الرئيسية / صفحات سورية / الديمقراطية أو البريرية؟ لا بديل آخر

الديمقراطية أو البريرية؟ لا بديل آخر

 


ياسين الحاج صالح

كأنما هو “ماكينة” لها برنامج واحد لا تحيد عنه، يكرر النظام السوري حرفيا برنامجا سبق له أن سار عليه قبل أكثر من ثلاثة عقود: مواجهة الأزمات الوطنية والاجتماعية بالعنف المادي والفكري. الشيء الوحيد الذي يبدو أن النظام يقترحه على البلاد في مواجهة احتجاجات شعبية منتشرة، مستمرة منذ شهر، هو سحق الاحتجاجات بالعنف العاري الذي أودى بحياة نحو 200 شهيد على الأقل، واعتقال المئات وإذلالهم وتعذيبهم بصورة تذكر بأسوأ أيام الثمانينات. الثمانينات هذه اسم لغريزة النظام العميقة، أو للبرنامج الذي لا يحيد عنه ولا يجيد غيره.

لكن بين ذلك العقد المظلم ومطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فوارق كبيرة تجعل تطبيق البرنامج صعبا. منها الطابع السلمي والوطني لاحتجاجات اليوم، ومنها غياب الظهير الدولي الذي كان يحتم النظر إلى الدول كوحدات مغلفة في لعبة دولية كبرى، لا قيمة فيها للصغار من سكان وأحزاب وتمردات محلية، ومنها ثورة الاتصالات التي تتيح انتشارا واسعا وسريعا للمعلومات على النطاق العالمي. ومنها بخاصة الطابع متعدد البؤر للاحتجاجات الشعبية في سورية، وما يبدو من اتساع مستمر لنطاقها، جغرافيا وقطاعيا وعدديا.

في مواجهة هذا الواقع المتغير لم تعرض السلطات أية قدرة على تعديل برنامجها. تكلمت على مؤامرة وفتنة، على جماعات مسلحة وإرهابيين، وجازفت حتى بتقويض ما يفترض أنه فخرها الخاص، “الأمن والأمان” اللذان يميزان سورية عن غيرها، حين تكلمت على مقتل 19 رجل أمن في درعا الجمعة قبل الماضية، و9 عسكريين قرب بانياس. أبهذا اليسر يجري اصطياد الناس في بلد الأمن والأمان؟ لا يبدو أن أحدا داخل البلاد أو خارجها مقتنع بهذه الروايات. وتظهر السلطات السورية في الواقع كمن يبحث عن مفتاحه الضائع تحت المصباح الأمني الذي يملكه، وليس حيث ضاع المفتاح فعلا، في ظلمة الاستبداد والغرور والامتياز. ينبغي أن تكون المشكلة أمنية، لأنه ليس لدى القوم غير حل أمني.

لكن المشكلة ليست كذلك. والحل الثمانيني لا ينفع. أما “العصابات المسلحة” فلها قصة غير قصيرة.

لكن واقعيا، لا يجري تطبيق غير حل ثمانيني. النظام يخوض الحرب السابقة نفسها، وبالعدة نفسها. حتى أنه كان لا بد من استحضار شبح الإخوان المسلمين كي يلعب دورا في المعركة الحالية. ولعله يخامر مخططين سياسيين في النظام فكرة أن من شأن حل ثمانيني أن يضمن استقرار الحكم سنوات طوالا، شأن سالفه المشتهر. جيلا آخر ربما. لكن قد يتكشف هذا وهما باهظ الكلفة. لا ينهض آخر هذا الحكم بما نهض به أوله، وما ينجح مرة لا ينجح مرتين.

لدينا الوضع التالي: لا حل ثمانينيا لمشكلة غير ثمانينية، ومع ذلك لا يمارس غير هذا الحل. هذا لا يستقيم. لكن ما لا يستقيم منطقيا يمكن أن يستقيم واقعيا بقوة مهولة تعسفية مستمرة، تفوق حتى تلك التي استخدمت قبل عقود. هل هذا ممكن؟ يبدو متعذرا. أثار مقتل مئات قليلة من السوريين اليوم من السخط، داخليا وعالميا، وبدور معقول للإعلام العربي، أكثر مما أثاره مقتل ألوف السوريين، ربما 30 ألفا في الثمانينات، و”اختفاء” ما يقدر بـ17 ألفا، ومرور عشرات الألوف بتجارب اعتقال مذلة، بعضها بالعقود. البربرية نعرفها.

