الدوتشي


عباس بيضون

في فيلم «الانتصار» الذي يروي قصة الدوتشي الايطالي بنيتو موسوليني لا نصدق ونحن نرى موسوليني الشاب يتكلم ويتحرك بهذا الوجه الاصطناعي الذي استعير من الأشرطة التي تمثل الدوتشي أثناء خطابته. بل لا نكاد نصدق أن الدوتشي كان يخطب هكذا إذ يشد على ناجذيه ويطلق الكلام من بين أسنانه كما لو كان يطلق قذيفة. هذا الوجه المستعار وذلك الصوت المصنوع وذلك الكلام الهذياني كانت كل عدة الدوتشي. مع ذلك فإن مئات الألوف كانت تحت منبره مسحورة بخطبته. كان كمن يصارع ظله لكن عشرات الألوف تصفق وتهتف وتدوّي لهذه القذائف الصوتية التي تنهال عليها. كان الدوتشي يقلد تمثاله، يقلد نفسه أو يقلد شخصاً في مخيلته فمن الصعب أن يكون صاحب هذه السحنة وهذا الصوت شخصاً حقيقياً.

الحقيقة أننا ننتهي من الفيلم بدون أن نصدق أنه شخص حقيقي. لقد كنا أمام مقلّد دائم. كنا أمام مقلد لأباطرة رومانيين. لم يرهم الدوتشي بالطبع لكنه يقلد تماثيلهم أو يقلّد صورهم أو خياله عنهم، كان ابنه الذي أنكره يقلده بصورة أفضل، أفضل مما يصنع لنفسه. السؤال إذن: من يصنع الديكتاتور إذا كان يقلد ديكتاتوراً في خياله. إذا كان تقليد الديكتاتور. عشرات الألوف وربما مئات الألوف في الساحة الكبرى سعداء بتقليده؟ في الحقيقة هم سعداء لأن التقليد كان تاماً. أن المبالغة بدت أكثر حقيقية من الأصل، انهم سعداء لأنهم هم أيضاً، يملكون صورة خيالية للديكتاتور، للزعيم، وهم الآن سعداء لأن الديكتاتور لم يكذب خيالهم. لقد ظهر حقاً كأمبراطور، ظهر حقاً كديكتاتور وهم يقدرون كثيراً انه لم يكذّب صورتهم. لقد كان طبق الأصل. ظهر في الأعلى كيوليوس قيصر وكاليغولا ونيرون. ظهر فعلاً كزعيم وصرخ كزعيم وشد أساريره كزعيم. لو تكلم أحدهم هكذا مضحكاً لكنه الزعيم وإذا بدا أشبه بقرد، إذا بدا لا إنسانياً فهذا من حقه: الزعماء لا يشبهون الناس.

هل من فضائل الربيع العربي أم من نواقصه اننا قلما رأينا فيه خطيباً. اننا لم نصادف من يشنّجون أساريرهم ويشدون على نواجذهم وهم يتكلمون. لم نجد كثيراً من الخطباء. لم نجد دوتشي واحداً ولا ظل امبراطور. من فضائل الربيع العربي أم من نواقصه اننا لم نجد من يقلد تمثالاً ومن يصير، هو نفسه، تمثالاً.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 72 = 79

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...