الرئيسية / كتاب الانتفاضة / محمد تركي الربيعو / الرواية وذاكرة المدن السورية في خمسينيات القرن العشرين/ محمد تركي الربيعو

الرواية وذاكرة المدن السورية في خمسينيات القرن العشرين/ محمد تركي الربيعو

 

 

بقدر ما قدّمت أدبيات العمارة، عالمياً وإقليمياً، إنتاجاً غزيراً يبحث العلاقة بين الفنون عامة، والرسم والنحت خاصةً، فإن العلاقة بين المدينة والرواية والعمارة بدت علاقةً هامشية لم تُختبر اختباراً عميقاً داخل هذا المشروع البحثي. ويفسر البعض سبب هذا التهميش وعدم إيلاء أهمية تذكر لهذا الجانب مقارنة بالحقول الأخرى، خاصة في عالمنا العربي، لكون معظم جامعاتنا وأكاديمياتنا في المنطقة، لم تحاول الاقتراب من المناهج ولا الدراسات البحثية حول العالم الروائي الثري. وغالباً ما استغرقت، تلك الأكاديميات، كل طاقاتها في تدريس فنون التصوير والنحت، خاصة الغربي منها، لدارسي العمارة والعمران وتخطيط المدن.

ويشير علي عبد الرؤوف في كتابه الجديد «مدن العرب في رواياتهم» الصادر قبل فترة عن مدارات للأبحاث والنشر، إلى أنه في خضم الاستغراق في دراسة تاريخ المدارس الفنية الغربية، فإننا فقدنا القدرة على اكتشاف مساحات التلاقي والتلاحم بين العمارة والمجالات الإبداعية الأخرى، وأهمها الإبداع الروائي، بل إن لحظات فاصلة في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، مثل حصول الروائي نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب عام 1988 لم تكن كافية، لتنبهنا إلى قيمة العمل الروائي المصري والعربي، وإمكانية تقدير قيمته في فهم وتفسير علاقة الإنسان بالمكان. من هنا، يعتقد عبد الرؤوف أن علاقة الرواية بالمدينة وعلاقة المدينة بالرواية، هي علاقة تبادل وجود وتواصل مختلط، وهي علاقة متناقضة ومتشعبة، تتجاوز طرفيها لتضم إليها طرفاً ثالثاً هو القراء، سكان المدن. ومن تلاقي وامتزاج هذه الأطراف الثلاثة على مستويات مختلفة، ينتج، بالضرورة، وعي حاد بالذات وبالمحيط وبالوجود نفسه. ولذا أصبحت علاقة الروائي بالمكان علاقةً جوهرية؛ فالمكان يحتوي الزمان الماضي والجماعة الإنسانية والعلاقات المتشابكة بين أفرادها. كما تتميز الراوية بامتلاك القدرة على رسم تصورات ذهنية لدى القارئ لبعض الأماكن التي لم يزرها، ولبعض المدن التي لم يرها. هنا تصبح الرواية أشبه بفيلم سينمائي يعطي المتلقي كل أبعاد الحياة في المجتمعات التي لا يعرف عنها سوى اسمها فقط، وأحياناً يظل الاسم نفسه مجهولاً.

