الرئيسية / صفحات الرأي / الرجل الذئب: عدو النظام الإنسانويّ/ عمار المأمون

الرجل الذئب: عدو النظام الإنسانويّ/ عمار المأمون

 

 

«أنا مستعدٌ أن أبيع أمّي للعبوديّة، لأرى الجزء الثاني في فيلم V for Vendetta»، هذه النكتة، أطلقها سلافوي جيجيك العام الماضي، حين سُئِلَ عن الثورات العربيّة وحركات احتلال الساحات التي انتشرت في أنحاء العالم، إذ يتساءلُ عمّا يمكن أن يحصل بعد نهاية الفيلم. ماذا سيحدث لو تمكّن الشعب من احتلال البرلمان حقاً؟ أي، ماذا لو انهارت سيادة الدولة، ومؤسساتها، وفَقَدَ الأفرادُ وضعيتهم كموضوعات قانونيّة وسياديّة.

يسمّي الإنكليزي توماس هوبز العلاقات التي تحكم الأفراد إثرَ غياب السيادة «الحالة الطبيعية»، التي تُفعَّل قبل تأسيس النظام السياسيّ، أو بعد انهياره، ويستخدم هوبز لوصف العلاقات ضمنها المَثَلَ اللاتيني1 «الرجل كذئب يلتهم رجلاً آخر»، أي أن العلاقة بين الأفراد تتحول إلى عدوانيّة، هدفها البقاء والنجاة الشخصيّة.

في كتابه المواطن (1642)، يعتمد هوبز لتوصيف هذه العدوانيّة الطبيعيّة على مفهوم الانمساخ الحيواني، أو متلازمة Lycanthropy، التي تفترض تحوّلَ الفرد إلى وحش إثر اختلال نفسيّ، إذ يرى أن هذه النزعة الحيوانيّة صفةٌ جوهريةٌ في البشريّ، وهي التي تشكل أساس نظريته السياسية في السيادة، فطبيعة البشر عدوانية ووحشية بالأصل، وهدف قيام الدولة، هو احتواء الأفراد، وأنسنتهم، وحين ينهار النظام السياسيّ، يرتدّ البشر إلى الوحش/ الذئب.

يرتبط التصور عن العداوة والوحشيّة بمفهوم الطبيعة البشريّة، الذي يفترضه المنطق الإنسانويّ، والذي يرى العالم من وجهة نظر أنطولوجيّة بيضاء، تتحرك فيها الموضوعات بين فئتين، «بشر-حيوان»، فكل ما هو ثقافي، هو بشريّ متحضّر، وما هو طبيعيّ، هو حيوانيٌّ وعدوانيّ.

هذه الحدود التقليدية بين الموضوعات، نتاجٌ لهيمنة الذكر الأبيض الغنيّ المتعلّم، وبقيت محركاً للسياسات المعاصرة حتى الآن، وإن اختلفَ شكلها. فرويد مثلاً، يشير إلى دور الحضارة أو «الثقافيّ» في كبح «حيوانيّة» الإنسان، وتقييد العنف الغريزي لديه، ففي كتابه قلق في الحضارة (1930)، يقترحُ أن الفرد يرى في جاره وسيلة لإشباع رغباته، سواء الجنسية عبر الإيلاج فيه، أو تلك النزعات العنيفة لامتلاكه وانتهاكه، والتسبب بالألم له، بل وتعذيبه وقتله.

هذه النزعة «الطبيعيّة» تفترض دونيّةَ الحيوانيّ، وتستثنيه من «الثقافيّ» عبر عزله من الشروط «البشريّة»، بوصفه لا ينتمي للشكل الإنساني، وتحتويه عبر جعله موضوعاً للعنف، فالأنطولوجيا السابقة، ترسم الحدود بين الموضوعات الثقافيّة والطبيعيّة، عبر مجموعة من الجهود الثقافية «نصيّة ومؤسساتيّة» لتقسيم الموجودات، بين ما ينتمي لعالم البشر وفضاءات حياتهم، وبين ما ينتمي لعوالم الطبيعة وفضاءاتها الصرفة اللامتحضرة.

آثارُ هذا التقسيم تتجلى في الحركات الكولونياليّة، كما أنها تشكّل جوهر الأنظمة السياسية التي تحوِّلُ «الفرد» إلى موضوعة سياسيّة، إذ تُقنّن وتراقب وتعاقب وتستثني وتحتوي، خوفاً من «الرجل الذئب» الذي تفترضُ وجوده، بوصفه عدوَّ السلطةِ السياسيّة المهيمنة وشكلِ العلاقات البشريّة «الصحيّة».

