الرئيسية / صفحات سورية / الدويتو: حارس الكرامة ساروت والبطلة الاولمبية فدوة سليمان

الدويتو: حارس الكرامة ساروت والبطلة الاولمبية فدوة سليمان


أحمد عمر

أصبت بالتجفاف في الفترة الأخيرة لا من حرقة النار ولا من فرقة العسل، وإنما من كثرة البصاق على ‘الأبواق’ في التلفزيون، ومن كثرة البكاء من عيني الاثنتين اللتين أسبلتا معا؛ ليس على الشهداء وإنما من اللوعة والضراعة إلى حبيبة عنترة بن شداد التي كان يخاطبها تحت القصف المدفعي والقنابل المسيلة للدماء:

وَلَقَد ذَكَرْتُكِ والرّمَاحُ نَواهِلٌ، … مِنّي وبِيضُ الهندِ تَقْطُرُ من دَمي

فَوَدِدْتُ تَقبيلَ السّيُوفِ لأنّها … لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَسِّمِ

حبيبة عنترة التي كان اسمها الحركي عبلة هي حبيبة محمد البوعزيزي التي أشرق وجهها في الشوارع العربية المسلوبة باسم فلسطين أو الاستقرار، بعد أن فتحها بعربة خضار فتحا مبينا.. وأنا حاليا بحاجة إلى الحكمة بمشفى ميداني لا بمشفى وطني من كثرة فقدان السوائل غير الحمراء بسبب أبواق الهند التي تقطر من دمي. وقد أنكرت فضائيات التبن التقارير الحقوقية التي تندد بقتل وتعذيب الجرحى واعتقال الأطباء فالطبيب يقسم بعد تخرجه قسم ابقراط الحكيم على مداواة البشر من غير النظر إلى جنس أو دين، والجريح ‘معصوم’ مأمون حتى يبرأ؛ فمن دخل المشفى فهو آمن. ثم ما لبثت فضائيات العرب وفضائيات ‘العلوج’ أن قامت بمقابلة عشرات الجرحى السوريين الذين ظهروا ملثمين بالضباب الصناعي في الأردن ولبنان خوفا من نزع النفس الأخير من المصل المشنوق .. الأغرب من هذا كله أن تعلن إحدى فضائيات التبن في شريطها الإخباري يوم اول أمس بعد انتهاء المعركة مع مسلحي بابا عمرو هذا الإعلان العجيب: انه تم اكتشاف مشاف ميدانية في بابا عمرو! وهذه مساواة ضيزى بين المشفى ومصانع القنابل واعتراف بما دفعت به عن نفسها ب’البرهان في أصول علم البهتان’ : كيف نقتل الجرحى والمداواة مجانية!!

على أن لي نظرية متواضعة في الحياة اسمها المؤقت ‘الخصومة ما بين دراما الشعب والحكومة’ فالحكومات الطغيانية هدفت إلى منع الدراما بنوعيها الكوميديا والتراجيديا في البلاد التي ‘تحتهم’. نقلت الكوميديا إلى التلفزيون الرسمي تعويضا عن بؤس الواقع المقلوب على رأسه أما التراجيديا فسحلت إلى السجون لأن دراما الواقع تصنع الأبطال الواقعيين، والبطل الواقعي خطر على امن الوطن والمواطن، فقامت بحبس المجتمعات في أحواض زينة الزعيم: السياسة ممنوعة، الخصومة ممنوعة، النقابات ممنوعة، الانتخابات تخلق صراعات ومشاحنات لا تصلح لنا وإنما لدول خاضت حروبا عالمية، وهاهم الطغاة يخوضون حروبا عالمية ضد مجتمعاتهم لمنع بدعة الديمقراطية.

الدكتاتور ‘الفاضل’ يريد مجتمعا طاهرا مطهرا، لأنه يحكم بالعدل المبين. مؤخرا اعترف بعضهم بأخطاء ليس لها قصاص يؤاخذون به، فهي أخطاء مطبعية، لذلك كانت مخابرات الزعيم العربي الفاضل تعتقل كل من يحاول إعادة الدراما إلى الحياة.

كل الطغاة سعوا إلى ادعاء جمهوريات فاضلة يتقدمها الاتحاد السوفيتي وتتأخرها أفغانستان طالبان، وكانت الفضائيات فيها تتبادل الأدوار مع المخابرات: المذيعة تبتسم في التلفزيون، والسجان يكشف عن نيوبه بارزة في الزنزانة ليصحح ابتسامتها. وربما يكون احد أسباب سيادة أمريكا هو في إطلاق يد الدراما الحياتية على وسعها إلى حد التفريط.