وبالعودة إلى الصعيد الإقليمي العربي، نجد أن الرواية العربية وثّقت التجربة والحس المكاني للعديد من مدننا؛ إذ أبدع كثيرون في رسم مدنهم، بحيث أصبحت تلك المدن واضحةً في ذهن المتلقي، وهذه من وظائف الفن الذي يتجاوز المكان، ليستقر في أماكن أخرى. فعلى سبيل المثال، اختلفت حارات ومشربيات نجيب محفوظ في البيئة المصرية، عن ديوانيات وأحواش عبده خال في الخليج، أو أبراج وناطحات سحاب هاني النقشبندي في مدينة دبي، أو بيوت القرية الطينية في سرد الطيب الصالح، أو تطوان البيضاء ومراكش الحمراء في روايات المغاربة من أمثال محمد شكري ومحمد زفراف وسالم بن حميش. لكن ما يميز المكان هنا ـ وفقاً للكاتب- هو أنه يستند في الرواية إلى البعد التخييلي ليقطع صلته وينهي ارتباطه، نسبياَ، ببعده الفيزيائي حسب المقاييس التقليدية خاصة. وهذا الانتقال من مجال الدراسات الفيزيائية إلى مجال الأدب، يجعل مفهوم المكان يجدّد دلالاته ويوسّع بعده الفيزيقي ليشمل أبعاداً: رمزية وأيديولوجية، بل وأسطورية، تسهم في بناء النص الروائي، بوصفه عالماً متخيلاً، من خلال اللغة؛ فهو فضاء لفظي كونته الحروف والكلمات والصياغات. ويمكن أن نضيف ـ وفقاً للكاتب- إلى أن الاهتمام بالمكان في الرواية هو اهتمام بالجانب الحكائي في المكان، ومدى إسهامه في تحقق المظهر التخييلي في العالم الروائي؛ فبالإضافة إلى أن المكان في الرواية يحتفظ بملامح المكان الذي تجري فيه المغامرة المحكية، فإن الاهتمام بدلالاته الروائية ينصب أساساً على إسهامه الكبير في تلك المغامرة نفسها كعنصر سردي فاعل.

مدينة اللاذقية: المصابيح الزرقاء

في سياق آخر، يرى عبد الرؤوف أن الروائي، غالباً ما يبحث أثناء كتابته للرواية عن مادة فنه الخام في مجتمع المدينة، وهو بحكم وجوده غالباً داخل مجتمع المدينة ومعايشته لتصرفات وعلاقات الأفراد وفهمه لدلالتها، يملك قدرةً على أن يبدع أعمالاً تنفذ إلى الأعماق، وتكشف الحقائق لمعاصريه. ففي الحالة السورية مثلاً، تحضر صورة مدينة اللاذقية في عدد من الروايات السورية، بوصفها فضاءً مكانياً يحمل إمكانات متعددة لاحتضان بناء روائي متميز. وربما تعد تجربة الروائي السوري حنا مينه التجربة الأكثر اهتماماً وريادةً في الكتابة الروائية حول هذه المدينة. ورغم أن ذكر المدينة لم يسجّل في عناوين روايات مينة التي اتخذت من اللاذقية مسرحاً سردياً، إلا أن الخصائص المكانية الدالة عليها والمرتبطة بفضائها الطبيعي والمعماري والعمراني، ترصدها بعض العناوين، مثل: «حارة الشحاذين، والشراع والعاصفة، وحكاية بحار»، وسواها من ابداعات الروائي السوري حنا مينه على وجه الخصوص.

وكان حنا مينه قد ولد في مدينة اللاذقية عام 1924، وعاش طفولته في إحدى قرى لواء الإسكندرون على الساحل السوري. وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية، وهناك وجد إمكانية فراغية مثالية لطرح قضايا إنسانية، وتناول إشكاليات العمارة والعمران في مدينة بحرية لها طابعها المميز. وقد ظهر هذا الاهتمام لديه منذ منتصف القرن العشرين في روايته الأولى عن المدينة «المصابيح الزرقاء»، إذ ارتكز سرده الروائي على مجموعة متنوعة من الفراغات المعمارية والعمرانية في اللاذقية، التي تمثل الفضاءات المحورية للأحداث والشخصيات. وتتنوع الأماكن ما بين حي القلعة، وبيت أبي فارس، والصليبية، والسجن، والبحر. وإلى جانب كثير مما تكشفه هذه الأماكن في سياق القصة، فإنها أيضاً تكشف عن نمط العمارة السائد، وعلاقته بالمستوى الاجتماعي. ووفقاً للكاتب، نجد أن تصوير مينة لعمران الحي يعد بمثابة وثيقة معمارية، إذ يحمل الحي في روايته طابع الحي الشامي القديم في اللاذقية؛ هنا يتحول العمران إلى نطاق حميم تخترقه الممرات الإنسانية الضيقة، التي تتخلل مجموعات من الساحات المفعمة بالحركة الإنسانية والجمال الطبيعي. في الوقت ذاته يحاول مينه أن يرسم المشهد الاجتماعي/ الطبقي داخل المدينة، عبر تشريح منازل المدينة، بحيث تعكس طوابقها العليا والسفلى حالة اجتماعية واقتصادية: «أزقة ضيقة، ذات أبنية حجرية متقاربة، وأبواب صغيرة، ِأشبه شيء بالكوى، تفضي إلى باحات واسعة في وسطها ماء وزهر وشجر، ومن حوالي الباحة تقوم قاعات ومنتفعات، وعلى أطرافها، إلى أعلى، شرفات ذات تخاريم أثرية، تطل على بعضها، وتتداخل وتتقاطع على نحو غريب… أما التقسيم الطبقي للحي فكان ملحوظاً فقط في بيوت السكن، الطوابق العليا للأغنياء والطوابق السفلى والأقبية للفقراء».

