الرئيسية / صفحات مميزة / الساعة الأخيرة… قبل الحجاب: عزيز تبسي

الساعة الأخيرة… قبل الحجاب: عزيز تبسي

عزيز تبسي *

قبلها بسنوات، كانت تدرس الطب في جامعة حلب. ترافق الليل وحيدة إلى دمشق لزيارة أبيها. هناك تصفق الهواء براحتها، وتعبر كرمح بين غرف العمارة التي تمنح ورقة الزيارة للسجين الغائب في أعماق الظلمة. تمضي رشيقة كنسيم أليف في لباسها الخفيف، الحذاء الرياضي الأبيض الممسوح بالليفة المشبعة برغوة الصابون، بنطال الجينز الأزرق الكالح، البلوزة القطنية الطويلة. خفيفة حمولتها، وهي بعض من إدارات مصروفها البسيط، تحمل أكياسها وتنطلق بالسرفيسات المتتالية إلى سجن “الشيخ حسن” قبل أن تتعقبه إلى سجن دمشق المركزي “عدرا”. وكانت تتقدم، خلف وردتها الحمراء، ولا تفصح عن ابتسامتها إلا أمام الحاجز المعدني، إيذاناً بتمزيق قماشة الحِداد، وهي تراه آتياً من آخر الممر مخنوقاً بحنينه.

الآن هي في زمن آخر، الولدان يثقلان الخطو، لكنها أخيراً حسمت قرارها بالسفر معهما إلى دمشق، بعد مضي ستة وعشرين شهراً على صعود الأمل إلى الأعالي، وثباته بثقله الرابض في سبخة التراب الطري وحصار طفيلياته. أجرت اتصالاتها مع الأهل المقيمين في درعا المحطة، وأخبرتهم بقرارها، واستفسرت عن إمكانية السفر الآمن إلى هناك، أو حدود مجازفتهم بانتقالهم إلى دمشق، حيث يمكن أن تجتمع الأسرة في بيت ابنهم، وتطمئن لحقيقة أوضاعها، بالتلامس الحنون والأضمومات الحارة، والكلام المتدفق الذي ما يزال يخشى البوح به عبر وسائل الاتصال، لا بتلك العبارات المحايدة التي تنقلها الهواتف: نحن بخير، وهي تعبير مجازي عن كونهم لم يموتوا بعد، بطلقات قناصين يعتلون الأبنية الحكومية، أو بشظايا قذيفة تأخذ اللحم الطري إلى محرقته.

وتتفلّت الأخبار من طرف اللسان، عن القريبة التي قتلتها الرصاصة وهي في صالة بيتها، والجار الذي تفتت ساقه بطلقة قناص في طريقه لشراء الخبز، والأهل الذين أصابهم الرصاص وهم على أسرّة نومهم، ونزوح بعض الأقرباء إلى بلدات الأردن الشمالية، ومنح الجدة شققها الثلاثة للنازحين، وعن الموتى بنقص الأدوية، والمداهمات المتواصلة للبيوت والتعليمات الصارمة بحرقها في حال توفر أي قصاصة أو رمز يدل على الانحياز للانتفاضة، وصعوبات دفن الموتى، والأخ الذي بات يبيع الفلافل في قارعة الطريق ليطعم أولاده، وهي أيضاً تفلّت لسانها وأخبرتهم عن إصابتها القلبية، بعد انقطاع الاتصال بهم في نيسان/ابريل 2011 لأكثر من شهر، بيقين سكن هواجسها وحرق دمها أنهم قُتلوا.

في هذه الرحلة أو سواها قسط من المجازفة، لا ينبغي الاستخفاف به. على العكس، تقضي الضرورة الاستعداد له وتبصر المخرج من طوارئه وأحابيله. كذلك الإرهاق، بما يفرض التهيؤ البدني والنفسي، لرحلة قد تستغرق 12-14 ساعة أغلبها في طرق زراعية تحت سيطرة قوى عسكرية متعددة، تفاجئ المسافرين من حين لآخر بمزاجها الشرير. الرحلة نفسها كانت تتم بأربع ساعات أو أقل على طريق ثنائي، يحمل بعض المواصفات الدولية، تختار لها آخر الليل أو أول الفجر، لينبلج الصباح على مشارف منبسط سهل حوران، يتنفس برفق ملء رئتيه الهواء المتدفق الهوينا.