لو قبل النظام السوري المنضم بالإعلام العربي والعالمي لكان خيرا له، فمهما بالغ الإعلام وتأمر و’شبّح’ لاحتفظ ببعض شروط المهنية، إلا أن هذا لا يعني أن شهود العيان أصبحوا يتدربون على مهنة المراسل الإعلامي الحربي مثل عنترة تحت الرماح النواهل، والقيام بإرسال رسائل ‘من تحت النار’ مع أخطاء هنا وهناك، بعضهم أميون أو أنصاف متعلمون، احدهم تحدث عن قصف ‘عشواقي’، شاهد آخر معجب بجملة ‘القتل بدم بارد’ حتى في المقاتل الساخنة، لكن هناك تقارير واعدة وأصوات رخيمة.

اولمبياد الحرية

هاهي الممثلة المغمورة فدوة سليمان ( اسمها من الفداء سواء كتب بالتاء المربوطة أم بالتاء المسرورة أو الألف المقصورة… في الخيام) تصبح في ليلة – قبل أن يبزغ ضحاها – سوبر ستار في القناة العربية الأشهر، وبطلة ‘اولمبية’ من غير أن ترمي قرصا حديدا أو تركض مترا فبين الباطل والحق كلمة. تناهبت قناتي الجزيرة والجزيرة مباشر صورة وصوت فدوة سليمان في ‘دائرة الطباشير’، ويمكن هنا أن نضع عدة احتمالات لاحتفال الجزيرة بها: أن الجزيرة سعيدة بها لأنها صبية وجميلة وشخصية عامة، وكل أنثى صيد إعلامي ثمين في مظاهرات مقصورة على الذكور الشباب. الاحتمال الثاني: أن الجزيرة تحرّض على الوحدة الوطنية من باب الشارع لا من باب السلطان. الاحتمال الثالث أن الصور مفبركة في استديوهات قطر للإنتاج الثوري؟؟ الاحتمال الرابع: أنها وجه فني وقد شكلت ‘دويتو’ ثوري مع شاب من طائفة شقيقة وهي دراما كامنة وواعدة، خاصة أن الشاب رياضي معروف فهو حارس.. الكرامة.

من كل فج عميييق:

تذكّر بركة حسين اوباما، كما يحب المرحوم معمر القذافي أن يسمي رئيس أمريكا المسلم الاب، أنّ الحج يذكر بالديانات الإبراهيمية، لكني حتى الآن- رغم قراءاتي عن الحج – اجهل مناسكه وترتيبها ومعاني مصطلحاته: الإحرام، العقبة، القارن، المفرد ، … وتمنيت لو تطوعت إحدى القنوات الفضائية بفلم ‘انيمشن’ يبسط شعائره أو ‘مظاهراته’ بتعبير معاصر.. وأعود إلى معمر القذافي رحمه الله قائلا: ليمت اكبر الطغاة وأنا مستعد أن أدعو له بالرحمة، وأتصدق على قبره بستين دقيقة صمت، لكن المجد للأبطال الحقيقيين على الأرض الثكلى لا للأبطال الممثلين الذين يصارعون الشر في أعالي الشاشة.. وفي الناس المسرة.

فضائية التبن والبرسيم والعلف:

فوجئت باحتفاء فضائية التبن العلمانية بالحج بدم بارد! معلوماتي تقول أنّ مشايخ دمشق جاهدوا من اجل أن تنقل فضائيتهم الرسمية مناسك الحج وشعائره – مثلما تفعل كل قنوات العلوج – قبل سنتين، فلم ينجحوا لأن الدين لله والوطن للجميع! كما فوجئت بيوسف أمين شاكير صاحب الشعوذات الشهيرة التي لم تحمِ ليبيا من نيران الأطلسي ‘الصديقة’ ضيفا على قناة التبن الثالثة بوصفه خبيرا استراتيجيا في الحبل من غير وصال. قناة التبن نفسها باتت تنقل خطبة الجمعة من الجامع الأموي الذي بناه الوليد بن عبد الملك ‘رضي الله عنه’ كما قال المعلق التلفزيوني المرافق للخطبة. الوليد لم يكن صحابيا ، لكن من ينافق الوليد قد يجعل الله له مخرجا من حيث لا يحتسب!

ومن الشدة في التقوى المفاجئة أن يبسمل الشاكير السوري بدم بارد، في قناة التبن نفسها مرتين أو ثلاث في حديث متصل واحد ليقنعنا بأنه ورع وزاهد وتقي ومن اهل الجنة، أما أن ينعي المفتي السوري على الأوربيين إنشاء حزب ديمقراطي ‘مسيحي’ فهذه علمانية فاضلة لم يحلم بها فولتير!

بوعزيزي القارئ:

يقول ماريك هلاسكو بدم بارد: إما أن تكون سكيرا أو بطلا .

يقول أحمد عمر وهو يتذكر بارق ثغرها المتبسم: إما أن تكون حرا أو شهيدا ، لكن ليس تحت التعذيب بالكهرباء أو بفضائيات التبن والعلف والبرسيم ..

انا في انتظارك يا عبلة..

كاتب من كوكب الأرض

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...