الرئيسية / صفحات الرأي / الربيع العربي وقضية الديمقراطية

الربيع العربي وقضية الديمقراطية


د. عمار علي حسن

حتى بعد قيام الثورات العربية لا يزال بعض المثقفين المنتفعين من السلطة يرددون كلاماً غريباً مؤداه أن الشعوب العربية غير مؤهلة للديمقراطية، لأنها لم تستعد نفسيّاً لهذا النوع من الحكم، إذ إن الديمقراطية عملية تربوية، تقوم في جوهرها على حزمة من القيم التي تتم على أساسها تنشئة الفرد، بدءاً من الأسرة، وحتى الحزب السياسي، مروراً بالعديد من المؤسسات الاجتماعية، التي ينخرط فيها الناس أو يتماسون معها طيلة أعمارهم المديدة.

وينظر هؤلاء إلى بحار الدم التي جرت على أرض ليبيا، وتلك التي تتدفق بلا هوادة على أرض اليمن وسوريا، ويقولون إن المؤسسات الاجتماعية في بلادنا لا تنتج سوى طغيان مقنع، ومن ثم علينا أن نزيح طبقات كثيفة من الأفكار والممارسات المستبدة حتى تستوي الديمقراطية على سيقان اجتماعية وثقافية متينة، إذ لا يكفي أن نسقط نظاماً مستبدّاً فاسداً حتى يكون الطريق مفتوحاً أمامنا إلى الحرية الكاملة، بل يجب أن نكون نحن أحراراً في أنفسنا، وتكون بحوزتنا مؤسسات حرة.

ويستند هؤلاء في تصورهم هذا إلى أن علم النفس الاجتماعي ينتصر لدور التنشئة السياسية في التمهيد للحكم الديمقراطي، عبر تكوين الفرد المؤمن بالحريات العامة، الحريص على المشاركة، المتسامح مع الآخرين والمؤمن بحقهم في الحرية، المستعد لتكريس بعض جهده لتقوية دعائم المجتمع المدني بما يمنع السلطة من التغول والتجبر، والقادر على أن يخوض مواجهة حامية إذا شعر بأن الديمقراطية التي ينعم بها مهددة، أو أن هناك من يتربص بها، ويريد اختطافها لحساب فرد مستبد، أو قلة محتكرة.

وبالطبع فهذه الخطوة مهمة كي تولد الديمقراطية على أكف قوية وفي نور ساطع يغلب عتمة الاستبداد، ثم تتعزز وتحافظ على وثوقها وثبات خطواتها وامتلاكها القدرة على تصحيح مسارها. ولكن الربط الحتمي بين السمات النفسية للمحكومين ونوعية الحكم الذي يقودهم، هو من قبيل تعويق جهد الراغبين في وضع أفضل لمجتمعهم، ومن ثم تطويل أعمار أنظمة حكم تخاصم الديمقراطية وتكره من ينادي بها أو يدافع عنها.

وأنصع برهان على ذلك أن العديد من المجتمعات الغربية، لم تكن لحظة تحولها إلى الحكم الديمقراطي، أو حتى في الوقت الراهن، تحمل سمات نفسية واحدة، أو حتى متشابهة. فالدراسات التي أجريت على سيكولوجية الشعوب في مطلع القرن العشرين مثلاً، ومنها كتاب مهم ألفه أندريه سيجفريد، أظهرت أن هناك اختلافاً في القسمات المشتركة لشعوب هذه المجتمعات. فالسمة العليا لدى الفرنسيين هي “البراعة” ولدى الإنجليز “العناد” وعند الألمان “التنظيم” أما الأميركيون فهم شعب “ديناميكي” والروس “متصوفون”. ولحظة إجراء هذه الدراسات كان الإنجليز والفرنسيون والأميركيون والألمان ينعمون بالديمقراطية على الدرجة نفسها على رغم اختلاف سماتهم النفسية. والروس ضاقوا ذرعاً بالاستبداد طيلة الحكم الشيوعي، وها هم يضغطون كل يوم من أجل تعزيز تطورهم الديمقراطي، ومنهم من يريد تحقيق هذا الهدف بالجهود الذاتية، ومنهم من لا يمانع في دعم من الخارج لهذا المسار.

ولتفنيد ما يذهب إليه بعض فقهاء السلطة على الشعوب العربية أن تزاوج بين ضغطها القوي المتواصل من أجل الديمقراطية “الآن وهنا”، والعمل الجاد في سبيل أن تنشأ ديمقراطيتنا سليمة معافاة، بلا نقص ولا اعتوار. وحتى يتحقق الأخير من الضروري أن نبني الديمقراطية داخل أنفسنا أولًا، فيربي الآباء أبناءهم على كراهية الاستبداد، ورفض الاستعباد، والانحياز إلى الحلول الجماعية والمصلحة العامة، والإصرار على المشاركة في صناعة المصائر، صغيرها وكبيرها، وتقبل الرأي الآخر والفكر المخالف، والاعتياد على الاختيار من بدائل، وليس الانصياع لإملاء مسار واحد.

وأول خطوة لتحصيل ذلك هي “تقدير الذات” فالإنسان الذي يبخس ذاته، لا يمكنه، في نظر المدارس النفسية كافة، أن يتطلع إلى نيل حقوقه، مهما كانت ضئيلة، بل يستمرئ التفريط في ما له، ويركن إلى استعذاب الاضطهاد، وقد يصل به الأمر إلى حد تصور أنه لا يستحق الاحترام، بل لا يجدر به أن يحيا من الأساس.

وتقدير الذات قد يجد بابه الأوسع في إدراك ما في الأديان السماوية من دعوة إلى مقاومة الظلم، ومكافحة الشر والفساد، وإلى البحث عن الحل الجماعي، وليس الحلول الفردية المفرطة في الأنانية، التي لا تنتج سوى تمزق النسيج الاجتماعي، وبذلك تجد السلطة الحاكمة فرصاً متجددة للتجبر والتوحش.

والبداية ستكون حين تشرع الجماعات البحثية والكتاب والمثقفون وواضعو البرامج التعليمية وخطباء المساجد ومؤلفو الدراما التلفزيونية وأفلام السينما في تطبيب نفسية الإنسان العربي، وإخراجها من الإحساس الكاذب بالضعة والاستضعاف، وانتشالها من الاكتئاب والانسحاب والشعور المرير باللاجدوى. وصدق رب العزة الذي يقول في محكم التنزيل “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.. صدق الله العظيم.

فالشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ودعت السلبية والاستكانة والدعة إلى غير رجعة ونزلت إلى الشوارع مطالبة بالحرية، أو العبور إلى الاستقلال الثاني في تاريخ العرب الحديث، وهناك شعوب أخرى اختارت، حتى الآن، طريق المطالبة بالحقوق السياسية العامة أو بكتابة عقد اجتماعي جديد بين السلطة والناس أو بناء “ميثاق تعاقدي” بين الطرفين يضمن الانتقال إلى الديمقراطية والدولة العصرية، وهذا لن يأتي إلا إذا تم الإقرار بمبدأ تداول السلطة، وإعلاء المواطنة، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وضمان الحريات الأساسية في التفكير والعبير والتدبير، وحماية حقوق الإنسان والإقرار التام بها، ووحدة المال العام، ووجود المؤسسات الرقابية والتشريعية الحديثة. وبالطبع فإن تحصيل هذه الشروط ليس صعباً على الشعوب العربية، لاسيما في ظل الربيع العربي.

الاتحاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...