الرئيسية / صفحات الناس / «السفير» مع النازحين السوريين في عراء الأخوّة

«السفير» مع النازحين السوريين في عراء الأخوّة

سعدى علوه

استثمار سياسي ونقص في التمويل وخلاف على المخيمات

لكأن لبنان لم يكتوِ بنار أزمته الوطنية الكبرى المفتوحة منذ ثماني سنوات، حتى جاءت الأزمة السورية، لتضيف إليه قضية تكاد تفوق قدرته على التحمّل… وصولا إلى خطر الانفجار.

لبنان المأزوم أصلا، وضع منذ اللحظة الأولى للأزمة السورية، على خط الزلزال الذي أصاب، ليس دولة عربية مركزية بجغرافيتها ودورها ونسيجها فقط، بل لطالما كانت منذ الاستقلال حتى اليوم، لاعبا أساسيا فيه، إن لم يكن أبرز اللاعبين.

لبنان المأزوم أصيب بالتلعثم السياسي، منذ سنتين ونيف، لأن قدرته على معاداة سوريا هي ضرب من المستحيلات، كما أنّه أضعف من أن يجافي معظم الأنظمة العربية ــ الخليجية منها أساسا – والغرب، في حربهم المفتوحة ضد النظام السوري، فكان اختياره سياسة «النأي بالنفس»، لإبعاد النيران السورية قدر الامكان.

سنتان ونيف على الأزمة السورية، ولم يهتزّ تماما بعد الاستقرار اللبناني، وإن صار هشا ومضعضعا في الأمن والسياسة والاقتصاد والاجتماع، فالتداعيات السورية اخترقت الجدار اللبناني الشمالي والشرقي، لتصيب عمق عمقه.

أكثر من مليون سوري في لبنان. يأتون الى البلد الجار، حاملين انقساماتهم وخلافاتهم الطائفية والمذهبية القديمة، وتلك المستجدة، فيضاعفون أمراض حاضنتهم اللبنانية، حيث تتفشى الطائفية والمذهبية نفسها، ومعها العنصرية، وصولا إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

لم يبق بعد سنتين من عمر الحرب السورية، من النأي بالنفس، إلا العنوان نفسه. مشهد الحدود ودعوات التعبئة وتهريب السلاح والمسلحين واقامة مخيمات التدريب والقصف اليومي للقرى والبلدات الحدودية، يجعل النار تقترب يوما بعد يوم.

إلا أنّ الأخطر من ذلك كله، هو ملف النازحين الذي ما زال المسؤولون في الدولة يتعاطون معه كأنهم استفاقوا فجأة ليجدوا عديدهم قد «فاق المليون سوري»، وفق ما أكد مصدر في الأمن العام لـ«السفير». مليون، بين مقيم وعامل ونازح، يتوزعون على الف ومئتي بلدة ومدينة لبنانية.

«الصدمة» المتأخرة، فرضت تداولاً هستيرياً لرقم المليوني نازح المتوقع وجودهم مع نهاية العام الجاري، ليتفق الجميع أن القضية «تجاوزت الخطوط الحمراء»، وأن لبنان مهدد بتداعيات الملف إنسانياً وخدماتياً واقتصادياً وأمنياً وسياسياً بالطبع. تقدير مدعوم بكشف المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن نداءها الخامس في أيار المقبل سيطلب التمويل بناء على توّقع تسجيل مليون نازح مع نهاية العام الحالي.

ولا ينبع القلق والمخاوف من الوضع المزري الذي يعيشه معظم النازحين على الأراضي اللبنانية، برغم الحديث عن صرف عشرات ملايين الدولارات باسمهم، ولكنه ينجم أيضا عن الانقسامات الداخلية.

فكل طرف لبناني ينشغل في تقييم الأثر السلبي لوجود غالبية نازحة من فئة معينة وتأثيرها في التوازنات في البلاد من جهة، وكيفية استغلالها في الصراع الداخلي من جهة أخرى، بغض النظر عن الكرامة والحق الإنسانيين بالحماية والعيش الكريم.

وأدّى تسييس قضّية النزوح إلى فقدان لبنان ورقة الضغط التي تستعملها كل من تركيا والأردن لرفع الصوت من داخل مخيمات النازحين أنفسهم، لانتزاع التمويل الدولي.

تفرق نازحو لبنان من أقصاه إلى أقصاه، وباتت مسؤوليتهم وتبعات نزوحهم الأكبر في لبنان وكأنها شأن محلّي ــ أهلي، إلا أنه غير رسمي.

في غضون ذلك، تلقى أعباء الملف على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية إثر سحبه من الهيئة العليا للإغاثة، عشية مؤتمر الدول المانحة في الكويت، على أمل الحصول على الأموال الموعودة.

لكنّ وزارة الشؤون لا تملك، وفق وزيرها وائل ابو فاعور، «قرشاً» واحداً خاصاً بالنازحين». فـ «مراكز الخدمات الإجتماعية التابعة للوزارة في كل لبنان تفتقر حتى إلى حبة دواء» بحسب تأكيده لـ«السفير».

ينسّق أبو فاعور مع المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وشركائها، من دون أن تمون الدولة على دولار واحد من مئات ملايين الدولارات التي جاءت باسم النازحين وإليهم.

ولم تحكم السياسة أداء السلطة الرسمية وحدها بل انسحبت على تعامل الدول العربية والغربية التي قررت «عزل» لبنان فعلياً عن الملف. أتخذ قرار عربي – دولي قضى بحصر التمويل بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة.

ويعيد مصدر مطّلع عزل لبنان تمويلياً «ليس فقط لأسباب سياسية، وإنما أيضاً نتيجة لعدم الثقة بشفافية صرف الأموال وإدارة الأزمة وإيصال المساعدات إلى مستحقيها».

يؤكد أبو فاعور اليوم ان هناك خطة لدى الحكومة يتم تنسيقها مع خطة المفوضية والمنظمات الشريكة، ويمكن تنفيذها في حال توفر الأموال اللازمة. ويشير إلى أنه «طرح على رئيسَي الجمهورية والحكومة إمكانية الدعوة إلى عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن بخصوص النازحين السوريين»، معتبرا أن البحث في إمكان إنشاء مخيمات خاصة بهم يمكن أن يطرح على بساط البحث بعد لمس بعض التغيّر في مواقف الأطراف التي كانت رافضة قبلاً.

لكن لا يبدو أن تغييراً جدياً في مواقف القوى السياسية قد طرأ. وإذا كانت فكرة إنشاء مخيمات للنازحين مقبولة لدى الجميع، إلا أنّ الخلاف هو في مكان آخر، جوهري.

فمن جهة، توحي أجواء قوى الثامن من آذار، وتحديداً «حزب الله» و«التيار الوطني الحر»، بعدم تغيّر الموقف «طالما هناك قدرة على استيعاب النازحين وإسكانهم في شقق ومنازل بين اللبنانيين»، معتبرة أن للمخيمات، «بعدا سياسيا وأمنيا يصورها كمناطق عازلة تتمتع بخصوصية أمنية تفرض نفسها، وتشكل بيئة ملائمة للتدخل في الشأن السوري، أو كنقاط انطلاق للتدخل في الداخل السوري». وتؤيد القوى نفسها إنشاء مخيمات للنازحين السوريين في مناطق حدودية آمنة في الداخل السوري، وليس في لبنان.

في المقابل، ترى مصادر كتلة «تيار المستقبل» أن تطوّر الملف يحتم على الحكومة اللبنانية وضع خطة للمعالجة قد تكون المخيمات جزءا منها، مطالبة بدعوة إلى عقد مؤتمر دولي يؤمن معالجة جدية وفعالة. وعندها، «عندما تتعاطى الدولة بجدية ومسؤولية، يمكن أن يحصل لبنان على تمويل الدول المانحة».

وتطرح مصادر «حزب الكتائب» إنشاء مخيمات للنازحين على الحدود في الداخل اللبناني «لكي يتم إحصاؤهم وتقديم الخدمات اللازمة، ومعرفة أماكن تواجدهم، والوقوف على كيفية صرف الأموال».

أمّا مصادر القوات اللبنانية فتشير إلى ضرورة أن «تدعو الدولة اللبنانية إلى مؤتمر دولي وعربي ينجم عنه، من ضمن الحلول، إقامة مخيمات للنازحين داخل الأراضي السورية وبحماية دولية من الدول الداعمة للثورة وللنظام على حد سواء»، من دون أن يعني ذلك «رفض إقامتها على الحدود داخل الأراضي اللبنانية».

ويتوزع النازحون في لبنان على خمس فئات: السوريون المقدرة أعدادهم اليوم بنحو مليون ومئة الف مواطن، يليهم الفلسطينيون السوريون واللبنانيون المقيمون في سوريا، واللبنانيون السوريون من حملة الجنسية المزدوجة، والعراقيون المقيمون في سوريا.

وتختلف معاناة النازحين وفقاً لفئاتهم، ولكن معظمهم يحصلون على بضع فرش وأغطية وحصص غذائية «لا تسمن ولا تغني من جوع»، وبعض التغطية الصحية المحدودة للمسجلين مع المفوضية والذين لا تتجاوز نسبتهم الأربعين في المئة.

وعلى امتداد البلاد، يعيش عشرات آلاف السوريين معاناة يومية، فيما الميسورون منهم «ينأون بأنفسهم». وفي مقابل من يلاقون الغبن والاستغلال، هناك من يجد في لبنان من يفتح له بيته وقلبه.

«السفير» تفتح اليوم، وعلى حلقات، ملف النزوح السوري إلى «عراء الأخوة» في المناطق اللبنانية كافة.

«السفير» مع النازحين السوريين في عراء الأخوّة

تخبط رسمي وعنف معنوي ومادي وجنسي وأموال ضائعة

نسبة التسجيل مع الأمم المتحدة لا تتجاوز في مناطق عدة الثلاثين في المئة

تجمع القوى السياسية اللبنانية، على اختلافها، على أ

سعدى علوه

حفاة الأقدام يقطعون الطرق الوعرة هربا من نيران التناحر على بلادهم، وحفاة الأقدام يبتلعون العوز والبؤس ومرارة «الغربة» بين من يفترض أنهم أشقاء لهم. أشقاء بالدّم من قبل التقسيم الدولي، وأشقاء في المعاناة من حكم العسكر ومن الفقر والإهمال. أشقاء آووهم الأهل في بيوتهم خلال دهر حروبهم الأهلية، ثم وبشكل أعظم عددا حين كانت إسرائيل تستهدفهم في صيف العام 2006.  حفاة باتوا وهم من كانوا يمتلكون قبل الرزق والأراضي والمعامل والمحال التجارية، العزّة والنفس الكريمة، والرؤوس المرفوعة كسائر أبناء القرى الذين يكرمون الضيف وإن على حساب جوع أبنائهم. حفاة الأقدام باتوا، يرتجفون من البرد، ولا يستطيعون إلى حليب أبنائهم سبيلا في بلاد تهمل أبناءها أصلا، فكيف بالنازح المتوقع أن تطول فترة نزوحه.

أمّا «الأشقاء» المضيفون، فيتوزعون بين من يقوم بالواجب متقاسما يسره أو عسره مع جيرانه في ضيقهم، وبين مستغلّين لعوز من فقدوا بلادهم فجأة، ولو إلى حين، استغلالا يبرر تارة بالعوز، وطورا بالطمع.

أمّا الحفاة، ومن قلب مأساتهم، فيسعون إلى  تحسين أوضاعهم خارجين بالآلاف يومياً إلى سوق العمل من كل الأعمار والأجناس. أطفال لم يتجاوزوا السابعة يعملون في الزراعة وعند الحرفيين وصغار الصناعيين. نساء يشمرن عن سواعدهن في الحقول والسهول الزراعية وحتى في الخدمة المنزلية، ومن بينهن مريضات وحوامل. أمّا عمل الرجال السوريين في لبنان فليس بجديد، ولكن كثافة اليد العاملة المعروضة أدت إلى تحكم أرباب العمل بالأجرة اليومية. قوة عاملة وجدت من يشكو من منافستها في المجتمع المضيف، المأزوم أصلا والذي يعاني من نسب مرتفعة من بطالة حقيقية، وأخرى مقنعة.

ربّما يكون المثل الشائع عن طائر «النعام» هو الأكثر تعبيراً لتوصيف تعاطي الدولة اللبنانية مع ملف النازحين الســــــوريين اللاجئـــين على أراضيها.

طمرت «النعامة» رأسها في الرمل نائية بنفسها، منذ تدفق النازحين الأوائل في العام 2011، عندما كان عددهم بعد لا يتــــجاوز العشرة آلاف، على أمــــل أن تعود لتنظر من حولها فتجدهم قد اختفوا.

اليوم، ولما لم يعد بإمكان النعامة طمر رأسها، «فوجئت» بأن العدد تجاوز المليون والمئتي ألف، وفق تقديرات مرجع حكومي رفيع المستوى، وقد توزعوا على ألف ومئتي بلدة وقرية ومدينة لبنانية، على امتداد «الوطن الشقيق».

ويتقاطع كلام المرجع مع ما أكّده مصدر في الأمن العام لـ«السفير» في النصف الأول من نيسان الجاري، عن وجود نحو مليون سوري، يتوزعون على الأراضي اللبنانية بين عمّال ومقيمين ونازحين.

دخل هؤلاء ببطاقات دخول عبر المعابر البرّية الشرعية. القوى الأمنية نفسها لا تعرف حجم الداخلين بطريقة غير شرعية «إلا حين توقيفهم»، مقدرة حجم الدخول اليومي بنحو خمسة عشر ألف شخص في مقابل مغادرة نحو عشرة آلاف شخص يوميا.

بدورها، تكشف مصادر «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين» التابعة للأمم المتحدة، أنها تبني نداءها الخامس للدول المانحة، الذي ستطلقه في أيار المقبل، على توقّع وجود نحو مليون نازح مسجل في لبنان بحلول نهاية العام الجاري.

ويمكن الإشارة إلى أن المسجلين في المفوضية حالياً لا تتجاوز نسبتهم خمسين في المئة (في أفضل الأحوال) من الموجودين في البلاد فعلا. وهكذا، يصبح رقم المليوني نازح المتوقع في نهاية العام الحالي، أقرب إلى الواقع.

ومعلوم أن نسبة التسجيل مع الأمم المتحدة لا تتجاوز في مناطق عدة الثلاثين في المئة، بالإضافة إلى أن أعداداً كثيرة من السوريين لا ترغب بالتسجيل خشية من طرفي النزاع في سوريا، وعلى رأس هؤلاء النازحون السوريون المسيحيون، وفق ما أكد أكثر من مصدر لـ«السفير».

ومعلوم أيضا أن السوريين الميسورين الذين اشتروا شققاً في لبنان أو استأجروا بيوتا، لم يتواصلوا مع أي جهة كانت.

ويشكو النازحون، والجهات التي تهتم بهم، من بطء التسجيل في المفوضية الذي يستغرق شهوراً في بعض الأحيان، ما يترك الفئات المستهدفة في وضع لا إنساني غالبا.

وفيما كانت الدولة اللبنانية تضع خطتها الأولى للتعامل مع ملف النازحين السوريين، كانت المنظمات الدولية في طور تقديم خطة الاستجابة الخامسة للتعامل مع القضّية. وبالرغم من تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة وعضوية عدد من الوزراء، إلا أن اللجنة لم تجتمع قط.

وكانت الحكومة قد كلّفت في تموز  2011 «الهيئة العليا للإغاثة» بملفّ النازحين السوريين (بموجب القرار الرقم 57) ، ثم جدّدت التكليف في حزيران  2012 (وفق القرار الرقم 68)، كل ذلك من دون وجود أي تمويل. بعدها، عادت عشية مؤتمر الدول المانحة في الكويت، إلى تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية بتولي الملف، على أمل التمكن من الحصول على التمويل المرتجى والموعود.

كما عيّن رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي رمزي النعمان في رئاسة مجلس الوزراء للمشاركة في وضع خطة تقنية مع المنظمات المعنية بالملف. وأوكلت الحكومة إلى الهيئة العليا للإغاثة مهمة رعاية اللبنانيين النازحين من سوريا والذين تم تقدير عددهم بنحو عشرين ألف نسمة يعيشون في ظروف أسوأ من ظروف بعض النازحين السوريين الذين وجدوا أحيانا من يهتم بهم. فاللبنانيون النازحون إلى وطنهم  هم مسؤوليّة دولتهم، وليسوا مسؤولية المنظّمات الدولية.

مخيّمات، لا مخيّمات؟

اليوم، تجمع القوى السياسية اللبنانية، على اختلافها، على أن حجم النزوح وأعداد النازحين قد «تجاوز الخطوط الحمراء».

إلا أن الإجماع على التوصيف لم يؤد إلى التوافق على سبل معالجة الملف والتعاطي معه، وخصوصاً لناحية إنشاء مخيمات خاصة بالنازحين.

ففي حين تلقى فكرة إقامة مخيمات قبولاً وتشجيعاً لدى قوى الرابع عشر من آذار عامة، إلا أنّ قوى الثامن من آذار تواجهها بالرفض والحذر، مفضّلة إقامة مخيمات على الحدود لجهة الداخل السوري، وبالتحديد في المناطق الحدودية الآمنة في سوريا. أمّا قوى 14 آذار فتريد مخيمات على الحدود في الداخل اللبناني.

هكذا، تصبح الوعود التي تطلقها بعض الجهات بالسعي إلى إنشاء مخيمات للنازحين، مجرد كلام، كونها تفتقر إلى التوافق السياسي، في حين تشدد منظّمات الإغاثة على أن معضلة الإيواء هي «أم المشاكل»  التي تشكّل مأساة فعليّة للنازحين.

ويستند الرافضون لإنشاء مخيمات خاصة بالنازحين داخل لبنان إلى حساسية بعض الأطراف اللبنانية من «المخيمات» من جهة، وأيضا إلى تجربة ألأردن الذي يعيد النظر في إسكان النازحين في مخيمات خاصة بعد سلسلة الإشكالات الأمنية التي وقعت فيها. ويقول هؤلاء أنّه «إذا كان الأردن الذي لا يتعامل مع الملف بالحساسية اللبنانية نفسها يعيد النظر في الموضوع، فماذا عن لبنان؟».

بدوره، يلفت وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور إلى أن البحث في إنشاء مخيمات للاجئين مطروح «ولكن لم يتم التوافق عليه بعد»، مشيراً إلى التباحث بأفكار عدة ومنها «ضرورة توزيع النازحين على الدول المجاورة والدول الغربية ريثما تهدأ الأحوال ويتمكنون من العودة إلى بلادهم، بالإضافة إلى دعوة لبنان مجلس الأمن إلى عقد جلسة خاصة بموضوع النازحين، وإطلاق حملة عربية ودولية لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم تجاه الملف وعدم تحميل لبنان الجزء الأكبر من تداعياته».

«صوفتنا حمراء»

وفي حين تفتقر الدولة إلى الإمكانيات المادية والاقتصادية التي تمكّنها من القيام بواجباتها تجاه «الضيوف الأشقاء»، وهي تختار النأي بنفسها عن الملف لأسباب متعددة جوهرها سياسي يتعلق بالانقسام العمودي الحاد في البلاد، فإن المجتمعين الدولي والعربي عزلا لبنان الرسمي فعلياً، عبر القرار الذي اتخذ بعدم دفع «قرش واحد» للبنان، باستثناء بعض المساعدات العينية للهيئة العليا للإغاثة. وليس مؤتمر الكويت للدول المانحة، والذي عقد بناء على طلب لبنان، إلا المثال الأكبر على ذلك.