تخضع هذه الحدود الأنطولوجيّة للانتقاد الدائم، مع المقاربات ما بعد الاستعمارية وما بعد الإنسانويّة خصوصاً، التي ترى أن الاختلافات بين الطبيعيّ والثقافيّ ليست إلا أوهاماً استعماريّة، وجهداً سياسيّاً من الثقافيّ المُستعمِرْ، لتغيير أشكال الحياة الطبيعية Gaia التي لا تنتمي له، بوصفها موضوعات صرفة لا بد من «تشكيلها» بشرياً، فالجهود المضادة للسياسات الاستعماريّة، تسعى لتفكيك الحدود بين داخل-خارج، طبيعيّ-ثقافيّ، متحضر-بربري، حيٌّ داخلَ الجسد-ميتٌ خارجه، وأبرزها الجهود السياسية التي شهدتها بوليفيا، حيث كان دستور 2009 ساحة للصراع الأنطولوجيّ، الذي تم فيه اعتبار الكوكا نباتاً وطيناً، ومنتجاً ثقافياً يعبّر عن الوحدة الاجتماعيّة.

إنتاج «الطبيعة» ثقافيّاً

تسعى أشكال السيادة السياسية المعاصرة، إلى ترسيخ أوهام «الحالة الطبيعيّة»، وتفعيل العنف الفرديّ، والتأكيد على أنه صفة جوهريّة، وذلك عبر خلق شروط عدوانيّة تجعل الفرد يسعى لنجاته فقط، إذ تفعّل الذئب ثقافياً، وتكوّن مساحات يكون فيها العنف من أجل البقاء، هو الخيار الوحيد، عبر تحويل الفرد/ المواطن، من موضوع ثقافي يتحتم على الدولة حمايته، إلى استثناء طبيعي، عرضة لعنف الآخرين مثله أو عنف السيادة. هذه الاستراتيجيات يشير لها الإيطالي إنتونيو أغمبين في الإنسان المقدس والحياة الصرفة (1995)، إذ يرى أن السيادة تحتكر لنفسها العنف وممارساته، وتخلق الشروط لممارسته، أو بصورة أدق «مساحات الاستثناء»، التي تفصل بين المواطن والحياة الصرفة، سواء كان الفرد ضمن الأخيرة ذئباً أم لا، إذ يتحول إلى موضوعة للعنف المباشر، كونه يهدد السيادة، ويولِّدُ العنف ضد الآخرين في سبيل البقاء.

الذئب كَمُنتج سياسي

مساحات الذئاب أو شروط الاستذئاب، يتمّ عبرها، وعن وعي، تحويل الذئب إلى رجل، والرجل إلى ذئب، عبر سلسلة من الاستراتيجيات، التي تفعّل العنف البشريّ، الذي تخلق الدولة شروطه بوصفه جزءاً من محركات بقائها، كونها تدّعي المسؤولية عن «حياة-Zoë» الأفراد، وتُسيّسيهـا، عبر تعريضها للموت أو الحفاظ عليها، لاستمرار وجود السيادة.

تاريخياً، أشهر المساحات السيادية التي يتحوّل ضمن شروطها الفرد إلى ذئب، هي تلك المرتبطة بالتقليد الروماني، بصورة أدق، فضاء المصارعة الرومانيّة (المجالدة)، فالفرد هناك، في الحلبة، مواطناً كان أم عبداً، يخضع لشروط العنف، إما يُقتَل أو يَقتُل. هذه المساحة السياديّة، المرتبطة باللعب والفرجة، تُفعِّلُ العنف الفردي وتربطه بالبقاء، والخضوع الكليّ لإرادة الحاكم، فقرار الحياة أو الموت يبقى بيده، فالهزيمة ليست معيار النجاة، بل قرار «الحياة» السياديّ، فالسلطة تخلق «الحالة الطبيعيّة» ضمن فضاء جغرافيّ، وتترك للذئب حريّة «اللعب» ليخرج منه مواطناً، أي يتحول من ذئب إلى فرد سياسي.

