الرئيسية / كتاب الانتفاضة / ابراهيم حميدي / الدور الروسي في سورية والتطورات الجديدة الحاصلة فيه: مجموعة مقالات لكتاب سوريين

الدور الروسي في سورية والتطورات الجديدة الحاصلة فيه: مجموعة مقالات لكتاب سوريين

 

 

روسيا تبدأ صراعاً مع إيران… على سورية/ إبراهيم حميدي

الصراع على سورية مستمر. لكن الجديد فيه أنه لم يعد يقتصر على معسكرين، «حلفاء النظام» و «أصدقاء الشعب». ناره تستعر تحت الرماد داخل أطراف كل معسكر من المعسكرين. الحد الفاصل بين «الحلفاء» و «الأصدقاء» غير موجود أو تلاشى. في بعض الأحيان، التناقضات بين أعضاء مجموعة «أصدقاء سورية» أشد مما عليه بين هذه الكتلة و «حلفاء النظام»، كما بات الشرخ يتسع بين موسكو ودمشق وطهران.

ليس جديداً القول إن «النواة الصلبة» التي تضم ١١ من «أصدقاء سورية» ليست على قلب واحد إزاء مقاربة المسألة السورية. لكن الجديد أن الاجتماع الأخير في لندن، كشف عمق الفجوة ومدى الوهم حول صلابة «النواة» في المواقف الاستراتيجية. بدت أنقرة – رجب طيب أردوغان، وواشنطن – باراك أوباما على جانبي الطاولة المتناقضين. استعادت الأطراف المشاركة صراعات لها علاقة بالتاريخ على سورية. وفتحت شهيتها على مستقبل هذا البلد المحوري في الشرق الأوسط. مصر التي تموضع نفسها بين «النظام» و «الشعب» وبين طهران وخصوصية العلاقة مع الرياض وبين واشنطن وموسكو، عادت خطوات إضافية في انخراطها في «النواة الصلبة». حضت شركاءها على التخلي عن المواقف الجذرية في سورية والتخلي عن «الاستخفاف» بما يحصل فيها.

كان واضحاً مدى رفض القاهرة مشروع تركيا إقامة منطقة حظر جوي ومناطق آمنة. بات واضحاً الاستياء من حماسة باريس للمشروع التركي. مصر، الرئيس عبدالفتاح السيسي، حددت ثلاثة مبادئ لتحركها السياسي: الحفاظ على وحدة سورية أرضاً وشعباً، رفض التدخل الخارجي ومنع مؤسسات الدولة بما فيها الأمن والجيش من الانهيار، وتحقيق تطلعات الشعب السوري. ضمن هذه المبادئ، يقع المحظور في المشروع التركي، لأنه يتضمن ضرب الجيش السوري ووقوع شريط شمال سورية وعاصمته حلب في فضاء نفوذ تركيا – أردوغان، المناهض لحكم السيسي.

يذكّر هذا بالصراع الإقليمي القديم في بدايات القرن الماضي ومنتصفه على النفوذ في سورية. وينسحب هذا على موقف الأردن والدول الداعمة له في «أصدقاء سورية» عبر مد شرايين النفوذ العسكري والأمني والاجتماعي والاقتصادي إلى سهول حوران في جنوب سورية. دعم الفصائل المعتدلة من غرف العمليات العسكرية. العمل مبكراً لوأد أي وجود لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) على الجانب الآخر. الحيلولة دون نسخ الفوضى الموجودة في الشمال إلى الجنوب لخطورة امتداد هذا الى ما وراء الأردن. تنسيق العمل العسكري المعارض للضغط على النظام من الخاصرة الجنوبية الغربية لدمشق. بات واضحاً، أن التنسيق الذي كان يجرى الحديث عنه بين «جبهة الشمال» و «جبهة الجنوب» وضع على رف تجميع الأوراق الإقليمية. التعبير السياسي عن هذا الصراع، بدا جلياً في الاجتماع الأخير للهيئة العامة لـ «الائتلاف الوطني السوري» المعارض. الخلاف الظاهر كان على حصة هيئة الأركان في «الجيش الحر» وعلى حقائب الحكومة الموقتة. في الباطن هو تعبير على الصراع الإقليمي على النفوذ. سيتصاعد هذا الصراع إلى حين انتخاب رئيس لـ «الائتلاف» في بداية العام المقبل. إنه مؤشر إلى صراع النفوذ ضمن بوتقة «الأصدقاء» الذين يفترض أن تمطر غيومهم جميعاً في الأمصار الأميركية.

خندق النظام

الجديد أيضاً، هو عمق الشرخ في خندق «حلفاء النظام». عمود رئيسي في موقف أطراف هذا الحلف في السنوات الأربع الماضية، كان أن في البيت الأبيض رئيساً هو باراك أوباما. «كبير المحللين» و «كبير المترددين». «المهووس بالصفقة النووية» مع إيران. الخاضع لاعتبارات داخلية ويوجه بوصلته الاستراتيجية نحو آسيا والانسحاب من الشرق الأوسط. نقيض الرئيس جورج بوش الذي كان «مخيفاً لآخر لحظة» من وجوده في المكتب البيضاوي.

العد التنازلي لإدارة أوباما بدأ. «حليف أعدائه» و «عدو حلفائه». بقيت نحو سنتين. يزداد يوماً بعد يوم نزول أعضاء حكومته من سفينته المتأرجحة. يزداد عدد الذين يقيدون التموضع استعداداً لانتخابات الرئاسة في ٢٠١٦. تضيق دائرته الضيقة على وقع انحسار «الحزب الديموقراطي» في الكونغرس لمصلحة «الجمهوريين».

لا شك في أن هذا كان أحد أسباب بدء الكرملين التحرك في الملف السوري، لكنه ليس السبب الوحيد.

من موسكو يبدو المشهد السوري، كالآتي: مقاتلات التحالف الدولي – العربي بقيادة أميركا تصول وتجول في شمال سورية «الحليف الاستراتيجي» منذ العهد السوفياتي. مقاتلات التحالف لا تستهدف القوات النظامية حالياً. «الحرب على الإرهاب» لم تأتِ من بوابة مجلس الأمن والبوابة الدولية. لم يوقّع فلاديمير بوتين القرار ولم يعطِ فرصاً كي ينقضه بالفيتو. التحالف لهزيمة «داعش» جاء بطلب بغداد ومباركة طهران – الحليف الروسي في المنطقة. وقائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليمان ومقاتلو «البيشمركة» يقودون المعارك على الأرض ضد «داعش» في العراق. الأولوية للعراق وسورية جزء من الاستراتيجية هناك. هزيمة «داعش» ليست عاجلة. التطرف موجود وربما يزيد ويتمدد إلى الأقاليم الإسلامية الروسية. ترى موسكو أن ذلك يترافق مع مشروع الحكومة الإسلامية التركية لمنطقة الحظر الجوي والمناطق الآمنة.

في سورية الداخل، يبدو من موسكو واضحاً أن الأولوية الأميركية حالياً ليست لتغيير الرئيس بشار الأسد والنظام، بل لمحاربة «داعش». لكن برنامج التدريب والتسليح، السري والمعلن، قائم ويتصاعد. أيضاً، نفوذ الحليف الروسي في سورية يزداد. نجحت إيران في بناء هيكلية عسكرية غير منظمة واقتصادية وأمنية وسياسية وطائفية. هذه الهيكلية تتعمق وتوازي نفوذ المؤسسات التقليدية في الجيش والأمن والقطاع العام والحكومة التي كانت تاريخياً في دائرة النفوذ الروسي. ترى موسكو أيضاً، كلفة الحرب السورية اقتصادياً ومالياً. ترى كلفة النزف البطيء الذي وجدت نفسها فيه. الكلفة الاقتصادية والمالية وكلفة السمعة في الدول العربية.

الروسي البارع في لعبة الشطرنج، يرى حليفه الإيراني يلعب في رقعة الشرق الأوسط من العراق وسورية ولبنان إلى اليمن. ويعرف ما يدور في فيينا حول الملف النووي، لكنه لا يريد أن يعرف ما يجري من مفاوضات سرية و «مسار ثان» مع الأميركي حول سورية والشرق الأوسط.

بالنسبة إلى موسكو، التي تعاني من جروح الأزمة الأوكرانية وأسعار النفط، كانت لحظة ضرورية لبدء مسيرة البحث عن حل في سورية وفق الترجمة الروسية لبيان جنيف. كان التصور باستقبال أوسع شريحة من المعارضة. بدأت بالرئيس السابق لـ «الائتلاف» معاذ الخطيب، ثم عقد لقاء للمعارضة ولقاء بين ممثلي النظام والمعارضة ضمن صيغة «موسكو ١» ليتم تذخيره في مفاوضات جنيف. كما بدأت اتصالات أولية مع دول كبرى ودول إقليمية فاعلة لتوفير الأرضية للوصول إلى حل سياسي في غضون سنة. كانت العودة إلى مفاوضات جنيف، بوابة للعودة إلى «الشراكة» في الملف السوري.

التفكير الروسي، كان في العودة إلى المشهد بالتوازي مع المفاوضات النووية الإيرانية – الغربية في الأشهر السبعة المقبلة. الأمل كان وربما لا يزال، في إنجاز في لحظة سياسية لسيد الكرملين ليراه الرئيس الأميركي الجديد على الطاولة، ما يجعل البحث عن خيارات أخرى، كان أوباما تجنبها، ليس ضرورياً. لحظة استعادة اللعبة لتكون روسية – أميركية وليس أميركية – إقليمية.

كانت قراءة الجانب السوري الرسمي، مشابهة في ما يتعلق بالمشهد الاستراتيجي. لكن زيارة وزير الخارجية وليد المعلم أظهرت اختلافاً في كيفية التعاطي معها. بالنسبة إلى دمشق، صيغة بيان جنيف «انتهت» ولا مجال للحديث ثانية عن «هيئة حكم انتقالية»، كما أن «معارضة الخارج» بمن فيها معاذ الخطيب «لا تمون على أحد في الداخل»، بل إن النيران الصديقة كانت الأشد على معاذ الخطيب. انتقادات شديدة من أعضاء «الائتلاف» وزملاء الأمس. المعلم قال بعد لقائه بوتين، إن الجانب الروسي «يريد الحوار مع المعارضة الوطنية. حوار سوري – سوري بعيداً من أي تدخل خارجي، وهو ما نصبو إليه، لكن العملية قد تحتاج إلى مزيد من الوقت».

«النصيحة» لدمشق

ديبلوماسي سوفياتي مخضرم، كان قال إن «دمشق تأخذ من موسكو كل شيء عدا النصيحة». لم يفت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التذكير بأن غارات التحالف «غير شرعية» وبوجوب العمل عبر مجلس الأمن. بالنسبة إلى النظام الذي يعرف أهميته لطهران وموسكو، فهو يرى «الحل والعقد» عند المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، أي البدء بتجميع اتفاقات وقف إطلاق النار الموجودة في وسط البلاد وأطراف دمشق وإضافتها إلى الاتفاق الجاري العمل عليه في حلب. التفضيل هو التعاطي مع «مقاتلي الخنادق» وليس «معارضة الفنادق». في المضمون، هناك اعتقاد في دمشق، بأن «النصر حليفنا» وما هو «إلا صبر ساعة». العمل جارٍ على دفع الصراع إلى الخيار بين لونين: «الأبيض – نحن، النظام، الدولة، العلمانية، الانفتاح، المؤسسات، هيكلية القرار، العقلانية، التعاون مع الغرب، بل شركاء الغرب. الأسود – هم، الإرهاب، الظلام، الانغلاق، الفوضى، الخطر على الغرب، بل أعداء الغرب في بيته».