وتعيد مصادر مطلعة امتناع المجتمع الدولي والدول العربية عن تسليم لبنان الأموال اللازمة لعملية الإغاثة إلى سببين رئيسيين: يتلخص الأول بأسباب سياسة، فيما يشير آخرون إلى عدم ثقة المانحين بشفافية صرف الأموال وتوزيعها في لبنان، متخوفين من الهدر والفساد والمحسوبيات وتقاسم الحصص الشائع. «صوفتنا حمرا»، كما تؤكّد التجارب!

وإثر مؤتمر الكويت، لم تلتزم أي دولة بتسديد المبالغ التي تعهّدت بدفعها، فيما تستعد دولة الكويت اليوم لدفع نحو ثلاثمئة مليون دولار للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وفق ما يشير وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور لـ«السفير».  ويؤكّد أبو فاعور أنه ليس هناك أية أموال لدى الدولة اللبنانية من التمويل الموعود للاهتمام بالنازحين، فالمانحون «يفضّلون التعامل مع المفوضية»، مشيرا إلى أن وزارة الشؤون تنسق العمل وتضع الأولويات مع المفوضية والمنظمات الأخرى، وتقدم تسهيلات لمنظمات الإغاثة في مراكزها الخدماتية في المناطق «بالرغم من عدم وجود حبة دواء واحدة في تلك المراكز التي تفتقر لكل شيء».

كما يقول أبو فاعور ان دولة النروج دفعت للمفوضية أيضاً نحو عشرة ملايين دولار، مشيراً إلى أن لبنان طلب في الكويت مبلغ 378 مليون دولار على أساس وجود نحو مئتي ألف نازح مسجل يومها، وليس العدد الذي وصلنا إليه اليوم.

أموال وجمعيات ونازحون

المفوضية نفسها كانت قد طلبت في بداية العام 2012 مبلغ 267 مليون دولار لتأمين مستلزمات نحو عشرة آلاف لاجئ مسجل، إلا أنها لم تحصل سوى على 38 في المئة مما طلبته، وفق ما تؤكّد المسؤولة الإعلامية للمفّوضيّة دانا سليمان، أي نحو مئة مليون دولار للمفوضية وشركائها من منظمات المجتمع الدولي والمحلي.

وعليه، دقت المنظمات الدولية ناقوس الخطر بتاريخ العاشر من نيسان 2013، محذرة من توقف عمليات إغاثة النازحين في حال عدم توافر التمويل المطلوب. وأكدت المفوضية أنها ستضطر، مرغمة، مع المنظمات غير الحكومية، ووكالات الأمم المتحدة الأخرى، إلى تقليص البرامج والمساعدات ألأساسية المقدمة للنازحين.

وبالفعل، فقد تم تقليص قيمة القسيمة الغذائية من 47 ألف ليرة للشخص الواحد في الشهر إلى أربعين ألفا، والتغطية الصحية من 85 في المئة من كلفة الاستشفاء والعمليات الجراحية إلى 75 في المئة، مع العلم أن الغالبية الساحقة من النازحين تعجز عن سداد الفارق.

كما أن هذه التقديمات تطال النازحين المسجلين فقط والذين لا تتجاوز نسبتهم الثلاثين إلى الأربعين في المئة في معظم المناطق.

ووسط عمليات الإغاثة القائمة على قــــدم وســــاق، في مقابل العوز والنقــــص الفـــــادحين في التقديمات وتأمين المستلزمات الأساسية للعيــــش الكريم، يسري كلام كثـــــير عن الفساد والفــــوضى المستشريين في عالم المنظمات العــــاملة في الإغـــاثة.

يتحدّث النازحون عن رواتب باهظة تقتطع من التمويل الآتي باسم مأساتهم، وعن السيارات الفارهة وتلك الفاخرة المستأجرة، وعن أشخاص جنوا ثروات على حساب مآسيهم.

ويذكر البعـــض بقــــيام إحدى المنـــظمات الدولية بفـــصل خمـــسة من موظفيها في أحـــد مكاتبها في المناطق كــــدليل على تلك الاتــــهامات. ولا ينـــحصر الفساد في المنظمات الدولية برأي النـــازحين، بل على «العكس، على الأقــــل هنـــاك من يحاســـب في الدوليـــة، أمـــا في تلـــك المحـــلية، فحـــدّث ولا حــرج».

فساد وفوضى تؤكده أكثر من جهة منخرطة في الإغاثة. ويقدر مفتي بعلبك الهرمل الشيخ أيمن الرفاعي، على سبيل المثال، أن ما يصل إلى النازحين لا يتجاوز العشرين في المئة من حجم الأموال المصروفة، مؤكداً أن العمل مع النازحين أسهل بكثير من العمل مع منظمات الإغاثة «حيث الكثير من المصالح الفردية».

ويشير الرفاعي إلى الأرقام التي صرفت على الملف الصحي ليثبت كلامه، فيقول إنها، في بعلبك الهرمل وحدها، تكفي لإنشاء ثلاثة مستـــــشفيات ميــــدانية بأحــــدث التجهيزات، مشـــيراً إلى صفقـــات عقـــدت مع مستــشفيات عــدة.

غيرة في غير محلّها

تنسج على هــــامش «النـــــأي الرسمي اللبناني بالــــنفس»، وفــــوضى عمليات الإغــــاثة وشوائبها، آلاف القـــصص الحزينة والمؤلمة والمــــفجــــعة من الحرمان والفقــــر والعـــوز والمهــــانة والذل التي يعــــاني منها النازحــــون على أنواعهم في لبنان. نازحـــون يقسّمهم الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العمــــيد إبراهيــــم بشير الى خمس فئات: الســـوريون، والسوريون ـــــ اللبنانيون (حاملو الجنسيتين) واللبــــنانيون المقــــيمون في ســــوريا منذ ســــايكس ـــ بيكـــــو، والفلسطينيون السوريون، والنـــازحون العراقيون الذين كانوا مقيمين في سوريا.

ويؤكد بشير لـ«السفير» أن عدد هؤلاء فاق المليون نازح اليوم، و«الحبل على الجرار».  نازحون وصفت منظّمة «يونيسف» في تقريرها الأخير جيلهم بـ«الجيل الضائع» الذي يفتقر للحماية الفعلية على الصعد كافة وسط النقص الكبير في التمويل.

ويمكن لأي جولة تفــــقدية على مساحــــة لبــــنان لنمـــاذج وعيـــنات عشوائية من ظـــروف عيــــش نحو مليون ومئتي ألف نازح ســــوري أقرت بوجودهـــم الدولة مؤخراً، أن تحــــمل على التــــساؤل عن مصير الأرقــــام المـــالية الــــتي تصدرها المنظمات الدولــــية والمحلية والدينية، ومعهــــا الأحزاب السياسيـــة في البلاد، والتــــي يقــــال إنها صُرفــــت على الهاربين من جحيم الاقتتال في الجــــارة «الشقيقة».

كم من اللبنانيين حلموا بالنزوح، وحسدوا النازحين، وهم يقرأون تفاصيل التقارير التي «توثق» كم المساعدات المقدمة لهم، والتي يقال إنها تشمل المأوى والغذاء والرعاية الصحية والخدمات التعليمية وتجهيز البنى التحتية، بالإضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي، إلى درجة وضع فيها النزوح في مواجهة الفقر الذي يعاني منه أصلا أبناء المناطق المضيفة.

وتكاد صرخة المنظمات تعلو على صرخة النازحين السوريين الذين يشكون النقص «في كل شيء». أصبح الحليب سلعة نادرة بالكاد تتوافر للأطفال الرضع، وظهرت علامات سوء التغذية على السواد الأعظم من النازحين الصغار.

أما أعداد الذين يخلدون للنوم ببطون خاوية، ومن بينهم أطفال، فلا تعد ولا تحصى، إلى درجة أضحت ربطة الخبز معها عزيزة.

لا تغطي ملايين الدولارات التي تدفع على الصحة سوى ما تسميه المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بـ«الرعاية الصحية الأولية» التي تقدم في المستوصفات، وتلك «الثانوية» التي تغطي الاستشفاء والعمليات الجراحية الإنقاذية. أما المصابون بأمراض مستعصية، وعلى رأسها السرطان، وغسيل الكلى، والتلاسيميا والقلب المفتوح، وأمراض العيون والأسنان، وغيرها من الأمراض المكلفة فـ«على الله».

تؤكّد مصادر وزارة الصحة لـ«السفير» أنها لا تغــطي النازحين، بل تنسق مع المفوضية لتطبيبهم في المستشفيات الحكومية بالتسعيرة المعتمدة.

المفوضية العليا لشؤون اللاجئين

تشير المسؤولة الإعلامية في مفوضية اللاجئين دانا سليمان إلى أن المفوضية تفعل ما بوسعها لتسريع عملية التسجيل واستيعاب اكبر عدد من النازحين. فقد زادت عدد فريق عملها من سبعين شخصاً لدى بداية ألأزمة في سوريا، إلى أربعمئة موظف اليوم. وخصصت دوامات إضافية في فترات ما بعد الظهر ونهاية الأسبوع، وهو توظيف، بحسب سليمان، يستهلك نحو 14 في المئة من موازنة المفوضية. وتنفي سليمان حصول ما يحكى عن فساد في عمليات الإغاثة سواء في المفوضية أو المنظمات الشريكة لها، «كوننا نتقيد بمعايير شفافة وصارمة تفرضها الدولة المانحة، ونعتمدها نحن مع المنظمات التي نموّلها».

وتشرح أن التمويل الأساسي يأتي من الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك لم تحصل المفوضية على أكثر من 38 في المئة من المبالغ التي طلبتها «وهو ما يؤثر على الخدمات الأساسية التي تقدمها، ويؤدي إلى خفض بعض التقديمات على صعيدي الغذاء والصحة».

ولا تتمكن المفوضية من تغطية بدل الإيواء «إلا في حالات العسر الشديد التي تخضع لتقييم صارم»، مؤكدة التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية في تنفيذ الخطط الموضوعة.

وتلفت سليمان إلى بروز مشكلات كثيرة تضاف إلى تأمين المستلزمات الأساسية، ومنها وضع برامج للاستجابة لمشكلات منها: التحرش الجنسي (تم توثيق نحو أربعين حالة في منطقة واحده مثلاً) والزواج المبكر والدعم النفسي لدى التعرض للعنف والتمييز السلبي، وتسجيل التلامذة النازحين في المدارس والعمل على دمجهم فيها.

وتشير إلى أن الجهود أثمرت تقليص مدة الانتظار للتسجيل من شهور، كما كانت الحال في بداية الأزمة، إلى 22 يوماً في بيروت و16 يوماً في الشمال و31 يوماً في البقاع وتسعين يوماً في الجنوب، مؤكدة أن العمل جار على معالجة الأخيرة.

الهيئة العليا للإغاثة

يحدد الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد إبراهيم بشير العوائق في معالجة ملف النازحين في تقرير رفعه إلى رئاسة الجمهورية مؤخراً: «بالارتفاع التصاعدي لأعدادهم، والانتشار العشوائي في جميع القرى والمدن اللبنانية، وقلة الموارد والإمكانيات، وفقدان التعاون بين الحكومة والجهات الدولية والخليجية في تنسيق التوزيع الصحيح للاحتياجات والتقديمات والتمويل، والتأخر في عملية التسجيل في المفوضية».

كما يوثّق التقرير تأثير الأزمة على لبنان بـ«استغلال بعض النازحين في الصراعات السياسية الداخلية، وازدياد ملحوظ في نسبة الجرائم والسرقات والتسول والدعارة، وتضخم أعداد السكان نسبة إلى الخدمات المتوافرة والبنى التحتية، وارتفاع نسب البطالة بين اللبنانيين».

الأمن العام

تؤكد مصادر الأمن العام أن «دخول السوريين من الناحية القانونية يتم طبيعيا وضمن الأصول المتبعة، وهم يحوزون بطاقات دخول تخولهم الإقامة المجانية لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة ستة أشهر إضافية. وبعد مرور سنة، يجدد السوريون إقاماتهم مقابل مبلغ ثلاثمئة ألف ليرة لبنانية لمدة سنة، مع تسهيل تجديد إقاماتهم نسبة للوضع الحالي في بلادهم».

وتلفت المصادر نفسها إلى أن عدد السوريين الذين كانوا في لبنان قبل الأزمة كان دوما يتراوح بين ثلاثمئة وخمسمئة ألف سوري يزداد وينقص وفقاً للمواسم، أما اليوم «فقد فاق الرقم المليون، دخلوا عبر المعابر الحدودية البرية بالدرجة الأولى».

  حكايات من سجل خمسين ألف نازح جنوباً

يسير نازحون من سوريا نحو عشرين ساعة ليقطعوا نحو خم

سعدى علوه

ينتشر النازحون السوريون في جنوب لبنان على مساحة قراه وبلداته ومدنه. مع تجاوز جنوبي الليطاني، يسود جو مختلف عن معظم المناطق اللبنانية الأخرى. فالمنطقة التي نالت حصتها من التوتر وعدم الاستقرار على مدى سنوات طويلة ماضية، تبدو اليوم الأهدأ في البلاد. هناك، لا توجد تجمعات كبيرة للنازحين الذين توزعوا في القرى وفي المنازل.

وحدها مدينة صور، عرفت تجمعات للعمّال السوريين الزراعيين منذ ما قبل حرب سوريا، إذ لطالما تجمع العمال في خيم بالقرب من الأراضي الزراعية.

يقارب عدد الأسر السورية النازحة إلى جنوبي لبنان، والمسجلة لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، نحو خمسة آلاف عائلة، نصفهم في صيدا. تتوزع العائلات الأخرى البالغ عددها نحو 2500 عائلة مسجلة، على كل من صور ومرجعيون والنبطية وحاصبيا وشبعا وبنت جبيل.

إلا ان المعطيات الميدانية المتوافرة تشير إلى ان نسبة التسجيل لا تتجاوز العشرين في المئة من العدد الفعلي للنازحين جنوباً.

وتشير مصادر في «حزب الله» إلى أن عديد العائلات السورية في منطقة النبطية وحدها وصل إلى نحو 2500 عائلة، غالبيتهم غير مسجلين، ويتوزعون على المدينة وقراها وفي قرى إقليم التفاح. أما في أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون فيصل عدد العائلات، وفق المصدر عينه، إلى نحو ألف عائلة.

وتحصي بلدية شبعا في العرقوب وجود نحو ثلاثمئة عائلة في البلدة، وفق نائب رئيس بلديتها صافي ناصيف، تحمل خمس منها فقط بطاقات تسجيل في المفوضية، بينما أعطي البعض، وهم قلة أيضا، مواعيد في حزيران وتموز المقبلين للحصول على بطاقات. ويمكن أن يصل عدد العائلات في بقية مناطق العرقوب وحاصبيا إلى ثلاثمئة تقريبا.

وتقع مسؤولية إدارة شؤون النازحين في تلك المناطق على عاتق القوى السياسية والجمعيات الفاعلة في كل منها، وهي تشمل بخدماتها جزءاً من النازحين.

ففي صور، على سبيل المثال لا الحصر، توجد خمسة تجمعات لخيم كانت مخصصة للعمال المشتغلين في الزراعة والبناء. مع تطور الأحداث، استقدم هؤلاء عائلاتهم إلى المنطقة وتوسعت «المخيمات». ويصل عدد العائلات في بعض التجمعات إلى خمسين عائلة، أي نحو 250 نسمة إذا ضربنا كل عائلة بخمسة أشخاص، مع العلم بأن متوسط العائلة السورية لا يقل عن سبعة أفراد. يعاني هؤلاء ظروفا معيشية وخدماتية وصحية مزرية. يحفرون حفرا صحية بالقرب من الخيم لمياه الغسيل والاستحمام، بينما خصصت أطراف «المخيم» للمراحيض التي تتقاسمها العائلات بعدما تم توزيعها بين النساء والرجال.

تعتبر منطقة الجنوب الأقل ازدحاما بالنازحين مقارنة مع البقاع والشمال، ولا يمكن الحديث عن وضع متشابه لجميع النازحين في الجنوب. هناك النازحون الأوائل الذين حظوا باهتمام أكبر وبخدمات أفضل فور مجيئهم، حين لم تكن الأرقام قد ارتفعت كثيراً. وهناك من يتلقون مساعدات غذائية وطبية محدودة، وهناك من لا يسأل عنهم أحد.

لكن للنازحين السوريين ميزة محترمة تجعل منهم نازحين عزيزي النفس والكرامة. لا يلجأ هؤلاء إلى طلب المساعدة إلا في حال عجزوا عن تأمين متطلباتهم بأنفسهم. تجد رجالهم يعملون في أي شيء لتأمين مردود مادي لإعالة أسرهم. هم يرسلون أطفالهم من عمر سبع سنوات وما فوق، إناثاً وذكوراً، للعمل في الزراعة أيضاً. يمكن أن تجد طفلاً لم يتجاوز السابعة عائداً عند الرابعة من بعد الظهر محملاً بخمسة كليوغرامات من البطاطا هي أجرته عن ثماني ساعات عمل، يعمد بعدها إلى بيعها لمساعدة أسرته.

تشير مصادر «حزب الله» إلى تقديم المساعدات إلى نحو 2500 عائلة في منطقة النبطية، لافتة إلى دفع نحو سبعين ألف دولار كبدلات سكن، (تشمل نحو أربعمئة عائلة بمعدل مئتي دولار للشقة)، بينما يتم توزيع مساعدات غذائية وأدوات منزلية وفرش وحرامات وسجاد ومدافئ ووقود خلال الشتاء، بالإضافة إلى الخدمات الطبية.

وبلغت كلفة الاهتمام الصحي بالنازحين، وفق مصادر الحزب، نحو مليار ليرة لبنانية لغاية شهر كانون الثاني المنصرم. وتعترف مصادر الحزب في النبطية وصور ومرجعيون وبنت جبيل بعدم قدرتها على تقديم المساعدات لكل العائلات «كنا نقدم أثاث بيت كامل مع الأدوات المنزلية في المراحل الأولى من النزوح، لكننا اليوم نهتم بمساعدة الآتين الجدد ريثما يتدبرون أحوالهم».

وفي صور وبنت جبيل ومرجعيون، بلغت كلفة المساعدات التي قدمها الحزب للسوريين نحو نصف مليون دولار على مدى عام كامل، أي منذ بدء النزوح نحو الجنوب.

من جهتها، تقدم «مؤسسة عامل» خدمات طبية واجتماعية في صور والبازورية والخيام والعرقوب. وتشمل الخدمات وفق المؤسسة خمسين إلى ستين مريضاً في اليوم . ويتم تأمين الأدوية المدرجة على لائحة منظمة الصحة العالمية لهم، مع فحوصات دم وصور شعاعية و«سكانر» ورنين مغناطيسي للمحتاجين بالإضافة إلى اهتمام خاص بالأطفال والحوامل. كما تقدم المؤسسة الخدمات عينها لنحو ثلاثمئة عائلة في شبعا والهبارية، مع برامح دعم نفسي واجتماعي وتكييف مدرسي لنحو مئتي تلميذ مع المناهج اللبنانية.

لكن، على الرغم من التقديمات، يشهد الجنوب معاناة كبيرة يعيشها الكثير من النازحين السوريين الذين تصلهم خدمات مجتزأة وغير كافية، أو الذين لا يعرفون من يقصدون في ظل غياب التنسيق الرسمي للدولة اللبنانية التي تأخرت كثيراً في الإمساك بالملف وإدارته والإشراف عليه.

