الرئيسية / صفحات الثقافة / الدونكيشوت والفشل النبيل

الدونكيشوت والفشل النبيل

 

    عبد الوهاب عزاوي*

كثيراً ما سيطر عليّ هاجس الدونكيشوت، تلك الشخصية الملتبسة، الأيقونة الجميلة الحاضرة دائماً. إنه مقاومةٌ مليئة بالكبرياء ضد قوة طاغية. صراعٌ محكومٌ عليه بالفشل. منشأه عندنا يأتي من حضور العمالقة المجسّد: القمع وأجهزة الأمن والديكتاتورية المتجذّرة. لا بد أن أعترف أننا اعتمدنا على تأويلاتنا باعتبارها أصيلة، لم نفكر وقتها في أن الدونكيشوت يفقد دوره الاجتماعي لأنه يحارب في الحلم، وينفي واقعه لخلق واقع بديل، وبهذا يفقد قدرته على التغيير، ويحكم على نفسه بالفشل، بحيث يغدو موته النتيجة الوحيدة والحتمية التي تكمّل نبل اختياره حتى إن ارتدّ عنه، وتكمل أسطورته المعكوسة، التي تسير نحو الماضي بدل أن تأتي منه.

لم أتمكن من التحرر من فكرة العزلة والخذلان في شخصية الدونكيشوت. هو لي ثيمة تعبّر عن نضالٍ دام عقوداً في المعتقل، نضالٍ كان يُخاض من الظلمة، ويتمثل في الوجود نفسه لا في الفعل. عجز يكتسب أسطورته من سطوة الديكتاتورية، من جعل عجزه أكثر عجزاً، أكثر أسطوريةً، من دون أن ننسى أن وزر العجز يقع على الخصم الطاغية. هذا الجيل قدم إلى سوريا في المعتقل أكثر بكثير مما قدّمه بعد خروجه منه، لأنه عندما خرج خسر الكمون الموجود في المعتقل، وأصبح فشله كاملاً، ولم يعد في الإمكان إلقاء كل هذا الفشل على النظام الديكتاتوري. لم يعد العجز كاملاً. أمست القدرة على الفعل مهما كانت صغيرة كافية لكشف العيوب والتشوه والتناقض بين الفكر والفعل السياسي الذي أصاب أصحابها وفشلهم في أن يغيّروا أي شيء في المجتمع، فخبت أسطورتهم. لم يهزموا على يد “فارس القمر الأبيض” بل هزمهم الزمن. لم يملكوا تلك النهاية التراجيدية “دوليسنيه دي توبوزو أجمل سيدةٍ في العالم، وأنا أتعس فارسٍ على الأرض”، بل مضوا إلى نهاياتهم الواقعية.

مثّل الدونكيشوت عند كونديرا “في فن الرواية” حال الاحتجاج على مغادرة الإله لعرشه وعلى تشوه العالم. احتجاج نبيل وعميق وصادق، ضد العالم نفسه. إنه الأصل الذي تتحدر منه شخصية السيد ك في رواية “المحاكمة” لكافكا، حيث تمسي المقاومة النبيلة والمجنونة لدى الدونكيشوت لامبالاة عميقة عند السيد ك، وعجزاً باذخاً أمام سطوة مجتمع قاسٍ وبصورة غير قابلة للتفسير. يعتبر كونديرا ثرفانتس مؤسس الأزمنة الحديثة بالمعنى الروائي، ويرى في الدونكيشوت تساؤلاً دائماً حول مصير الإنسان في صراعه الفردي مع مجتمعه، تالياً من المهم قراءته خارج إطار التحزب والإيديولوجيا، فلا هو مديح للمثالية ولا هجاء لها، كما لم يكن تغنيّاً بالثورية أو ذماً لها.

أفترض أن السر في الشخصية يكمن في التناقض العميق بين “سذاجتها” والسخرية التي قُدِّمت بها في العمل الروائي، وبين التعاطف الذي يتشكل معها تدريجياً، ليس شفقةً كما تقدمه بعض شخصيات الرواية (مثل ماريتورن). إنه تعاطف حقيقي، قلق من الأذية التي ستعوقه، وهذا قد يقدم نوعاً من الإجابة عن سؤال: ما الذي يدفع سانشو إلى اللحاق بسيده “المجنون”، على رغم إدراكه أن معظم ما يقوله خاطئ؟ جنون الدونكيشوت أقوى من سذاجة سانشو، وفي النهاية كلاهما ضحية سماجة الدوق. التفسير يكمن في أنه يطمع بنصيب من الحلم، من العاطفة، ومن الأمل وإن كان كاذباً، إنه يريد أن يشارك في الحلم – اللعبة.

غموض شخصية الدونكيشوت يوحي بفكرة تورّط ثرفانتس في بنائها، إذ يبدأ في تشكيلها بنوع من السخرية مع سيطرة الضمير الغائب، حيث أمضى الدونكيشوت أربعة أيام يفكر في اسم فروسي لحصانه روسينانت، ثم أمضى ثمانية أيام ليجد اسماً يليق به: دونكيشوت دي لامانش. بدأ بالحصان والسيف والخوذة قبل اسمه، كأنه يبني عالم الفروسية من المحيط نحو المركز. إنه تمهّل المستمتع، تمهل من يتلبّس دور المجنون، وبعد ذلك كله قرر اسم حبيبته دولسينيه دي توبوزو. إنه يتوج نفسه بالحب ليكتمل ألقه، ويخاطبها لاحقاً كإلهة تحمي فارسها. يفكر في الحب بعدما أمسى فارساً، البعد الأسطوري للحب. ومع تقدم الرواية يغدو ضمير المتكلم أكثر حضوراً، ويمسي التلبّس إيماناً بالفروسية والمغامرة، درباً يقترحه الحصان لا صاحبه، ذلك الحصان المؤمن بسيده الذي يندفع معه في المعركة على خلاف حمار سانشو، يشاركه الألمَ على رغم نحوله وضعفه، وقد يقع أحياناً، لكنهما يكملان معاً طقس الفارس الخاسر.

يفترض سعدالله ونّوس أن شخصية الدونكيشوت دفاع عن عهد الإقطاعية الآفل أمام عصر البورجوازية الصاعد. إنه تفسيرٌ مؤدلجٌ بشكل كبير، ومع ذلك لا يمنح الاستقرار للعمل، فهل هو سخرية من الإقطاعية وقالب الفروسية المتعلق بها، أم مديح وتعاطف معها؟

كثيراً ما تخيّلت الدونكيشوت فصاميّاً، فهو يملك التوهّم الغريب الذي يعزله عن المجتمع، ولديه هلوسات بصرية وسمعية، ولكن الالتباس يظل قائماً، فهلوساته لها أساس مادي (العمالقة طواحين هواء، والقصر أو القلعة نزل رخيص). إنه يلتبس باضطراب الإدراك الحسي أو ما يسمّى أحياناً “انخداع الحس”. إنه يفسر الأمر بأن ساحراً عدواً له حوّل العمالقة طواحين هواء في اللحظة الأخيرة ليُفشِل مغامرته. إنه يدرك عدم وجود العمالقة لكنه يأبى أن يعود إلى الواقع. إنه ينتمي إلى الحلم أولاً. لم أقدر أن أحسم إن كان فصامياً أم لا، ولا أفترض أن ثرفانتس كان قد درس الطب النفسي.

لا يفقد الدونكيشوت غوايته، فكلّ شخصٍ منّا يحمل شيئاً منه، شجناً وأحلاماً مستعصيةً وفشلاً نتمنّى أن يكون نبيلاً.

 * شاعر وطبيب سوري

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...