رهان النظام، هو على جعل الصراع صافياً في الأشهر المقبلة. تحت الغطاء الجوي للحرب على «داعش»، العمل جارٍ على اقتلاع أي بذور للاعتدال السياسي أو العسكري. في الأشهر المقبلة، سيكون الصراع بين «الجيش العربي السوري» و «الإرهابيين في داعش والنصرة». هذا يجرى بالتعاون والتنسيق بخط دمشق – بغداد – طهران من جهة أخرى. على واشنطن التنسيق «معنا»، عليها أن تمضي خطوة جريئة من «التبيلغ» عن غاراتها ضد «داعش» إلى «التنسيق العملياتي».

هذا التفكير مصدر قلق في الكرملين. المشهد يبدو من موسكو غير ما يبدو من دمشق أو طهران. الأولويات ليست متطابقة. لكن كل طرف لا يزال محتاجاً إلى الآخر. الظروف ليست مناسبة لإظهار الاختلافات. ستبقى كامنة تحت رماد الأقنية الديبلوماسية. وراء الجدران الحديد، كما الحال في جبهة «أصدقاء سورية». الشماعة الوحيدة التي يمكن أن تعلق عليها كل الأطراف اختلافاتها، هي خطة دي ميستورا. لكن، لا بأس من إغراقها بالتفاصيل. لا بد من أن يجيب فريق المبعوث عن أسئلة تتعلق بالعلاقة أيضاً بين «تجميد» الصراع في حلب شمالاً ودرعا جنوباً. بين «جبهة الشمال» والدول الداعمة لها و «جبهة الجنوب» والدول الداعمة لها. لا بد أيضاً، من أن يجيب عن أسئلة تتعلق بالعلاقة مع «جبهة النصرة». هي مصنفة في عواصم عدة على أنها «منظمة إرهابية»، لكن، هل يمكن «توحيد الجهود ضد داعش» من دونها؟ ما مصير «التجميد» في ظل لا تفاوض مع فصيل أساسي على الأرض؟

مواقف الأطراف حارّة إزاء «تجميد» الصراع. وكلها لا تريد بعد إدخاله في الثلاجة. أرجح الظن، لن يتخلى أي من الأطراف عن مقاربته. وأرجح الظن، أن الأشهر المقبلة، ستظهر إعادة التموضع في مواقف الأطراف المتصارعة على المسرح السوري.

* صحافي سوري من أسرة «الحياة»

الحياة

 

 

 

 

طاسات «المستر سوريا»: بوغدانوف والرقص الروسي على الحبال/ صبحي حديدي

هل كانت مصادفة محضة أنّ ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي الحالي، الذي كان شخصية محورية في السفارة الروسية في دمشق مطالع ثمانينات القرن الماضي؛ رافق رفعت الأسد، صحبة اللواءين علي حيدر وشفيق فياض، على متن الطائرة التي أقلّت المجموعة إلى موسكو، ضمن إجراء «نفي» تمهيدي فرضه حافظ الأسد على الثلاثة، بعد استفاقته من غيبوبة المرض الشهيرة؛ تفادياً لصدامات عسكرية مباشرة كانت مرشحة للاندلاع بين ثلاثة من أهمّ تشكيلات النظام العسكرية: «سرايا الدفاع» من جهة، و»الوحدات الخاصة»، والفرقة الثالثة من جهة ثانية؟

وكم من الأسباب الوجيهة كانت قد توفرت لدى كبار موظفي السفارة الأمريكية في دمشق، قبل أن يقرروا أنّ زميلهم الروسي يستحق صفة «المستر سوريا»؛ وأنّ الإصغاء إلى ما يسرّبه من معلومات، عامداً بالطبع، وعفو خاطر الزمالة نادراً، يظلّ كنزاً ثميناً حول الحلقة الأعلى المحيطة بالأسد، الأب آنذاك، خاصة في صفوف ضباط الجيش والأمن؟ ولماذا حرص بوغدانوف على إبلاغ زملائه الأمريكيين أنّ موسكو «سعيدة جداً» لأنّ الأسد استقرّ على اختيار ابنه بشار، وليس أيّ مدني أو عسكري آخر، خليفة له؛ بعد وفاة شقيقه باسل في حادث سيارة، سنة 1994 (كما تروي برقية من السفارة الأمريكية مؤرخة في 7/2/1994، كشفتها منظومة «ويكيليكس»)؟

من الإنصاف الافتراض، استطراداً، أنّ العهدة إلى بوغدانوف بإدارة الملفّ السوري، حتى على حساب رئيسه المباشر، وزير الخارجية سيرغي لافروف؛ هو طراز من تطبيق القاعدة العتيقة، حول وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. ومنذ انطلاق الانتفاضة الشعبية في سوريا، أواخر آذار (مارس) 2011، وحتى يوم أمس، حين اختتم بوغدانوف جولة في بيروت واسطنبول ودمشق؛ مارس «المستر سوريا» مهارات شتى، متباينة متغايرة بالضرورة، ولكنها لا تكاد تغادر أسلوباً واحداً مزدوج الفعل: طاسة ساخنة تارة، وأخرى باردة طوراً، كما في المثل الشعبي الشهير.

في بيروت، على سبيل المثال الأوّل، أسمع حسن نصر الله، الأمين العام لـ»حزب الله»، كلاماً حول «التكفير» و»الإرهاب» و»المقاومة» وإيران ودور الحزب… لا يُعلى عليه، ولا يناقض كثيراً ما درج نصر الله نفسه على استعراضه، واجتراره، في خطبه حول سوريا، خاصة بعد الانتفاضة. وحين اجتمع، في مثال ثانٍ، مع وفود «المعارضة السورية الداخلية»، من حسن عبد العظيم، المنسق العام لـ»هيئة التنسيق الوطنية»، إلى ممثلي «تيار بناء الدولة» و»ملتقى الحوار الوطني السوري»؛ توصل مع هؤلاء إلى بيانات لا تخرج أبداً عن اللغة الخشبية ذاتها، حول «ضرورة العمل على توحيد الجهود من أجل إطلاق الحل السياسي في سوريا».

وحتى حين بدا لقاؤه مع هادي البحرة، رئيس «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، وبعض أعضاء الهيئة السياسية للائتلاف، مختلفاً أو خلافياً؛ رشق بوغدانوف على ممثلي «المعارضة السورية الخارجية» طاسات مماثلة، أو تكاد، فاتفق معهم على «ضرورة الإسراع بإيجاد الطرق للدفع نحو عملية سياسية تفاوضية تؤدي إلى تحقيق تطلعات الشعب السوري»، كما توافق المتباحثون على «أن يشكل بيان جنيف 2012 إطاراً تفاوضياً مقبولاً، تُبنى عليه أي عملية تفاوضية مستقبلية»، كما جاء في الإعلان الرسمي الذي صدر عن الائتلاف.

المثال الثالث هو لقاء بوغدانوف مع الأسد، في دمشق، حيث نقل للأخير رسالة شفوية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، «حول استمرار روسيا في دعمها ووقوفها إلى جانب الشعب السوري»، كما «أطلعه على مجمل اللقاءات التي عقدها أخيراً في إطار الجهود التي تبذلها روسيا لإجراء حوار سوري ـ سوري»؛ وفي المقابل، «أكد الأسد أن سوريا تتعامل بإيجابية مع الجهود التي تبذلها موسكو بهدف إيجاد حل للأزمة»، استناداً إلى «سانا»، وكالة أنباء النظام. وكأنّ زيارة دمشق كانت مجرد استطالة للقاء بوتين ولافروف مع وزير خارجية النظام، وليد المعلم، في سوشي، مؤخراً، حيث سادت اللغة الخشبية أيضاً: أعرب المعلم عن ارتياحه لنتائج المباحثات، معلناً أنّ بوتين أكد تصميم روسيا الاتحادية على التعاون مع سوريا، ومع الأسد شخصياً، «من أجل الانتصار على الإرهاب»، و»تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية القائمة بين البلدين»؛ على ذمة «سانا»، دائماً.

غير أنّ بوغدانوف، ولأنه أحد أذكى دبلوماسيي موسكو، وأعلاهم خبرة بالملفّ السوري، وبمعمار النظام وطبائعه تحديداً؛ لم يباشر هذه الجولة لكي يهنىء اللبنانيين بالذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين موسكو وبيروت، أو ليستمتع ببعض مفاجآت ربع الساعة الأخير في الضاحية الجنوبية قبيل نقله للقاء نصر الله، أو ليكحّل عينيه بمرأى ممثّلي المعارضة السورية «الداخلية» و«الخارجية»، أو يستعيد بعض ذكرياته الثمانينية مع الفتى بشار الأسد… لقد جاء، أغلب الظنّ، لأنّ موسكو أخذت تستشعر رياحاً مختلفة في أجواء أربع سنوات من المساندة العمياء للنظام السوري؛ لم تعد تليق ـ على أصعدة التكتيك أوّلاً، ثمّ الستراتيجيات العليا الجيو ـ سياسية ـ بقوّة عظمى: هي الثانية على مستوى كوني، وهي مأزومة مثل عشرات الدول النامية!

ثمة، بادىء ذي بدء، هذا الانزلاق الأمريكي التدريجي نحو «منطق تدخّل» موضوعي في سوريا، أسوة بالعراق؛ لن تفلح عقيدة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في ضبطه عند الحدود التي تشبث بها سيد البيت الأبيض منذ الأسابيع الأولى لاتضاح مأزق النظام السوري الشامل. وثمة، بالتضافر مع هذا، منطق تصعيدي أمريكي، تلتقي فيه أوروبا أيضاً، بصدد دفع موسكو إلى مضائق خانقة، عبر منعرجات الملف الأوكراني والعقوبات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط.

وثمة، ثالثاً، الأمدية القصوى التي يمكن أن تلتزم بها موسكو في دعم الأسد، بالقياس إلى الحاجات المتزايدة لنظام آخذ في التآكل والتبعية والارتهان، من جهة؛ وقدرة إيران، الحليف الثاني للأسد، على التخفيف من أعباء الكرملين في هذا الصدد، بالنظر تحديداً إلى أنّ بارومتر طهران في مساندة الأسد ليس مفتوح السقوف، حتى إذا كان مرتفعاً، وأنّ مفاوضات الملفّ النووي مع الغرب ذات صلة وثيقة بمدرّجات الصعود أو الهبوط في المؤشر، من جهة ثانية.

بذلك فإنّ مبادرات بوغدانوف، أو بالأحرى: طاساته، تظلّ أقرب إلى الرقص على حبال زلقة، من شاهق تكتنفه مخاطر السقوط دائماً؛ حتى إشعار آخر، غير محدد، وليست موسكو هي الضابط الأوّل لتوقيتاته. وليست تلميحات بوغدانوف إلى إمكانية التحاور مع أمريكا، إذا طُبخت مبادرة معقولة حول حوار سوري ـ سوري ترعاه موسكو (مقابل تصريحات لافروف، بأنّ واشنطن تجهد ضمناً لإسقاط الأسد)؛ إلا وجهة أولى، منكشفة، حول مزالق ذلك الرقص على الحبال.

والودّ القديم الذي جمع الدبلوماسي الروسي المخضرم بزملائه الأمريكيين، أيام السفارة في دمشق، قد لا يفيد كثيراً في شدّ حبال الرقص الراهن، أو تفادي الانزلاق؛ إذْ قد تكون نوايا معاكسة هي الحال بالفعل، وأنّ الزملاء يتربصون أكثر مما يعينون!