ونعرف أن العضلات ليست حلا. أين السياسة؟

واضح منذ مطلع الأزمة أن النظام يرفض السياسة، أي التفاوض والحوار والتسويات والحلول الوسط والتنازلات المتبادلة. لا يقبل، ولم يقبل يوما، أطرافا داخلية أخرى تحاوره وتفاوضه وتنازعه، أو يقر بشرعيتها. إما أن تنضوي كأتباع لا شان لهم في “القفص الذهبي”، “الجبهة الوطنية التقدمية”، وهي إطار الموت السياسي (لا الحياة السياسية) في البلاد، أو لهم “القفص الحديدي”، السجون. أي الموت السياسي أيضا.

وكان ثمن ذلك أن النظام بالذات فقد صفته السياسية في الداخل. يفاوض قوى خارجية وينازعها ويُسايِسها، أما في الداخل فلا أنداد ولا تفاوض ولا تسويات. لا سياسة ولا سياسيين. لقد قضى ألوف سنوات طوالا في السجون، وتعرضوا للتعذيب، وفقد بعضهم حياتهم تحت التعذيب أو أثناء سنوات السجن المديدة، لمجرد أن لهم رأي مغاير، أو لكونهم انتقدوا السياسات العامة في البلد.

القوة ليست حلا. والسياسة مرفوضة. إلى أين تقاد البلد، إذن؟

نعرف إجابة النظام: نحن أو لا أحد! فهل يسع السوريين تقديم إجابة مغايرة، تنقذ وطنهم؟ فلنوضح، مرة أخرى، المشكلة. سورية تواجه أزمة وطنية لم تعرف ما يعادلها منذ 3 عقود، هذا بينما يحكمها نظام سياسي متقادم ومتخلف، متثبت على منطق المواجهة ولا يعترف بمحكوميه سياسيا. هنا جوهر الأزمة السورية: المقر المفترض لإنضاج الحلول للمشكلات الوطنية، الدولة، هو موطن الداء بسبب استتباعها (الدولة) للنظام، أي لنخبة استغنت دوما بالعضلات عن العقل، وبالقوة عن السياسية، وبالغرور عن العدالة. وبالغرائز الأنانية المظلمة عن التفكير العقلاني المنظم مع الشركاء في البلد.

وهذه الغرائز التي تشغل موقع الصدارة في معالجة الأزمة الوطنية ترتكب الأخطاء تلو الأخطاء في مواجهة الاحتجاجات الشعبية العادلة. مسارعة النظام إلى إخمادها، بالعنف الحقود المنفلت من كل قيد وطني أو أخلاقي أو قانوني، وبالتهجم الإيديولوجي المنفلت بدوره من حس الحقيقة أو اعتبارات العدالة، تؤشر على إرادة هروب إلى الأمام ورفض مواجهة الذات حكمت سلوك النظام وتفكيره منذ أيامه الباكرة.

لكن هذا لا يجدي بعد اليوم. بل هو ينذر ببربرية معممة وكارثة وطنية كبرى. إنها ساعة الحقيقة في سورية. ساعة المسؤولية أمام الجميع. الآن قبل الغد.

ولا نرى مخرجا تقدميا وعادلا لا يفضي إلى تغيير النظام السياسي القائم في البلاد منذ أربعين عاما، باتجاه يكفل المساواة بين السوريين كمواطنين، بصرف النظر عن الدين والمذهب والإثنية والجنس، وبحيث يتأسس على الانتخابات الحرة على المستويات كلها، المحلي والتشريعي والرئاسي، وبما يضع الأسس لقيام نظام ديمقراطي في البلاد، يعزل التمايزات الموروثة بين السوريين في “المجتمع المدني”، وينصب الحواجز القانونية والمؤسسية، دون تسربها إلى الدولة.

قد لا تكون الانتفاضة السورية صاغت رؤية واضحة في هذا الاتجاه، لكن نداء الحرية والكرامة المحرك لها من جهة، والموجة الديمقراطية التي تعم البلاد العربية من جهة أخرى، وأخيرا الوجهة السياسية التي تنصف وحدها آلام السوريين وتعطي معنى لكفاحهم اليوم وفي الأمس، هي الخروج من العبودية السياسية ودولة الامتيازات إلى الحرية والمواطنة ودولة المساواة.

 

استعادة الجمهورية وبناء الديمقراطية هما عنوانا المستقبل في سورية.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...