الرئيسية / صفحات مميزة / الرايات السوداء بين الجبهتين الحربيتين الفاشيتين: عزيز تبسي

الرايات السوداء بين الجبهتين الحربيتين الفاشيتين: عزيز تبسي

 

عزيز تبسي

-1-

عملت وتعمل العديد من القوى السياسية على وضع مسار الإنتفاضة الشعبية الثورية أمام خيارين أو مقاربتين يحكمان مآلاتها البعيدة،إما جبهة النصرة الإسلامية بحمولة برامجها الأيديولوجية التصفوية المعلنة والمحجبة، أو الجبهة الوطنية التقدمية الغطاء السياسي والأيديولوجي للطغمة العسكرية.وليس صعباً إكتشاف أن من يضع هاذين الخيارين،يعمل بوعي أو بغيابه، على تسويق أفضلية خيار الجبهة الوطنية التقدمية.

خياران إفتراضيان، فرضتهما موضوعياَ سيرورات الإنتفاضة عبر المراحل التي مرت بها،من السلمية التامة،إلى التسليح الحمائي للسلمية،والتسلح بغاية الدفاع عن النفس،إلى الهيمنة التدريجية للعسكرة على المناطق الواقعة تحت سيطرة كتائب الجيش الحر،وخروج المناطق،التي بقيت تحت سيطرة الطغمة العسكرية عن الفعل الثوري،وعجزها لأسباب متعددة موضوعية وذاتية عن تقديم ممارسة ثورية بديلة في آن.

بوضوح ثوري خيار جبهة النصرة،تعبير عن جزء،وليس عن كل الإنحرافات التي تواجه الإنتفاضة الشعبية الثورية،والإطاحة بمقولاتها في الجمهورية والحرية والعدالة والمواطنة..

لكن من يضع هاذين الخيارين،لم يتحرر بعد من آثار الثنائية التي أنتجتها الفاشية وتسوقها بلا كلل من الأيام الأولى للإنتفاضة،والتي عملت بكل ما تملكه من إمكانات إعلامية وأمنية وعسكرية على تسهيل ولادة وإبراز وتعميق هذا الخيار وفرضه كحتمية في الصراع السياسي،والذي يمثل الساحة المناسبة،لممارسة العدوانية الحربية،وتبعاتها الأيديولوجية التي شكلت التعبوية الطائفية والعشائرية والأقلياتية بتنوعها ركنها الأساسي.

بينما عكفت من الأسابيع الأولى لإنطلاقة الإحتجاجات قوى إنتحلت صفة الثورة،وتوضعت في مراكزها الإعلامية-البيروقراطية،على إطلاق مقولة أن الطغمة العسكرية لن تسقط إلا بالعمل العسكري التام الأركان،وعبرت عن ذلك لمرات بصيغ علنية واضحة،ولمرات بصيغ ملتبسة متذرعة بمشاركة قوات لحزب الله والحرس الثوري بالقتال لجانب الجيش والأمن،وتدرجت من طلب الحماية الدولية وتأمين الحظر الجوي وتوفير ممرات آمنة إغاثية وعسكرية….الخ،لتصل إلى إنتاج ماجرى تسميته حرب التحرير،والعمل الدؤوب سياسياً وإعلامياً على دعم الوحدات المقاتلة بالسلاح والمال والإغاثة وكل ما يدفع العمل الحربي إلى تحقيق غايته،مما عمق تبعيتها مالياً وعسكرياً للمراكز الإمبريالية والرجعيات العربية التي إنتحلوا بدورهم موقع أصدقاء الشعب السوري.

ويبقى في فهم الإنتفاضة وتوضع مرتكزاتها على البنية الريفية الأشد فقراً وتهميشاً والتسيهلات الأمنية لأنشطة الجماعات الإسلامية الدعاوية وحصار وتصفية براعم ربيع دمشق،أحد أبرز المداخل لفهم أسباب حضور الأسلمة في شقيها الشعبي والعقائدي،وإسلام جبهة النصرة الذي تلا إنطلاقة الإنتفاضة بعد ما يقارب السنة،وتوافقت عملياتها الإنتحارية في دمشق على وجه الخصوص، مع المبادرات العربية والدولية ومبعوثيها لغايات خدمة المشروع الفاشي بشكل تام،لتنتزع بالتزامن معها مواقع متقدمة في المواجهات العسكرية،حين بات يأخذ الصراع شكله العسكري الأحادي،ليؤكد مدى تعاظم أدوار المقاتلين،والمقاتلين الأكثر كفاءة،من هنا يمكن تلمس الأسباب التي هيئت أرض الصراع لحضور الجبهة وفاعليتها:الإحترافية العسكرية/العقائدية الصارمة/ثبات التمويل المالي والعسكري/المركزية التنظيمية/التحرر من البنى العائلية والعشائرية….قابلها تشتت كتائب الجيش الحر/ضعف إحترافيته العسكرية/إنخفاض المستوى الأخلاقي والخلفيات الجنائية لأعداد غير قليلة من عناصره/التلاعب المستمر للجهات الوصائية على الإنتفاضة بعنصري التمويل والتسليح والإغاثة/توضع العديد من تشكيلاته على البنى العائلية والعشائرية/غياب المركزية وتشتت الهدف الناتج عنها.