والمرء، مجدداً، يتمنى أن تلعب موسكو أي دور حيوي يكسر نظام القطب الأمريكي الواحد، لولا أنّ التعويل على روسيا الراهنة هو ضرب من الاتكاء على قوّة عالقة في شباك مآزقها المحلية والوطنية ذاتها، قبل مآزق الكون. وليس جديداً التذكير بأنّ روسيا تعاني من وتضخّم وعجز وبطالة، وعصابات مافيا، وتحديث ليبرالي شائه، ومؤسسة رئاسية احتكارية شبه دكتاتورية… وهيهات، بالتالي، أن يفلح بوغدانوف في إتمام رقصة واحدة، في سوريا تحديداً، على حبال فُتلت من مادّة الهشاشة هذه!

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

من يملأ الفراغ بالضجيج حول سوريا؟/ فايز سارة

يسود احساس عام، بان التحركات الدولية والاقليمية، تستعد لاطلاق مبادرة لحل سياسي للقضية السورية، وتتوالى تصريحات وتحليلات بقرب اطلاق مبادرة او مبادرات من هذا الطرف الاقليمي، أو ذاك الطرف الدولي، هدفها معالجة القضية السورية، وادخال اطرافها في اطار حل سياسي للازمة، التي قاربت انهاء عامها الرابع بحلول آذار المقبل.

ويركز بعضهم على ان روسيا، سوف تطلق مبادرتها، وهو تركيز يشبه الى حد بعيد ما كان تم تداوله في اشهر سابقة من ان مصر سوف تطلق مبادرة لمعالجة الوضع السوري، لكن شيئاً لم يظهر من العاصمة المصرية طوال الاشهر الماضية، وهذا يتقاطع مع مواقف وتصريحات روسية، اكدت انه ليس لدى موسكو مبادرة للحل، وتم تأكيده من جانب نائب وزير الخارجية بوغدانوف في لقاءات مع المعارضة السورية، عقدها في اثناء زيارته للعاصمة التركية مؤخراَ بعد سلسلة من الزيارات السورية لمعارضين ولوزير خارجية النظام وليد المعلم الى موسكو، وبعد القمة الروسية التركية، التي عقدت في انقرة مؤخراً.

معاون وزير الخارجية الروسي، اكد لوفد من قادة المعارضة السورية في موسكو، ان بلاده مهتمة بمبادرة وحيدة الآن، وهي الدعوة لحوار سوري سوري، ليتدارس المجتمعون بالرعاية الروسية الوضع في بلادهم، لعلهم يتوصلون الى مفاهيم ومواقف مشتركة، يبنى عليها في حال قرر الفرقاء السوريون من النظام والمعارضة الدخول في تسوية للقضية السورية في وقت لاحق، وهو في هذا اكد، ان ليس لدى الداعين لمبادرة الحوار اي اشتراطات، وليس لديهم اي خلفيات او مرجعيات للحوار الذي ينبغي ان يكون مفتوحاً في اطرافه وموضوعاته ومحتوياته، بمعنى ان الحوار السوري السوري، يمثل هدفاً بحد ذاته، وقد لا يتمخض عن اية نتائج مرتقبة.

اذاً هذه هي حدود المبادرة الروسية القائمة فيما يتعلق بالوضع السوري الذي رسمت فيه القيادة الروسية حدود موقفها منها على مرتكزات اساسية، جرى التأكيد عليها منذ انطلاق ثورة السوريين ضد نظام الاسد قبل نحو اربع سنوات، اولها تأكيدهم ان نظام الاسد هو نظام شرعي، وانه يواجه جماعات ارهابية مسلحة، وان الحل في سوريا هو حل سوري، ينبغي ان يكون بعيداً عن التدخلات الاقليمية والدولية، وبالاستناد لهذه المرتكزات، لعبت القيادة الروسية، دور الحامي الدولي لنظام الاسد، ومنعت المجتمع الدولي من اتخاذ قرارات دولية ضده، ومنعت ايقاع العقوبات الدولية عليه جراء ما ارتكبه من جرائم بما فيها جريمة استخدام الاسلحة الكيماوية المحرمة دولياً ضد السوريين، واضافت الى ماسبق، استمرارها في تقديم الاسلحة والذخائر والعتاد الحربي والخبرات المتعددة للنظام في اطار دعم سياسي واقتصادي، ساهم في بقائه واستمرار وجوده في وجه نضال السوريين، وغضب المجتمع الدولي عليه.

واذا كانت المعطيات السياسية والعملية، تشير الى انه لا تغيير في حقيقة الموقف الروسي من القضية السورية، وآفاق حلها، فان ذلك لا يمنع من قول، ان روسيا تسعى لتأكيد حضورها في المشهد السوري، وانها مهتمة به لأسباب متعددة يتداخل فيها الداخلي مع الخارجي، وهذا مايمكن ان تصنف تحته تحركات وانشطة اخيرة ذات صلة، بينها استقبال معاذ الخطيب والوفد الذي رافقه الى موسكو، وكذلك مبادرتها بصدد الحوار السوري السوري، وكذلك موافقتها على خطة الموفد الدولي الى سوريا ديمستورا، وهو الموقف الذي أكد عليه بوغدانوف في لقائه مع قادة المعارضة في اسطنبول.

خطة ديمستورا، كما شرح خلفياتها الموفد الدولي الذي تصادف اجتماعه مع قادة المعارضة في استانبول بذات يوم لقائهم مع بوغدانوف ذاته، لا تختلف في جوهرها عن مبادرة موسكو في الحوار السوري السوري من حيث الخلفيات والنتائج، التي يمكن ان تترتب عليها، والتي اوضحها الموفد الدولي، بانها تتم دون التزامات مسبقة، ولا مرجعيات لها سوى ذاتها، وانها اذا نجحت، يمكن ان تفتح افقاً في معالجة القضية السورية في غضون ثلاثة الى اربعة اشهر، أكد الموفد الدولي، انها من غير المتوقع، ان تشهد تحركات جوهرية في تأثيرها على القضية السورية، وهذا يعني انها، اذا تمت وجرى الاشتغال عليها، قد تسفر عن نتائج، يمكن استخدامها لفتح باب في معالجة القضية السورية.

السوريون والمهتمون من دول العالم بالبعدين الاقليمي والدولي لما يجري في سوريا وحولها، ليست لديهم مبادرات، تعالج القضية. هذه هي الخلاصة، التي تتأكد في الوقت الراهن، والاساس في هذه الخلاصة، ان لا احد يرغب او يريد، او يستطيع القيام بجهد جدي وحقيقي يوقف سيلان الدم وعمليات التهجير، وتدمير ما تبقى من القدرات والامكانيات السورية، التي يتشارك فيها عنف وارهاب النظام، وعنف وارهاب التطرف الذي تمثله «داعش» والنصرة واخواتهما من خط القاعدة، مما يعني، ان الاحاسيس والتصريحات والتحليلات والتحركات الدولية والاقليمية، ابعد ما تكون عن اطلاق اي مبادرة لحل سياسي للقضية السورية، مما يعني ضرورة، تغيير مسار التحركات القائمة، والضغط لتوفير تحول جوهري في المواقف المحلية والاقليمية والدولية في التعامل مع القضية السورية، وتداعياتها، ووقف عمليات ملء الفراغ بالضجيج حول سوريا.

المستقبل

 

 

 

أي سلام تريد روسيا؟/ ميشيل كيلو

في التوافق الدولي بين الخمسة الكبار، أعضاء مجلس الأمن الدولي، الذي أنتج وثيقة جنيف واحد، وما تضمنته من خارطة طريق إلى حل المسألة السورية، ثمة أمر حاسم قام عليه تصور الحل السياسي، يتجلى في تحديد هدف الحل، والمؤسسات التي ستنجزه، والطريق التي تفضي إليه، فالهدف هو النظام الديمقراطي، والطريق إليه هي التوافق بين أهل الموالاة والمعارضة دون الأسد، والمؤسسات هي تحديدا “الهيئة الحاكمة الانتقالية”، ذات الصلاحيات الكاملة التي ستشكل برضا الطرفين. ما هو دور الطرفين السوريين، في هذا النمط من الحل؟ إنه الالتزام التام بتطبيق وثيقة جنيف واحد، والتفاوض بقصد تطبيقها الكامل، من دون أي انزياح عن هدفها وطريقها والمؤسسة التي ستنفذ مضمونها. هذا ما أكده القرار 2118 الصادر عن مجلس الأمن الذي حدد الآلية التنفيذية لجنيف واحد، باعتبارها ملزمة للطرفين وواجبة التطبيق.

بكلام آخر: ليس هدف التفاوض بين الطرفين السوريين إيجاد حل مغاير للحل الدولي، أو مؤسسات تنفيذية، غير تلك التي حددها، وطريقة في إنهاء الحرب وبلوغ السلام غير التوافق بين طرفي الصراع، فالسوريون سيتفاوضون للتفاهم على مدخل إلى تطبيق جنيف واحد، وليس من صلاحياتهم، ولا يجوز لهم، التفاوض على هوية الحل ونمطه.

هذا ما وضعت روسيا توقيعها عليه، وتخالفه، اليوم، بصورة جسيمة وحافلة بمخاطر، ينتجها انحيازها السافر، وغير العادل للنظام، في دعوتها سوريين، بصفتهم الفردية، إلى الجلوس وجها لوجه حول طاولة التفاوض، لإيجاد حل، هدفه، كما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، في اسطنبول “إصلاح النظام”، كأنه لا توجد بالنسبة لموسكو وثيقة جنيف واحد، أو كأن نوع الحل لم يحدد دولياً، بقرار جماعي من دول مجلس الأمن، بما فيها روسيا، أو لا وجود لـ”هيئة حاكمة انتقالية”، مهمتها محددة بنص ملزم، يجعلها نقل سورية بموافقة كلا الطرفين إلى نظام ديمقراطي، وليس “إصلاح النظام” الذي يعني التحاق المعارضة به، وبالتالي احتواءها في صفوفه، بدل التخلص منه، وإقامة نظام بديل له، يطالب به الشعب، ويثور منذ سنوات لتحقيقه.

لا يتفق الحل الروسي، في أية نقطة من نقاطه، مع الحل الدولي الذي وافقت عليه روسيا. ولا يقوم على فكرة التوازن التي تتيح إنجاز حل برضا الطرفين، يلبي مطلب الشعب في الحرية وأمن وسلامة أهل النظام، بل هو يستند على ما تمسكت روسيا به في سنوات الثورة الطويلة والمضنية: النظام ورئيسه الذي لطالما ادعى لافروف، وزير خارجية الكرملين، أن بلاده ليست متمسكة به، لكنه رفض أي بديل له، حتى إن كان علوي المذهب مثله، وها هو نائبه يخبرنا أن هدف التفاوض ليس تغيير النظام بل إصلاحه، أي بقاءه بمساعدة المعارضة ودعمها.

لن يخدم الحل الروسي أحداً غير النظام. ولن يوقف قتل الشعب وتهجيره وتجويعه، وسيقوي قوى الإرهاب، لأن نجاحه سيدمر جميع التيارات الوطنية التي ستضع نفسها في موضع من خان مصالح ومطالب شعب ضحى بالملايين من أجل حريته، إن هي اعتمدت حل موسكو مع نظام قاتل، سيعاملها كجهة مهزومة، أتت إلى المفاوضات، لكي تستسلم له، وتنضوي فيه. ماذا يبقى للمواطن السوري، في حال كهذه، غير التطرف والانضمام إلى الإرهابيين، دفاعاً عن نفسه، وانتقاماً من خونته.

لن يأخذنا حل روسيا إلى السلام. إنه سيغرقنا، بالأحرى، في طوفان من التطرف والعنف.

العربي الجديد

 

 

 

الثورة السورية على عتبات الكرملين/ غازي دحمان

يشهد الملف السوري، في هذه الآونة، هجوماً روسياً مكثفاً، يمكن تشبيهه بالغزو الشامل على جبهات عديدة، فبعد أن قامت موسكو بتزويد نظام الأسد بأحدث أنواع الأسلحة، ها هي تباشر هجوماً دبلوماسياً وسياسياً بهدف قلب المعادلة السورية نهائياً لمصلحة أتباعها.