وفي ثلاثيته: «حكاية بحار، الدقل، المرفأ البعيد»، تحضر اللاذقية أيضاً ببحرها وحاراتها وشوارعها وجمالياتها، بل وسلبياتها أيضاً، وهو ما يتكشف عبر المواقف المتباينة لسعيد حزوم، أحد أبطال الرواية، حين يصف مشاعره وانطباعاته عن المدينة، التي تجمع على نحو متفرد بين انفتاحها البحري وغموضها وانغلاقها أمام الغرباء عندما يقتربون من قلبها المقدس: «فهذه المدينة البحرية الصغيرة، لها كل طابع الميناء، وهي مضمونة جيداً، بشوارعها وطرقها وأحيائها، وكل ما فيها مريح، بخلاف مرسين. ناسها لطفاء، وكل ما فيها يبعث في الإنسان شعوراً بحرياً خالصاً، ومن عجب أنني لم أشاهد فيها بحارة أجانب».

«موزاييك دمشق»

ويرصد الكتاب في سياق آخر، حالة مدينة دمشق التي شكلت بالنسبة لفواز حداد بؤرة الواقعي والتخيلي؛ ففي روايته الأولى «موزاييك دمشق» 1993، انعكست المدينة بمعالمها الكبرى وشوارعها وأزقتها. أما في الرواية الثانية «صورة الروائي»، تناول حداد بدايات الهدم في أحياء دمشق القديمة في أوائل التسعينيات وتداعي ذاكرة المكان وانهياره، على وقع التحديث العنيف المتسارع الذي لا يستوعب قيمة المكان، غافلاً أو متعمداً. ويذكر حداد في هذه الروايات أنه لم يتخيل دمشق، ولكنها كانت مكانه وواقعه واستعاد ملامحها القديمة من وعاء الذكريات والمشاعر. نجد هنا أن حداد ـ وفقاً للكاتب – بقي وفياً للمدينة التي عاش فيها، ومن جوانب هذه الأمانة اهتمامه بسرد واقعية الأماكن ومنها البيت الدمشقي. فعندما يتحدث عنه يصفه بأنه مثل كل مكان آخر له مفاتيحه الخاصة، التي تضم الباب الذي لا يوحي بما خلفه، الدهليز، فالقسم التحتاني من البيت: باحة الدار، الليوان، القاعة والصاليا، المطبخ، ثم الدرج المؤدي إلى الفوقاني: غرف النوم، الشبابيك المطلة على الحارة، الخص، الفرنكة، ثم السطح. وكشأن فواز حداد، وجد الروائي السوري خيري الذهبي أرضية إبداعية خصبة في البيت الدمشقي وعمارته، وصاغ أعمالاً درامية حكمتها ثنائية المرأة والبيت الدمشقي «رواية حسيبة» فملأت البيت، والباحة، والجدران، والدرج، والمشرقة، والممر الواصل إلى المشرقة بالورود، وحين غص المكان بورودها الداخلية المنعكسة وروداً في أصص. هذا البيت استطاعت المرأة تحويله إلى ذاكرة، وإلى تاريخ، وإلى حيوات، فأغناها به عن العالم الخارجي، ولكنها أبداً لم تتخل عن حقها في العالم الخارجي.