العبور إلى العوز

يرن هاتف مسؤول الشؤون الاجتماعية في «الجماعة الإسلامية» في شبعا مالك غادر. يُعلمه أحد النازحين السوريين في البلدة بمجيء قافلة جديدة عبر معبر «عين السودا» في جبل الشيخ، على حدود المنطقة المتاخمة للريف الشامي. يتصل غادر بكل من مخابرات الجيش والصليب الأحمر اللبناني وبمجموعة من شباب البلدة، فتتوجه قافلة استقبال نحو المعبر المذكور. تتكون القافلة من عناصر أمنية، وسيارات إسعاف، ومسعفين وبعض المتطوعين على البغال والدواب. فالطريق من بداية المعبر صعودا نحو رأس الجبل غير صالحة للسيارات.

تصل القافلة إلى المعبر الجبلي من الناحية اللبنانية، قبل أن يظهر أي نازح. يمتطي بعض الشباب البغال والدواب، بينما يحمل متطوعو الصليب الأحمر حمالاتهم الطبية ويبدأون بالصعود من السفح الصخري الوعر لملاقاة القادمين المتعبين. يلزم النازحون من بلدة «بيت جن» السورية في ريف دمشق نحو عشرين ساعة سيراً على الأقدام ليقطعوا قرابة خمسين كيلومتراً في سلسلة الجبال الشرقية في جبل الشيخ الفاصلة بين لبنان وبين سوريا.

هي رحلة أشبه ما تكون بدرب جلجلة يتخللها المرور على مقربة من أعلى قمة في الجبل، يصل ارتفاعها إلى 2817 مترا عن سطح البحر. معظم النازحين هم من النساء والأطفال وكبار السن وبعضهم من ذوي الاحتياجات الخاصة. يصلون حفاة و«بالثياب التي عليهم»، وأحياناً يأتي بعضهم على البغال والدواب، إذا تيسر لهم ذلك، حاملين بعض الاحتياجات القليلة.

يحصل أن تعجز البغال عن قطع المسافة الطويلة والصعبة بالحمولة، فيحمل الكبار صغار الأطفال من ست سنوات وما دون، بينما يكون على ابناء السنوات السبع وما فوق التصرف كبالغين.

عند أعلى التلّة المشرفة على شبعا، يلتقي من صعد ضمن قافلة الاستقبال مع القادمين . كان العدد صادماً هذه المرة نسبة للاستعدادات. أكثر من مئة فرد بينهم الكثير من الأطفال والنساء الحفاة. الرجال كانوا حفاة أيضا، لكن الأولوية كانت للنساء والأطفال.

تبدأ الخطوات الإسعافية الأولى للمحتاجين بالإضافة إلى مد القادمين بالماء وبعض السكاكر مع العصير. صعوبة الرحلة لا تكمن فقط بالوعورة الجغرافية وبالمسافة الطويلة، وإنما ايضاً بمخاطر الخروج من البلدة وسط الاشتباكات الدائرة فيها، وقطع جزء كبير من الجبال ليلاً وسط كل المصاعب المترتبة على ذلك.

الحذاء بالمداورة

توضع سيدة مريضة على البغل فينتبه احد المتطوعين إلى حذائها. ينزعه من قدمها لتبدأ النساء الحافيات بلبسه مداورة. تمشي كل امرأة مسافة بالحذاء، ثم تعطيه لسيدة حافية أخرى. وهكذا، إلى أن تمنح كل سيدات القافلة فرصة السير بالنعل لإراحة أقدامهن، ولو لمسافة قصيرة. الأطفال كانوا أكثر حظّا من النساء، إذ يحمل المتطوعون المتعبين من بينهم بينما تواصل القافلة سيرها لتصل المعبر، ومن هناك إلى شبعا. المرضى والمسنون والرضع ينقلون بسيارات الإسعاف، بينما تستعمل البغال والدواب المتوافرة لنقل المنهكين نحو البلدة.

وصل عدد النازحين من «بيت جن» إلى شبعا نحو ستمئة شخص في شهر واحد، ليرتفع عدد الموجودين فيها إلى 1200 نازح. يقول غادر ان الجمعيات الإسلامية في البلدة، وعلى رأسها الجماعة الإسلامية، و«وقف النور الخيري» (تابع للسلفيين) تتعاون كلّها مع البلدية لتأمين احتياجات 1200 شخص نازح في شبعا، وهو ليس بالرقم القليل نسبة إلى خمسة آلاف نسمة يقيمون في البلدة. النازحون باتوا يشكّلون الآن ربع السكان.

يسكن النازحون في بيوت تتراوح إيجاراتها بين 150 ومئتي دولار. فتحت الجماعة «مركز الدعوة الإسلامية» التابع لها لاستقبال القادمين من «بيت جن»، بعدما لم يعد هناك منازل تستوعبهم في شبعا، وبانتظار العثور على أمكنة أكثر راحة لهم.

بين صخور التلة المقابلة لمركز الدعوة حيث تسكن 23 عائلة من النازحين، تنصب ثلاث نساء ثلاثة مواقد تتناوب العائلات على الطهو على نارها. «أعين الغاز» الصغيرة التي وزعت عليهم لا تكفي لإنضاج طبخة طوال اربع أو خمس ساعات.

تقترب إحدى الفتيات من قدر الفاصوليا الذي يغلي على النار، وتطلب من أمها القليل من الطعام «أنا جوعانة»، تقول. تومئ المرأة لابنتها بوضع القليل من الفاصوليا «بس بعدها ما استوت عالإخر». تغرف الفتاة من الفاصوليا بعض الحبيبات مع حساء أحمر. لا لحم ولا من يحزنون. تخفض ربة المنزل رأسها عند سؤالها عن محتويات الطبخة لتقول «الحمد لله انه في فاصوليا معليش بعدين بيرجعوا بياكلوا لحمة». تستدرك السيدة وتقول ان الجماعة والجمعيات الأخرى يوزعون اللحمة كل يوم أربعاء «ويومها بيطلع للأولاد».

جارتها تطبخ «لبن أمه مع رز». «اللبن أمه» هنا هو لبن مغلي فقط وبجانبه أرز. الثالثة تطبخ «يخنة الحمص»، و«اليخنة» تقتصر على الحمص المسلوق ايضاً.

في داخل المركز، تسكن ثلاث عائلات في غرفة واحدة. أم واب مع ولدين متزوجين وعائلتيهما. في مطبخ الطابق الأرضي تسكن عائلة مؤلفة من أربعة أشخاص بمساحة لا تزيد على مترين عرضا وثلاثة امتار طولا، يشاركهم «المجلى» والخزائن بالمساحة. يقولون ان لا نقص على صعيد الحبوب والمعلبات والخبز التي توزع عليهم دورياً، حتى ان هناك طبيباً يأتي إلى البلدية من الهيئة الطبية الدولية كل يوم اثنين واربعاء مع بعض الأدوية. في المركز تشكو إحدى السيدات من نقص دواء طفلها الذي يعاني قصورا كلويا، فيعدها شاب من الجماعة بمحاولة تأمينه.

تقاسم المتيّسر

شبعا المتدرجة في جبلها فقيرة بأراضيها الزراعية. مزارعها، حيث أملاك أهلها، محتلة، وبالتالي لا فرص عمل كثيرة فيها. من يملك جلاً أو قطعة أرض من أهلها يهتم بها مع عائلته. الناس هنا غير مرتاحين مادياً لاستخدام الغير. وبالتالي لا تسجل نسبة عمالة سورية كبيرة في المنطقة. لذلك، يجلس الشباب والرجال النازحون في الشمس طوال الوقت عاجزين عن إيجاد عمل.

العمل هو ما تبحث عنه إحدى النازحات مع ثمانية أطفال كبيرتهم في الخامسة عشرة من عمرها. لدى السيدة الأربعينية بعض الحبوب التي بقيت من «كرتونة الإعاشة» ولكن لا خبز ولا خضار. أما البيض واللحوم والحليب فهي من الكماليات.

يوم أمس، باعت ربة الأسرة كيلوغراماً من شاي الإعاشة لتشتري بثمنه الخبز لأولادها على مدار الأسبوع «بلالهم الشاي، الخبز أهم». بالأمس تناول اطفالها وجبتهم الأولى من اللبنة مع الخبز بعدما «تحننت» إحدى جاراتها عليهم بنصف كيلو لبنة. «لففت لكل منهم عروسا صغيرة مع كوب شاي». قالت لهم ان عليهم الاقتصاد ليتسنى لهم تناول اللبنة على ثلاثة أيام. تميل السيدة برأسها جانباً مدارية دموعها لتؤكد ان ليالي كثيرة تمر على أطفالها من دون عشاء «ايه.. بيناموا كتير اوقات جوعانين». وحده ابن السنة ونصف سنة «يحرق» قلبها، «عطول بترك له خبزة ع جنب حتى بلله اياها بالمي وعشيه».

حال المرأة يتكرر مع نازحين أخرين في البلدة، فالجمعيات الداعمة تشتكي من قلة التمويل «نفعل ما بوسعنا، ومع ذلك هناك بعض الشكاوى غير المحقة أيضاً» وفق ما يقولون.

ليس من الجوع وحده ..

تنهمك أم عمر بأشغالها اليومية، بالكاد تجد الوقت للحديث. حول خصرها الممتلئ تعقد «داير» فستانها الطويل وهي تنشر غسيلاً ناصع البياض على مصطبة الدار المطل على وادي عربصاليم. قبل عام ونصف عام، وعلى إثر احتدام المعارك هناك، قصد ابو عمر بلدته طفس في محافظة درعا، حمل زوجته وأولاده الثمانية، وجاء بهم إلى جنوبي لبنان، حيث يعمل منذ خمس سنوات.

تترك المرأة الخمسينية سلة الغسيل لتلبي طلب جارتها التي وصلت للتو. جمعت ام عمر لأم حسين بيض دجاجاتها على مدار خمسة ايام، وها هي تسلمها خمس عشرة بيضة مقابل ستة آلاف ليرة لبنانية. سعرّت «كرتونة» البيض البلدي باثني عشر ألف ليرة «الزراعي يلي ما بيتاكل بعشرة آلاف»، تقول مبررة الصفقة التي عقدتها للتو. تعرف انه يمكنها ان تبيع كمية البيض نفسه بأكثر من ذلك «لكن كل الناس سواسية، جيراننا ليسوا افضل حالاً منا».

تنتهي ام عمر من غسيلها لتنده على ابنها طالبة «كمشة» عدس. يترك ابن السنوات العشر بيت الحجارة الذي يبنيه لشقيقته ابنة السنتين على الدرب المؤدي إلى البيت، ويسرع نحو الداخل عائداً بما طلبته امه.

«تيعا.. تيعا.. تيعا» يعلو صوت ام عمر، وسرعان ما تخرج من الحظيرة الملاصقة لغرفتها دجاجة مع صيصانها الثمانية. تنثر حبوب العدس بعيداً عن الدجاجات الأخرى التي كانت «تنقد» كومة روث البقر بالقرب من باب الحظيرة. وتشير إلى الفتى العائد من بعيد متأبطاً غمر حشيش لتقول «هذا ابني السادس، درويش شوي، كان عم يحش للبقرات». يسلم ابن الثلاثة عشر عاماً الحشيش لأمه تضعه في معلف البقر، لديها بقرتان.

تعيش أم عمر وعائلتها في غرفتين. واحدة تسكنها مع زوجها وستة من أولادها، والثانية لابنها البكر مع زوجته. يقتصر اثاث المنزل على ست فرشات وبعض الأغطية والأواني المنزلية الضرورية جداً. لا براد ولا تلفاز ولا غسالة، فقط غاز بـ«راسين». «الحمد لله»، تقول، «ما حدا بيموت من الجوع». يعمل أبو عمر في الزراعة، بينما وجد بكرها عملاً في مكبس لحجارة البناء، «اللبن».

تضيف أم عمر مدخول رجليها إلى ما تجنيه من بيع البيض ولبن وحليب بقراتها لتؤمن احتياجات عائلتها الكبيرة. «حزب الله ما قصروا معانا»، تقول وهي تشير إلى أنهم دفعوا إيجار منزلهم هذا الشهر، كما وزعوا عليهم حصة غذائية تحتوي على أربعة كيلوغرامات من «سكر وأرز وحمص وعدس وفاصوليا وزيت نباتي وبعض المعلبات».

ما إن تجلس أم عمر وتستكين حتى تدرك سبب إشغالها نفسها إلى هذه الدرجة. تتدحرج دمعتان على خديها الملوحين بالشمس رغم لطافة اشعتها في هذا الوقت من السنة، تقول انها قلقة على ابنها الثاني الجندي في الجيش السوري. «ما بحمل حسرة تانية»، تضيف كمن يحدث نفسه. في نهاية الحديث يتبيّن انه لم يبق لأم عمر سوى سبعة اولاد، وليس ثمانية كما قالت. قبل سبعة اشهر قصدت قريتها لتأتي ببعض الأغراض مع ابنها الخامس، وفقاً للتسلسل العمري.

ما إن وصلت سيارة الأجرة إلى باب المنزل حتى علا صوت الرصاص في الأجواء. اشتبك الجيش والمسلحون وشعرت بصغيرها، ابن الخامسة عشرة يتكئ عليها، بينما تطاير دمه على وجهها. رصاصة واحدة اصابته في الرأس كانت كافية لتقيم ام عمر العزاء، ولتدفن فلذة كبدها وحيدة في طفس، وتعود بالخبر الحزين إلى العائلة النازحة في لبنان. ما زالت تقول ان لديها ثمانية أولاد «بحب فكّر أني تركته مع أخيه بسوريا، وسيأتي معه»، تتمتم وهي تختلق عملاً جديداً لتنشغل به.

«مرضوا وطابوا وحدهم»…

أمسكت كريمة بالخيط ولفته على ضرسها خمس لفات. انزوت خلف المنزل وشدت الخيط بكل ما أوتيت من قوة. مرة..مرتين، وثلاثا، أعادت ابنة السنوات العشر الكرّة ونجحت في الرابعة في اقتلاع ألمها. خمسة ايام مرت على كريمة وهي لا تعرف النوم، لم تجلب شكواها لأمها سوى دموع الأرملة التي تربي ثمانية أولاد وحيدة في إحدى قرى النبطية. «حاولي تنامي يا ميمتي»، كانت تقول لطفلتها الغارقة في وجع ضرسها. قررت كريمة ان تعالج نفسها بنفسها ونجحت في توفير 35 الف ليرة كلفة القلع عند طبيب الأسنان «لو معي ما تركتها تبكي 15 يوم»، تبرر الوالدة.

كريمة وضرسها «آخر هم» بالنسبة للوالدة أمام محمود المصاب بحساسية صدرية مفرطة، مصحوبة بجيوب أنفية. «بقعد بالليل اتفرج عليه وهو رح يختنق بين الدقيقة وأختها»، تقول أم فلاح قبل أن تجهش بالبكاء. يحتاج ابن الحادية عشرة لبخاخة لا تملك قرشاً واحداً من ثمنها.

ما زالت المرأة الأربعينية في ثياب الحداد. تقول ان زوجها ذهب لزيارة ابنته المتزوجة في بلدتهم «بلين» في قضاء درعا و«استشهد هناك». لا تعرف من قتله. كل ما تعرفه أنها هنا في جرجوع تسكن في بيت متواضع قدّمه لها أحد ابناء البلدة «حسنة عن روح أهله، أصحاب البيت» كما قال لها.

ما إن وصلت حتى جاء الجيران. بعضهم يحمل «فرشات» والبعض الآخر «حرامات ولحفاً». لكن الجدران لا تنبع طعاماً ولا مالاً.

يقول شاب من «حزب الله» ان الحزب كان يسجل أم فلاح وعائلتها حين تبرعت سيدة بتبنيها مع أسرتها. فتحت السيدة حساباً لأم فلاح في الدكان القريب وطلبت منها أن تشتري ما تحتاج اليه منها. حصل خلاف بين السيدة وصاحب الدكان على قيمة المشتريات التي فاقت التوقعات، وفق ما قالت المتبرعة لأم فلاح، فأوقفت الدعم ورحلت.

يضيف الشاب نفسه ان أحد المشايخ زار أم فلاح وطلب منها ان تعلمه بكل ما تحتاج اليه. المرأة لم تطلب شيئاً من أحد. ترسل ابنها البالغ من العمر الحادية عشرة ليعمل في الزراعة ببدل لا يتجاوز الستة آلاف ليرة في اليوم. يقبض الطفل خمسين الفاً كل ثمانية أيام «لا تكفي لشراء خبز» للأفواه الجائعة.

من دخل ابنها البكر الذي يعمل في مكبس للحجارة تقتطع ثمن حليب طفلها ابن السنتين، وتقتصد ببقية المبلغ لتؤمن وجبة واحدة في اليوم لأسرتها. ليس بوسع ابن الثمانية عشر عاماً أن يجني اكثر من طاقته. يتنقل ابناء ام فلاح حفاة على ارضية المنزل الباردة من حولها. «روحوا اقعدوا على الفرشة»، تصرخ بأطفالها الذين «مرضوا ومرضوا ومرضوا ومرضوا» إلى ان «طابوا وحدهم»، كما تقول. لا تعرف أم فلاح شيئاً عن المنظمات الدولية أو غيرها، ولم تسجل في أي منها «الله بيدبر»، تقول وهي تتمنى ان تجد جمعية تؤمن «حفاضات الطفل على ألأقل».

«من قال جمعيات؟»

ينهمك محمد في تنظيف مدخل المطعم حيث يعمل. يصل زبون ليسأل عن فروج مشوي على الفحم. «الله جبر» يقول الشاب الأربعيني وهو يتابع عمله. كان محمد يملك مطعماً في داريا في سوريا قبل أن ينزح عنها مع شقيقيه «كان عندي ستة شغيلة، والشغل خير الله».

بعد المجزرة المأساوية التي حلت بالبلدة، نزح معظم السكان وتفرقوا في اتجاهات مختلفة. حرص الأخوة الثلاثة على البقاء معاً مصطحبين والدتهم ونساءهم واطفالهم. قصدوا النبطية حيث كان الشقيق الأصغر يعمل منذ سنوات «الناس هون طيبين والحمد لله مرتاحين».

بعد يومين من وصولهم، تفرق الأخوة في شوارع النبطية يبحثون عن عمل «بدنا نقوم بعيالنا» يقول محمد «لا وقت للبطالة». وظفه صاحب المطعم بخمسة عشر الف ليرة في اليوم، وسلّم محمد مطعمه وارتاح لإدارته و«شطارته» إذ يقول «صرت المعلم والشغيل في الوقت نفسه». ولمّا اشتكى محمد من كثرة الشغل وقلة المدخول وعدم تناسبه مع مصاريف عائلته، عرض عليه صاحب المطعم ان ينظف المكان مقابل ثمانية آلاف ليرة في اليوم. وهكذا أصبح «المعلم والشغيل وعامل التنظيفات» يعمل لأكثر من عشر ساعات يومياً، ومع ذلك لا تسمع منه إلا كلمة «الحمد لله». يسكن محمد وشقيقاه في شقة مؤلفة من ثلاث غرف. هم غير مسجلين مع أي جهة دولية أو محلية ولم ينالوا مساعدة واحدة من أي جهة كانت. يعمل شقيقه ألأكبر في «مكبس لحجر البناء»، بينما يتنقل الأصغر بين حقل وآخر أو في أي ورشة بناء، هو عامل مياوم، بعدما كان يملك مخرطة للمحركات في سوريا.

بالكاد يكفي مدخول الرجال الثلاثة لدفع ايجار الشقة وتأمين قوت العائلات الثلاث مع الأم. 15 نفرا يعيشون على الضروريات. يقول محمد «نحن نتحمل شظف العيش ومشقاته، ونعرف انها مرحلة وتمر بإذن الله». يؤكد ابن داريا ان هناك الكثير من العائلات السورية التي يعيلها ابناؤها «لكننا نحمل هم الطبابة، لا نقوى على كلفة المستشفيات هنا في لبنان». يسأل عن جهة يسجل معها، مؤكداً أنهم لم يسمعوا بأي منظمة أو جمعية، ولم يقصدهم أحد لمساعدتهم.