في التهيؤ للسفر، تتتالى الأسئلة التي ليس لها جواب. كم من الحقائب يمكن أن نحمل معنا، وماذا نضع بها؟ ونوعية الهدايا التي يمكن حملها للأولاد المنتظرين عمتهم. أم نكتفي بالمال الخفيف، الذي يمكن إخفاؤه، وهو من سيتكفل بحل الصعوبات، بعد الوصول الآمن إلى دمشق؟

في مكتب النقل، علمت أن السفر لا يكون سوى في الصباح، وأجرة النقل للراكب زادت ثمانية أضعاف عن الرحلة الأخيرة التي قامت بها قبل أكثر من سنتين، وأنه لا تخفيضات على أجور نقل الأولاد، ولا يحق للراكب سوى حقيبة صغيرة، وغير ذلك ينبغي دفع أجرته بما يعادل نصف أجرة السفر. وعندما سألته عن حدود المخاطر المتوقعة، أجاب: كلنا في حماية الله. هزت رأسها، ووضعت البطاقات الثلاث في حقيبتها وغادرت المكتب. في الصباح حملوا حقائبهم، وأتوا قبل موعد انطلاق الرحلة بنصف ساعة، لم تتعمد أن يكون لباسها ولباس ابنتها بأكمام طويلة، وببدن طويل يصل إلى تحت الوركين، لكونها اعتادت هذا اللباس منذ زمن، ووجدته ملائماً للسفر، ويمنح الحرية للحركة في الشوارع المزدحمة وأثناء العمل.

المسافرون متحلقون حول معاون السائق الذي يحمل الحقائب، الذي يتأكد من دفع أجرة حمولتها، من لصاقات مزدوجة يحملها المسافرون، ويصفها في مستودع الحافلة العميق، عامل آخر يغسل واجهتها الزجاجية ويلمعها، ويتأكد من امتلاء مبرد المحرك بالمياه. حين وصل دورها، حمل الحقيبة ودفعها إلى العمق المعتم، ونهض، نظر إليها وكأنه متفاجئ بها.

– أهكذا ستسافرين، ألم تحضري حجاباً.

– حجاب؟

– الحجاب ضروري لإتمام السفر، حتى لا تتورطي بمشكلة لا يمكن التكهن بعواقبها. والتفت نحو ابنتها، التي بدأت تظهر عليها ملامح التحولات البيولوجية الأنثوية، وتابع: أهذه البنت معك؟

– نعم

– هي أيضاً تحتاج لحجاب.

– لو أخبروني البارحة في المكتب بذلك، لكنت استعديت له. قالت له وهي تفتح حقيبتها لتخرج منديلاً ورقياً، تمسح به جبينها المتعرق.

– ربما لأنه لم يبق أحد لا يعلم عن ضرورة تحجب النساء في السفر. عليك تدبر الأمر، لم يبق سوى دقائق لانطلاق الرحلة.

انزوت بولديها إلى طرف الرصيف، وكأنما لمعت عيناها بدمعة لا تسيل ولا تعود إلى مدمعها، فكرت الاتصال بزوجها عله يسرع بإحضار حجابين لإنقاذ سفرهم، رغم علمها أن الاتصالات شبه مقطوعة وتعتمد المصادفة في تحققها. وفكرت بإلغاء الرحلة والعودة إلى البيت مع ولديها وحقائبهما، وفكرت بعشرات الأحاديث من صديقاتها يشكون بها المضايقات التي تعرضن لها في السفر والتنقل، وطالما اعتبرتها شكلا من التلفيق والتجني على الثورة، وفكرت بما ينتظر ولديها في السنوات القادمة من أشكال التضييق على حريتهما الشخصية. أخيراً سمعت صوتاً أنيساً يهمس في أذنها: يا ابنتي، عندي حجاب فائض عن حاجتي.

– والبنت…

– قد نجد من المسافرات من يتدبر أمر حجابها.

ليس الوقت مناسباً للحديث عن مساحة الحرية في الموافقة والاعتراض التي كانت تتمتع بها نساء النبي والصحابة، ولا عن شَرْطية اللباس الموحد لنجاح الدعوات الدينية في القرن الحادي والعشرين، التي تظهر أتباعها كالحلاقين أو عمال النظافة أو أجناد فرق الموت في زمن قريب خلا… فللحديث تتمات.

* كاتب من سوريا

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...