الأسباب المباشرة لهذا الهجوم تكمن في رغبة روسيا الهروب من الميدان الأوكراني المليء بالمخاطر، حيث استنفدت قدرتها على اللعب، وأي نقلات جديدة من شأنها إشعال حرب عالمية هناك، وفق تقديرات وتحذيرات أوروبية وأميركية تبلغتها روسيا، في الوقت الذي تم إغلاق أبواب التفاوض معها ورفض إعادة دمجها ضمن حركة التبادلات التجارية مع القوى الاقتصادية الكبرى، أو حتى التفاوض معها بهذا الخصوص، فيما يقف اقتصادها ونموها على عتبة الانهيار.

وجراء ذلك، تعيد موسكو تكثيف حضورها في المعادلة السورية، علّها تستطيع من خلالها فتح نوافذ التفاوض المغلقة في وجهها، ذلك أن الساحة السورية، المهملة إستراتيجياً على الصعيد الدولي، تتيح لها قدراً أكبر من المناورة والتصعيد وممارسة أنماط عديدة من التكتيكات السياسية من دون أن يشكل ذلك مخاطرة كبيرة عليها.

تستفيد موسكو في هجومها السوري من جملة من المعطيات الراهنة، مثل: ضعف الفعالية الأميركية في الملف السوري والسياسات المرتبكة لإدارة أوباما، وكذلك من حالة التشتت التي تعاني منها المعارضة السورية في هذه المرحلة، وتسعى انطلاقا من هذا الواقع إلى بناء مجال للتحرك يشمل مساحة أوسع من الأطراف السوريين، من خلال اختراقها جزءاً من المعارضة بشقّيها الداخلي والخارجي، وذلك لتشكيل أوراق قوّة تعزز حضورها في القضية السورية.

الخطورة في الأمر أن موسكو تنطلق في تحركّها السوري من اعتبارات ليست في مصلحة الشعب السوري وثورته، ولا تخدم مستقبل سورية، فهي لا تخفي عداءها للأكثرية السورية وتبجّحها بما تدعيه حماية الأقليات في المنطقة، كما تنطلق موسكو من اعتبارات استراتيجية وازنة ترتكز على التمسك بالموقع السوري المتوسطي، وكذلك ضمان عدم خروج سورية من دائرة هيمنتها وتحوّلها إلى معبر لخطوط النفط والغاز الخليجية المنافسة لها إلى أوروبا، وبالتالي لا مشكلة عند موسكو في استمرار اشتغال الدينامية التدميرية في سورية طالما أن مصالحها في هذا المجال غير مضمونة.

وفي سبيل تحقيق هذه الحالة، تعمل موسكو على تطبيق الحل الذي يضمن بقاء حليفها بشار الأسد في السلطة وينهي مفاعيل الثورة السورية، أما الآلية التي تستخدمها في ذلك فهي آلية المصالحات التي طبقها النظام في أكثر من مكان، ويتضح أنها كانت من اختراع الروس، وهذه الآلية تضمن تفكيك الثورة قطعة قطعة ومن دون تنازلات كبيرة يقدمها نظام الأسد، كما تضمن تحريف التحول السوري الكبير بوصفه ثورة شعب إلى مجرد تمردات محلية ذات مطالب آنية، ونتيجة كل ذلك تضمن في مرحلة لاحقة تكريس شرعية الأسد إلى أمد غير محدود وإخراجه من تهمة جرائم الحرب التي ارتكبها بحق السوريين وتبرئته من الدمار الذي ألحقه بسورية، حتى أنها تستطيع تحويل التهمة ضد الثوار السوريين أنفسهم بعد فترة معينة.

بالطبع، تراهن موسكو على تعب العالم من الأزمة السورية وحاجته إلى أي حل يريحه في الوقت الحاضر بعد أن اختلطت الأوراق وتعقّدت إلى درجة يصعب تفكيكها، كما تطمح موسكو، بعد ترويض جزء من المعارضة، إلى دمج كل من يرفض خطتها ضمن القوى المتطرفة التي يتوجب إدخالها في قائمة أهداف التحالف الدولي ضد الإرهاب، وسيكون لهذا الأمر شرعية حقيقية إذا صحّت الأنباء التي تقول إن موسكو تريد تشكيل ائتلاف جديد معارض على مقاسها ويقبل بسياساتها وتستطيع تظهيره على أنه ممثل للمعارضة السورية مقابل تمثيل النظام الجزء الآخر من الشعب السوري.

للأسف، يعتقد بعض أطراف المعارضة أن من حقّها البحث عن مخارج جديدة للأزمة السورية، وترى أن هذا الحق يتعزز مع إهمال بعض القوى الدوليّة للثورة السوريّة، وبالتالي فإن الذهاب الى موسكو التي لها مونة على نظام دمشق يصبح مبرراً نتيجة هذه الأسباب. وفي الواقع، فإن هذا التبرير، حتى بالنظر الى حسن نوايا أصحابه، غير منطقي وغير مسؤول، لأنه لا يأخذ في الاعتبار المخاطر التي قد يتسبب بها على القضية السورية برمتها، في ظل المعادلة الموجودة على الأرض والتي تسعى موسكو إلى تكريسها بما تنطوي عليه من تفريغ ديموغرافي وتقسيم جغرافي، ناهيك عن أن القضية السورية باتت ملك أجيال المستقبل مثلما تمس الجيل الحالي، ولا يمكن الركون إلى ذكاء طرف سياسي أو مجموعة أطراف في المعارضة لتحقيق اختراقات كبرى ضمن الشروط التفاوضية الحالية، بقدر ما يستوجب الانتباه إلى أن اللعب مع الكبار مسألة لها محاذيرها وحساباتها المعقدة، وبالتالي لا يجوز الانخراط ضمن هذه الألعاب بذريعة أننا نجرب ولن نخسر شيئاً، فتضحيات السوريين ليست أسهماً في بورصة شخص أو حزب أو جهة لتجرب بها.

على مدار أربع سنوات من القتل اليومي، لم تغفل روسيا للحظة واحدة تأييد قتل السوريين. كانت تخوض حربها ضدهم. زوّدت نظام الأسد بكل أدوات القتل. منعت بالفيتو أربع مرات مجرد إدانة القتل، منعت وصول الأغذية إلى المناطق المحاصرة. أخرجت رواية كاذبة عن حادثة الكيماوي تتهم فيها الثوار بقتل ذويهم. شوهت صورة السوريين واتهمتهم بأنهم آكلو أكباد وإرهابيون، أرسلت خبراءها وجنّدت المرتزقة من صربيا وروسيا البيضاء للمشاركة في قتل السوريين، فهل كانت روسيا غير فرقة قتل للسوريين؟

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

رياح تسوية لإنقاذ ما تبقى من نظام الأسد/ غازي دحمان

رياح سياسية ساخنة تهب على سوريا وتلفح بعض أوجهها، ويأتي هذا الهبوب على نمط سلسلة من المبادرات على خط الأزمة، تكشّف منها حتى اللحظة التحرك الروسي وخطة مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، بالإضافة إلى حراك سري تجريه القاهرة مع طرفي الأزمة.

ويكشف تفحص هذا التحرك عن وجود سياق واحد له مقاربة معينة، وتقوم آلية عمله على التمفصل في أكثر من حكومة ومنظمة ودولية، بحيث يشكل قطعا متعددة تعمل كل واحدة منها على جزئية معينة، فتتخصص روسيا بالبنية السياسية التمثيلية لأطراف الأزمة وتهيئتها لولوج التسوية، فيما تركز القاهرة على إيجاد حاضنة إقليمية لها، بالتوازي مع تركيز دي ميستورا على الترتيب العملاتي عبر تكتيك الهدن “تجميد النزاع ” بين الأطراف المتقاتلة، على أن يصار في النهاية إلى جمع هذه الأجزاء وصياغة حل نهائي للأزمة.

تتقاطع هذه التحركات مع النهج الأميركي في المنطقة، وإن لم تتفق معها على صيغة واحدة محددة، إذ تعتبر أنه طالما أن واشنطن تصوغ موقفها في المنطقة انطلاقا من أولوية الحرب على إرهاب التنظيمات المتطرفة فهي تتلاقى معها عند هذه النقطة الجوهرية، وإذا كان هناك خلاف في تفاصيل العمل فالأمر قابل للتفاهم ما دامت الصيغة لم تزل في طور التظهير والبناء.

غير أن تصريحات الرئيس باراك أوباما على هامش قمة العشرين التي عقدت في أستراليا تمهد لإمكانية الانخراط في هذا السياق، حيث قال “نريد حلا سياسيا يرضي جميع الأطراف الداخلية، والأطراف الخارجية على حد سواء، وسيضطر الشعب السوري للقيام بتفاهمات سياسية مع كل من تركيا وإيران وكذلك الأسد، فهذا ما تمليه طبيعة العمل الدبلوماسي، ففي بعض الأحيان ستضطرون للدخول في علاقات دبلوماسية مع أناس وأنظمة لا ترغبون في التعامل معها”.

وسرّبت مصادر تركية عن أن أوباما أعطى في لقاء له برئيس الوزراء التركي داود أوغلو “إشارة واضحة لأوغلو، مفادها تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن سياستها تجاه سوريا”.

مرجعية هذا السياق تتمثل بـ”مؤسسة الحوار الإنساني” وهي تتخذ من جنيف مقرا لها وتعمل في مجال حل النزاعات، وسبق أن توسطت المؤسسة في اتفاق بين الإسلاميين والعلمانيين قاد لتنظيم انتخابات سلمية في تونس. وفي أفغانستان تعمل على المفاوضات مع طالبان. أما في سوريا فإنها تسعى لترتيب وقف إطلاق نار محلي منذ العام 2013، وتأمل الآن في التوصل إلى اتفاق بين الثوار والأكراد السوريين.

بالإضافة لذلك فإنها تقوم بتقديم الاستشارات وإصدار تقارير حول بعض النزاعات المعقدة، وقد أصدرت تقريرا عن الحالة السورية تحت عنوان “خطوات لتسوية النزاع السوري” وينطلق التقرير من فرضية “أنه لا النظام ولا الثوار قادرون على هزيمة بعضهم الآخر، وأن هذه الحالة من الجمود الوحشي تخلق الظروف الملائمة لنمو داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) والنصرة”.

ويحذر التقرير من أن “تنهار سوريا مثل الصومال”، لذا فالحاجة ملحة للحفاظ على الدولة” حتى لو كان ذلك يعني أيضا إبقاء الأسد في السلطة”، إذ إنه “من الأفضل أن يكون هناك نظام ودولة من عدمه”، ولجعل الأمر منطقيا ومقبولا لدى الجميع يروج القيمون على المؤسسة لقناعة مفادها “أن الجميع على نفس الدرجة من السوء، الأسد ومعارضوه، غير أن الأسد يمثل النظام ولا بد من قبوله على هذا الأساس”، وهي من هذه الزاوية تراهن على قبول الغرب لهذه المقاربة.

تقوم آلية العمل التي تطرحها المؤسسة على عكس المقاربات السابقة على طريقة التنفيذ محليا من الأسفل إلى الأعلى، بدلا من أن يفرض الأمر من الخارج من الأعلى إلى الأسفل كما طرح في مؤتمرات جنيف السابقة، “سوف يحكم المدن التي تتوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار من جانب الحكومة أو الثّوار، كل حسب المنطقة التي يسيطر عليها.