أصغر طفل عامل

بالقرب من احد مراكز المنظمات الدولية التي تؤكد مساعدتها ودعمها للنازحين السوريين، تعيش خمسون عائلة نازحة في تجمع لخيم زراعية في صور.

في الخيمة الواقعة عند طرف المخيم، تسكن ناديا، الحامل في شهرها السابع. تعمل ناديا في قطاف الخضار يومياً، ولمدة ثماني ساعات بأجرة لا تتجاوز الخمسة عشر ألف ليرة لبنانية، بالكاد تكفي اولادها الثمانية. تعود المرأة من عملها عند الرابعة من بعد الظهر عاجزة عن الوقوف على قدميها. زوجها مريض بالسكري والضغط ولا يمكنه العمل. يبقى الرجل الخمسيني مع الأولاد بينما تذهب ابنته البكر (15 عاماً) مع أمها إلى العمل في الزراعة. يأخذ «شاويش» التجمع ثلاثة آلاف ليرة من كل عاملة عن كل يوم عمل.

اليوم، ومع أزمة تصدير البضائع اللبنانية عبر المعابر البرية السورية، يقول التجار والمزارعون انهم يعانون أزمة سيولة كبيرة وخسائر لا تحصى. أزمة تطال ذيولها ناديا وعائلتها والعمال امثالها. يمتنع أرباب العمل عن دفع بدلات الإيجار اليومي بحجة عدم بيع إنتاجهم «كله خسارة بخسارة» يقولون لـ«الشاويش» الذي عليه، بدوره، أن يبرر للعمال عدم قبض مستحقاتهم. واقع يولّد الكثير من المشاكل ومعها العوز والفقر.

مؤخراً أصبح المزارعون يدفعون للعامل بعض الكيلوغرامات من الخضار مقابل كل يوم عمل. ابنة ناديا واحدة من هؤلاء. تتقاضى ابنة الخامسة عشرة سبعة كيلوغرامات من الكوسا او البندورة أو البطاطا بدلاً عن أجرة اليوم، بينما يتقاضى الأطفال من عمر سبع سنوات إلى اثني عشر عاماً خمسة كيلوغرامات.

هو بدل غير عادل «لا حول لهم ولا قوة» ولا قدرة على رفضه «أحسن من البلاش». تذهب ناديا إلى العمل في صندوق سيارة «بيك آب» مع عاملات أخريات. يعلو «البيك آب» ويهبط طوال الطريق ومعه بطنها وجنينها. تقول ان طفلها هو اصغر طفل عامل. «إذا بقي الحمل، ولم يسقط الطفل» تقول ناديا إنها لا تعرف أين ستضع ولدها.

يؤكد زوج نايا و«شاويش» تجمع الخيم ان لا جهة ولا أي منظمة قدمت قرشاً واحداً أو علبة سردين لسكان الخيم، مؤكدين ان أرباب العمل أنفسهم لم يدفعوا أجرة العمال منذ ايام طويلة «العالم عم تضج من القلة، وما حدا قادر يعمل شي». بالقرب من خيمة ناديا حيث يعيش عشرة افراد، حفروا حفرة لمياه الصرف الصحي. يحوم البعوض والذباب حول المكان، ويظهر الطفح الجلدي على أجساد أطفالهم، لكنهم كغيرهم من سكان الخيم ليس لديهم مكان آخر يأوون إليه «نحن من دون إيجارات بيوت ومش ملاقيين ناكل».

الموت في «بلاد الغربة»

في أحد الأبنية في بنت جبيل، تسكن مريم مع زوجها وخمسة أطفال وحماتها المريضة. بالكاد تتمكن مريم من الحديث. تعاني تليفا في الرحم قيل لها إنه ربّما يكون سرطاناً. قصدت المستشفى الحكومي في المدينة لكنهم قالوا إنهم لا يطببون النازحين. ذهبت إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فأعطوها موعداً في 21 حزيران المقبل «يمكن كون متت وقتها» تقول. لا تخاف مريم الموت «بل تشريد اطفالها الخمسة «لمين بدي أتركهم ببلاد الغربة، بدي موت بضيعتي»، في ريف حماه.

تدفع مريم إيجار شقتها في بنت جبيل 250 دولاراً في الشهر. يقصد زوجها مع كل صباح بركة المدينة علّه يعثر على عمل يومي في الزراعة أو البناء أو «أي شيء» بمدخول يومي لا يتجاوز العشرين الف ليرة لبنانية. تستدين العائلة من أقاربها في سوريا لدفع الإيجار بينما لا يكفي مردود الوالد في تأمين الحد الأدنى من الغذاء. «بطاطا مقلية وبطاطا مسلوقة وبطاطا مشوية» يتنوع غذاء العائلة بين الخيارات الثلاثة.

صيدا: العيش بلا سقف وتفشّي الأمراض والتسّول

محمد صالح

في «مجمع الإمام الأوزاعي»، شمالي صيدا، تعيش أم أحمد مع زوجها المعوّق، وأحفادها. ابنها قتل في سوريا، وليس لديها أي معيل، فتقوم برعاية أطفاله الثلاثة. تشرح أم أحمد أن «وضعنا مأساوي للغاية، ننتظر الإعاشة حتى تأتي إلينا لنأكل. نحن بحاجة إلى كل شيء وهؤلاء الأطفال، من يدبّر أوضاعهم؟».

تتمنى أم أحمد أن تنتهي مأساتها اليوم قبل الغد، «حتى نعود إلى سوريا، لأننا تعبنا جداً من التهجير وظروفه».

أما عائلة البستوني، التي تتألف من ثلاثين شخصاً، يعيشون في بيت واحد. فقد فقدت ولدين في سوريا. الأب يقوم برعاية «عائلات الشهيدين»، وهو رجل مسنّ، بالكاد يسمح وضعه بالعمل.

«حالنا لا تطاق» يقول، «فنحن محشورون في هذا البيت. كانت لدينا بيوت وأرزاق هناك في سوريا. هنا، بتنا ننتظر المساعدات الغذائية، مع أننا بحاجة إلى أكثر من منها، لكن لمن نشتكي؟ نحن نشكر كل من يساعدنا، لكنّ المهم أن تنتهي الأزمة في سوريا حتى نعود إلى الوطن بأقرب فرصة».

في إحدى غرف دبّاغة تفتقر إلى المقومات الصحية، تقيم عائلة الزوكاني. بين أفرادها ولدان يعانيان من مرض التلاسيميا، ما يستوجب عملية تبديل للدم شهرياً. تشرح الوالدة: «معاناتنا أكثر من غيرنا، بسبب حاجتنا إلى المستشفى شهرياً. هناك جمعيات وهيئات تعطف علينا، وتؤمن لنا تلك الخدمة. وأحيانا أخرى نتوسل المساعدة عبر وسطاء في أي مستشفى، طمعاً في تأمين العلاج».

المأوى عزيز

دارت، قبل فترة، معركة صامتة في صيدا بشأن إقامة «مخيمات» ثابتة للنازحين السوريين في المدينة ومحيطها، على شكل بيوت جاهزة، وتحويلها إلى مجمعات سكنية. الطرف الأول في المعركة، كان فريق النائبة بهية الحريري ومن يؤيد وجهة نظرها، وهو لا يحبّذ إقامة أي مخيمات على طريقة البيوت الجاهزة للسوريين في صيدا، انطلاقاً من مبدأ عدم تحويل المدينة إلى مخيمات منتشرة في طولها وعرضها.

في المقابل، كان فريق تقوده «الجماعة الإسلامية»، ومعها تيار من الإسلاميين والسلفيين، يؤيدون مبدأ عدم بقاء أي نازح من دون مأوى.

وأدى الشروع بإقامة بعض تلك المخيمات إلى استنفار الأجهزة الأمنية، التي استرابت من المسألة، وأبدت تخوفها من انتشار ظاهرة البيوت الجاهزة في صيدا، وعبرا، متخوفة من أن تتحول تلك المخيمات إلى بؤر أمنية تصبح عاصية على القانون.

وفعلاً، نقلت ستة بيوت جاهزة إلى قطعة أرض في عبرا، تمهيداً لإيواء نازحين فيها، وتحويلها إلى مخيم. إلا أن اتصالات سريعة بين فعاليات المدينة، وبلدية عبرا، والأجهزة الأمنية، أدت إلى وقف إقامة المخيم، وإعادة ثلاثة بيوت منها إلى صيدا، والإبقاء على ثلاثة فقط وتحويل واحدة منها إلى مدرسة. واستقر الرأي على إسكان العائلات في المجمعات السكنية الفارغة، أو التي هي قيد الإنشاء، وفي بيوت وشقق خاصة، أو في مدارس مهجورة.

وقد تجاوز عدد النازحين السوريين في صيدا ومحيطها 2635 عائلة، بالإضافة إلى 2300 عائلة فلسطينية نازحة تقيم في مخيمي عين الحلوة والمية ومية، وفق إحصاء «اتحاد الجمعيات الإغاثية»، الذي يشرف على إيواء النازحين.

ويتوزّع النازحون في مختلف أحياء المدينة وجوارها، في ثلاثة تجمعات رئيسة، موزعة على الشكل التالي: «مجمع كلية الإمام الاوزاعي»، الذي يتضمن 145 عائلة، و«مجمع الإيمان» الذي يتضمن 38 عائلة، و«مجمع الإصلاح»، الذي يتضمن 18 عائلة.

أما في محيط مخيم عين الحلوة، وتحديداً في منطقة التعمير، فهناك تجمعان رئيسان: «مجمع روضة البهاء»، الذي يتضمن 28 عائلة، و«مجمع مدرسة الكفاح»، الذي يتضمّن 34 عائلة.

أما بقية النازحين، فتوزّعوا على شقق سكنية مستأجرة أو بيوت قيد الإنشاء، أو لدى أقارب وفي المدينة القديمة، وبيوت زراعية ومرأب سيارات وفي البساتين وغيرها.

«عمل» وتسوّل

في ظلّ شح الموارد والمساعدات، يصبح العمل هدفاً ضرورياً للنازحين في صيدا. وهناك أيضاً السعي إلى التسجيل في لوائح «اتحاد جمعيات الإغاثة»، المحلية أو تلك التابعة للهيئات الدولية، بصفة «عاطل عن العمل» في مدينة تعاني أصلاً من جمود اقتصادي، وجمود تجاري، وانعدام فرص العمل لأهلها.

مع ذلك، هناك أكثر من ظاهرة جديدة سُجلت، من بينها عشرات الشبان السوريين الذين يدورون يومياً في الشوارع والأحياء والمناطق الصناعية والورش الفنية، بحثاً عن عمل ويسألون عن أي «شغلة»، بأي أجرٍ، مهما كان زهيداً. حتى أن بعضهم بات منافساً جدياً في عدد من المهن، كالورش الفنية (حدادة ونجارة وعمال بناء وتبليط وكهرباء، أو حتى باعة خضار)، أو في مهن عادة لا يقترب منها إلا قلة، كماسحي الأحذية، الذين باتوا ينتشرون بأعداد غير مسبوقة في نواصي الشوارع وعلى الأرصفة، وفي الأحياء.

أمّا ظاهرة التسوّل، فباتت هي أيضاً منتشرة بكثافة، حيث تقف فتيات عند زوايا الأبنية، وفي الأسواق المكتظة في المدينة، مستــوقفة المارّة طلباً للمساعدة.

أمّا قمة الأسى، فتتمثل في تنافس المتسوّلين في ما بينهم، من أطفال وراشدين، خاصة عند زحمة السيارات أمام الشارات الضوئية في المدينة.

المدرسة.. في مستوعب

بلغ عدد الطلاب السوريين النازحين 1800 تلميذ، توزعوا على مدارس صيدا و«الأونروا»، وذلك بالتعاون مع «الشبكة المدرسية».

واستقبلت «مدرسة الثقافة والعلوم» طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية حصراً، التي تتبع المنهج السوري ويدرّسه أساتذة سوريون، بإدارة «مدارس الإيمان»، و«المركز الثقافي الإسلامي»، وغيرها.

أما في عبرا، فتقيم عائلات نازحة في مدرسة قيد الإنشاء تابعة «للمركز الثقافي الإسلامي»، بالإضافة إلى مستوعب حديدي بالقرب من المدرسة، تم تحويله إلى غرفة للدراسة، أطلق عليها اسم «مدرسة البنيان»، لتعليم نحو 35 تلميذاً من صف الروضة إلى الصف السادس.

ولم يمنع النزوح من جلوس الأطفال، ولو على الأرض، ومن دون أي مقعد أو طاولة، أو لوح. في ذلك المستوعب يتعلّمون.

الإغاثة واتحادها

يلفت أمين سر «اتحاد المؤسسات الإغاثية في صيدا» كامل كزير، إلى أنه «في بداية الأحداث السورية، ومع تزايد حركة النزوح إلى صيدا، قمنا بتأليف الاتحاد، بهدف التعاون وتوحيد الجهود من أجل تقديم المساعدات اللازمة للأخوة السوريين، وذلك برعاية مفتي صيدا الشيخ سليم سوسان وبلدية صيدا».

ويشير إلى أن تلك المبادرة، أتت بعد «غياب أي دور للدولة اللبنانية وتأخر تدخل المفوضية العليا للاجئين». ولكن مع ازدياد حجم المأساة، ما زال الاعتماد الأكبر على الجمعيات المنضوية في الاتحاد، حيث قدّمنا بدلات إيجار لأكثر، من أربعمئة عائلة بشكل شبه شهري بمبالغ مختلفة تتراوح بين مئة ومئتي دولار.

ويقول: «منذ نحو ستة أشهر بدأت المفوضية بتسجيل النازحين، كما بدأت بتقديم المساعدات لهم، إلا أن التسجيل بطيء جداً بينما الحاجة كبيرة جداً. ثم إن عدم توفّر مخيمات للنازحين جعل بعضهم يتواجد على شكل مجمّعات فيما انتشر القسم الأكبر في البساتين وبعض البيوت حتى ضاقت المدينة بمن احتضنت، علماً أن معظم هذه التجمّعات مكانها عين الحلوة والتعمير وعبرا ومدخل صيدا الشمالي. وإنه لمن المؤسف جداً أن الدولة حتى الآن لم تحرك ساكناً ومازالت تنأى بنفسها عن كل شيء».

ويشير كزبر إلى أن «الخطورة الأكبر تكمن في ما ينتج عن ظاهرة التجمّعات العشوائية التي لا تتمتع بأي وسائل صحية، مما يؤدي إلى انتشار القمل بين الأطفال، بالإضافة إلى حالات مرعبة من الجرب. وهناك تخوّف من وجود لمرضي «الكوليرا» و«اللاشمينيا» (حبّة حلب)»، لافتاً إلى أن «متوسّط المعاينات الطبية اليومية هو 90 معاينة أي بمعدل 2700 معاينة شهرية».

أما «المصيبة الكبرى من الناحية الاجتماعية»، برأي كزبر، فهي ظهور مشكلة التسوّل، ترافقها «حالات الاستغلال الجنسي، وظهور بؤر للدعارة بمسمّيات مختلفة».

ويشير كزبر إلى حادثة استغلال جنسي، قام خلالها شاب لبناني بإقناع فتاة نازحة، لا تتجاوز العشرين، بالزواج «وتقدم لأهلها طالباً يدها. وبعد فترة لا تتجاوز الشهر بدأ بإحضار بعض الزبائن لمضاجعتها، مقابل مبلغ من المال يتقاسمه مع الفتاة، التي رضخت للأمر الواقع، بعدما هدّدها بنشر صورها بين أفراد أسرتها». ورأى أن معظم المشاكل «سببها مشكلة الإيواء، وترك الناس يتدبّرون أمورهم كيفما اتفق».

في البقاع.. «الله كريم وبترجع سوريا»

سعدى علوه

كان «الحاج» نائماً على فرشة اسفنجية رقيقة ممدودة على أرض الغرفة العارية، ومن حوله يعلو ضجيج نحو عشرين طفلاً تتراوح أعمارهم بين 12 سنة وثمانية أشهر. يصحو الرجل الستيني، الذي نزح من ريف دمشق، مع زوجته وأبنائه الأربعة وزوجاتهم وأطفالهم، ليقول «صوّرونا قد ما بدكم، شو بتفرقوا عن يلي قبلكم».

بلغ اليأس بالرجل ذروته. قصده مندوبو جمعيات كثيرة، سجلوا أسماء أفراد أسرته كلهم، اطّلعوا على أوراقهم الثبوتية، صوّروهم فرداً فرداً وذهبوا إلى غير رجعة «الله يرزق الجميع، عم يشحدو ع ضهرنا». يقول.

وتمتد خيبته لتطال اللبنانيين «ما عندي نفس احكي مع أي لبناني».

خلال حرب تموز حشر أبو زياد نفسه وأولاده الأربعة مع عائلاتهم في بيته الكبير «وأسكنت في بيوت أولادي أسراً لبنانية من كل الطوائف». آوى «المسيحي والسني والشيعي»، كما يصنف الناس «لأن التصنيف عندكم دارج». لم يقل أنه صرف عليهم وأطعمهم «مع أننا أمّنّا احتياجاتهم قبل أطفالنا، والله على ما أقول شاهد».

وصل أبو زياد مع عائلته الكبيرة ليقضوا ليلتهم الأولى على الرصيف في منطقة المصنع في البقاع، إلى أن «أمنّا هذا المنزل». فعلياً، هو ليس منزلاً. هو بيت بصدد البناء. لا أبواب ولا شبابيك. ردت العائلة الهواء والصقيع بـ«البطانيات والشراشف»، التي بقيت عاجزة عن درأ المياه التي تتسرب سواء من السقف أو من النوافذ. البيت قائم على حجارة اللبن، لم يتم تلبيسه بالإسمنت، وحتى أرضيته لم تصب إلا بالبحص المكسور والباطون.

لا تمديدات صحية، طبعاً. أما الأهم في الموضوع فهو أن صاحب «البيت» قام بتأجيرهم الغرفة والصالة بأربعمئة ألف ليرة لبنانية، وبعدما قبض سلفاً أجرة ثلاثة أشهر. اقتطع الغرفة الثانية مع المطبخ وأجّرها بمبلغ مماثل لعائلة سورية أخرى.

لم يكن أبو زياد يطلب أن يحتضنه اللبنانيون، كما فعل معهم إبان حرب تموز، «ولكنني، وبصراحة، فوجئت بالمعاملة، ليس هناك حدود للطمع»، يقول وهو محاط بأحفاده الحفاة. هو نفسه ينتعل «خفاً» ممزقاً برغم تورم قدميه من البرد.

خرجت العائلة تحت وابل القصف والقنص «ما بتعرف مين عم يطخك، الدولة، العصابات أو من يسمّون أنفسهم بالمجاهدين». ومع تعذر خروجهم سالمين عبر معبر المصنع الشرعي، دخل الأطفال والنساء تهريباً عبر الحدود بين البلدين، فيما دخل هو مع الشباب شرعياً.

تأتي بعض الجمعيات وتقول إنها لا تقدّم الخدمات للآتين بطريقة مخالفة للقانون. «أي قانون؟»، يسأل رب العائلة التي تحتاج لاثنتي عشرة ربطة خبز في اليوم.

كان أبو زياد «زعيماً» يدير مصلحة العائلة في سوريا «ستة محلات وسيارات وخمسة بيوت، الحمد لله كنا بألف خير».