من الحماقة السياسية والإستهتار بالتجارب التاريخية القريبة والبعيدة،أن لا نعطي أهمية لقوى الثورة المضادة،وقد تأخذ في كثير من الأحيان مواقع قوى الثورة بألفاظها ومظلوميتها؛حيث لا يمكن على سبيل المثال تجاهل مآلات التجربة اللبنانية في الحرب الأهلية،والكيفيات والشروط التي كانت وراء صعود حركة أمل وحركة التوحيد الإسلامي وحزب الله والأحباش …الخ ،بالتلازم مع تحجيم دور القوى الوطنية واليسارية وحصارهم وإغتيال مناضليهم وتشريدهم،كذلك مآلات المقاومة الوطنية العراقية وتهميش فعلها الثوري بالإرهاب الفاشي الطائفي لتنظيم القاعدة وغيره من منتجات الإرهاب الطائفي المضاد،وينبغي معاينة مناعة الإنتفاضات الشعبية العربية الراهنة عن الإختراقات الإقليمية والدولية،وفق صياغات مختلفة تبدأ من جماعات المجتمع المدني ولا تنتهي بأجهزة إستخباراتية ذات خبرات قوية وأذرع طويلة في إدارة الصراعات السياسية وتطويق الثورات وإحباطها وتبديد فعلها الثوري وأثره الذي مازال سطحياً،بعد عقود من الموات السياسي،والتدمير المنهجي لأسس العمل السياسي في تنوع تعبيراته الحزبية والنقابية.

من هنا يتوجب طرح السؤال الثوري الحاسم:ما هي حدود سيطرة قوى الثورة على الإنتفاضة الشعبية الثورية وحركيتها ومقولاتها الفكرية؟

وأين يكمن دور القوى الوطنية والديموقراطية واليسارية،وضعف حضورهم،والعمل الذي لا يتوقف من قبل جماعات الإسلام السياسي والليبراليين الضائعين في غرور الأهداف وميوعتها في آن،وهم لا يكفون عن السخرية من المفاهيم والمقولات كالوطنية والمواطنية والعلمانية والديموقراطية….،التي كانت قد إنتهكتها وأذلتها قبلاً الطغمة العسكرية الفاشية ومرغتها بالأوحال.طريق يبدو للوهلة الأولى صعباً ومستحيلاً في حمأة الجنون الحربي والتنازع القتالي،لكنه يبقى الخيار الشعبي الثوري،الذي لن يلبث أن يشق طريقه،وينبلج كفجر مبهج عظيم،ليس بدافع ميول رومانسية ثورية،تأخذ الإنتفاضة إلى أحضان عواطفها وموسيقاها وربيعها،بل لكونه يتوضع على الأسباب العميقة التي قامت عليها الإنتفاضة وحققت إندفاعتها الثورية.

-2-

تحسم نتائج الصراع في النهاية موازين القوى،بتوفير القدرة على تنظيمها وبلورتها والكفاح الدائم على تنميتها بتحقيق تراكمات ضرورية لها،وتثبيت أثرها في حركة الصراع السياسي،أياً كانت الأشكال الكفاحية التي ساهمت حزمة من الشروط الموضوعية والذاتية على ظهوره بها،بإقصاء أو تهميش الأشكال الكفاحية الأخرى.

أخذ الصراع في الإنتفاضة الشعبية الثورية السورية بعد أشهر من النضال السلمي البطولي وضعه العسكري-الحربي إلى حين حسم مخرج نهائي لها،إما برفع أهداف الإنتفاضة الشعبية إلى سدة العملية السياسية أو بمخرج تسووي بين طرفي الصراع.