ومع مرور الوقت، تشكل هذه البلديات حاضنة “الإدارة المحلية والسياسية” ويدفع المجتمع الدولي تكاليف إعادة الإعمار على أن يؤسس كيان يسمى “هيئة السلام وإعادة الإعمار”، الذي من شأنه تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية وتكون بمثابة سلطة انتقالية، بحيث يرفع مسؤولو البلديات الجدد تقاريرهم، ليس للنظام ولكن إلى مؤسسة محايدة”.

ما مصير الأسد وفق هذه الخطة، وهو السؤال الأكثر جوهرية في الحدث السوري؟ التقرير يجيب بأن مصيره” “سيتقرر من قبل الشعب السوري” ففي أعقاب نهاية الحرب سيجرى إصلاح شامل للدستور، وانتخابات تحت إشراف دولي”.

وبعيدا عن إغراء الجانب التقني للمقاربة وطريقة صياغتها الأكاديمية من قبل خبراء مختصين في حل النزاعات، وقد يكون ذلك البعد الإبهاري هو الرهان الأكبر على قبولها، فإنها تنطوي في التطبيق العملي على كمائن خطيرة تشكل ثقوبا واضحة في جسم هذه الخطة:

– فهي تشرعن وضعية “أمراء الحرب” على طرفي الصراع، وذلك انطلاقا من التفسير الدولي لطبيعة الأزمة في سوريا والمائل إلى اعتبارها حربا أهلية وبالتالي تساوي المسؤوليات بين أطرافها، وليس مصادفة هنا أن تتوقف وزارة الخارجية الأميركية عن دعم اللجنة الخاصة بالتحقيق بجرائم الحرب في سوريا.

– كما أنها تشكّل بداية تقسيم “ناعم” لسوريا، إذ ينطوي هذا الوضع على ترسيم المناطق التي تحت سيطرة الأطراف وتحويلها إلى عنصر تفاوضي أساسي ودائم، وهو الأمر الذي يناقض التكتيك الذي تنبني عليه المقاربة من تحويل الحالة إلى دينامية تصالحية شاملة، فهذا التكتيك الضعيف والساكن تلغيه جدلية الصراع المحتدمة.

– ولعل الخطورة الكبرى تكمن في إقرار المجتمع الدولي في حال تمرير الخطة بالرؤية الروسية الإيرانية لحل الأزمة، عبر تحويلها الثورة السورية، برموزها وتضحياتها، إلى مجرد حالة تمرد في بعض المناطق وإيجاد حلول موضعية لها من خلال تأمين بعض الحاجات الأساسية للمناطق المنهكة وتسوية أوضاع بعض المطلوبين في تلك المناطق، وبالتالي طي صفحة الثورة السورية بصفتها تحولا جذريا في قلب المجتمع، وإعادة النظام إلى سكة الحياة وتوفير كل الظروف المناسبة له لإعادة إنتاج ذاته!

تحاول المؤسسة ستر هذه العيوب من خلال تركيزها على مقولة الحفاظ على الدولة وعدم انهيارها وتحولها إلى كيان فاشل، وفي الواقع فإن الدولة السورية كانت فاشلة وفق معايير الفشل في السنوات الأخيرة قبل الثورة، وفشلها كان أحد أسباب الثورة فما بالك باللحظة الحالية، حيث يراد إعادة إنتاج الفشل بطريقة كارثية، فشل ممركب، احتلال خارجي “إيراني” مع قهر وفساد.

لكن هذا الطرح المغرق في الأكاديمية والمبهر من حيث الشكل يسقط من حساباته البعد الأخلاقي والقيمي في القضية السورية عبر الترويج لفكرة السماح للأسد بالبقاء في السلطة وهروبه من جرائم القتل، والقتل الجماعي الذي ارتكبه، ويراد لهذه الفكرة أن تجري عبر اتفاق دولي توافق عليه دول العالم وتقبل أن يحافظ كل على موقعه بانصياع وخضوع جبان!

كيف يمكن لعواصم دولية وإقليمية أن تقبل المشاركة بهذا النوع من عمليات التدليس والتبييض لأنظمة فقدت كل مبررات وجودها الأخلاقي مثل نظام الأسد واعتبار أن العدالة لم تعد مسألة مهمة وأنه من السهل التضحية بها على مذبح الاعتبارات والمصالح الجيوسياسية؟

ربما ليس أفضل من توصيف هذه المقاربة سوى كلام أندرو تابلر، الخبير في الشؤون السورية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إذ ينظر إلى الاقتراح باعتباره وحيا من نظام دمشق و”نداء للمجتمع الدولي لدعم ما تبقى من نظام الأسد”.

ويبدو الأمر أكثر وضوحا إذا ما ربطناه مع جملة الأحداث الجارية في المنطقة، من المحاولات التي يجريها نظام الأسد للارتباط بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، إلى محاولة تمرير إيران لاشتراط تسهيل مفاوضاتها في الملف النووي بإبقاء بشار الأسد في منصبه، عند ذلك يتضح حجم الرهانات الكبيرة التي يحاول الأسد الاتكاء عليها وخشبة الخلاص التي ينتظر هبوطها عليه فيما تصل طلائع قوات المعارضة القادمة من الجنوب إلى مشارف دمشق.

الجزيرة نت

 

 

 

لماذا نقيّد أيدينا تجاه روسيا؟/ ميشيل كيلو

يعلم من يعرفني أنني كنت شيوعياً، من دون أن أكون صديقا للاتحاد السوفييتي، أو معجبا بنظامه وسياساته، وأنني كنت استخدم معارفي الماركسية، لانتقاد أوضاعه الاستبدادية، وظلمه الاجتماعي، وتمييزه القومي، وطبقية وفئوية قياداته، ونزعتها الإلحاقية التي تشبه كثيراً النزعات الاستعمارية. ولست، اليوم، أيضاً، صديقا لروسيا، ولا أرغب في رؤية أحد من ساستها وعسكرها، وأعرف أن رئيسها كان رائداً في المخابرات العسكرية، حين لفت نظر سلفه السكير واللوطي يلتسين الذي رأى فيه رجلاً قليل الخبرة وجاهلاً، فأورثه السلطة، لكي يديرها بالأهلية اللائقة بضابط مخابرات صغير، تسلطن على امبراطورية متعسكرة، تقف مدنياً وانسانياً على ساقين من قصب، يتعرض رعاياها لنهبٍ منظم، يمارسه مافيوي، تحيط به حاشية فاسدة، في زمن يشبه الزمن الذي قامت الثورة البلشفية ضده، لكنه احتواها، وجعلها تنويعة من تنويعات إقطاع دولوي محدث أمنياً، أسموه النظام الاشتراكي.

لكنني، وانطلاقا مما أعتقد أنها مصالح الشعب السوري العليا، لا أفهم لماذا نضع كل بيضنا في سلة أميركا: الدولة التي تدير أزمتنا، وتضع خطوطاً حمراء، تمنع أية دولة من وقفها أو إيجاد حلول لها، أو مساعدتنا على تجاوزها، وتعمل لاستمرار مأساتنا إلى أطول فترة، لأنها ترى فيها فرصة لتصفية حساباتها، وحسابات إسرائيل مع إيران، وحساباتها هي مع روسيا بدمائنا، وللتحكم بنا، على الرغم مما يقال خطأ حول ضعفها وعجزها عن لعب دور فاعل فيها. لا أفهم، ولن أفهم بعد اليوم، لماذا نرى روسيا بأعين أميركا، ونعتبرها طرفاً يجب أن نعاديه، لأنها تعاديه، ولا نرى فيها جهة معادية لنا، لا يجوز أن نحدد مواقفنا منها، انطلاقاً من مواقف واشنطن حيالها، من واجبنا تغيير موقفها الداعم للنظام السوري الذي نعلم أنه لعب دوراً خطيراً في قتل شعبنا وتدمير بلادنا، ولا تتجاوز فرص نجاحنا في تغييره الخمسة بالمائة؟

لا أفهم لماذا نحج، بلهفة وسعادة، إلى أميركا، المسؤولة عن الجزء الأعظم من مأساتنا، والتي تتلاعب بنا بشهادة سياساتها العراقية والكردية، وتصريحات رئيسها حول أولوية التصدي لداعش، بالمقارنة مع إسقاط الأسد، وتضع قضيتنا في البراد، ريثما تنتهي المعركة ضد الإرهاب، التي يبشرنا باراك أوباما بأنها ستستمر بين ثلاثة أعوام وثلاثين عاماً، يرجح أن يكون الأسد قد أباد خلالها شعبنا عن بكرة أبيه، ومسح بلادنا عن وجه الأرض، وجعلها قاعاً صفصفاً، وإنه لن يبقي فيها نافخ نار يطالب بحق!

لماذا لا نبدأ حواراً منظماً مع موسكو التي ليست أفضل من أميركا، لكنها ليست أسوأ منها أيضا؟ وأين الخطورة في أمر كهذا، إذا كنا في قد ألحقنا قدراً من الأذى بقضيتنا، لا يترك لغيرنا أية فرصة، لإضافة المزيد عليه؟ إن فتح باب حوارات منظمة، وعلاقات مستدامة مع موسكو، وحتى طهران، يصعب أن يحدث تحولاً نحو الأسوأ في أحوالنا التي بلغت أسفل الدرك الأسفل! ثم مم نخاف؟ هل نخشى ردة فعل أميركا التي تلزم نفسها في تصريحات رئيسها بإشراك روسيا وإيران في أي حل سياسي للمعضلة السورية؟ هل يبطل التزام أوباما بحل ينجز معهما حقنا نحن، أهل الصبي، في استكشاف طبيعة وحدود حل نحن موضوعه وسيتقرر من خلاله مصيرنا؟ أعتقد أن علاقتنا مع خصم أميركا الروسي قد تضغط عليها، وتدفعها إلى مراجعة موقفها منا، إلا إذا بنيناها بطرق كارثية، تمكن الروس من بيعنا في أول مناسبةٍ، وبأبخس الأثمان، تفوت علينا الإفادة من التناقضات الدولية، التي اعتبر أحد أعظم ثوار التاريخ استغلالها، والإفادة منها، عاملاً حاسماً، يتوقف عليه انتصار أية ثورة في عصرنا؟ ألم يقم ثوار فيتنام علاقات تفاوضية مع أميركا، بينما كانت تمطرهم بوابل من الصواريخ والقنابل الأشد فتكاً؟ ولماذا نقبل تقاسماً وظيفياً قاتلاً، يضع روسيا وإيران في صف النظام، ويضعنا تحت إبط دولةٍ، لا نمون عليها، ولا تهتم برؤيتنا ومصالحنا، بل ولا تقيم وزناً لنا، وتستخدمنا في صراعاتٍ، لا علاقة ولا مصلحة لنا بها، تخوضها، كما أسلفت، بدمائنا؟ ما مصلحتنا في أن نكون طرفاً في صراعات دولية، لسنا ولا نريد أن نكون طرفاً فيها. قامت الثورة ضد سياسات حكامنا المجرمين، ولم تقم كي ننخرط فيها؟ أليس من مصلحة الثورة أن نحاول منع روسيا من عقد صفقة مع أميركا على حسابنا، ومن وراء ظهورنا، أم أن مصلحتنا تكمن في الانخراط، كمرتزقة، في صراعات أميركا ضد خصومها وأعدائها، الذين لا يخدم شعبنا المظلوم تحويلهم إلى أعداء، لا صلح ولا سلام، ولا مفاوضات معهم؟ إذا كان انفكاك هؤلاء عن الأسد يؤذيه، لماذا لا نبلور خطة سياسية، تبعدهم عنه، أعرف تماماً مصاعبها وتعقيداتها، لكنني أعرف، أيضاً، أنها لا يجوز أن تكون سبباً لمنعنا من خدمة قضيتنا، بتحييدهم، أو استخدامهم ورقة ضغط، إن كان من المحال كسبهم؟ وهل يضر بنا أن تكون لنا علاقات مدروسة، مفعمة بالشك والحذر، تجاه إيران؟ أما كانت علاقات كهذه ستلعب دوراً في انفكاك بعض جماعة النظام عنه، بما كانت ستفتحه من أقنية تواصل وحوار خلفية معهم أيضا؟ ما الضرر في أن نعمل على هذا الموضوع الحيوي، من دون أوهام، أو أحكام مسبقة؟