الأمثلة المعاصرة على هذه المساحات التي تحمل الملامح ذاتها، هي فضاءات مخيمات اللاجئين، فالأفراد ضمنها ليسوا مواطنين بعد، هم استثناءات سيادية لحين يتم «تطبيعهم»، والعنف بين الأفراد في تلك الفضاءات، وليد سياسات العزل الممنهجة، ويتوقف إما إثر قوانين داخلية، قائمة على العلاقات بين الأفراد، أو إثر تدخل السيادة المباشر لفضّه.

هناك حالات أخرى يظهر الذئب فيها ضمن المدينة، وهي تلك المرتبطة بالمخدرات. «فلاكا»، مخدّرٌ كيميائي اصطناعي، اشتهر في السنوات الأربع الأخيرة في الولايات المتحدة، وهو يُحوِّلُ الفرد إلى «ذئب» بالمعنى السابق، بسبب تأثيره على وظائف الدماغ، فالفرد يصبح عنيفاً ضد من هم حوله، وقد يصل الأمر به حدَّ القتل. أعراض المخدّر تُفقِدُ الفرد البعد الثقافي، ليتحرك ضمن مساحات السيادة، بوصفه وحشاً يلتهم «أوجه» الآخرين كما في أحد الحالات في الولايات المتحدة، فهذا الذي فقد وعيه واخترق قوانين النظام القائم، عدوُّ المدينة الآمنة، القائمة على أساس «الوعي» البشريّ الناطق بلغة مفهومة.

هذه التحولات التي يخضع لها الجسد، تمتد إلى الممارسات الطبيّة السياديّة، حيث تقوم السلطة ذاتها، بخلق عقاقير تُفعِّلُ هذا التحوّل، الذي يمكن الاستفادة منه في الحروب، فالذئب ماكينة قتل بشريّة إن تم توظيفه ضمن شروط مناسبة، كما فعلت الولايات المتحدة مع جنودها في العراق وفيتنام، عبر تزويدهم بعقاقير تزيد من قدراتهم القتاليّة، وكأنه في المساحات الجغرافية التي لا تنتمي للسيادة السياسية، لابد من خلق الذئاب لضمان النصر، وممارسة العنف «الطبيعيّ» بأمر من السيادة، فالجنود يُستثنون من المدينة نحو فضاءات الحرب العدوانيّة، حيث لا مدينة ولا سلطة وطنيّة، بل قوانين الاستثناء العسكريّ.

الذئب كوسيلة لرفض السلطة

تُقدِّمُ المنتجات الثقافية والفنيّة احتمالات جديدة يمكن أن يظهر إثرها الرجل الذئب، هذه الاحتمالات، تعكس السياقات التاريخيّة للنشاط السياديّ للدولة في خلق «الذئاب»، كما في فيلم أبوكاليبتو (2006). فوصول الرجل الأبيض نهاية إلى الأرض الجديدة، يعني إعادة تعريف التقسيم الأنطولوجي بين الحيواني والبشريّ، بوصفه من سيقضي على الحالة الطبيعية البربريّة المفترضة، التي لا ينتمي أفرادها للبشريّ ذي الشكل الأبيض المُعترف به.

هذا التصور الاستعماريُّ ينسحب أيضاً على مفاهيم الحيوانيّ، وممارسة الأبيض لأشكال التدجين والعنف، لأسباب طبيّة أو عسكريّة أو للمتعة فقط، والتي نراها واضحة في فيلم كينج كونج (2017)، فالغوريلا العملاقة، بالرغم من خصائصها البشريّة وخصائصها «الإنسانيّة» ضمن فضاءه الطبيعيّ، هي ضمن المنطق السيادي المُستعمر، عدوٌّ حيوانيٌّ عنيفٌ للإنساني الأبيض، الذي يقصف الجزيرة حيث يسكن القرد العملاق بالطائرات قبل أن يطأها. فالأرض الطبيعية «للذئب»، هي موضوعٌ لعنف السيادة، بالرغم من مكانة ذاك «الحيوانيّ» لدى السكان الأصليين، وقدسيته ضمن شروطه «الأصلية». أما محاولات احتواء الذئب/القرد العملاق، التي نراها في أجزاء سابقة من الفيلم، تعكس التصور الاستعماري عن السكان الأصليين، بوصفهم برابرة، وسيدمرون صروح الحضارة «الغربيّة» في حال أصبحوا ضمن فضاءاتها، فهم ذئابٌ حكماً وعنيفون طبيعياً، ومحطُّ عداء السيادة، سواء داخل أراضيها أم خارجها، ولا بد من تدجينهم واستعراضهم كأمثلة على عمليات الأنسنة الثقافيّة.

