يعود يستبعد أن يتبنّى “حزب البعث العربي السوري” في زمن غير بعيد خطاباً كتائبياً يبرّر التطهير الطائفي ضد السوريين السنّة بوصفه تحريراً للبلاد الآرامية والآشورية من أحفاد الغزاة العرب!

أن يتنصّل من العروبة بهذا الشكل أحد أكثر وآخر من استخدمها وتاجَر بها من أنظمة الاستبداد العربي، فليس ذلك بالتفصيل الهيّن. قبل أن تصل “المهزلة” إلى هنا، لا بأس بعودة مفصّلة إلى تاريخ العروبة السياسي والمصطلحي ومحطاته الأساسية. ينسب المؤرخ الفرنسي هنري لورنس أبوّة مفهوم الهوية القومية العربية في معناه الحديث إلى المدرسة الاستشراقية الفرنسية.

في نهاية القرن الثامن عشر، أخذ المستشرق الفرنسي كوندورسيه بالتركيز على دور العرب كأمة عظيمة نقلت نتاجها الحضاري إلى الغرب قبل أن تدخل في عصر الانحطاط بسبب الغزو التركي. ترسّخت هذه الأطروحة لاحقاً لدى مستشرقي القرن التاسع عشر، لأنها ترافقت وتكاملت مع اختراع الهوية القومية الفرنسية أو إعادة صياغتها إبان الثورة.

لدى منظري الثورة، صار الشعب الفرنسي من أبناء العامة هم أحفاد أمة الغاليين الرومان، وصار النبلاء أحفاد الغزاة الجرمان المسؤولين عن الانحطاط، وتم إسقاط هذه الخرافة القومية المستحدثة على الإمبراطورية العثمانية، فغدا العرب نوعاً ما فرنسيّي هذه الإمبراطورية في منظور المستشرقين.

كان هذا الطرح الاستشراقي منذ البداية على ارتباط وثيق بالمطامع السياسية الفرنسية واستخدمه نابليون لاحقاً لتبرير حملته الدامية على مصر على أنها تهدف إلى تحرير الأمة العربية من نير الاستبداد التركي. لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الطرح لم يكن له أثر لدى المعنيّين، مما اضطر نابليون إلى مخاطبتهم بلغة أخرى تأخذ بعين الاعتبار هويتهم الحقيقية.

لم يكن أبناء السلطنة العثمانية في تلك الحقبة يعيرون اعتباراً إلا لهوية الملّة، أما لفظ العرب فكانوا يفهمونه وفق معنيين متمايزين ومتداخلين. وفق معنى كان شائعاً قبل الإسلام، واستمر كذلك حتى فترة متقدّمة من القرن التاسع عشر، حيث العرب هم الأعراب، أي البدو.

ووفق معنى ثانٍ مأخوذ عن الرواية التراثية، العرب هم الأفراد المُتحدّرون من القبائل العائد نسبها إلى إسماعيل وقحطان والتي قطنت شبه الجزيرة العربية ونطقت بالعربية قبل الإسلام (راجع هنري لورنس، “شرقيات 3″، باب “اختراع العرب”).

يَعتبر المؤرخون الغربيون المعاصرون أن هذه القبائل خرافة اخترعها العصر العباسي، فالفاتحون القادمون من شبه الجزيرة بحسبهم لم ينطقوا بالعربية القرآنية ولم يُسمّوا أنفسهم عرباً ولم يكونوا عشائر أو بدواً أميين، بل ورثة حضارات عريقة ابتلعها التصحّر المتمادي (انظر “بدايات الإسلام..” لفرونسواز ميشو، الباب الثاني).

وبحسب هؤلاء المؤرخين، كان للخرافة وظيفة مزدوجة، سياسية ولاهوتية. على الصعيد السياسي، نسبت الأرستقراطيات العباسية نفسها إلى هذه القبائل لشَرعَنة سلطتها، وحذت حذوها لاحقاً الأرستقراطيات في عدد كبير من المجتمعات الإسلامية.

لاحقاً، أدّى التأثير الغربي المتزايد وتفكك السلطنة التدريجي إلى تجوين (من جواني) الطرح القومي العربي لدى الجماعات العثمانية الناطقة باللهجات العربية المختلفة، وكان أبناء الأقليات الدينية بداهةً من أول المتحمّسين لهذه الهوية الجديدة التي تساويهم مع أبناء الأكثرية. لكن سرعان ما اصطدم أنصار العروبة العلمانية بإشكالية مفادها أن الرابط الجامع الذي ترتكز عليه هذه الأخيرة ليس سوى لغة الإسلام.

وعلى عكس القومياتية التركية التي أجرت قطيعة مع التاريخ الإسلامي والعثماني واخترعت عرقاً تركياً، قامت “القومياتية” العربية منذ البداية على تعريب تاريخ الإسلام وإعادة كتابته بصفته تاريخاً قومياً عربياً (راجع هنري لورنس، “شرقيات 3”). لذا بدت الرواية القومياتية العربية وقتها أكثر صلابة من غيرها، فمقابل “التهريج الأتاتوركي” حول تجذّر العرق التركي في تاريخ الأناضول، كان بوسع الرواية العربية أن تمدّ جذورها عميقاً في التراث الإسلامي.

بعد نكبة 1948، عرفت القومية العربية عصرها الذهبي واستمدّت دينامية صعودها بالضبط من علاقتها الحلولية بالتاريخ الإسلامي وقدرتها على استعادة ملحمة الحروب الصليبية في المخيال الجماعي وتجسيد وعد انبعاث الأمة الإسلامية في صيغة قومية.

بين النخب كما بين الجماهير، ساد وقتها خطاب يمجّد القوة والوحدة على حساب الديمقراطية والحريات التي صار يُنظر إليها كرفاهيات مثبطة للعزيمة، وكان علينا أن نرى الممالك والديمقراطيات العربية الفتية تسقط الواحدة تلو الأخرى تحت البسطار العسكري التقدّمي، والجماهير تتدفق إلى العواصم الفتية للاحتفال بإعادة انبعاث الأمة، مفترضةً أنها هي نفسها التي خرجت من الصحراء منذ أربعة عشر قرناً لتغيّر مجرى التاريخ.

وبعد هزيمة 1967، انقلبت الآية وجاء دور الإسلام السياسي ليؤسلم تاريخ القومياتية العربية ومنظومتها الأيديولوجية ويسقطهما على حقبة صدر الإسلام. وبعد معاهدة كامب ديفيد وانعطافة السادات “الفرعونية”، استُخدمت العروبة في سورية الأسدية كغطاء علماني للهيمنة الأقلوية العلوية، في حين استخدمت في عراق صدام حسين لتبرير إقصاء الأكثرية الشيعية بحجة تواطؤها مع العدو الفارسي المجوسي.

هكذا، فإنها مثل كل الهويات القومية والثقافية، فإن الهوية العربية مفبركة (بمعنى مُصنوعة، نقلاً عن الأصل الفرنسي للعبارة)، لكن ذلك لا ينتقص من واقعيتها، فهي نتاج تراكم بطيء ومحصلة تاريخية طويلة. دينامية ثورات “الربيع العربي” بيّنت بوضوح وحدة الفضاء العربي الثقافي والاجتماعي التواصلي، وإرث كهذا لا يمكن محوه بجرّة قلم أو ضربة مكنسة كما يعتقد البعض.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى