الرئيسية / كتاب الانتفاضة / حازم نهار / الديمقراطية و”القرباطية” في الممارسة السياسية/ حازم نهار

الديمقراطية و”القرباطية” في الممارسة السياسية/ حازم نهار

 

 

لعل أهم عامل في عدم ثقة البشر، عمومًا، بالسياسيين الذين يحاولون استمالتهم، الصورة المتناقضة التي تتولد لديهم، من مقارنة الشعارات والأهداف الديمقراطية لهؤلاء السياسيين بممارساتهم الواقعية الاستبدادية. إذ يقدم جميع السياسيين أنفسهم على أنهم ديمقراطيون، لكنهم، في الغالب الأعم، يظهرون، في الواقع، سلوكات وممارسات مخالفة لهذه الصورة.

الوعي والخبرة عاملان حاسمان في الممارسة الديمقراطية، فالشعارات والمقولات المرفوعة، بمعزل عن فهمها وإدراكها، لا بد أن تؤدي، في الواقع، إلى ممارسة مختلفة عنها. معنى ذلك أنه يجب ألا ننخدع بالكلمات، فليس كل من رفع لواء الديمقراطية يعنيها، أو يستطيع أن يكون أمينًا لها حتى النهاية، أو حتى قادراً على ممارستها، حتى لو توفرت النية الصادقة. فممارسات للسياسيين وتصورات وقناعات لهم كثيرة تنتمي، في الحقيقة، إلى “القرباطية”، لا إلى الديمقراطية، بحكم افتقادهم إلى الوعي أو الفكر. ثمة بون شاسع بين الديمقراطية و”القرباطية” (حكم القرباط)، فالأولى تستند إلى المعرفة، فيما الثانية تسعى إلى تثبيت حكم الجاهلين.

ليس في استطاعة السياسي، الضحل ثقافيًا، أن يكون ديمقراطيًا، حتى لو أراد ذلك، لأن لديمقراطية الفرد علاقة وثيقة بدرجة الخصب الفكري والنفسي لديه، فالضحالة الفكرية لا بد ستنتج ممارسة استبدادية، شاء صاحبها أم أبى. في الحقيقة، لا يميز “القرباطي” بين الفكر والبطاطا، فكلاهما واحد في عرفه، فهو يتعامل مع الفكر باحتقار، نتيجة خوفه العميق منه، وعجزه إزاءه. إنه يمارس السياسة شعارات صماء ومعزولة عن الفكر. ولذلك، نراه، مثلًا، يرفع شعارات “الدولة الوطنية”، و”إسقاط النظام”، و”بناء النظام الديمقراطي”، و”العمل الجماعي والمؤسساتي”، من دون أي معرفة بمعاني ودلالات “الدولة” و”النظام” و”الوطنية” و”المؤسسة السياسية” و”الديمقراطية”، وهي مفاهيم تحتاج إلى شيء من التعب الذاتي والتفكير.

يميل “القرباطي”، مثلًا، إلى الثرثرة أكثر كثيرًا من التفكير والعمل، وهو دائم الشكوى والتذمر، ويسمي ذلك نقدًا باسم الديمقراطية، في حين هو أقرب ما يكون تعبيرًا عن فوضى داخلية، سببها خواء فكري ونفسي مزمن. ولذلك، غالبًا ما تكون أفكاره ومقترحاته أقرب إلى العدمية، أو تضع الآخرين في حالة من عدم التعيين، أو عدم القدرة على فهم مغزى الكلام ومآلاته، بحكم عدم انسجام مقدماته مع نتائجه على الدوام. “القرباطي” لا يقرأ، وإن قرأ لا يراكم. وبالتالي، لا يتغير، ولا يتطور بمرور الزمن، وهذا يغذي لديه نمطًا من التفكير، يقوم على الحس المباشر، واللحظي والمؤقت، بالبشر والأشياء والأفكار من حوله، وتتشكل لديه حساسية مرضية في أغلب الأحيان، ويتوهم معارك لا وجود لها، أو ينغمس في معارك هامشية، لا قيمة لها، ولا جدوى منها.

ينتقل “القرباطي”، في علاقاته بالآخرين، من الحب المفرط إلى الكره المفرط، بسرعة البرق، والسبب الرئيس أن مجمل التوازن النفسي لديه هش، ومعتمد كليًا على الآخر، في حين يفتقد، هو نفسه، بحكم خوائه الفكري، إلى مقومات ذاتية صحية، يبني عليها توازنه المستقل. هذا “القرباطي” مصاب، بالضرورة، بحكم الهشاشة النفسية، باضطراب وسواسي، إذ يشعر أنه مقصود بكل كلمة وسلوك، يدور حول ذاته، وتتشكل لديه على العموم، وفي العمق، عدائية مجتمعية، تمنعه من بناء علاقات ودية، طويلة الأمد مع الآخرين.

في “القرباطية”، تعقد التحالفات، استنادًا إلى العلاقات الشخصية، لا إلى التوافقات السياسية والفكرية، وتكون هذه التحالفات، بالضرورة، مؤقتة وهشة، وسرعان ما تنتهي بشكل بائس. إذ ليس من النادر أن يتفق اثنان ضد شخص ثالث، استنادًا إلى توافقهما في شعورٍ مشترك، أساسه كراهية الشخص الثالث، مثلًا، أو الغيرة منه، ثم يعود الاثنان، فيختلفان، بعد فترة وجيزة، لأسباب مشابهة، بما ينتج حالة مستمرة من التذرر والتشظي، وهكذا يستمر “القرباطيون” في حياتهم، من دون أي تفكير في أن المشكلة تكمن في عقولهم أساسًا، وفي أنفسهم الهشة.