هذه الأنسنة بوصفها ضد الطبيعيّ وضد «الذئب»، تُنتَقَد في عروض فنّ الأداء، التي تنتصر «للطبيعي» المستثنى، كالعرض الذي قدَّمه الأمريكي غوميز بينيا وكوكو فيسكو في مطلع التسعينيات، احتجاجاً على ممارسات كريستوفر كولومبوس، عندما اختطف الأخير فرداً من قبيلة الأرواك واستعرضه أمام البلاط الإسباني. وما فعله بينيا أنه تنكّر، ووضع نفسه ضمن قفص، واخترع قبيلة باسم Amerindians، موجودة في المكسيك، ومذكورة في الموسوعة البريطانيّة، على أنه أحد سكاّنها الأصليين. بعدها تنقَّلَ هو والقفص، مستعرضاً ذاته في العديد من المتاحف في الولايات المتحدة.

يحضر الرجل الذئب بصورة أخرى في السينما، إذ نراه واضحاً في مساحات ما بعد انهيار السيادة، والتي تسود فيها النزعة الطبيعيّة، كفيلم Mad Max . فالكلُّ هناك عدوٌّ للكلّ، نحن أمام كائنات ذات خصائص بشريّة تسعى للبقاء، عبر قتل بعضها، للتقليل من استخدام الموارد المحتكرة من قبل جماعة محددة، ضمن مساحة جغرافيّة، تُستثنى منها الذئاب. الفانتازم السينمائي السابق، يحمل دلالات واقعيّة، عن الجماعات المتنفّذة التي تحتكر الموارد/الأمان، وهذا ما نراه في الكوارث الطبيعيّة، بوصفها تختبر حدود السيادة في الحفاظ على «إنسانيّة» من تريد، وخلق شروط «الذئب» للباقين، سواء انصاعوا لهذه الشروط أم لا، كما في حالة إعصار كاترينا في الولايات المتحدة. فالسيادة تُفعِّلُ الاستثناء، الذي يكون الفرد ضمنه ذئباً أو حياة صرفة، عبر إهمالها لأصحاب البشرة السوداء، ما جعل قسوة شروط النجاة، وسيلةً لتفعيل نموذج الذئب، وهذا ما نراه في كثيرٍ من الحكايات عن العنف والقتل بين الناجين، والتي يمكن اعتبارها وليدة شروط السلطة، واستراتيجياتها في استثناء من لا تراه «إنسانياً»، ولا يستحق تفعيل الموارد لأجله، ليُترَكَ ذئباً يصارع لأجل بقائه.

الذئب كخيار شخصي

بالعودة للتعريف الأول «الرجل كذئب يلتهم رجلاً آخر»، وجهود السيادة النصيّة والمؤسساتيّة لاحتكار مفهوم «الإنسانيّ»، يمكن أن يحضر الذئب بوصفه وسيلة للاحتجاج، فتهديد الحياة التي ترى الدولة نفسها ضامنة لها، يعني تهديداً لسيادتها، والمحاولات الواعية للتحوّل إلى ذئب، تحرك الدولة وتختبر حدود هيمنتها على وحدة الجسد وصورته المتماسكة، وهنا تبرز أمامنا تجارب فنون الأداء مرة أخرى، فالعدوانية، والتهديد بالخطر الجسدي ضد الآخر، هو تفعيلٌ للذئب ثقافياً، لا بتأثير مخدر أو كارثة أو حرب أهليّة، بل عبر التهديد بالقتل، واختبار حدود الموضوعة السياسية الإنسانيّة، كما في عام 1971 في الولايات المتحدة، حين قام الفنان كريس بوردين، بالوقوف أمام جدار، وترك صديق له يطلق النار عليه، مصيباً إياه بكتفه، فمسرحة القتل ضمن الأداء، وقتل المواطن لمواطن، هو استدعاء للذئب، بوصفه رفضاً للنظام القائم. حينها كانت الولايات المتحدة في فيتنام، وأعمال الشغب تعمّ أغلب المدن، واستدعاءُ الذئب جاء أشبه بنزعة نوستالجية إلى زمن ما قبل السلطة، وما قبل العنف السياديّ.

  1. Homo homini lupus est, man is a wolf to man

موقع الجمهورية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...