أخيراً، لو كانت لدينا مثل هذه الأقنية مع إيران وروسيا والصين، على ما بين الدول الثلاث من تباينات في المواقف، هل كنا سنبدو كأسرى لأميركا، وكان النظام سيتمتع وحده بمنافع الانقسام الدولي التي تكفلت بتسليحه وحمايته؟ وهل كنا سنعامل كضلع قاصر، لا حول له ولا طول، مصيره معلق على ابتسامةٍ، أو تكشيرة أميركيةٍ، هنا وهناك؟ وما مصلحتنا في أن تفاوض أميركا روسيا بالنيابة عنا، مع أن موضوع التفاوض هو مصالحنا ومصيرنا؟ وما مصلحتنا في أن تكون قضيتنا جزءاً من القضايا الأميركية العالقة مع الكرملين، مع أنها ليست، ولا يجوز، بأي حال، أن تكون كذلك؟

هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها علينا اليوم، وتلفت أنظارنا إلى أن انغراسنا في العلاقات الدولية بالصور التي تخدمنا لن يتم عبر انخراطنا في صراعاتٍ ومصالح، لا شأن لنا بها، كانت مقتلنا في الأعوام الماضية، وتجعل منا، اليوم، ورقة مساومة صغيرة بين أميركا وروسيا وإيران، وسترغمنا غداً على قبول ما يقدمه هؤلاء من حلولٍ، تقول أدلة متراكمة إنها لن تكون في مصلحتنا، أو ملبية لمطالب شعبنا، ولن تطيح النظام المجرم الذي فتك بالملايين منا.

ليست هذه دعوة لمقاطعة أميركا، أو لمعاداتها، فنحن لا نستطيع تحمل نتائج مثل هذه الحماقة. إنها دعوة إلى إعادة رسم مواقفنا حيال العالم، بما فيه أميركا، انطلاقاً من قضيتنا العادلة، وبدلالتها، على أن يتلازم ذلك، مع سعي حثيث وثابت، إلى ضرب من التواضع في العلاقات الدولية، يتكامل مع التجذر المطلوب داخل بلادنا وأوضاعها الخاصة، ومع إقامة قدر أعظم من التوحيد والتنسيق والتعاون بين أطراف العمل العام المعارض، السياسي منه والعسكري، الذي لن يتفق عائده مع تضحياته وإنجازاته، إذا لم يحصن بوحدة وطنية، لقوى الداخل والخارج، وبالانغراس ضمن بيئة دولية ملائمة، تمنحنا القدرة على المناورة بين أطرافها، والإفادة من تناقضاتها وتوافقاتها، وإلا صرنا رقما يسهل تخطيه في أي حل، وتطبيق حلول تجافي مصالحنا، ولا تحظى بقبولنا.

لنخرج من واحدية علاقاتنا الدولية. ولنمد أيدينا بثقة إلى دول العالم جميعها، انطلاقا من ثوابت ثورتنا وهويتها الوطنية/ الديمقراطية. ولنثق بأنفسنا وبشعبنا، ولنتعلم من تجارب خاضها غيرنا بنجاح، فاوض خلالها أعداءه، ولم يكل علاقته بهم إلى أي طرف خارجي، بما في ذلك أصدقاؤه الذين كانوا يمدونه بالسلاح والخبرات، ويحمون عاصمته.

لن نكون أول ثورة تمد يدها إلى أعدائها، وسنكون أغبى ثورة في التاريخ، إذا ما أبقينا مصيرنا في يد دول تتلاعب بنا، ولا تعيننا على مبارحة مأزقنا، وتبدو سعيدة بإبادتنا.

العربي الجديد

 

 

 

 

موسكو واللعب في الوقت المستقطع/ علي العبدالله

أثار استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوزير خارجية النظام السوري، وهو الأول منذ انطلاق الثورة السورية، فور وصوله الى منتجع سوتشي على البحر الاسود، وعقده الاجتماع خلف ابواب مؤصدة بعيدا عن الاعلام ودون اعلان محدد عن نتائجه، أثار اسئلة عن مغزى الخطوة وهدف بوتين من ورائها.

ماذا اراد بوتين؟.

كانت روسيا قبل حملة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن على “داعش” قد اعتبرت انها سجلت نقطة على واشنطن بإفشال مؤتمر جنيف2 واعطاء النظام السوري مزيدا من الوقت والسلاح والمال ليلحق الهزيمة بالثورة ويجبر المجتمع الدولي على العودة الى الاقرار بشرعيته والتعاطي معه، ولكن الحملة، بالإضافة الى التصعيد الامريكي ضدها بعزلها دوليا وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية عليها، والتي تسببت بهروب رؤوس الاموال وانهيار سعر الروبل، واغراق سوق النفط العالمي وانهيار الاسعار بشكل درامي، ما اضاع على الخزينة الروسية مليارات الدولارات، وتقديم الدعم لأوكرانيا ونشر قوات لحلف الناتو في شرق اوروبا، واجراء مناورات في البلطيق، قد غيّرت المواقع فأصبحت روسيا في موقع الخاسر فجاء قرارها بالرد وعلى اكثر من مستوى من تحليق الطائرات العسكرية الروسية فوق الاطلسي وبالقرب من السواحل الاوروبية والامريكية الى اصطحاب بوتين مدمرة مسلحة الى اجتماع دول العشرين في استراليا والتلويح باستخدام الاسلحة النووية وصولا الى استعراض الاسطول الروسي امام الشواطئ البريطانية، والتلويح بتزويد النظام السوري بصواريخ اس 300، وتحريك الملف السوري بطرح مبادرة سياسية تجمع المعارضة “البناءة” بتعبير ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية والمبعوث الروسي الى الشرق الاوسط، أولا والسوريين، النظام والمعارضة “التي تلبي الدعوة”، وفق بوغدانوف مرة أخرى، في موسكو تاليا، “لأنه لايمكن بحث ملف التسوية من دونهم”. وربطت بين نيتها وزيارة وزير خارجية النظام بالقول:” أن موسكو تريد أن تدرس أولاً استعداد الحكومة السورية للتجاوب مع خطة لإعادة إطلاق المفاوضات، وأن الجانب السوري قد يكون يريد أن يستمع بشكل تفصيلي للأفكار الروسية قبل إعلان موقف واضح”، وهذا لإثبات انها تمتلك خيارات وانها غير معزولة، وتبعث دورها من جديد.

غير ان المفاجأة التي لم يتوقعها بوتين ان يأتي رفض المبادرة من حليفيه النظام السوري وايران. فما ان انتهت زيارة وفد المعارضة السورية برئاسة احمد معاذ الخطيب يومي 7 و 8 من الشهر الماضي، وانطلق الحديث عن وجود مبادرة روسية حول سوريا واشاعة الخطيب اجواء من التفاؤل باحتمال “شروق الشمس من موسكو”، حتى جاء رد النظام وإهالته التراب عليها قبل ان ترى النور بإعلان مسؤول فيه “ان المبادرة حاجة روسية وليست حاجة سورية”، وتلميح جريدة مقربة من النظام الايراني رفضه لها بصيغة مواربة حيث قالت في ختام حديثها عن الموضوع “المعضلة في اقناع ايران بها”.

وقد أكد النظام بعد زيارة وزير خارجيته الى روسيا رفضها وشكك في جدواها حيث سرب الى مراسل جريدة القدس العربي في دمشق، المقرب من النظام، صورة مناقضة لما نقله الخطيب فقد نقل المراسل يوم 29/11 عن مصادره قولها:” ان هوامش التحركات السياسية الروسية الأخيرة المتعلقة بالأزمة السورية محدودة بعض الشيء وهي لا تشمل حتى مجرد أفكار قد تطال موقع الرئاسة كمــا لم تتطور لتشمل أفكاراً بخصوص حكومة انتقالية أو حتى حكومة وحدة وطنية تشترك فيها السلطة والمعارضة” وأضاف:” أن الهوامش التي تتحــرك فيها الدبلوماسية الروسية حتى اللحظة منصبة على إنضاج بيئة سياسية تدفع أطــــياف من معارضة الداخل والخارج للانخراط في انتخابات برلمانــية مقـــبلة قد تجري في العـــام المقــبل 2015 إن أمكن ذلك أو تجري في موعدها الدســـتوري في العام 2016″، وهذا سيعني “تقبل الطرفين لبعضهما” وخلق مناخ “لتشكيل حكومة وحدة وطنية”، وهو امر “أكثر واقعية من البحث في حكومة انتقالية أو حكـــومة وحـــدة وطنيـــة”.

لقد عكست تصريحات المسؤولين الروس بعد اجتماع بوتين بوزير خارجية النظام عدم التوصل الى اتفاق حول المبادرة من خلال تكرارها معزوفتها التقليدية عن محاربة الارهاب والقانون الدولي الذي يفرض التنسيق مع النظام السوري في محاربته، وتمسكها ببيان جنيف1 ، دون ان تنسى تحديد مضمونه وفق قراءتها التي تقوم على اولوية محاربة الارهاب واعطاء رأس النظام دورا في المرحلة الانتقالية وحق الترشح الى الرئاسة في نهايتها، كأساس للحل وتهيئة الظروف لاستئناف عملية التسوية السلمية بموازاة محاربة الارهاب وتوحيد الجهود لذلك.

واقع الحال ان روسيا التي اعاقت تحرك المجتمع الدولي لمعاقبة النظام السوري على ما اقترفه بحق الشعب من قتل وتدمير باستخدامها حق النقض (الفيتو) اربع مرات، وافشلت مؤتمر جنيف2، فقط لأنها رأت فيه امكانية تغيير في بنية النظام يُسجل لصالح الولايات المتحدة، ويُفقدها نفوذها في سوريا، ارادت من تحركها السياسي الاخير استخدام الملف السوري كمنصة تصويب على السياسة الامريكية ردا على قيام التحالف الدولي بتجاوزها وقيام طيرانه بقصف مواقع “داعش” في محميتها السورية. واضافة خطوة الى سلسلة خطوات تصعيدية أخذتها مؤخرا في مواجهة الولايات المتحدة وحلف الناتو.

لقد بالغت روسيا بقدرتها على توظيف الملف السوري ولم تأخذ مصالح شركائها الايرانيين بعين الاعتبار وهي تعلم انهم يمسكون بالملف اكثر منها بسبب دورهم المباشر في الصراع واستثمارهم الضخم فيه، وذهبت بعيدا في استعراض عضلاتها ما دفع ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس سوفياتي، الى انتقاد اداء بوتين بقوله:”أصيب بالمرض نفسه الذي أصابني في وقت سابق، وهو الثقة الزائدة بالنفس”، وتقديم النصح له قائلا:”لا تركب رأسك، فإن هذا هو ما خرّب حياتي”.

المدن

 

 

 

بوتين والأسد/ سلامة كيلة

يعود الروس للعب دور في الملف السوري، بعد أن أفشلوا مؤتمر “جنيف2″، حينما أتوا بوفد يمثّل الطرف الذي مارس كل الوحشية ضد الشعب، والذي أتى، وهو يرفض، أصلاً، مبادئ “جنيف1″، وبعد أن تورطت موسكو في أوكرانيا، فتعاملت بما يجعلها تخسر هذا البلد الحيوي لمصالحها، انطلاقاً من “نظرية المؤامرة”، على الرغم من أن الأمر يتعلق بشعب أسقط سلطةً أفقرته، كما سابقتها التي كانت ترتبط بأوروبا. وبالتالي، ضاع الروس في تفاصيل الوضع الأوكراني، ما جعلهم لا يلتفتون إلى الوضع السوري.