والخير في سوريا ليس سيولة نقدية، إنّما «هو أملاك وأرزاق، حملنا معنا ما استطعنا». اليوم انتهت السيولة. باع كل مصاغات النساء «حتى ما نعوز حدا».

هذه عائلة إذا مرض أحد أفرادها لا تملك المال لتطبيبه. ومع ذلك، يقول أبو زياد «ألف حمد الله، الله بيفرجها وبترجع سوريا، وعندها سنعود إلى بلادنا، ونشكر اللبنانيين على حسن ضيافتهم».

أعداد مجهولة وفوضى عارمة

يبلغ عدد النازحين السوريين المسجلين في دار الفتوى في البقاعين الأوسط والغربي فقط، نحو 15 ألف عائلة، يتراوح عديد أفراد كل منها بين خمسة و12 شخصاً للعائلة الواحدة. أمّا أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فقد قفزت إلى ما يفوق الخمسة وعشرين ألف عائلة مسجلة أو قيد التسجيل، على طول البقاع وعرضه.

إلا أن هناك عشرات العائلات السورية التي لم تتواصل مع أي جهة إغاثة مما يظهر أن الحديث عن الأرقام هو ضرب من ضروب التنجيم. وأفراد عائلة أبي زياد، وعددهم 35 شخصاً (الأبناء وزوجاتهم وأبناؤهم)، هم خير دليل على ذلك.

وما بين الرقم الحقيقي للنازحين وبين عدد الجمعيات التي تعلن عن انخراطها في عمل الإغاثة فرق شاسع. ويدور الحديث عن مئات الملايين من الدولارات التي صرفت حتى الآن، فيما يمكن خط عشرات الكتب عن قصص العوز والفقر والذل والمهانة، ومعها الاستغلال، التي يعاني منها النازحون السوريون.

بالإضافة إلى ذلك، ساهم التعاطي الرسمي للدولة اللبنانية مع ملف الأزمة السورية في تفاقم الوضع وتوفير مقومات استمراره.

لا جهة رسمية تمسك بالملف ككل، مما يترك «الحبل على غاربه»، ويمكّن أهل البلاد من استغلال السوريين إلى أقصى درجة وبالتحديد في موضوع السكن والطبابة، وحتى على الصعيد الغذائي والإعاشات التي توزع.

وإذا كان الرقم المتفق عليه تقريباً في لبنان يدور حول المليون نازح، فإن ثلثهم على الأقل يقيمون في منطقة البقاع، وبالتحديد في البقاعين الأوسط والغربي.

نحن في لبنان، وبموجب ما يسمونه «خصوصياته»، هكذا تدار الأزمات، للأسف. لم تبن مخيمات للنازحين مراعاة للهواجس السياسية لبعض الأطراف اللبنانية، وحساسيتهم من كلمة «مخيم». توزع السوريون اللاجئون على مساحة الوطن ككل، وسكنوا بين المنازل وفي الخيام وعلى السطوح وحتى تحت الأدراج.

يشير مطران زحلة والجوار عصام درويش إلى وجود نحو ستمئة عائلة نازحة في زحلة وحدها «غالبيتهم العظمى من المسيحيين، ولكننا نساعد الجميع من دون تفرقة». يتراوح عدد العائلات المسلمة المسجلة في المطرانية بين 15 إلى عشرين عائلة، وهناك عائلات فيها غير مسجلة أيضاً. «لا يسكن المسيحيون في خيم»، وفق المطران، وهم «يستأجرون على حسابهم الخاص، ويعمل معظمهم لتدبير أحوالهم إلى جانب مساعداتنا». يشير إلى أن قلة من بين هؤلاء سجلت في الأمم المتحدة «خايفين، برغم من أننا جمعناهم مع موظفيها في المطرانية وشرحنا لهم كل الموضوع».

يصف المطران الآلية المتبعة في الإغاثة بـ«غير السليمة»، فـ«لا شيء من الأمم المتحدة ولا من وزارات الدولة ولا من الهيئة العليا للإغاثة، نتدبر أمورهم من مساعدات من الخارج ومن ميسورين متبرعين». ويشدّد المطران درويش على ضرورة معالجة الملف الاجتماعي والأمني والإغاثي والصحي «وإلا ستتفشى المشاكل والأمراض المعدية والإشكالات الاجتماعية، يجب أن تمسك الدولة بالملف وتنسقه بشكل جيد».

الملاحظات على أداء الدولة وإداراتها تتكرر مع مدير هيئات الإغاثة للنازحين في دار الفتوى في البقاع الشيخ وسام عنوس. تهتم دار الفتوى في البقاع بنحو 15 ألف عائلة نازحة، «ولكن لا يمكننا تغطية كل احتياجاتهم طبعاً».

قصدت صبية نازحة مريضة بالسرطان دار الفتوى. تحتاج ابنة الأعوام العشرين لدواء لا يقل ثمنه عن ثمانية ملايين ليرة لبنانية، وليس من جهة تغطي الأمراض المستعصية. رفعت الدار كتاباً إلى وزارة الصحة وما زالت تنتظر جواباً. الوزارة لا تغطي النازحين صحياً. ويوجد بين النازحين عشرات، لا بل مئات المرضى المصابين بأمراض مستعصية ومن دون تغطية صحية، من أي جهة.

المستشفيات مارست جشعها بدورها. كانت دار الفتوى تغطي 15 في المئة للمسجلين في المفوضية العليا للاجئين التي تتكفل بخمسة وثمانين في المئة من كلفة الاستشفاء. ومع ذلك بلغت فاتورة الدار نحو 250 ألف دولار في خلال عشرة أشهر. هذه هي فقط حصيلة 15 في المئة من التغطية الصحية «وهو رقم ضخم اضطرت معه دار الفتوى إلى إيقاف مساهمتها بسبب العجز عن تأمين المبالغ اللازمة»، وفق الشيخ عنوس.

هناك عائلات تقول للقيمين على الإغاثة أن أبناءها ينامون على قارعة الطريق «ومع ذلك لا نجد بيتاً صغيراً بأقل من خمسمئة دولار»، يشير الشيخ في معرض تأكيده جشع الناس في موضوع الإيجارات.

يتوقف عند نقطة انعدام التنسيق التي تؤدّي إلى منح بعض العائلات مساعدات كثيرة من سلعة محددة «مثلاً الحبوب أو «بونات» المازوت، فيما تكون العائلة بحاجة إلى حليب أو أدوية». تعمد العائلة إلى بيع قسائمها لشراء السلع الضرورية، هنا أيضاً يستغل التجار النازحين ويشترون قسائمهم بمبالغ أقل بكثير من قيمتها.

الطائفة شيء والاستغلال شيء آخر

ويشدّد الشيخ عنوس على ضرورة قيام الدولة، بالتعاون مع المنظمات الدولية، بإنشاء مخيمات خاصة بالنازحين في كل منطقة «وهكذا يمكن تنظيم عمليات الإغاثة وتجنيبهم الاستغلال الذي يتعرّضون له»، مؤكداً أن وزير الشؤون وعدهم بالسعي لتحقيق الأمر.

وبرغم تشكيل ائتلاف للجمعيات العاملة على الإغاثة في دار الفتوى، يقول مفتي بعلبك – الهرمل الشيخ أيمن الرفاعي أن «العمل مع النازحين أسهل بألف مرة من العمل مع الجمعيات». فالأخيرة، بحسب قوله، «لا تتأقلم مع العقلية التعاونية، بل تتبّع الفردية في العمل، وهناك الكثير من المصالح الشخصية».

ويتوقف المفتي عند مشكلة التغطية الصحية «حيث لا تعاقد للأمم المتحدة مع أي مستشفى في المنطقة»، مشيراً إلى «الفساد وقلة الضمير» المستشرية في بعض المستشفيات «لم تلد امرأة نازحة ولادة طبيعية، بل يقتصر الخيار على الولادات القيصرية، لأن كلفتها أعلى للمستشفى وللطبيب».

يعطي مثال الولادات «لإظهار إلى أي درك وصلت التجارة بالإنسان». وفق مفتي بعلبك الهرمل «بدأت حالات الجرب والتيفوئيد والقمل بالتفشي بين النازحين، وليس هناك من يسأل». يؤكّد أنه واجه ممثلة المفوضية والسفيرة البلجيكية، اللتين التقاهما، بموضوع المساعدات والمبالغ الكبيرة التي دفعت وأين دفعت، و«لم أتلق جواباً» .

ويلفت المفتي إلى «صفقات كثيرة عقدت مع بعض المستشفيات، وصرفت أموالاً كانت تكفي لإنشاء وتشغيل ثلاث مستشفيات خاصة بالنازحين وتؤمن علاجاتهم بطريقة محترمة ولائقة وكافية، بدل العوز الذي نلمسه يومياً». وكلامه ذلك لا يشمل إلا الكلفة التي دفعت على نحو ثلاثين في المئة من مجمل النازحين، «وهم المسجلون مع المفوضية لا أكثر»، وفق تقديره.

يرى المفتي أن ما لا يزيد عن عشرين في المئة من الأموال المدفوعة وصلت فقط للنازحين «كي لا أقول أقل، أنا لا أعرف أين ذهب المال، ولكنني لا ألمس إنتاجية ونتائج».

لدى بلدية بعلبك نحو 1500 عائلة مصرح عنها. يتعاون «حزب الله» ودار الفتوى في إغاثة النازحين. ويرى رئيس بلدية المدينة هاشم عثمان أن هناك «أعداداً كبيرة لم تتسجّل بعد مع المفوضية»، ليوجه لوماً لناحية «البطء في التسجيل، إذ لم تفتتح المفوضية مكتباً في بعلبك قبل 17 نيسان الجاري».

يشير عثمان إلى عدم وجود تغطية صحية للنازحين برغم تفشي الأمراض، مؤكداً أن البلدية تبدي ملاحظاتها «ولكنهم لا يردّون علينا، يعود الأمر برمته لمزاجية الموظفين». ويتوقف عثمان عند مشاكل اجتماعية كثيرة بالإضافة إلى المعاناة الكبيرة للنازحين «هناك تسوّل هائل للأطفال في الشوارع، وهناك شبكات دعارة تعمل القوى الأمنية على مكافحتها».

في البقاع، يتبيّن بوضوح أن التصريحات السياسية والمواقف «المؤيدة للثورة» هي منفصلة تماماً عن السلوك الاجتماعي للفئات الحاضنة. لا أحد يخجل من القول إن «السني يرتاح للجوء إلى المنطقة السنية والشيعي عند الشيعة والمسيحي بين أهله». وهو ما يفسر «الحشر» الذي يشهده البقاعان الغربي والأوسط، وبالتحديد الأخير، مع الإشارة إلى كثافة النزوح في منطقة المرج المحسوبة على الغربي، وهي في الحقيقة على الحد الفاصل بين المنطقتين.

بالنسبة للنازحين «يرتاحون أمنياً بين أبناء طائفتهم»، من دون أن يلغي ذلك حقيقة توزّعهم، وبغض النظر عن طوائفهم، نحو الهرمل وبعلبك ومحيطهما. نزوح غير شائع بكثرة ولكنه موجود، ومحكوم سلفاً بالانقسامات السياسية العمودية والمذهبية في البلاد.

لكن «الاستغلال واحد أينما كان»، وفق ما يقولون «حتى أن بعض القرى أرحم مع الناس من مناطق أخرى، وبغض النظر عن هويتها الطائفية». من بين مئة نازح تجد أسرة لبنانية قد قدمت غرفة أو مأوى لعائلة سورية من دون مقابل. أما البقية فقد أجرتهم حتى زرائب الحيوانات، وبعض الجدران غير المسقوفة بعدما غطتها «ع السريع» بألواح «الإترنيت» وأجرت الغرفة الواحدة بمئتين وخمسين ألف ليرة.

وبين ارتفاع أجور السكن وكلفة العيش والفوضى العارمة والفساد الكبير والهدر الذي يطبع عمليات الإغاثة، تحاك قصص أغرب من الخيال.

تزويج مبكر للفتيات السوريات، استغلال في الدعارة، تشغيل بألف ليرة وحتى أحياناً بسبعمئة ليرة في الساعة للنساء والأطفال، مشاكل اجتماعية لا تعد ولا تحصى ضمن المجتمع النازح نفسه، وبين النازحين وبين المحيط، وكثر ينامون ببطون خاوية وأجساد مرتجفة من صقيع الشتاء، ومرضى لا يجدون الطبيب ولا الدواء، فيما تعلن الجمعيات صرفها ملايين الدولارات بأسمائهم.

ووسط الفوضى، هناك بعض من كنزوا الثروات وانضموا إلى صفوف الأغنياء على حساب فقراء القوم اللاجئين. وهناك أيضاً بعض الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، فيبيعون المساعدات الكثيرة التي يحصلون عليها، فيما يتحسّر أطفال هذه العائلة أو تلك على علبة حليب أو مرتديلا وحتى رغيف خبز.

(غداً: يوميات من الجوع والمهانة في البقاع)

البقاع: يوميات الجوع والمهانة

سعدى علوه

تروح أم عامر وتجيء ولا وقت لديها للكلام. اليوم دور عائلتها المؤلفة من 15 شخصاً لاستخدام «الحمّام». على الجميع أن يستحم، وعليها أن تغسل كل الملابس والشراشف وما ترغب بغسله قبل الواحدة والنصف ظهراً. بعدها سيحين دور عائلة أخرى. تعتبر أم عامر نفسها محظوظة مقارنة مع عائلات كثيرة نازحة إلى بعلبك. فهي تقطن في المبنى في أسفل جامع البخاري، وهناك ماء وكهرباء.

صحيح أن الكهرباء تنقطع بالتقنين ولكنهم ينعمون بها بين الحين والآخر وليسوا مضطرين لدفع الفواتير. تسكن 14 عائلة نازحة في المبنى الموزّع على غرف متجاورة ومتراصة بالقرب من بعضها البعض كما صفوف المدرسة. يوجد حمّام واحد للاستحمام والغسيل. هناك ستة مراحيض للجميع، ثلاثة للنساء وثلاثة للرجال. يشكون من عشوائية توزيع المساعدات «في ناس بيطلعلها غاز وناس ما بيطلعلها.. عائلة بيجيها مساعدات وعائلة تنتظر كرتونة الإعاشة طويلا».

هو وضع يسعى النازحون إلى تحسينه «الحمد لله عندنا سقف يأوينا». وعليه، يتوجه الرجال والنساء والأطفال صباح كل يوم للبحث عن عمل. الاستغلال خارجاً هو سيد الموقف. زوج سارة حصل على عمل بدولار لمتر البلاط، بينما يقبض المعلم ستة أو سبعة دولارات «كتر خيرو. سوري متلنا أشفق علينا وشغّل زوجي». هي نفسها تعمل في محل لبيع الحقائب «من التاسعة صباحاً ولغاية الخامسة مساء بستين ألف ليرة في الشهر». ابنها يعمل مع ميكانيكي بإثني عشر ألف ليرة في الأسبوع من الساعة التاسعة ولغاية السادسة مساء…

يجمع عمال العائلة مالهم ليؤمنوا احتياجاتهم… لا فرق هنا بين طفل ورجل… كبر الأطفال السوريون وجعلتهم الأزمة رجالاً مسؤولين يتحمّلون قسوة العمل واستغلال من لا يرحمون من كل الفئات والأجناس. لن تجد ولداً واحداً يقصد المدرسة «قالوا لنا وصلتم متأخرين».

العاملات الثلاث

كانت فاطمة ومريم تتقدّمان عليا على الطريق الفاصلة بين حوش النبي وبين بدنايل في البقاع الشمالي. تبدو الصغيرة التي لم تتجاوز الثاني عشر عاماً ناعسة وتعبة في الوقت عينه. هي لا تريد الذهاب إلى العمل، خصوصاً مع شروق الشمس. «لو بيخلوني نام شوي»، تقول وهي تشير إلى شقيقتيها اللتين تسبقانها بعشر خطوات «يللا يا كسولة»، تمازح الشقيقتان صغيرتهما.

تعمل الفتيات الثلاث في «تعشيب البصل» مقابل «خمسة آلاف ليرة لبنانية للبنت» ومن الساعة السابعة ولغاية الثانية عشرة ظهراً. بعد الظهر تنام عليا قليلاً فيما تذهب فاطمة ومريم للعمل في المنازل مقابل عشرة آلاف ليرة لكل ثلاث ساعات «إذا توفّر العمل». تدفع الفتيات أجرة منزلهما البالغة مئتي دولار، وتؤمنان معيشتهما مع والديهما المسنين. حمل شقيقهما عائلته ونزح مرة أخرى نحو بيروت «فرص العمل هناك أفضل، كما قالوا له». لم تسجل العائلة مع الأمم المتحدة «أعطونا موعداً بعد أربعة أشهر». لا مساعدات ولا من يحزنون، «لم نر جمعية واحدة تسأل عنا». المال الذي يجنونه يذهب للإيجار ولتأمين الطعام وأدوية الوالدين.

في الحوش، تبدو العائلتان النازحتان من نبل في حلب محظوظتين مقارنة بالعاملات الثلاث. يساعدهما حزب الله بمئة دولار في الشهر لدفع إيجار المنزل البالغ مئتي دولار. كان المنزل مركزاً لأحد الأحزاب وقاموا بتأجيره لهم «سقفه إترنيت وبيسرّب مي»، تقول السيدة التي تحمد ربها على ظروفها «نحن مسجلين مع الأمم المتحدة وعندنا قسائم غذائية، والحزب بيساعدنا وزوجي عم يشتغل، أفضل من غيرنا».

نازحون في مقام نبي

تقيم العائلة المكونة من تسعة أفراد في غرفة واحدة مع مطبخ وحمّام في مقام النبي سام في شمسطار. أسكنهم حزب الله هناك بعدما قدّم لهم فرشاً وأغطية وبعض أغراض المطبخ وغاز بثلاث «عيون» مع جرّته. ساعدوا الزوج على فتح دكان خضار صغير في كوخ متواضع مقابل المقام. قبل ثلاثة أيام توقفت العائلة عن إرسال ولدين من أبنائها إلى المدرسة «طالبونا بأربعين ألف في الشهر بدل أوتوكار».

لا يجني الدكان ما يكفي لسدّ رمق الأفراد التسعة وتأمين حليب للرضيعة الصغيرة «توأم الخمس سنوات وشقيقهم ابن السابعة لم يذوقوا طعم الحليب. في لبنان صار الحليب سلعة نادرة، ومع «هيك نحن أفضل من غيرنا، على الأقل لا ندفع إيجاراً»، تقول السيدة وهي تحضن صغيرتها، وتعضّ على الكلام.

يصل عدد العائلات النازحة في شمسطار وحدها إلى نحو 250 عائلة سورية. يُدفع معظمها إيجارات منازل تراوحت بين مئة ومئتين وخمسين دولاراً للمسكن الصغير. يتحمل الحزب إيجارات نحو أربعين عائلة فقط، وتقدم «الهيئة الصحية» خدمات طبية للجميع، وفق عاملين في المستوصف.

قلة من بين التلامذة يذهبون إلى المدرسة، ولا يتجاوز عدد المسجلين مع المفوضية العائلات العشر.

من الطبقة الثانية من أحد المباني في ساحة البلدة، تطل رؤوس عشرة أطفال. خلفهم يوجد ثمانية أولاد لا تتجاوز أعمار كبيرهم الثالثة عشرة سنة. يعيش الأطفال الثمانية عشر مع أمهاتهم وعمهم وعمتهم، أي مع ثمانية بالغين، في غرفتين ومطبخ وحمام واحد، ويدفعون مئتي دولار للإيجار.

