الرئيسية / صفحات الثقافة / الديكتاتور لا يرى لا يسمع… ويتكلم كثيراً

الديكتاتور لا يرى لا يسمع… ويتكلم كثيراً

 


سامر أبو هوّاش

مقاطع من محاكمة تشاوشيسكو

المدّعي العام: من أطلق الرصاص على المتظاهرين في بودابست؟

تشاوشيسكو: لن أجيب عن هذا السؤال.

المدّعي العام: من أمر بإطلاق النار على الحشود؟ أخبرنا!

في تلك اللحظة تقول إلينا (زوجة تشاوشيسكو) له: دعك منهم! كما ترى لا جدوى من التحدّث إلى هؤلاء البشر.

المدّعي العام: أتعرف أيّ شيء عن الأوامر بإطلاق الرصاص؟

تشاوشيسكو يعبّر عن ذهوله.

المدّعي العام: ما زال إطلاق الرصاص مستمراً. يقوم به متعصبون تدفع لهم المال. إنهم يطلقون النار على الأطفال. إنهم يطلقون النار عشوائياً على المنازل. من هم هؤلاء القوم؟ هل تدفع لهم المال؟

تشاوشيسكو: لن أجيب البتة عن هذا السؤال. لم تطلق رصاصة واحدة في ميدان القصر. ولا طلقة واحدة. لم يصب أحد على الإطلاق.

المدّعي العام: لقد قتل حتى الآن 34 شخصاً.

إلينا: أترى، ويسمّون هذه إبادة جماعية!

المدّعي العام: في كل المقاطعات التي سمّيتها أنت مجالس بلدية، ثمة إطلاق رصاص. الناس كانوا مستعبدين. الطبقة المثقفة كلها فرّت من البلاد. لم يعد أحد يريد أن يفعل شيئاً من أجلك بعد الآن (…) نريد أن نعرف لماذا لا يجيب تشاوشيسكو عن أسئلتنا؟

تشاوشيسكو: لن أجيب عن أي سؤال إلا أمام مجلس النواب، أمام ممثلي الطبقة العاملة. يجب أن يعرف العالم كله بحقيقة ما يجري هنا. أنا لا أعترف إلا بالطبقة العاملة.

المدّعي العام: لماذا في رأيك يقاتل هؤلاء اليوم؟

تشاوشيسكو: إنهم يقاتلون من أجل حريتهم، ضدّ الإنقلابيين الذين تمّ تنظيمهم في الخارج.

***

 

لا أذنان لمعمر القذافي. لا بدّ من أنه يسمع من مكان آخر، وليس مستبعداً ألا يكون يسمع على الإطلاق. ربما كان ثمة “إلينات” يحطن بالقذافي ويخبرنه كم الشعب يحبّه، وأن كل ما يجري حالياً إنما هو دفاع عنه، لا ثورة عليه. ربما كان مقتنعاً تماماً بأنه لم يقتل أحداً حتى الآن، وأن من قُتلوا ليسوا إلا عصبة من المتمردين (القاعدة…)، المخبولين، المهلوسين. ليس هناك من يذكّر القذافي بمثال تشاوشيسكو، كما حصل في مصر عندما همس الجيش لمبارك باسم الديكتاتور الروماني (صاحب لقب القائد أيضاً) وكيف كانت نهايته. لا، لا أذنان لمعمّر القذافي. أو ربما ثمة مرايا للأذنين تماماً كما ثمة مرايا للعينين. صاحب الخيمة الفريدة و”النهر الصناعي العظيم” يستطيع أن يأمر باختراع مثل هذه المرآة. يتكلم الرجل فتردّ عليه مرآة أذنيه: أنت أجمل الزعماء على الإطلاق! أنت زعيم الزعماء! فيلسوف الفلاسفة! أديب الأدباء! قائد القادة! ملك الملوك! سيد الكون! ربما كانت هذه المرآة حارساته الشخصيات، وهنّ يدلّكنه لكي يرحن أعصابه المجهدة، ويحسّنّ مزاجه المعتكر بسبب حفنة أصوات النشاز التي تتكلم ضده، مخبرات إياه كم هو رائع، وكيف أن التاريخ لم يشهد له مثيلاً، إلا ربما ولده المدلل سيف الإسلام.