في هذه اللحظة، وضعت أميركا استراتيجية العودة إلى العراق والتحالف مع إيران، ومن ثم، الضغط، عبر سورية، للوصول إلى ذلك، تحت عنوان “الحرب ضد داعش”، وهذه أداة تبرير التدخل تحديداً. دفع هذا الأمر روسيا إلى العودة إلى الملف السوري الذي هو ضرورة بالنسبة لها كذلك، لكن في معادلة جديدة، بعد أن أصبحت أميركا طرفاً مباشراً، بعد أن كانت تدعم حلاً روسياً، منذ بداية 2012. جعل هذا الأمر روسيا تبدأ في حوار مع أطراف في المعارضة، ومع السلطة، من أجل ترتيب العودة إلى المفاوضات، في جنيف كما يتسرّب، وعلى أساس مبادئ “جنيف1”. لكن، عادت روسيا إلى التأكيد على أن أمر بشار الأسد غير مطروح للنقاش، وأن الأمر يتعلق بترتيب وضع جديد بوجوده، من أجل محاربة الإرهاب.

لا أعرف ما إذا كان بوتين يعرف أن “الحرب ضد داعش” التي طرحتها أميركا فيلم هوليودي، للضغط على إيران لتحقيق تحالف معها، وترتيب وضع العراق، بما يجعل السيطرة الأميركية على الحكومة هي الأساس، من دون تجاهل دور إيران. وبالتالي، أن كل الحديث عن الحرب ضد الإرهاب ليس سوى تغطية على الثورات القائمة من جهة، ومن أجل تغيير في الوضع الجغرافي السياسي، من جهة أخرى. وأن كل سياسة السلطة السورية قامت، منذ البدء، على مبدأ تحويل الثورة إلى “إرهاب”، من خلال “زرع” التنظيمات “الجهادية التي كانت في سجونها، وترتيب نشاطها، من أجل جلب أميركا إلى دعمها، وهو ما ترى أنه ممكن، الآن، أكثر من الانتصار على الثورة، لأنه هو كما تعتقد سوف ينهي الثورة.

بالتالي، استغلال روسيا ذلك لتمرير تشكيل يقبل ببقاء بشار الأسد وحاشيته، يُظهر كم هي “غبية” في التعامل مع ما يجري، حيث تحاول استغلال بعبع لا يخفى على الشعوب أنه كذلك، وأنه يأتي ضمن لعبة أميركية، من أجل مصالح أميركا، وهو لعبة كذلك لتحويل الأنظار عن الثورة، وعن مطالب الشعب التي أولها إسقاط النظام، وإزاحة بشار الأسد. لهذا، لن يكون جنيف3 أو 4 أو 5 ممكناً نجاحها من دون ذلك، مهما جرت المناورة بالإرهاب، والذي هو هو إرهاب السلطة أولاً، المحمية روسياً، وإرهاب “السلفية الجهادية” ثانياً، وأن الصراع هو من الطرفين معاً، على الرغم من صعوبة ذلك، لأنه ليس ممكناً تجاهل طرف، والتركيز على آخر، فالواقع نفسه يفرض الصراعين، على الرغم من كل صعوبات الثورة والتدخلات الإقليمية والدولية التي تصبّ في ضعفها وتشويهها.

لهذا، يجب أن يبدأ “جنيف 2 أو 3” من إقرار روسي بحتمية إزاحة الأسد، وبوفد من السلطة لا يمثله، بل يمثّل طرفاً يقبل مبادئ “جنيف1” التي تنص على تشكيل هيئة (وليس حكومة) حكم انتقالي، لتحقيق الانتقال إلى سورية جديدة. هذا الإقرار ضرورة من أجل التفاعل مع أي مبادرة روسية، وإلا يجب أن يكون واضحاً أنه لا تفاوض معها، ولا حاجة لحوار ونقاش كثيرين. فالأمر واضح، الحل في سورية يجب أن يقوم على سلطة جديدة بدون الأسد، وهذا شرط كل تفاوض مع الروس، أو رفض كل حوار معهم.

يكفي مراوغة، ويكفي استغباء من دولة إمبريالية أظهرت غباءً مفرطاً.

العربي الجديد

 

 

 

روسيا رسول السلام/ فواز حداد

تشكل عودة السياسة إلى مجريات الحدث السوري، ملامح المشهد القادم للأزمة السورية، قد يطول أو يقصر، هذا لا يهم حالياً سوى الروس، وفيما لو استمر زخم ما يروج عن مبادرتهم بالدعوة الى موسكو1، فالمتوقع أن تأخذ مجراها، إلى أين؟ التوقعات مبكرة، فالمبادرة لم تتبلور حتى الآن، بانتظار عرضها على النظام لتأخذ شكلها النهائي. تتضمن الخطة تشكيل حكومة وحدة وطنية تترأسها شخصية معارضة، وتتألف من شخصيات من السلطة والمعارضة، وتتوزع صلاحيات رئيس الجمهورية بين الرئيس الحالي وبين رئيس الحكومة، الهدف أن يحس السوريون على اختلافهم أنها سلطة تمثلهم، بوسعها مواجهة ما يتهدد وحدة البلاد في المرحلة القادمة.

تطمح روسيا من خلال المبادرة إلى استعادة دورها الإقليمي، بعد تهميشها، إثر ظهور “داعش” ودخول أمريكا إلى المنطقة. نجاح المبادرة يفترض مقدرة روسيا على إقناع النظام على قبولها. هل تستطيع؟ كيفما كانت بنود المبادرة، فهي تعني الانتقاص من مصالح النظام في مواجهة مصالح موسكو. وامتناع النظام عن الموافقة عليها، قد يؤدي إلى خروج روسيا من المنطقة، ما يرشح الدور الأمريكي إلى أن يكون البديل الأوحد. فالاتفاق الحاصل بين أمريكا وإيران في العراق ضد “داعش”، قد يمتد فيما بعد إلى اتفاق حول سورية من دون روسيا.

ليس من المستبعد على النظام ألا يرضى بها، المؤشرات تدل أن رسائله إلى الأمريكان مستمرة معولاً على أن مكافحة الإرهاب لا تتم من دون تعاونه معهم. الأزمة لا تحتاج إلى أكثر من مصالحات مناطقية. لذلك وجدت مقترحات المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا التي تدعو إلى «تجميد» القتال في حلب قبولاً لكن بشروط سورية، ليست أقل من استسلام المقاتلين، رغم أن مقترحاته غير كافية للحل لصعوبة الحصول على قبول المعارضة بتجميد القتال واحترام النظام بالمقابل لشروطها. في هذا السياق، تحاول موسكو احتواء دي ميستورا في مبادرتها عوضاً عن أن يكون بديلها، ودعمها باستقدام وفد من الضباط والشخصيات السورية المعارضة، يرضون بما ترتأيه حول طريقة حل عقدة مصير الأسد، من دون ازعاج النظام.

ترى هل هي الفرصة الأخيرة للروس في سورية لإنقاذ مصالحهم؟ ربما، في حال فشلت، قد تخسر موقعها في المنطقة. الواقع الحالي كما يبدو يشجع الروس على استغلاله، أوباما يحاذر التورط في سوريا، لاسيما وهو ماض في استراتيجيته التي انجلت عن التعاون مع إيران، بهدف توريط المنطقة في الحروب بدلاً من انهائها، في رحلة غموض أخرى، تتوج بالفوز باتفاق نووي مع إيران، ما يمهد لتحقيق وعده قبل أن تنتهي ولايته بإخراج أمريكا من حروبها.

الروس طموحون جدا وإن تأخرت كثيراً، وتحتاج إلى بذل جهود جبارة، لكن كما يبدو حتى الآن ستصطدم تمنياتهم بالجدار السوري المدعوم من إيران. هل تستطيع روسيا أن تشتبك مع الأسد لإنجاح تسوية شرطها المؤجل والنهائي إقصاؤه، وقبوله بها يعني خسارة حلفائه الإيرانيين نفوذهم الشامل في سورية؟

أشد ما سوف يواجه جميع الأطراف في إرساء تسوية سياسية، الكارثة على الأرض في تجميع هذا الركام من الخراب البشري والمادي، ولا تُستثنى الجغرافيا، وضع من الصعب معالجته بعدما اختطفت “داعش” و”جبهة النصرة” المعارضة المسلحة وأصبحتا الأقوى تمثيلاً لها بإظهارهما القدرة على عدم التراجع عن أهدافهما. من الجانب الآخر لا يمكن قبول الجيش النظامي الممثل بالبوط العسكري ومعه الأجهزة الأمنية بالمبادرة الروسية، انهم الجزء الأكثر تصلباً في النظام، ولا يمكن التضحية بهم، الأجهزة بالذات تعاملت بالرصاص مع مظاهرات آذار 2011 التي لم تطلب أكثر من الكرامة. اليوم بعدما أصبح للنظام سند في مقارعة الإرهاب، لن تذهب نظرياتها التي ابتدعها سدى، بعدما تحققت على الأرض.

السؤال المجدي، هل يستطيع الروس انقاذ سورية بينما روسيا بحاجة إلى من ينقذها من ضائقتها الاقتصادية التي بدأت مع انخفاض أسعار البترول؟ ثم السؤال الأكثر جدوى، هل الروس الذين أسهموا في المأساة السورية عن عمد وتصميم يرغبون فعلاً في اصلاح ما دمروه؟ أما السؤال الذي لا ينبغي نسيانه، هل لدى الروس مقدار كاف من النزاهة يعوض ما مارسوه من تضليل طوال الأزمة؟

المدن

 

 

 

 

المخاطرة الروسية لحل الأزمة السورية/ لؤي حسين

الحديث عن حوار سوري- سوري في موسكو ليس جديداً. فمنذ ثلاث سنوات حاولت القيادة الروسية الدعوة إلى مثل هذا الحوار لكنها لم تنجح، إذ اعتذرت أطراف المعارضة المدعوة عن عدم المشاركة. وقد قمت حينها بإبلاغ السفير الروسي في دمشق بأننا نحتاج إلى طرف محايد يرعى الحوار، وروسيا ليست كذلك. وقلت له: لا يمكننا المشاركة في حوار ليس له عنوان وبرنامج، وإلا تحوَل إلى مجرد دردشة لا تفيد، بل تساهم في تمييع الأزمة. وأخبرته أننا عديمو الثقة بجدية السلطة ما لم تطلق سراح المعتقلين وتوقف اعتقال معارضيها والناشطين السلميين.

لا توجد الآن مقومات ناجزة لحل الأزمة السورية. بل لم تعد هذه الأزمة المتمثلة بأشكال متعددة هي المتصدرة المشهد السياسي أو الصراعي. فبعدما خيم الركود شبه المطلق على آفاق حل الأزمة بعد انتهاء جنيف 2 وتوقف المحادثات العقيمة بين النظام والمعارضة، جاءت «داعش» لتسيطر على كامل المشهد بعد سيطرتها وتمددها على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، واستدعاء ذلك لقوات التحالف الأميركي التي باتت تسيطر على أجواء شمال وشرق سورية في شكل شبه مطلق. ومع كل هذا تتحرك موسكو الآن لتخاطر بفتح ملف حل الأزمة السورية.

يأتي التحرك الروسي الآن انطلاقاً من حاجة موسكو الماسة لاستعادة دور مركزي لها في الساحة السورية بعدما نجحت واشنطن بإقصائها كلياً عن المعركة العالمية التي تقودها ضد «داعش» في سورية والعراق، ليبقى دور موسكو مقتصراً كلياً على دعم النظام المبعد في شكل مطلق عن «شرف» المشاركة في المعركة، والعاجز تماماً عن فرض حضوره فيها أو فتح معركته الخاصة الموازية لها.