ساعدهم الحزب ببعض الفرشات والأغطية وبكرتونتي تغذية متواضعتين. هناك نقص واضح في الحفاضات والحليب. يدور العم من مكان إلى آخر سعياً للحصول على يوم عمل، وبمقابل لا يتجاوز العشرين ألف ليرة في اليوم. مبلغ بالكاد يكفي لتأمين عشر ربطات خبز يحتاجها قاطنو الغرفتين. يتحدث رجل البيت فيما تنهمك السيدات في «تقشير جاط» كبير من البطاطا «العشا اليوم عرايس بطاطا مقلية، البطاطا بتشبّع وما بيطلع إلا عروس لكل شخص»، تقول العمة التي تدير الأمور.

يضحك الشاب لدى سؤاله عن التسجيل في المفوضية. يقول إن لا وقت لديه لـ«الشنشطة» على الأبواب وانتظار المواعيد التي تطول وتطول من دون نتيجة. بالأمس جاء صاحب البيت وبدأ بالصراخ وهدّدهم بالطرد في نهاية نيسان في حال لم يدفعوا الإيجار. هم مدينون له بقيمة إيجار شهرين. ذهب الشاب «إلى أولاد الحلال في الضيعة واستدان عشرة آلاف من كل من قبل بتسليفه وعاد بمئة ألف ليرة دفعها لصاحب الملك. اليوم لا يعرف من أين يأتي بالباقي، يقول وهو ينظر إلى الأطفال الحفاة والجياع المتحلّقين من حوله.

والدة في الخامسة

تبدو الخيمة الواقعة عند طرف تجمع للخيم بالقرب من سهل طاريا في البقاع الشرقي هادئة تماماً. من الداخل يصل صوت فتاة صغيرة تغني. هي سلمى ابنة الخامسة تحدو لأخيها، الرضيع في شهره الرابع، لينام. يقوم كريم، شقيق سلمى الثاني ليستقبل «الضيوف» فتشير إليه أن يخفض صوته. يبلغ كريم الرابعة من عمره. سلمى ربة المنزل في غياب أمها في العمل. تعتني الطفلة بأخويها، وهي بالكاد انتهت من تغيير «حفاض» الرضيع و«تنويمه»، ولا تريد إيقاظه «عم يعذبني اليوم، مريض شوي».

تأتي جارة سلمى حين تسمع بحركة غريبة في خيمة جارتها. تقول الجارة فريال إن والدة سلمى تذهب للعمل في الزراعة كل يومين وتضطر لترك أطفالها الثلاثة وحدهم. «اسم الله عليها» تقول وهي تشير إلى سلمى «قد الحمل وزيادة». تقول إن سلمى تعرف كيف تهتم بالرضيع، ولكنها تجد مشكلة في «ضبط» كريم ابن الرابعة. يريد الصغير أن يلعب كل الوقت في الخارج، وتخاف هي أن يضيع في المجمع المنصوب عند قارعة الطريق الدولية نحو بعلبك وحمص.

تقول لها والدتها قبل ذهابها «انتبهي لأخوتك»، وتحرص هي على تحمل المسؤولية. تؤكد فريال أن والدة سلمى تجني سبعة آلاف ليرة من ست ساعات عمل في الزراعة «المسكينة زوجها متوفٍّ وما إلها غير الله». تتبرع الجارة، التي تعتني بأولادها خلال غياب زوجها، في العمل بالإشراف من بعيد على سلمى وأخوتها «بس ما بقدر اهتم فيهم كل الوقت، المسألة مش يوم ويومين»، ثم تضيف أن والدة سلمى «مسلّمة أمرها لـ الله، هو الحامي، المسكينة ما عندها خيار، هيك ومش قادرة على تأمين احتياجاتهم».

مركز المفوضية في زحلة

أمام مركز المفوضية في زحلة، يقف النازحون مع ساعات الصباح الأولى في صف يطول لأكثر من عشرة أمتار. هناك، لدى كل منهم ما يكفي من الوقت لرواية قصته، أو بالأحرى مأساته. يحصلون اليوم على رقم، وعليهم أن ينتظروا أشهراً قبل أن تعاود المفوّضية الاتصال بهم للحصول على مساعدة وقسائم التغذية.

مجرّد الوقوف هنا، على ما يحمله من انتظار وبهدلة، ليس متاحاً للجميع، إلا للذين حصلوا على موعد للتسجيل والتصوير عبر الهاتف بعدما حالفهم الحظ ورفع الموظفون السمّاعة وردوا عليهم.

يقول محمد، صاحب مكتب لتأجير السيارات في سوريا، وهو اليوم قاطن خيمة في تمنين التحتا، أن لا أحد يساعدهم. اشتغل يومين مع معلم بناء فقال له «خلص ما بقى ترجع يعطيك العافية» من دون أن يدفع له إيجاره.

«الناس ليسوا سواسية»، يقول، مشيراً إلى أنه اشتغل يوماً واحداً في تنظيف حديقة إحدى العائلات فمنحه رب العائلة خمسين دولاراً، فيما أعطته السيدة مواد غذائية بقيمة خمسين ألف ليرة على الأقل.

انتقل محمد إلى الخيمة في تمنين التحتا بعدما رفع صاحب الغرفة في الصويري في البقاع الغربي إيجار غرفته من مئة ألف ليرة إلى أربعمئة ألف «وإذا ما بدك، اخليها ع السريع»، قال له.

بحث محمد عن غرفة أخرى فعرضت عليه إحدى السيدات «بايكة البقر» (حظيرة) وكلها «زبل». تريد أن تؤجره الغرفتين المتسختين بألف وخمسمئة دولار عن ستة أشهر. حمل محمد عائلته والتحق بعمه في تمنين «حلفت عن الإيجارات، الخيمة استر لنا».

بينما كان محمد يبني خيمته جاء احد اللبنانيين ووجه سلاحه إلى صدره وطلب منه مغادرة المكان «مع أن الأرض ليست له». بعد قليل جاء عناصر أمنيون واعتقلوه بتهمة الانتماء إلى الجيش السوري الحر «ولكن شهادات لبنانيين أوادم» دفعتهم إلى إخلاء سبيله. ويشدّد محمد على صفة «لبنانيين» لأنهم «لا يقبلون بشهادة السوري».

يقول محمد إنه سجل في المفوضية منذ سبعة أشهر وها هو يراجعهم للمرة السادسة ليلقى الجواب نفسه «ما عندك رقم، وعم نفتش على ملفك». يؤكد أنهم إذا لم يعثروا على رقمه اليوم فسيرحل ولن يعود أبداً، «لا كرامة للإنسان هنا، ولا سبيل للخروج من هذه الدوامة».

ليس الكل سواسية

تختال الحاجة فوزية في ساحة سعدنايل في البقاع الأوسط فخورة بنفسها «أنا ما استغليت السوريين، اسأليهم». أسكنت الحاجة ثلاث عائلات نازحة في مستودع تملكه. حتى أنها لم تقبل خدمات إحدى السيدات التي عرضت عليها أن تنظف لها منزلها ساعتين في اليوم «خطيّ، فيها تشتغل وتطلع مصاري لياكلوا أولادها بهالوقت».

بالفعل، تعمل ربة الأسرة النازحة في الخدمة في البيوت بمبلغ لا يتجاوز «الألفي ليرة» للساعة الواحدة. أحياناً يدفعون لها عشرة آلاف مقابل أربع ساعات عمل «قطعنا برزق السريلانكيات» تقول هازئة «قالوا لنا إن أجرة السريلانكية كانت خمسة آلاف ع الساعة قبل ما نجي نحن من سوريا». «شر البلية ما يضحك» تقول وهي ترسم ابتسامة صفراء على وجهها الحزين.

لا يكفي مردود عملها لشراء الخبز، فيما تعمل شقيقتها الثانية التي تسكن معها هي وأطفالها الخمسة لتأمين «حليب الأطفال»، وتخصص الثالثة مردودها «للحفاضات». القسائم التي يتلقونها من الأمم المتحدة بالكاد تكفي لتأمين المواد الغذائية على مدار الشهر. «يعني بيكفي أربعين ألف بالشهر للشخص بلبنان؟»، تسأل وهي تعرف الجواب سلفاً.

يعاني الرجال من المنافسة في العمل. يقفون في الساحة أحياناً خمس ساعات ويأتي أرباب العمل ويعرضون أبخس الأسعار. حصل أن عمل زوجها مع «معلم بلاط» لمدة شهر ونصف الشهر. بعدها قال له «روح وما تفرجيني وجهك، وإلا بقوّصك». لم يدفع له قرشاً واحداً، ولم يجرؤ الرجل النازح على العودة إلى بلدة رب عمله «يمكن يقتلني بليلة ما فيها ضو قمر»، قال لزوجته التي كانت تبكي تعبه. تقول السيدة إنها كانت تشفق على العراقيات اللواتي نزحن إلى سوريا «بس صدقي أوضاعهن ما كانت بهالسوء متلنا، ما حلّ بنا أسوأ بكثير مما أصابهن».

يشير رئيس بلدية سعدنايل خليل شحيمي إلى وجود نحو 18 ألف نازح في بلدته. يرى أن ما يحكى عن مساعدات لا يصل منه أكثر من عشرة إلى 15 في المئة إلى النازحين، وأن البلدية تتولى التنسيق في بعض الأمور، «لكن المشاكل متفاقمة على المستويات كافة: أمنياً واجتماعياً ومعيشياً واقتصادياً».

«ليته يرزقهم الرحمة أيضاً»

يشير أحد الموظفين في بلدية المرج في البقاع الغربي إلى وجود نحو 45 في المئة من الأسر في البلدة تتحمّل مسؤوليتها نساء، مؤكداً تسجيل نحو ألف وسبعين عائلة في المرج وحدها «هودي يلي منعرف فيهم». ويعتبر أن نصف المسجلين في البلدية قد سجلتهم الأمم المتحدة.

ليس بعيداً عن البلدية، وفي تجمع تحول إلى ما يشبه المخيم الخاص، يتولى وسام الإجابة عن الأسئلة بالقرب من السيدة الواقفة بقربه. السيدة صماء وزوجها أيضاً، ووسام هو ابن الزوجة الأولى التي تركها والده، وفق ما قال، «لأنها تتكلّم، فتزّوج واحدة خرسا متله، بتفهم عليه أكتر».

تسكن عائلة وسام في غرفة حديد جاهزة، سَقَفها أحد أبناء المرج «بالأترنيت»، وهي تقع ضمن مخيم تجاري لا يبدو أن هناك من يسأل ابن المرج عن قانونية أو شرعية استغلاله.

في «المخيّم»، لا تتجاوز مساحة الغرف الأمتار الستة المربّعة، يقوم الرجل بتأجير كل منها بمئتين وخمسين ألف ليرة في الشهر بعدما اقتطع في داخلها مرحاضاً متراً بمتر.

ومع تزايد عديد النازحين، طوّر الرجل «تجارته» وعمّر غرفاً إسمنتية بمساحة أصغر بمتر عرض ومتر طول عن الأولى. لكنه طوّر التجهيزات، فوضع مجلى «استنلس» صغير بالقرب من باب الحمام، ورفع إيجار الغرفة إلى ثلاثمئة ألف ليرة في الشهر، ومع ذلك «ينتظر النازحون بالدور للحصول على غرفة، وإلا لا خيار إلا قارعة الطريق». يحسب أحد النازحين مردود المالك وفقاً لعدد الغرف ويقول إن مدخوله الشهري لا يقل عن ثمانية آلاف دولار «الله يرزق الناس، ولكن يا ليته يرزقهم شوية رحمة كمان».

يشير أحد أبناء البلدة إلى قيام الرجل نفسه ببناء مخيم آخر بالقرب من «الفيللا» التي يسكنها على بعد خمسمئة متر من المكان. الرجل نفسه، قسّم صالة للأفراح إلى سبع أو ثماني غرف وقام بتأجيرها أيضاً بعدما بنى للنازحين مراحيض مشتركة.

«تحت الدرج»… بالإيجار!

لم تتمكن سميرة من تحمل إيجار غرفة في المخيم الشهير في المرج. بحثت كثيراً عن مأوى قبل أن تسكن تحت الدرج. نعم، تحت الدرج. تقول إن أحد سكان بر إلياس أجّرها غرفة صغيرة تحت الدرج. لا تتسع «كوتها»، كما تسميها، لأكثر من فرشتين. استأجرتها بمئة ألف ليرة لبنانية من دون مرحاض أو مطبخ. تعيش المرأة مع طفلها الصغير بعدما قتل زوجها على الطريق في ريف الرقة. لم تقم سميرة العزاء، دفنه «أبناء الحلال»، وفرّت بوحيدها بعيداً عن النيران.

تعمل «خادمة» كما تقول، لدى عائلتين في المبنى الذي تسكنه، وما زالت «تحفّض» ولدها «هيك حليت مشكلة الحمام بالنسبة له». أما هي فتمتنع عن شرب الماء بعد الساعة الخامسة كي لا تضطر للطرق على باب الجيران خلال الليل. في إحدى الليالي أصيبت بإسهال من البرد فقضت حاجتها في وعاء ونامت مع رضيعها وسط الروائح الكريهة. استفاقت لتجد طفلها مصاباً بحساسية صدرية وضيق في التنفس.

مجدل عنجر: حظنا حلو!

لم تعد مجدل عنجر ومنازلها تستوعب أعداد النازحين التي فاقت الألــــــف وستمئة عائــــلة تقريباً، وفق ما يؤكد رئيس بلديتها سامي العجمي.

يشير العجمي إلى أن هناك نحو ستين في المئة من المقيمين سجلوا مع المفوضية أو هم قيد التسجيل، لافتاً إلى أن المشكلة الكبيرة هي السكن «الناس مش عم تلاقي بيوت، حوّل البعض الكراجات والمحال إلى غرف للإيجار». بالنسبة إليه، الهدر الحاصل في المساعدات والإغاثة غير مقصود «كل محل في مساعدات بيصير في هدر»، ولكن المساعدات بشكل عام والتقديمات لا تكفي أحداً، والسـوريون يسعون «لتحمل مسؤولية أنفسهم».

وبالفعل، تم تحويل المحلات إلى غرف للإيجار ولكن بأسعار تفوق الخيال. على الطريق الدولية لمجدل عنجر لناحية المصنع، تسكن أم شريف مع عائلتها وعائلة ابنتها في محل ببابين. نزحت العائلة من بنش في إدلب ونامت ليالي عدة «هنا وهناك»، تقول وهي تشير إلى الطريق الملتوية نحو الحدود. بعدها عثرت على «هذا المكان».

دفعت مقابل المحل الكبير ثلاثمئة دولار والصغير مئتي دولار. قطعت العائلة المحل بالخشب لتأمين بعض الخصوصية لابنتها وزوجها، فيما تشاركوا مرحاضاً واحداً. يقتصر أثاث المكان على «بطّانيّة» يستعملونها كسجادة وعلى فرشتين في كل غرفة. يحصلون على قسائم غذائية من الأمم المتحدة، وينتـــــــظرون ما يعود بـــــه الصــــهر من بيروت في نهاية كل أسبوع ليجمعوا إيجار المنــزل. يجول الأب كل يوم من محل إلى محل ومن ساحة إلى ساحة ليعثر على عمل يؤمن بعض الاحتياجات. صار أرباب العمل يستفيدون من الطــــفرة الكبيرة في العمال ليفرضوا شروطاً مهينة. بالأمس، قـــــام الرجل بغسل عشر سجادات مقابل عــــــشرين ألف ليرة «بس الحمد لله. كــــتير كان حـــظنا حلو لأنه ما في شغل» تقـــــول أم شريف.

صواريخ على مشاريع القاع

الهرمل ـــ «السفير»

سقطت، بعد ظهر أمس، سبع قذائف صاروخية عيار 107 ملم، في منطقة مشاريع القاع الحدودية اللبنانية، في محيط مزرعة يملكها عزيز رياشي، ومصدرها محلة جب جرار القريبة من مدينة القصير في الداخل السوري.

وقد أسفر سقوط القذائف عن جرح النازحة السورية ريم الخلافي (مواليد العام 1962)، التي نقلت إلى «مستشفى الهرمل الحكومي» للمعالجة. وعلى الفــــور توجهــــت إلى المنطـــقة المستهدفة قــــوة من الجيـــش اللبــــناني، وضــــربت طوقـــــاً أمنـــــياً في المكان، وعمـــلت على إبعــــاد المواطنين، حرصاً على سلامتهم.

من جهة ثانية شنّ الطيران الحربي السوري غارات عدّة، أمس، على منطقة القصير السورية المحاذية للحدود اللبنانية.

وقد شوهدت سحب الدخان تتصاعد من القصير، من داخل الأراضي اللبنانية الحدودية.

درب الجلجلة وصولاً إلى عكار «الآمنة»

سعدى علوه

ينتصف النهار ونائب رئيس بلدية وادي خالد عصام الدويري لا يجد الوقت ليتحدث عن أوضاع منطقته والنازحين فيها. باتت حركة يديه، التي توحي بعدم قدرته على فعل الكثير، تلقائية. يفتح ذراعيه حائراً أمام أعداد النازحين وأطفالهم ونسائهم الذين يقصدونه على مدار الساعة لتدبّر أمورهم.

«لا رأي لمن لا يطاع»، يقول الرجل الذي لا يمون، مع بلديته، على دولار واحد أو حتى فرشة وغطاء، أو علبة حليب أو دواء. يمسك الدويري بالهاتف ويبدأ اتصالاته بمعارفه من بين الجمعيات الكثيرة التي تعمل في الوادي. ينجح أحيانا في تأمين شؤون عائلة، ويخفق في أحيان أخرى كثيرة. لكن لا شيء يهدئ من ثورته ونقمته: «التجارة بالناس قائمة على قدم وساق»، يقول مستنكرا، وهو رجل يوثق معظم ما يدور من حوله.

الأجواء في وادي خالد، بالنسبة لتدفق النازحين السوريين، تذكر بتلك السائدة في عرسال المفتوحة بمرونة ملحوظة على الداخل السوري.

تمسك المنطقتان طرفي «الكماشة» اللبنانية على الشريط المتنوع للقرى المنسحبة من الحدود السورية مع الشمال اللبناني لناحية حمص فالقصير وريفها، إلى الجبال الشرقية وجوسيه المفتوحة على مشاريع القاع وخراج عرسال وجردها.

تأتي خصوصية عرسال من حركتها الزئبقية مع انفتاحها عبر النبك وقارة على الريف الدمشقي أيضا. إذا أغلقت النافذة القصيرية، وخصوصاً مع الحديث عن سيطرة الجيش النظامي على ريف القصير، ومعه جوسيه ومعبرها، تتحرك عرسال لنصرة «إخوتها»، على الأقل في موضوع استقبال النازحين، عبر خراجها المفتوح بأكثر من أربعين كيلومتراً على خط النار السوري المشتعل.

وعليه، هناك في الوادي، كما في الشمال وفي عكّار، الكثير من الآتين عبر البوابة العرسالية. لكن يبدو أن معالم النزوح ووجهته ترسم من الداخل السوري وفقاً للميول والانتماءات والأهواء.

تقول الأرقام الوحيدة الموثقة في مفوضية اللاجئين عن التوزّع الجغرافي للنازحين، إن شمالي لبنان يستقطب العدد الأكبر من العائلات النازحة المسجلة بمعدّل الثلث منهم، أي نحو أربعمئة ألف نازح على الأقل، وعموما لم يسجل في المفوضية أكثر من أربعين في المئة من بينهم.

وعكّار هي المنطقة المقصودة بالدرجة الأولى في الشمال بنسبة تصل إلى نحو ثلاثة أرباع الموجودين شمالاً، إذا ضُمّت المنية والضنية إليها. وفي قلب عكّار، تبرز وادي خالد كبيئة مقصودة.