لا عينان لمعمّر القذافي. لا بدّ أنه يرى من مكان آخر، وليس مستبعداً ألاّ يكون يرى شيئاً على الإطلاق. أتخيّل مجالسيه، بمن فيهم أولاده، ينظرون إلى تلك القطبتين اللتين يفترض أنهما موضع العينين، في محاولة لاستجداء شعور ما، صلة ما. الرجل المقطّب، المدروز، كأولئك الوحوش في أفلام الرعب الذين ترى آثار خيوط الجراحة جلية على وجوههم وأجسادهم. في هذا المعنى، معمّر القذافي ليس دميماً. هذه الكتلة، هذه “الصخرة الصمّاء”، هذا الشيء الذي نراه أمامنا، الذي أنهكته الإبر والكوابيس وأحلام يقظة المجد والعظمة و”الحبوب” وشهية القتل، الذي أعياه كوكب فوسفوري يحكمه وحيداً لما يبدو قروناً من الزمن، هذا الشيء لا يمكن وصفه بالدمامة. فهذه أيضاً صفة إنسانية تفيد بتمتّع أحدهم بشيء من الوسامة، أو عدم التمتع بها، ذلك أنه بوسامة أو من دونها، يبقى الأمر عادة في حدود الوصف، الملامح والسمات، المرغوب والمفضل، المكروه والمنفّر. حتى التشوّهات، تستطيع العين، أو القلب، أو اللغة التعامل معها. أما هذا فشيء آخر.

لا لسان لمعمّر القذافي. صحيح أنه ثرثار. لكن أتحدّى أن يتمكن أحد من “تذكّر” فمه وهو يتكلم. الرجل يتكلم أيضاً من مكان آخر. من بطنه على الأرجح. سمعتُ قبل أيام كوميديّا أميركياً يصف المتكلم من بطنه. يقول: “كانت الدمية التي يحرّكها بذراعه اليمنى تكيل الشتائم لصديقي، إلى درجة أنه اضطر إلى مغادرة المسرح. والعجيب أن المتكلم من بطنه كان ينظر إلى الدمية على يده اليمنى باستياء شديد كأنه ليس هو من يحرّكها ويضع الكلام على لسانها”. أما عبارة القذافي الشهيرة “دار دار… زنقة زنقة…” فليست كذلك إلا لانتمائها إلى تلك المنطقة نفسها التي لا نجد فيها حيّزاً للكلام. موت اللغة؟ القذافي مثال ساطع على هذا الموت. وهو ليس أيّ موت. في الحدّ الأدنى هو موت ناجم عن انفجار. الضحك من كلام القذافي ليس استظرافاً في طبيعة الحال، ولا يشبه حتى تلك الحالة التي يتحلق فيها الأولاد حول مجنون الحيّ ساخرين منه ضاحكين من سقط كلامه واختلال حواسه. الضحك من كلام القذافي هو نوع من العلاج الذاتي أو حتى الجماعي. لكي لا يجد الواحد منا نفسه مضطراً إلى ضرب قبضته أو رأسه بالجدار.