يحفظ “القرباطي”، من دون فهم، مقولاتٍ ساذجة على أنها تعبر عن ديمقراطيته، فيكرر، مثلًا، أنه ضد المنطق الأبوي، ويرفض آليات الوصاية. وهو كلام في ظاهره صحيح، إن توفرت له قاعدة فكرية ونفسية متينة. لكن، في الحقيقة، كان أكثر الناس تكرارًا لمقولة رفض الأبوية أكثرهم تقبلًا للعبودية، وأكثرهم حاجة في العمق إلى دور الأب، ولذا ينتقلون من أبٍ إلى آخر، من دون أي تحرر داخلي حقيقي، ويعيشون، طوال عمرهم، عقدة قتل الأب، بدلًا من الذهاب، في طريق تنمية وعيهم وترتيب أرواحهم. بالتحليل النفسي، هي وضعية المراهق الذي يرغب بالتخلص من أبيه، لكنه عندما يغيب يبكيه، ويعيش حالة من الخوف والإرباك. يريد الحرية ويخاف الاستقلالية. يعبد لفترة الصنم أو الإله الذي خلقه في رأسه، ثم يرفسه بقدميه بطريقة “اللبط”، لا بطريقة الهضم والتجاوز الصحيين.

يكرر “القرباطي” مقولة صحيحة “الديمقراطية هي حكم المؤسسات، واحترام العمل الجماعي”، لكنه يفهمها فهمًا سلبيًا، وبما يتناسب مع طوله في الوعي والتجربة. فهو يفهم العمل الجماعي بالتضاد مع وجود أفراد مبدعين ومميزين، لنكتشف، أحيانًا، في المآل، أن مناداته بالعمل الجماعي ليست بريئة، والغاية منها تقصير أطوال أولئك المبدعين، لتكون بطوله أو أدنى. ربما من الصعب أن يستوعب عقل هذا “القرباطي” العلاقة الجدلية الصحية بين الجماعة والأفراد فيها، تلك العلاقة التي تقوم على فهم دور الأفراد المبدعين في تطوير حركة الجماعة من جهة، وعلى أهمية وجود جماعة تحترم طاقات أفرادها وتنميها، من جهة ثانية، وعلى وجود أفراد لا يجدون أنفسهم إلا في سياق عمل جماعي، يحترمون قوانينه وآلياته، من جهة ثالثة.

يؤمن “القرباطي” بنمط من “تداول السلطة”، مثير للسخرية والشفقة، يمكن تسميته بـ “ديمقراطية الولدنة” التي تقوم على تبديل المواقع القيادية بشكل دائم، وخلال فترات زمنية قصيرة، بحجة عدم إعطاء الفرصة للأفراد، لكي يستبدوا، وهذا، في الحقيقة، لا يعني سوى تحطيم أي مؤسسة عمل جماعي. كذلك، يمكن أن تؤدي الديمقراطية إلى صعود جاهلين إلى سدة القيادة، وهذا طبيعي في مجتمعاتٍ، أو مؤسساتٍ، تخطو خطواتها الأولى في اتجاه الديمقراطية، وينبغي قبوله، باعتباره جزءًا من آليات الديمقراطية ذاتها، لكنها، أي الديمقراطية، تتحول إلى “قرباطية”، عندما تؤدي، على الدوام، إلى تثبيت حكم الجهلة.

صحيح أن الأحزاب المستبدة كانت تقمع أفرادها، بحكم أيديولوجياتها المغلقة، وآلياتها المستبدة، لكن تأثيرها كان يطال بقوة الأعضاء العاديين، الذين يرضخون طواعية للاستبداد، وهؤلاء عندما يصحون ويغادرون تلك الأحزاب، لا يستطيعون أن يبنوا شيئًا مغايرًا، ويبقون على ما هم عليه، لا يتغيرون ولا يتطورون، بينما كان الأعضاء المبدعون يثبتون جدارتهم وقدراتهم داخل تلك الأحزاب، ويفرضون وجودهم وقناعاتهم فيها، أو يغادرونها، ويفتتحون، بالضرورة آنذاك، آفاقاً أرحب.

في الحقيقة، لا يمتلك “القرباطيون” أي قدرات حقيقية مفيدة، فيما عدا القدرة على إرباك الآخرين، بضحالتهم وضيق آفاقهم، فكلما ازداد المرء جهلًا، ازدادت قدرته على تخريب أي عمل جماعي، والإساءة للأفراد المبدعين فيه، وكلما أصبح عبئًا ثقيلًا على المؤسسات والأفراد على حد سواء. هؤلاء “القرباطيون” وصفة سحرية للفشل الفردي والجماعي، في آن معًا، وما علينا، اليوم، إلا النظر إلى الكم الهائل من “القرباطيين” في مؤسسات المعارضة السورية وهيئاتها لاكتشاف حقيقة أن جزءًا ليس هينًا من الكارثة السورية يكمن في أولئك “القرباطيين”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...