الوادي المتكئ على ضفة النهر الكبير، فاصله الجغرافي عن سوريا، أصبح كالجزيرة المعزولة بمعبر يتيم هو معبر البقيعة الرسمي الذي يسيطر عليه الجيش السوري مع المنطقة الخلفية القريبة. هناك، لا منفذ حدوديا غير شرعي للنازحين من الأطفال والنساء، وحدود على سعتها معبّدة بالخطورة لغيرهم من المتسللين من الجهتين، مع تزنيرها بالألغام من الجهة السورية. لذلك، يأتي معظم النازحين إلى الشمال إما عبر معبر المصنع الشرعي، وعادة ما يفضل هؤلاء البقاء في البقاع الأوسط تحديداً، وإما عن طريق العبودية في السهل العكاري، وهو معبر رسمي عادة ما يتجنبه النازحون شمالاً، كما البقيعة.

ومع ندرة الآتين من ناحية العريضة المفتوحة على الساحل السوري العلوي (اللاذقية وطرطوس)، يتبين أن عرسال تحتل المرتبة الأولى للخزان النازح شمالاً. ويتخذ هذا المعطى أهميته عند معرفة أن الآتين إلى عرسال لا يمرون على أي معبر شرعي، وبالتالي لا يحملون بطاقات دخول من الأمن العام. وهؤلاء غير مدرجين ضمن رقم النازحين المعترف بهم رسمياً، كما يصعب عليهم الاستفادة من العديد من منظمات الإغاثة التي تطلب أوراق دخول شرعية للتأكد من حداثة الدخول لإثبات النزوح.

هكذا، تزداد هشاشة أوضاع النازحين شمالاً، وبالتحديد إلى المناطق النائية في عكار، وحتى في حلبا والعبدة وببنين والسهل، بالرغم من الحديث الذي لا ينتهي عن الأموال التي تستدر باسمهم، ويقال إنها تصرف عليهم.

وللشمال الفقير ميزة مع نازحيه. فقد فتحت عائلات كثيرة بيوتها للضيوف المثقلين بآلامهم. كثيرون منهم فقدوا شخصاً أو أكثر في المعارك الدائرة في سوريا، وجاؤوا إلى المجهول في لبنان. في المقابل، تستعر نار الإيجارات أيضاً، كلما اقترب النزوح نحو المدن. وعلى مدى السهل العكاري تبدو مجمعات الخيم التي يقولون إنها نُصبت للعمال الزراعيين بداية ثم تحوّلت للنازحين، وبعضها نصب حديثاً.

التجمعات، وبالرغم من حظر إقامتها رسمياً، «لحساسية» الكلمة، تزدهر في عكار «شرط أن لا يتجاوز المخيّم الإحدى والعشرين وحدة سكنية»، وفق التعليمات الأمنية الرسمية. والوحدة السكنية هي خيمة حيناً، وغرفة حديدية جاهزة حيناً آخر، وأخرى خشبية يعمل المجلس الدنمركي للاجئين على اعتمادها حديثاً، في محاولة لتعويض النقص الكبير في المساكن العادية الإسمنتية وبين الناس.

ازدحمت المنطقة بعدما بات يسكن الشقة الواحدة ثلاث عائلات وما فوق. والمركزية نفسها التي تشل الإنماء في لبنان، تبدو معتمدة في عكار، إذ يضطر نازحو المناطق النائية إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المراكز المعتمدة للتسجيل، والحصول على خدمات صحية ومعيشية.

جبل أكروم مثلاً، حيث نحو ألف عائلة نازحة، تفتقر حتى إلى مستوصف واحد. بعض النازحين يستغنون عن الخدمة أحيانا بسبب كلفة المشاوير وكثرتها، بالإضافة إلى البيروقراطية التي تحكم أداء المنظمات الدولية.

وبرغم الصرخة التي يطلقها أهالي عكار في وجه منافسة اليد العاملة السورية في المجالات كافة، ومنها المهرة من أصحاب الصنع والحرفيين، وحتى العمال المياومين، يعجز النازحون، برغم تدني بدل يوم عملهم بقيمة النصف عما كان عليه قبل الأزمة، عن إيجاد عمل دائم. قلة العمل تقلص مداخيل بعض العائلات، وتنعدم عند البعض الآخر، ما يفاقم النزوج المرّ بالأساس، ويفرض ضرورة مضاعفة الجهود المبذولة.

في الشمال الفقير بناسه ونازحيه، لا وجود للدولة كطرف معني بالملف وبالأزمة التي تشي بالتفاقم والمفتوحة على المجهول. تخل رسمي ليس جديداً على منطقة طبعت بالحرمان بالأساس وسط تخل واضح من القوى السياسية التي تعقد لها بعض الولاء.

تنتشر في إحدى مناطق عكار قصة السيدة النازحة التي وصلت لتوّها من ريف القصير، ومعها سبعة أطفال بعدما قتل بكرها في المعارك، ونسيت طفلة من أطفالها في عرسال.

مع اشتداد المعارك في سقرجا والقرى المحيطة، طلب المسلحون من النساء الانسحاب بالأطفال نحو مدينة القصير. حملت أم هيثم (اسم مستعار) سبعة أطفال كبيرهم في الثانية عشرة من عمره، تاركة أربعة شباب مع والدهم يقاتلون في البلدة. صغير الشباب بالكاد أتمّ عامه الخامس عشر. ما إن وصلت السيدة الخمسينية إلى القصير حتى اتصل بها زوجها يبلغها بإصابة ابنها البكر. حدد لها اسم المستشفى الذي حمل إليه وطلب منها أن تذهب لزيارته مع إخوته. بعد ساعتين، عرفت المرأة أن زوجها كان يريد من العائلة توديع ابنه.

في طريقها إلى المستشفى، اتصل زوجها وطلب منها الذهاب إلى عرسال، بعدما أبلغها أن ولدها لفظ أنفاسه قبل إسعافه. رجتهم السماح لها برؤيته فقالوا «دفناه في الطريق، لا وقت للوداع والعزاء».

بعد رحلة شاقة على طريق تتكتم عن رواية تفاصيلها، والسير على الأقدام لمدة سبع ساعات في الجـــرود الوعـــرة، وصلت أم هيثم مع أطفالها إلى عرسال حيث أسعفهم الأهالي والنازحون القدامى.

كان عليها أن تتوجه شمالاً عبر بيروت. عند منعطف الطريق المؤدية نحو اللبوة، بوابة عرسال على البقاع الشمالي، لحقت بأم هيثم سيارة مسرعة طالبة من السائق التوقف. مع توقف السيارة، نزل رجل ممسكاً بطفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها، هي طفلتها. نسيت أم هيثم المنكوبة «حنان الصغيرة» في عرسال، تقول وهي تبكي. مضى يومان على لجوء أم هيثم إلى عكار ولم تكن قد حصلت على فرشة أو حتى غطاء أو حبة أرز لها ولأولادها السبعة. وحدهم الأهالي أطعموها ما تيسر، حنوا عليها بفرشتين، وقالوا لها «تدبري أمرك» بعدما تبرع أحدهم بإيوائها مؤقتاً.

يتم من الجهتين

عندما تروي قصة أم هيثم أو أي قصة عن عائلة نازحة ينام أطفالها ببطون خاوية، ينادي نائب رئيس بلدية وادي خالد عصام الدويري على أحد تجار البلدة ليدلي بدلوه. يطلب الدويري من التاجر رواية ما حصل معه كدليل على بعض أعمال النهب التي ترتكب باسم النازحين، ومن «قبل أناس ائتمنوا على إغاثتهم» كما يقول.

«عند منتصف ليل أحد الأيام طرق أحدهم بابي» يروي الرجل. عرض الزائر على التاجر ستين كرتونة إعاشة بخمسة وثلاثين ألف ليرة للواحدة. فتح الرجل الكرتونة ليطلع على محتوياتها وقدر ثمنها بخمسين دولاراً «كانت حصة غذائية ممتازة»، كما يصفها. اشترى الحصص الستين وباعها كما هي بخمسين ألفا للكرتونة الكاملة. بعض النازحين اشتروا من الحصص التي كان من المفترض أنها لهم. والزائر – البائع لم يكن إلا أحد المعتمدين لتوزيع الإعاشات على النازحين.

همّ النازحين وتأمين احتياجاتهم ومآسيهم التي أنتجت جواً من الكآية والحزن في المنطقة، ليس الوحيد. أبناء وادي خالد أنفسهم ساءت أوضاعهم أكثر من ضيوفهم الذين يجدون في كثير من الأحيان بعض العون «وإن كان غير كاف».

يقدر الدويري نسبة البطالة في الوادي بخمسة وتسعين في المئة، وهي نسبة تفرض على الدولة إعلانها منطقة منكوبة بعدما عرفت طوال سنوات خلت «بوادي الذهب».

«مناجم الذهب» أقفلت مع إقفال الحدود وتوقف التجارة الحدودية التي كانت تشكل مصدر دخل الأهالي الوحيد. الوظائف نادرة والزراعة محدودة الدخل وملاك الأراضي قلائل، والأرض لا تنبع مالاً والسماء لا تمطر مدخولاً. واللقمة التي يلهث وراءها نحو 32 ألف نسمة، هم سكان الوادي، وفق دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العام 2011، صارت عصية.

عديد أخوة الحدود والقرابة، وأحياناً الدم، تشمل ثلاثة أرباع أعداد السكان. يلامس عدد النازحين حدود الخمسة وعشرين ألف نسمة تقريباً حتى الآن «والحبل ع الجرار»، وفق ما يؤكده أستاذ المدرسة فايق شحــادة لـ«الســفير».

عندما يرن خلوي الدويري ينبعث من الهاتف نشيد «كلنا للوطن». وطن طالما أدار الظهر تاريخياً لمواطني الوادي الذين لم يحصلوا على حقهم بالجنسية قبل العام 1994، وبمنة وحسابات سياسية وطائفية وحتى مذهبية. جنسية لم تؤثر في حياتهم إلا بإبدال بطاقة «قيد الدرس» بجواز سفر وأرزة، فيما تركت أبواب منطقتهم مفتوحة على سوريا «الوطن الثاني» الذي طالما شكل شريان حياة وتجارة وطبابة وتسوقاً وتعليماً من المدارس إلى الجامعات. تيتم الأهالي من الجهتين اليوم.

يعترض شحادة على تسمية «نازحين»، التي تعني في «علم الجغرافيا»، وهو تخصصه، الانتقال ضمن البلد الواحد «هؤلاء لاجئون، فلماذا الاختباء وراء التسميات»، يقول. «الحبل على الجرار» واقعية أكثر من أي احتمال آخر مع استمرار تدفق النازحين إلى الوادي كلما اشتدت المعارك في سوريا. فبعد سيطرة الجيش النظامي على معظم قرى غربي العاصي في ريف القصير، وصلت إلى الوادي نحو ثلاثمئة عائلة معظم أفرادها هم من النساء والأطـــفال والمصابـــين من الرجال، فيما بـــقي الأصحـــاء هناك للقتال.

عرسال: المعبر

نازحون يرتاحون للوادي من بين كل المناطق اللبنانية المفتوحة أمامهم. يسلكون طريقاً طويلة عبر القصير نحو الجرود المتاخمة لعرسال بوابتهم في رحلة تستغرق أياما أحياناً وفق الوضع على الحدود، وتطول المسافة المقطوعة مشياً على الأقدام لنحو سبع ساعات في الوعر الجردي، وسط المخاطر والنيران والهجمات المتبادلة.

مخاطر وصعوبات دفعت بإحدى النساء إلى ترك طفلين صغيرين من أبنائها في أحد أودية الجرد بعدما عجزت عن حملهما. الطفلان المتروكان وسط صراخهما وبكاء والدتهما وأشقائهما الأكبر سناً أثارا شفقة رفاق الرحلة فاتفقوا على حملهما مداورة، وفق ما يروي أحد الرجال الذي قاد إحدى قوافل اللاجئين.

من عرسال يقصد الهاربون من نيران الاقتتال الداخلي، بيروت برغم قصر الطريق عبر الهرمل. لا يقولون علانية إنهم يتجنبون الهرمل ومحيطها ولكنهم يلمحون إلى ذلك: تعليمات الداخل للنساء المسؤولات بغالبيتهن عن العائلات واضحة «طريق بيروت هي الآمنة»، برغم عدم الحديث عن تعرض أي من النازحين عبر المنطقة للمضايقات أو لأي نوع من الحوادث. لكنه حذر تفرضه هويات الآتين السياسية الذين تركوا رجالهم من عمر 15 عاماً وما فوق في ساحات القتال.

كلفة الرحلة من عرسال إلى بيروت ومنها إلى طرابلس فحلبا والقبيات ووادي خالد أو جبل أكروم وغيرها من جرود عكار، ما لا يقل عن مئتي دولار. بعض السائقين يتحننون عليهم ويتقاضون مئة دولار، أو مئتي ألف ليرة لبنانية.

الوادي الفقير يكاد يكون المنطقة الوحيدة – مع جبل أكروم التي تشاركه الفقر والحرمان – التي فتح سكانها أبوابهم وصدورهم للنازحين وعائلاتهم من دون استغلال. نادراً ما تجد من يؤجر بيته لعائلة نازحة إلا إذا تأمّنت منظمة دولية أو غير حكومية تمنحه بدلاً تشجيعياً يعينه على تحمل العبء. أهالي الوادي يتذمرون من منافسة اليد العاملة السورية ولكنهم لا يتحركون ضدها. «خليها بالقلب تجرح»، يقولون غامزين من زاوية العوز الذي يجمعهم بضيوفهم عامة. عوز يطال العائلات القادمة حديثاً في معظم الأحيان قبل أن تعرف طريقها إلى التسجيل مع الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة الأخرى. عندها يصبح النازح، على معاناته، أفضل حالاً من ابن الأرض الذي لا حول له ولا قوة سوى النزوح بدوره نحو الأعمال المتواضعة في شركات جمع النفايات أو العمالة اليومية في العاصمة وبعض المدن القريبة. النازح نفسه ينطلق مع كل صباح بحثاً عن عمل ببدل منافس، يعتبره على قلته، مسانداً للمساعدات التي ترده.

15 أسرة في بيت واحد

في الجل، أمام منزل محمد العبد الله الحسن في وادي خالد، تجلس الحاجة سكينة على كرسي نقال. السيدة الخمسينية انضمت إلى صفوف ذوي الاحتياجات الخاصة حديثاً، في قريتها سقرجا، في ريف القصير، حين فقدت قدرتها على الكلام والسير.

كانت بالكاد قد خرجت إلى باحة دارها حين أصابه صاروخ ودمر جزءاً منه. وقعت المرأة أرضا ومن يومها عجزت عن الكلام والحركة. «هون ومش هون» تقول كنتها التي اصطحبتها مع أطفالها، فيما بقي رب البيت وشبابه هناك. لا تشكو ولا تبكي، فقط تضع رأسها بين يديها أو تسنده إلى إحداهما وتشرد في من حولها.

من حولها، يتجمع أحفادها مع كنتيها. وصلوا قبل أربعة أيام إلى وادي خالد عبر عرسال فبيروت.

يسكن في بيت الحسن نحو 15 عائلة. المبنى ما زال على جدران حجارة اللبن من دون أبواب ونوافذ ولكنه مسقوف. ساعدهم الطقس الذي تحسن مع بداية الربيع. أربعة أيام، ولم يروا جمعية واحدة تأتيهم بفرشة أو بغطاء. الحسن يجمع من أبناء الوادي ومن منزله وحتى من النازحين بعض الفرش لكي لا ينام الصغار على الأرضية الخشنة «الكبار الله يعينهم».

في البيت نفسه، تسكن أم مع خمسة أطفال بينهم رضيعان. كان صغير العائلة الذي لم يتجاوز شهره العاشر يرضع بعض حليب البقر الذي أتت به الجارة من الوادي. علمت أم خالد أن الرضيع يبكي منذ أربعة أيام بعدما أمضاها على الخبز والشاي، فوعدت أمه بنصف ليتر من الحليب يومياً. طلبت أم خالد من أم الطفل أن تذهب بنفسها لإحضار الحليب «بخجل مرّ بين كل هال جوعانين وأنا مش قادرة اعطيهم نقطة حليب، شو بقدر اعمل، ما بقدر طعمي الكل». تبيع أم خالد اللبن والحليب لتعيل أسرتها بعدما أصبح زوجها عاطلاً من العمل «بتجوع عيلتي إذا ما عملت هيك».

جبل أكروم

تبدو أكروم، لناحية الوظائف، أفضل من الوادي كون العديد من رجالها ينخرطون في السلك العسكري. الجبل القابع على الحدود مع جرود الهرمل، وعلى مرمى حجر من بحيرة قطينة المتاخمة للأوتوستراد الساحلي من حمص نحو اللاذقية، يفتقر حتى لمستوصف واحد، ومع ذلك لا يبخل أهله على النازحين بما تيسر من العون. نحو ألف عائلة نازحة في قرى الجبل السبع، ومعهم الأهالي، لا يستحقون، على ما يبدو، ومن كل الأموال التي تتدفق باسمهم، إقامة مستوصف واحد يجنبهم الانتقال إلى القبيات الواقعة على بعد نحو نصف ساعة بالسيارة للتطبب، بسبب أي عارض صحي، حتى ولو كان عرضياً.

تقول السيدة التي وصلت منذ يومين إلى حلواص في أسفل أكروم لناحية الحدود السورية، إن لديها خمسة أطفال. تهمس جارتها طالبة إعادة السؤال، وتعود السيدة لتؤكد أنها أم لخمسة أطفال. تطلب جارتها تعداد أسماء أولادها فتعد «محمد وحمزة وغسان ومريم وبثينة». «وأنا يمه مش إبنك» يقول ابن السنوات العشر الذي يجلس بالقرب من والدته. ليس تفصيلاً أن تنسى أم عدد أولادها في خضم المعاناة.

أجهشت أم محمد بالبكاء وهي تضم كبيرها إلى صدرها: «سامحني يمه ما تزعل». لم تكن الأيام الأربعة الماضية سهلة على المرأة التي هربت بأطفالها الستة بعدما أصيب زوجها من دون أن تعرف شيئاً عن مصيره. طلب منها، مع اشتداد المعارك في ريف القصير، أن تأخذ الأطفال وتقصد المدينة سيراً على الأقدام. في القصير طلب منها «الشباب»، كما تصفهم، التوجه نحو عرسال عبر الجرود. من الحدود إلى عرسال مشت مع ستة أطفال ما لا يقل عن سبع ساعات. بعضهم وصل حافي القدمين. «خفافتها» نفسها تمزقت فأعطتها عرسالية حذاء كبيراً على مقاس قدميها ولكنــها شكرتــها وانتعلته. من عرسال جاءت إلى أكروم عبر بيروت.

في حلواص تسكن السيدة في منزل أبو حسن دياب مع نحو مئتي نفر آخرين. أبو حسن وجيرانه حاولوا تأمين بعض الاحتياجات لهم، ولكن من لديه القدرة على إطعام مئتي نسمة لم يتذوقوا الطعام منذ يومين؟

أحد الصغار يصرخ ويصرخ من الجوع، فتذهب جارة أبو حسن إلى منزلها وتأتيه بنصف رغيف. يلتهم الصغير الخبز ويتوقف عن البكاء. بدا جائعاً أكثر من قدرة أي طفل على تحمل الجوع. يتصل أبو حسن ومختار أكروم عاطف أبو علي بالجمعيات من كل حدب وصوب ليؤمنوا احتياجات العائلات المقيمة والأخرى الوافدة حديثاً.