تحتاج موسكو كذلك إلى تخفيف أعباء معركة أوكرانيا وتبعات العزلة الدولية التي تزداد تضييقاً عليها. من هنا لا تجد أمامها خيارات كثيرة، وتبدو مضطرة لخوض غمار مخاطرة كبيرة متمثلة بفتح ملف حل الأزمة السورية، مغامرة بكل وجودها ودورها في سورية وربما في الشرق الأوسط عموماً. فموسكو تنوي المضي قدماً في هذا المنحى بحركة التفافية علنية على واشنطن، فلا تشاورها ولا تقيم لها أهمية أو وزناً، بل تحاول أن تقصيها نهائياً عن كل دور في مبادرتها. وهذا سيفرض على موسكو أن تتضمن مقترحاتها إغراءات جدية كفيلة بجذب الأطراف المعارضة وبعض الدول الإقليمية، ويتطلب امتلاك موسكو الكثير من الجرأة والمقدرة والإمكانات التي لا يوجد حتى الآن ما يكفي للتدليل على امتلاكها لها.

صحيح أن موسكو تتحرك من تلقاء نفسها وبدافع حاجاتها ومصالحها القومية، لكن يبدو أنها تعتمد على بعض ما عرضناه عليها، وعلى أطراف رئيسية أخرى في الأزمة، من أنه لا إمكانية لمواجهة داعش في سورية إلا عبر حل الأزمة السورية بتشكيل حكومة وحدة وطنية ترأسها شخصية معارضة وتتشكل من شخصيات من السلطة والمعارضة والشخصيات العامة، مع توزيع صلاحيات رئيس الجمهورية بينه وبين رئيس الحكومة والحكومة مجتمعة، في توازن حاسم للصلاحيات لا يتيح لأي طرف الانقلاب على الأطراف الأخرى، على أن تتمتع هذه الحكومة بصفات تشعر جميع السوريين أنهم ممثلون فيها، وأنها سلطتهم الوطنية المؤهلة لكي يلتفوا حولها بأوسع قاعدة شعبية لمواجهة داعش والمخاطر التي تتهدد البلاد.

وما لم تتضمن المبادرة الروسية، التي لم تتضح بنودها بعد، تغييراً رئيسياً وجدياً في بنيان النظام وهيكليته، فلن تجد موسكو طرفاً معارضاً يقبل المشاركة فيها. وإن تضمنت المبادرة تغييراً كهذا، فموسكو ستكون في مواجهة النظام مباشرة ولأول مرة منذ أربع سنوات.

هذه المعادلة التضادية هي التي تجعل المبادرة الروسية مخاطرة تحمل إمكانية خسارة موسكو كل وجودها في سورية إن فشلت مبادرتها. فنجاح المبادرة يشترط موافقة وقبول النظام بها. وإطلاق المبادرة يفترض مقدرة روسيا على إقناع أو إجبار النظام على قبولها. والمبادرة، كيفما كانت بنودها، إن كانت جدية، تضع مصالح موسكو في مواجهة مصالح النظام. وتمنّع النظام عن قبول المبادرة سيضع موسكو في موقف أكثر من حرج. ولن تتردد حينها الولايات المتحدة لحظةً في الانقضاض على روسيا وإيجاد طريقة ما لإخراجها نهائياً من المعادلة، ولو اضطرها ذلك إلى إعادة مد الخيوط مع النظام الذي بدأ يعطي المؤشرات على عدم رضاه التام عن المبادرة، مدعياً أن الظروف غير مناسبة للنهوض بمبادرة لحل أزمة لا تحتاج إلى أكثر مما يسميه مصالحات مناطقية، على رغم أن أثرها لا يطاول سوى ما ينشره على إعلامه الرسمي. فلا أثر ذا معنى لها في الواقع.

في المقابل، من المتوقع أن تكون موسكو قد وضعت في حسبانها إمكانية تمنع النظام وعدم استجابته لمبادرتها. وبالتالي لا بد أن تكون قد أعدت عدتها لإخضاعه وفق إرادتها، حتى لو تعارض ذلك مع إرادته. ومن غير ذلك فإنها مهددة جدياً بالخسران على يد حليفها الذي حمته ورعته، دولياً على الأقل، طيلة السنوات الأربع الماضية.

كان التقدير دوماً على امتداد سنوات الأزمة السورية أن النظام يحيا على رحمة روسيا، وأن الهواء الذي يتنفسه هواؤها، وأنه يتصرف وفق مشيئتها أو برضاها على الأقل، ما يجعله غير قادر على مخالفتها في المسائل الرئيسة. وكان ذلك واضحاً بقوة خلال أزمة السلاح الكيماوي، حيث امتثل النظام تماماً لمبادرة موسكو بتخليه عن مجمل سلاحه الكيماوي الذي حرص على جمعه وتخزينه لسنوات طويلة. لكن تحولاً رئيساً طرأ على نهج النظام وسلوكه بعد الانتخابات الرئاسية، إذ صدَق ادعاءاته حول الانتخابات، وبات يظن أنه قادر على الاكتفاء بذاته، فأغلق أبوابه ونوافذه بجدران صماء تفصله عن واقع خارجي ما عاد يوجد أي دليل حسي على وجوده بالنسبة إليه. ومن هنا، من غير المستبعد أن يلحظ حاجة موسكو إليه الآن، وأن يتعامل معها على أنها مثله واقعة في أزمة دولية.

من غير المعروف، الآن، ماذا ستفعل موسكو لتذليل عقبة النظام وتمرير مبادرتها المنتظرة، ومن غير المعروف أيضاً أين ستكون إيران في هذه المعادلة الضدية بين روسيا والنظام، وما الدور الذي ستقوم به، بل لا يُعرف مدى التنسيق الروسي الإيراني في هذه المبادرة. ولا يعيب موسكو أن يكون تحركها ناجماً عن حاجتها الذاتية، ولا ينتقص ذلك، بالنسبة لنا كسوريين، من أهمية هذا التحرك، بل يتوجب على جميع القوى السورية، إن وجدت في المبادرة الروسية المتوقعة حداً أدنى من الجدية، أن تشارك بقوة لإنجاحها غير آبهة بأيٍ من الدول هي التي تحقق انتصاراً على غيرها في النهاية. فاهتمامنا يجب أن يقتصر في شكل قطعي على إنهاء أزمتنا بما يكفل وقف الخراب والقتل والمهانة والاستبداد.

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

الحياة

 

 

العبرة عند المتقاتلين/ سمير العيطة

واضح أنّ شيئاً ما يتحرّك على صعيد السياسة في سوريا بعد الجمود الكبير الذي تبع مؤتمر جنيف 2. ولكن هل يعني هذا أنّ حلاًّ ما يلوح في الأفق؟ وهل يحقق ذلك ما تطلبه الأغلبيّة الساحقة من السوريين أوّلاً، أي وقف معاناتهم والقتل والقتال العبثيّين؟

التفاوض بين السوريين، وبين القوى التي تتصارع على سوريا عبرهم، يتمّ اليوم عبر السلاح. ليس فقط بين الجيش النظاميّ والمعارضة المسلّحة، بل أيضاً مع «داعش» و»جبهة النصرة». لكن بدأت تتشكّل قناعة بأنّ هذا «التفاوض» القاتل عبثيّ، ولن يُسمح لأيّ طرفٍ أن ينتصر على الآخر، وإنّ ظنّ في مرحلةٍ ما أو في أخرى أنّه يستطيع الحسم عسكريّاً. وبالتالي فإنّ المسار نحو الحلّ يعني انتقال وسيلة التفاوض من السلاح إلى السياسة، على أسسٍ لا يُمكن أن تكون سوى الحرص على الإبقاء على سوريّا موحّدة وآمنة شعباً وأرضاً. من هنا يصعب على أيّ طرف تصوّر مثل هذا الانتقال إلى ساحة السياسة مع «داعش»، لأنّ مشروعها غير سوريّ. أمّا «جبهة النصرة» فبعد أن احتضنتها بعض أطياف المعارضة، في أفضل الأحوال لالتباسها حول مشروعها الحقيقيّ، اختارت هي أيضاً أن تنحو منحى «داعش»، خارجةً عن أيّ مشروع وطنيّ.

فماذا يُمكن أن تكون أرضيّة التفاوض السياسي إذاً؟

بدأت القناعة تترسّخ اليوم أنّ الحلّ لن يأتي من مؤتمر يُعقد بين موظّفين في جهاز الدولة السوري ومندوبي جهاز سياسي لمعارضة تمّ تنصيبها «ممثلاً شرعيّاً وحيداً للشعب السوريّ». فما الذي سيقدّمه «حكمٌ توافقيّ كامل الصلاحيّات»، إن لم يكن قادراً على وقف الحرب، وعلى طرح صيغة تجعل هذا التوافق مستداماً وقادراً على مواجهة «داعش» و»النصرة»؟ لا يُمكن توقّع أن تذهب المعارضة المسلّحة لمقاتلة المتطرّفين جنباً إلى جنب مع الجيش النظامي، ولن يعود الضباّط المنشقّون إلى جانب إخوتهم السابقين في السلاح، إلاّ إذا أحسّ الطرفان أنّ الحلّ المطروح يشكّل حافزاً يتخطّى الآلام الكبيرة التي تكبّدها الجميع.

من ناحية أخرى، أثبتت تجربة «المصالحات»، مهما كان تقييمها، أنّ التفاوض عليها قد جرى بين القوى المتصارعة على الأرض، وبين الدول التي تدعمها، وليس بين السياسيين. الجيش النظاميّ وأجهزة الأمن والميليشيات الموالية من جهة، وأطياف المعارضة المسلّحة المتنوّعة من جهة أخرى. وكانت إحدى أكبر مشاكل ذلك التفاوض في عدم تنسيق أطراف كلّ جهة بين مكوّناتها.

لكن، وعلى عكس ما يدّعيه البعض، لا يُمكن لتجربة «المصالحات» أن تؤسّس لحلّ مستديم. إذ أنّها لم تُعقَد إلاّ في مناطق محاصرة وكانت في الحقيقة نوعاً من الاستسلام لواقع الحصار الخانق، رأفةً بالمواطنين الذين أنهكهم القصف العشوائيّ، مثلما جرى في حمص. لكنّ الدرس الذي أعطته «المصالحات» هو أنّ هناك معارضة مسلّحة تضع في حساباتها المواطنين الذين حملت السلاح من أجل الدفاع عنهم أكثر من مشروعها الفكريّ أو السياسيّ، على عكس «داعش» و»النصرة»، وأنّ هناك في الجيش النظاميّ والقوى الموالية من لديه نفس الحرص، وبما هو أهمّ من الوفاء للسلطة.

في المقابل، تبقى مبادرة المبعوث الأمميّ حول «تجميد الصراع في حلب» طرحاً خياليّاً، إذا اقتصرت على التجميد ووقف إطلاق النار، وعلى حلب وحدها، من دون أن يكون هذا التجميد وما يحيط به هو بالتحديد عمليّة سياسيّة تنطلق من التفاوض بين المتقاتلين لتصنع حلاًّ سياسياً ذي مضمونٍ حقيقيّ. الهدنة يُمكن أن تريح المواطنين أيّاماً أو أسابيع قبل أن يعود الصراع ليتفجّر بشكلٍ أكبر.

لا بدّ من ترسيخ القناعة بأنّ وثيقة «جنيف 1» قد تمّ تخطّيها، وهي التي جرى وضعها عندما لم يكن الصراع في سوريا حرباً، وأنّ ما يجب بناؤه هو عمليّة سياسيّة توقف الحرب وتبني الثقة لمواجهة التطرّف.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...