كما أن إشكالية حيوية المكان ونموه شغلت الذهبي في رواية «لو لم يكن اسمها فاطمة». ففي هذه الرواية ابتعد عن المدينة في الجزء الأكبر من الرواية، ومضى إلى حيث المدن الميتة باحثاً عن سبب موتها، وكانت سوريا دائماً حافلة بالمدى والقرى الميتة، وفقاً لتعبيره، مثل ترقا، وتدمر، وأفاميا، وسرجلة، والرصافة، وإيبلا. وقد استخدم الذهبي البناء النصي للعمل في اختبار هذا التحرك البندولي ما بين الازدهار والموت في حياة المدن، بل قدم تفسيراً أنثروبولوجياً وهو ازدهار القوافل، حين يهدأ الصراع بين الشرق والغرب، فتأخذ حظها في التجارة بينهما وتزدهر، ثم ينحرف طريق القوافل أو ينقطع، فتعود إلى عزلتها وتكيسها.

في سياق آخر، يشير عبد الرؤوف إلى تجربة أخرى حول واقع سوريا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي عبر التطرق لرواية غادة السمان «الرواية المستحيلة فسيفساء دمشقية» ففي هذه الرواية، تراوح الكاتبة بين المكان الواقعي المادي والمتخيل المثالي، لأنها تخلق جواً تقديسياً ومثالياً لهذه المدينة ولبيوتها الشامية العتيقة. وتقود الكاتبة رحلة عبر الزمن إلى دمشق من الجامع الأموي إلى سوق الحميدية، إلى الربوة، إلى قاسيون، إلى تلك الأماكن التي تحكي عن دمشق الصامدة التي تجسدها شخصية فتاة عنيدة جريئة قوية خجولة كدمشق وهي الشخصية الأبرز في الرواية «زين». وتتعامل الكاتبة مع البنية المعمارية والعمرانية في مدينة دمشق على عدة مستويات. المستوى الأول هو النسيج المعماري الذي يتفرد بمجموعة من الأزقة التي تخترق المدينة وتكتشف تاريخها وسكانها ومقدساتها. هنا يتضح لنا ـ وفقاً للكاتب- فكرة اسم الرواية، فالفسيفساء هنا ليست فقط في زخارف حمام القيشاني الملون، ولكنها أيضا في الفسيفساء العمراني؛ إذ يلعب الزقاق مع المسكن الدمشقي أدواراً مهمة في صياغة اللوحة الكاملة.

وبالتالي فإن خصوصية الرواية تكمن في كونها تعبر أيضاً عن خصوصية عمران دمشق، من خلال التأكيد على أهمية هذه البنيات الصغرى (البيت والزقاق) التي تشكل البنية الكبرى (دمشق). وفي مكان آخر في الرواية، تتحدث الكاتبة برمزية قاطعة عن الصراع الذي تعرضت له الفتاة زين متنقلة من البيت الكبير القديم إلى البيت الجديد، وهو البيت الذي تقطنه زين مع ولدها وجدتها الحاجة حياة، ويقع في شارع أبو رمانة، إلا أن الحنين إلى تلك الحياة السحرية في البيت الكبير يستولي عليها ويستبد بها.

فقد «ظلت زين رغم سعادتها في البيت الجديد في شارع أبو رمانة تحن إلى ذلك الزقاق الضيق الملتف على نفسه كرحم، والنوافذ المتقاربة، وبشرة البيوت الطينية التي تكاد تبدو حية، والبيت الكبير بأهله ودنياه وعطوره وبهاراته». مع ذلك أحسّت زين بالحرية في كل شيء، في المظاهر الخارجية وفي التصرفات والسلوك، فاخترقها المكان ومنحها الألفة والاستقرار، وامتص حالتها كي يمنحها حالة جديدة، وفي المقابل نجد الرفض لهذا المكان الجديد بكل تفاصيله؛ لأن المكان الأول يسكن الحاجّة (حياة/جدة زين) روحياً وعقلياً مما يمنحها الشعور بالغربة تجاهه.

كاتب سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...