هل أحاول “شيطنة” القذافي؟ لا حاجة إلى إلحاق مثل هذه الإساءة بالشيطان. فأمام القذافي أمور كثيرة تسقط الحاجة إليها. التحليل مثلاً؛ كل محاولة لتحليل ما يقوم به هذا الرجل تعني إسباغ معنى ما على ما لا معنى له. يشبه ذلك محاولة رسم بورتريه للعدم. إذ، ومهما بلغ بنا المرض، ومهما اعتدنا الجريمة، أيّ معنى يمكن أن نسبغه على المجزرة؟ أيّ قيمة؟ أي تحليل سياسي ينطبق على هذا الذي يحدث في ليبيا؟ لا، لا حاجة إلى التحليل السياسي. هناك عنصر سردي خرافي أكثر منه سياسياً في حالة القذافي. نتذكّر فجأة كل القصص المرعبة عن الساحرات الشريرات والغيلان، أكثر مما نحتاج إلى فهم خريطة التوازنات والمصالح الدولية. تسطع أمامنا مشاهد صناعة الوحوش في فيلم “سيد الخواتم” أكثر مما نحتاج إلى قراءة تاريخ ليبيا. نشعر بحاجة ملحة إلى التقيؤ، أكثر مما إلى الفهم. أمور كثيرة لا تدعو إليها الحاجة في حالة القذافي. نظرية المؤامرة مثلاً: هل الرجل كان جزءاً، أو هو الآن جزء من مخطّط ما؟ هل تدعمه دول أخرى غير الدول التي نعرف أنها تدعمه؟ الجزائر مثلاً، سوريا؟ هذا كله يحدث في العالم الطبيعي. هذا لا يعني أن ما يسمّى “لعبة الأمم” غير قائمة، إلا أن كل ما يتعلق بمعمر القذافي يشعرك بشيء آخر، بشيء من الدوار ربما. دوار ثابت وملحّ كأنك في كابوس، والأسوأ أنه هو نفسه بطل هذا الكابوس، ويزداد الأمر سوءاً بالتحديد عند أي محاولة للتحليل، حتى حين يصرّح القذافي بأنه صمّام الأمان لإسرائيل، ويكون قبلها قد دعا الشعب اللليبي الى “مقاومة الاستعمار” وما إلى ذلك من ترّهات، وحتى حين نسمع “رجاله” يتكلمون عن خزّانات المياه الممزوجة بالمواد المهلوسة التي يشرب منها الثوار. لا حاجة إلى ربط أي عناصر أو عوامل بعضها بالبعض، بل من الهلوسة فعل ذلك. الصورة باتت جلية واضحة، وهي تتجاوز كل ما نعرفه عن “المصالح الدولية” و”لعبة الأمم” “و”التدخل الأممي” وغيرها من أوصاف: هناك آلة قتل اسمها معمّر القذافي، وهي ليست فريدة من نوعها، لكن النادي الذي ينتمي إليه القذافي ليس نادي حسني مبارك وزين العابدين بن علي كما ظننا في البداية، بل هو نادي صنف آخر من الديكتاتوريين: ميلوسيفيتش، بول بوت وعيدي أمين… ممن تنطبق عليهم حرفياً صفات الغول، أكلة لحوم البشر. أولئك الذين فارقوا الحياة قبل أن يفارقوها حقاً، وفي “ديزني لاند” القتل الخاصة بهم، تكاد الحياة تكون حفلة مستمرة، مأدبة قتل دائمة، عربدة لا تنتهي فوق الأشلاء…

***

بدلاً من الجدال العبثي المهين حول عدد الضحايا، وبدلاً من الانشغال بتحليل أهداف القذافي وتحركاته وخطواته المقبلة وتقدّم قواته أو تقهقرها، وبدلاً من انتظار أن يحسم الليبيون المعركة – وهو ما سيحدث – بعد سقوط آلاف الضحايا منهم، يحتاج العالم إلى أن يدرك تماماً أيّ صنف من القتلة يقبع هناك في طرابلس الغرب، وأننا في حالة القذافي لسنا أمام خلع حاكم أو رئيس، بل أمام جرح في ضمير الإنسانية، وهذا الجرح آخذ في الاتساع يوماً بعد يوم، ولن تكون تعبيرات الندم اللاحق والأكيد في حال بقاء القذافي أكثر في السلطة، إلا نفاقاً يضاف إلى أشكال النفاق التي رأيناها حتى الآن ¶

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...