لا يمكن التعويل،وفق منهجية مثالية-ذاتية،تسقط الرغائب على القوانين الموضوعية،بتحجيم العسكرية-الحربية والخطابات الأيديولوجية الملازمة لها،دون إدراك أسبابها العميقة التي ما تزال ثابتة،والقائمة بنيوياً في حتمية خيار الطغمة العسكرية الفاشية،التي تأسس مشروعها التاريخي من بداياته،على تلك السببية البنيوية بين العسكري والإقتصادي والسياسي.

و يمكن مقاربة بعض أسس الوضع الهامشي لليسار الثوري،وهو غير الأحزاب الشيوعية التي إلتحقت بالطغمة العسكرية الفاشية وتحالفت معها وفق الصيغة التي قدمتها منذ أكثر من أربعة عقود وتعمقت في الإنتفاضة الشعبية،أو تجمع اليسار الماركسي الذي وجد في الأطروحات الهزلية المائعة”لهيئة التنسيق الوطني” غايته،دون أن يظهر أي تمايز فكري أو سياسي عن حزمة قوى التحالف الأخرى،ورغم ذلك تعرض لإنقسام،حيث غادرته قوى منه لتلتحق بالفاشية ومشروعها،بعد أن وجدت بسياسة هيئة التنسيق تطرف يساري غير محتمل!!ولم يغفل أحد عن الخلفيات والدوافع الطائفية للمنشقين،المحجبة بقشور من خفيف الكلام اليساري وسقط متاعه.

لم يكن اليسار الثوري مستعداً لأسباب ذاتية للقبض على هذا الخيار ومعاينته،كتحدي وضعته الفاشية في وجه الإنتفاضة الشعبية،والعمل على الإستجابة لحيثياته،والتفاعل الإيجابي معه،لذلك بقي خارج متن هذا الشكل الكفاحي للإنتفاضة،مكافحاً في هوامشه لعقلنته ونقد إنحرافاته،وتسهيل بعض المشاركات المحدودة فيه،من خلال الطبابة والإغاثة وسواهما،والإسناد الدعاوي لأسبابه وتوضيحها،لا نقده بوصفه إنحرافاً عن خط الإنتفاضة السلمي،بل بكونه إستجابة عضوية خرجت من رحم النضال الثوري السلمي،لمواجهة حتمية حربية وضعتها الطغمة العسكرية في وجه الإنتفاضة لتركيعها وسحقها،منذ إنطلاقتها المجيدة في 18آذار 2011.

ووقوف اليسار الثوري في هذا الموقع ناتج عن شرطين أساسيين:عجزه عن الإستجابة للشرط العسكري لأسباب ذاتية محضة تعكس ضعف تكونه الحديث وتبلور تنظيمه وأدواته الكفاحية وقدرته على التواصل مع تحالفات ضرورية توسع دائرة حركيته،وموقفه الأخلاقي الذي أبعده عن التجاوب مع وسائل الدعم والإسناد التي وفرتها القوى الإمبريالية والرجعيات العربية،لقوى المجلس الوطني التي تبنت الخيار العسكري ورفعت من شأنه في مواجهة خيارات أخرى،من أموال وأجهزة كومبيوتر وإتصال متعددة الأنماط،وشرائح ألكترونية للإتصالات الدولية تضعها خارج الرقابة الأمنية،توفير رواتب للناشطين،ووثائق للتنقل،ودورات تدريبية….عناصر متعددة ومربوطة بشروط الولاء الظاهر أو المستتر ساهمت في تحسين موازين القوى لا في مواجهة الطغمة العسكرية فحسب،بل في مواجهة اليسار الثوري والقوى العلمانية والديموقراطية….ونلمس آثار هذا الخلل بوضوح في هيمنة الإتجاهات الإسلامية والليبرالية على المواقع الألكترونية الناطقة بإسم الثورة والصحف الألكترونية والورقية،والمراكز الإعلامية المتعددة،وتوفير الظهور الإعلامي للسياسيين والناشطين وتهيئة الفرص لهم لكسب الجوائز العامة،مما ساهم في إبراز هذه القوى وإمتحان قدراتها التعبوية بتوفر الوسائل التي تساهم في الترويج لإطروحاتها وما بات يظهر واضحاً من ميولها الإقصائية المحجبة أحياناً والسافرة في أحيان كثيرة.في هذه الشروط الإنحيازية،لا يمكن لليسار أن ينتزع مواقعاً متقدمة،إلا بالثبات في موقعه الكفاحي،والعمل على التقدم التدريجي للمواقع الطليعية الميدانية للإنتفاضة.

حلب كانون الثاني2013

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...