يقول المختار إن معاناة النازحين اللبنانيين من سوريا كبيرة أيضا، إذ في الجبل نحو 25 عائلة لا تستفيد من مساعدات المفوضية ولا يسأل عنهم أحد.

نزح هؤلاء من البويت والهيت والبرهانية، وهي من بين قرى سورية الأرض، لبنانية السكان. يشرح المختار عن معاناة النازحين الذين يحصل المسجلون من بينهم على قسائم غذائية فقط، «أما العناية الصحية فحدث بلا حرج».

يسحب المختار ملفاً لطفل نازح يحتاج لعملية في القرنية بسبب إصابته بشلف حديد في عينه. يفيد التقرير الطبي بضرورة إجراء العملية بشكل طارئ ومع ذلك رفضت المفوصية تغطية الكلفة.

«مخيم الجرب»

تقول السيدة التي كانت منهمكة في تنظيف خيمتها وتعقيمها إنه تصح تسمية تجمع الخيم الذي تسكنه في حلبا بـ«مخيم الجرب». معظم الموجودين في المخيم ينشغلون في حك أجسادهم فيما انتشرت الحبوب الحمراء في أجسادهم. المنظمات الدولية، وتلك المحلية الشريكة، لم تزرهم ولم يمدهم أحد بالدواء. تعقم السيدة خيمتها في محاولة يائسة منها لتجنيب عائلتها العدوى. يلتـــزم أولادها بالخيمة وتتجنب هي الاحتكاك بالآخرين ولكن إلى متى؟ «أكيد رح نجرب اليوم أو بكرا»، تؤكد.

السيدة المسنة التي تدخن بشراهة أمام خيمتها عند الصباح الباكر «جربانة» أيضاً. تهدم منزل شرادة الهمام في معرة النعمان على أغراضها وكانت خارجه فنزحت من دون هوية. رفض موظفو المنظمات «الشفافة» تسجيلها بذريعة عدم وجود إثبات على جنسيتها السورية. تفتح السيدة كيس خبز معفن تقتات منه «هو كل ما أملك» مبررة عدم رميه.

يتحنن سكان الخيم المعوزون عليها «صحن عدس من هون وصحن أرز من هونيك»، لكي لا تمــوت بينهــم من الجــوع «ساعتها وين منروح من ربنا»، يقولون.

قتيل لبناني ـ أوسترالي في القصير

أفادت معلومات أمنية («السفير») عن مقتل شخص لبناني يحمل الجنسية الأوسترالية داخل مدينة القصير السورية. وذكرت هذه المعلومات أن «القتيل غادر مع مجموعة إسلامية أوسترالية قبل نحو ثمانية أشهر، وقد قتل قبل أيام ودفن في القصير، وهو من قضاء الضنية في شمال لبنان».

ألمانيا فتحت باب الهجرة.. لم تفتحه؟

مع الشعور بالاضطهاد، يلجأ عدد من المسيحيين السوريين إلى السفر عن طريق «التهريب» إلى دول غربية. وللعملية أربابها ممن يزوّرون بطاقات السفر والهويات وما إليه، ويتقاضون مقابل ذلك آلاف الدولارات.

يعتقد المسيحيون أن المجهول الذي ينتظرهم في تلك البلاد أفضل من الحياة في وطنهم الأم، وأنها بالتأكيد أحسن من النزوح إلى لبنان حيث يقعون فريسة نظام ليبرالي حرّ لم يعتادوا عليه أبداً.

وإذا كانت قلّة قليلة تلجأ إلى هذا الحل «كونهم لا يحبون أن يعاملوا كفئة ثالثة في المجتمع» على ما يفيد ناشط اجتماعي في هذا المجال، ينتظر الكثير منهم أن تفتح السفارات الغربية أبوابها لهم.

تداول عدد من السياسيين كما عدد من وسائل الإعلام والمفوضية نفسها أن ألمانيا مستعدّة لاستقبال خمسة آلاف نازح سوري، من مسيحيين ومسلمين.

وبدأ حراك رسمي، أفصح عنه الوزير وائل أبو فاعور، لتفضيل هجرة المسلمين على المسيحيين للإبقاء على التوازن في المنطقة.

في اتصال مع «السفير»، نفى مصدر نافذ في السفارة أن تكون ألمانيا قد أعلنت رسمياً عن نية استقبالها لهذا العدد من النازحين. وأكّد أن الموضوع لم يخرج عن نطاق السجال بين الأحزاب السياسية في البلاد. لكنّه أشار في الوقت نفسه أن أي قرار سوف تتخذه بلاده من الممكن أن ينسحب على دول أوروبية أخرى بفعل الشراكة في ما بينها ضمن «الاتحاد أوروبي».

في المقابل، وصل إلى إحدى الجمعيات الدينية، من شركائها في ألمانيا، بريد إلكتروني، يطلب ترشيح عدد من النازحين لاستقبالهم كمهاجرين إلى ألمانيا، وذُيَل بعبارة: «مع تفضيل المسيحيين».

القلب للشرق والعقل للغرب؟

يتحدث زياد، وهو مهندس زراعي مختصّ في تكنولوجيا الأغذية، بإسهاب عن الخوف من العودة إلى سوريا وعن الخوف من القرارات الجماعية التي يمكن أن تشمل المسيحيين. يقول: «بالأمس كان هاجسنا الأمن وحماية أنفسنا، اليوم أضحى هاجسنا المحافظة على كرامتنا».

ساهم زياد بتطوير أحد عشر مصنعاً غذائياً في سوريا بينما كان يعمل كمدير عام لإحدى الشركات. نزح إلى لبنان مع زوجته وابنه وابنته مع اشتداد القصف على مدينة حلب. استأجر منزلاً متواضعاً بـ650 دولاراً في ضواحي العاصمة الشمالية، وأمضى ثمانية أشهر من دون عمل قضت على كل مدخراته. لم يفكّر يوماً باللجوء إلى أي من الجمعيات أو المرجعيات للحصول على عينات غذائية أو مساعدة مالية، فهو أمر صعب عليه «كمهندس»، بل حاول العمل لكسب لقمة العيش وكان أن توظّف في منشرة للخشب. يسأل، من «ساهم في تجهيز معامل في حلب، لا يجوز أن يسكن في خيمة في لبنان؟»

لحظ من خلال تواصله مع غيره من النازحين المسيحيين، أنهم حتى لو قرروا الاستفادة من دعم إحدى الجمعيات أو المرجعيات، فإنهم لن يقعوا على واحدة تعيلهم بشكل منتظم. وأشار إلى أن ما يقدّم «ليس سوى عيّنات ضئيلة من الأغذية توفرها إحدى الجمعيات وفق ما يأتيها من تبرعات».

تمكن زياد أخيراً، بفضل شبكة من العلاقات، من الحصول على وظيفة في مصنع للأغذية «براتب أدنى بكثير من المفروض أن يكون، لكن على الأقل هو راتب يحفظ كرامتي وكرامة عائلتي».

يروي أن النازحين المسيحيين من سوريا ينتمون إلى مختلف الطبقات الاجتماعية، ويظّن أنه يسهل على الفقراء ترك مناطقهم أكثر من متوسطي الدخل والأغنياء لأنهم من غير المتملكين فيها. هكذا، كان عليه أن يفكّر طويلاً قبل أن يختار بين ما يملكه، وبين مستقبله. وحين اختار المستقبل، نزح إلى لبنان، وفيه توجّه مباشرة إلى إحدى السفارات طالباً الهجرة «لكن تبيّن لي أن المجال ليس مفتوحاً أمام السوريين عموماً وأن فرصة الانتقال إلى بلد غربي لا تتوفر إلا عن طريق التهريب مقابل آلاف الدولارات»، مضيفاً أن «التجارة ناشطة جداً على هذا الصعيد، لكن إذا كان العرض متوفراً فمعنى ذلك أن ما من أحد يرصد الطلب».

يجزم زياد أنه لو توقف القصف في سوريا اليوم لن يعود إليها قبل ثلاث سنوات، «لأن إخماد النار ووقف حمام الدم لا يعني أبداً استعادة الأمن والآمان». وبرأيه، سيحذو عدد من الصناعيين السوريين، وتحديداً الحلبيين، حذوه لأنهم سينقلون صناعاتهم إلى لبنان وفي هذه الحال لن يعاودوا إقفالها قبل خمس سنوات وإلا خسروا أموالهم».

لا يرضى أن يسمي لبنان وطنه البديل ولو أنه يؤمن بالمثل القائل: «مطرح ما بترزق الزق». ويصرّ على أن الأيام المقبلة سوف تبرهن للبنانيين أن وجود السوريين في وطنهم نعمة وليس نقمة، «فهم سينقلون أعمالهم إليه وسينفقون ما يجنونه فيه وسيضيفون إلى نسبة الطلب على كل ما يتعلّق بالأكل والشرب واللباس بينما عرض السوق ما زال نفسه». ويطالب بتظهير ذلك إعلامياً، «بدلاً من رصدهم من خلال تعداد الجرائم فقط».

لا للمنظمات والجمعيات

خلف المصعد في إحدى مباني منطقة الجديدة، باب صغير تصدر منه أصوات أطفال يتشاجرون ويضحكون، وروائح طبخ… يفتح على غرفة ضيّقة تسكن فيها عائلة نازحة مؤلفة من أب وأم وأربعة أطفال. فيها سرير واحد وفرن غاز صغير وستارة يختفي خلفها شيء يشبه الحمّام. هي في الأصل غرفة ناطور البناية، لكنّها اليوم بيت عائلة يوسف النازح من القامشلي حيث كان يعمل سائق أجرة.

أمضت العائلة أسبوعا واحدا في المنزل الصيفي لأحد الأصدقاء، قبل أن يستأجر الأب تلك الغرفة بمئتي دولار لا يدفعها مباشرة، بل يقوم كمقايضة بأعمال الناطور، فيما تقوم الزوجة بتنظيف عدد من منازل المبنى ومكاتبه. وهي، مقابل ساعة العمل تتقاضى خمسة آلاف ليرة لبنانية. تعرف أن العاملات الآسيويات والإفريقيات يتقاضين أكثر منها. لكن، مثلما قالت إحدى القاطنات في المبنى «خمسة آلاف لبناني بتعمل كتير بالسوري»، وقد غاب عن بالها، عن قصد أو غير قصد، أن العائلة تصرف ما تتقاضاه في لبنان.

حاول يوسف العمل كسائق لإحدى سيارات الأجرة، بعدما احترقت بفعل القصف في سوريا. لم يقع على من يرأف به، فمالكو الأرقام الحمراء في لبنان أرادوا ردّ الصاع صاعين لمنافسيهم السوريين وقرروا أن يعطوه شيئاً زهيداً مما يجنيه يومياً مقابل العمل. عدل عن الفكرة وهو اليوم رهن طلب أحد متعهدي البناء الذي يتواصل معه كل أسبوعين مرة للمساعدة في إحدى الورش.

تعتمد العائلة أساسا، على الأجر الـذي تتـقاضاه الإبنـة البكـر التي لا يزيـد عمـرها عن خـمس عـشرة سنة، والتي تتقاضى نحو مئتين وخمسين دولاراً مقابل عملها كبائعة في أحد محلات الألبسة.

يخاف يوسف من الإجابة عن أسئلة يصفها بـ«الوجودية». ويتأكد قبل الإجابة عن أي سؤال يضعه في هذه الخانة، من أن اسمه لن يذكر إلا مستعاراً. يقول إنه حتى الساعة لا يمكن أن يقرر مصيره ومصير عائلته، ويعلّق مستهزئاً: «نحن ننتظر أن تقرر أميركا ذلك». ما هو متأكّد منه هو أن إقامته في لبنان ليست دائمة وأنه يفضّل الهجرة إلى أي بلد أجنبي غربي. لذلك ينوي جمع المال للهجرة من خلال عملية تهريب «ولو تكلّفت آلاف الدولارات».

مع أن العائلة تنام «بداومين» أي، ثلاثة أشخاص في الصباح وثلاثة في المساء بسبب ضيق المكان. ومع أنه في غالبية الأيام لا تتوافر لديها ثلاث وجبات كما هو مفروض، يشير يوسف إلى أنه من المستحيل أن يتقدّم بطلب للمساعدة من أي من المنظمات أو الجمعيات ذات الصلة. وله مع إحداها تجربة مريرة، جعلته يوقّع على بطاقة انتساب إليها وأنه تقاضى مبلغ مئتي دولار، لم يصله منها فعلياً إلّا خمسين. بالإضافة إلى ذلك، حاول صاحب تلك الجمعية إجبار الابنة العاملة على تقديم شهادة حيّة في أحد المؤتمرات وتلفيق رواية بأنها تعرّضت لتحرش جنسي لكسب مزيد من التمويل على أساس رصده للمتابعة النفسية للنازحين. لكنها رفضت وهددته بالتبليغ عنه.

ويرفض يوسف رفضاً شديداً اللجوء إلى تقديمات «المفوضية العليا للاجئين» فبرأيه «سـوف تقــدّم معلومـات عنّا إلى جهـــات لا نريدها، حتى ولو كان ذلك لتوطيننا في مكان آخر». فعلياً، هو يخاف من أن يُحسب كمؤيد للثورة والثوّار، وهذا ما يقوله بطريقة غير مباشرة.

وإلى أن تهاجر العائلة، سوف تبقى الابنة على عملها كونها المعيل الأساسي لها. وسيبقى أشقاؤها، وأصغرهم في الثامنة من دون مدرسة، يلهون في بهو المبنى. وستبقى الأسرة تتكل على فتات تجنيه من عرق جبينها «بانتظار الفرج أو أي مخطط شرق أوسطي يفرض علينا» كما يقول يوسف.

الأثرياء ولعبة الأمم

يعتبر جورج أنه بسكنه في شقة، ولو كانت في الأشرفية، وإجبار الأولاد على ترك مدرستهم في الشام وتخلّيهم عن ألعابهم وبيتهم المؤلف من ثلاث طبقات، هو بحدّ ذاته تضحية وتنازل كبير عن حق ابنته وابنيه. ويصرّ على أن الأولاد تأثروا نفسياً بهذا «التراجع» الذي اضطرّ الوالد إلى جرّهم إليه. ويعلّل: « الأولاد هم الأهم في الدنيا، وما ذنبهم أن يحملوا آثار الحرب».

التراجع الذي يتحدّث عنه صاحب معملين للمشروب في سوريا وثالث في هولندا ورابع في الدنمارك، هو السكن في شقة يبلغ إيجارها أربعة آلاف وخمسئة دولار شهرياً. وقد مضى على سكنه فيها سنة وشهرين.

يروي جورج أن «جماعة من الأتراك» سرقت أحد معامله في حلب، بعد تعرّضه للقصف، وأنه لولا أعماله في أوروبا لكان اليوم «في الحضيض» كما حدث مع صناعيين آخرين زملاء له.

يخطط اليوم للانتقال للعيش في بلد أوروبي، ويدرس الأفضل من بين تلك البلدان، فقلبه يحنّ إلى فرنسا «لكن الأعمال بعيدة عنها».

لا ينوي العودة إلى سوريا على الأقل قبل أن ينتهي الأولاد من تحصيلهم الجامعي، أي فعلياً قبل عشرين سنة كون ابنته البكر في السابعة من العمر، «وهذا طبعاً إن هدأت الأحوال في الوطن».

هو لا يرى أن هناك مخططاً لتهجير المسيحيين من الشرق، «إنهم فقط ليسوا بالحسبان». لا بل يظنّ أنهم حاجة ماسة على الأقل للدول الخليجية، «بمعنى حاجة سياحية وترفيهية». من هنا، لا يعترف بضرورة «التكاتف» كمسيحيين، و«الأفضل أن يقوم كل منا بحماية نفسه والعمل على الخروج من الأزمة السورية بأقل أضرار ممكنة على جميع الأصعدة».

حتى أنه لا يخجل من المجاهرة بأنه لم يقدّم ولو فلساً واحداً لأي من النازحين السوريين، ويعلّل ذلك بأن إعانتهم وإغاثتهم هي مسؤولية المنظمات الدولية، «كما هي في الأصل مسؤولية البلدان التي أرادت الحرب في سوريا».

لجورج شقيق سيفتتح مصنعاً للقطنيات في لبنان، ومن الممكن أن يستقرّ فيه. مما يعني، بحسب الثري السوري، أن العائلة سوف تشهد تشرذماً، كون جزء منها سيستقر في لبنان وجزء آخر سيهاجر إلى أوروبا، وسيكون على والديهما أن يختارا بين المكانين. وهكذا، لن يبقى من أثر العائلة في حلب إلا أراض شاسعة ستقرر وجهة البلاد السياسية مصيرها.

«المسيحيون»: من دون خطيئة نُرجم بحجر

مادونا سمعان

لم يكن خطف مطراني حلب بولس اليازجي ويوحنا إبراهيم في سوريا منذ أكثر من أسبوع هو السبب الرئيسي لعزم عدد من السوريين المسيحيين النازحين إلى لبنان على البقاء فيه، والمحاولة بشتى الوسائل للحصول على تأشيرة هجرة إلى أي دولة أجنبية غربية.

فالحادثة لم تشكّل أكثر من دليل دامغ على «صوابية» قرارهم بـ«اللاعودة» إلى الديار، وقد قرنت الشكّ باليقين بأنهم مجموعة لم يعد مرحّبا بها، من قبل «صنّاع» الثورة وأطراف النزاع.

في العلن، يتحدث السوريون المسيحيون عن الهاجس الأمني، فيلقون عليه اللوم بوصفه سبب النزوح والهروب وطلب الهجرة. أما في السرّ، فهم يتهيّبون من «حكم سلفي أصولي» لا يعترف بشريك آخر لا في الوطن ولا في المستقبل العام للمنطقة.

أمّا الشراكة بالحكم، فهي حلم تخلوا عنه منذ زمن، ولو أنهم يذكرون، بين الحين والآخر، أنهم سكان الأرض الأصليون الذين لم يتركوا بلادهم لا مع ولادة الإسلام ولا مع نشوء أي من الحروب التي خبرتها المنطقة على امتداد التاريخ.

لكن الوضع يختلف اليوم مع ما عايشوه من قتل ودمار، وهو ما جعل المسافة بين لبنان الذي نزحوا إليه ووطنهم سوريا أبعد من المسافة بين لبنان وأي بلد آخر. حتى ولو كان عدد قليل منهم يعرب عن نيّته العودة، فإن الشروط التي يفصح عن بعضها ويخاف من البوح عن بعضها الآخر، تكاد تكون تعجيزية بالمقارنة مع النيّة الشديدة والمحاولات المتكررة، التي لم يستسلموا أمام فشلها، للهجرة بعيداً.

من غير المعروف بعد إن كان المسيحيون السوريون هم من أحكموا الحصار على أنفسهم، فأقفلوا باب العودة إلى سوريا بينما أبواب البلاد الغربية موصدة بوجوههم. هكذا، لم يعد من مكان يلجأون إليه سوى لبنان، وقد بات أشبه بسجن بالنسبة إليهم، يلهثون فيه وراء لقمة العيش ويختبئون في قراه ومدنه، ليس فقط من أذرع الجزارين في سوريا، بل أيضاً من أي إحصاء قد يشملهم.

لهذا السبب، كما لأسباب أخرى، لا يصل إلى هؤلاء النازحين عينات الإغاثة بشكل منتظم وكاف، بينما يقعون في بعض الأحيان فريسة بعض الجمعيات والمنظمات الأهلية الطائفية، فتستجدي التمويل باسمهم من دون أن تعمد، بالضرورة، إلى مساعدتهم.

حتى الساعة، لم تعمد الكنائس، لا الشرقية ولا الغربية، إلى إعانة النازحين المسيحيين بشكل منهجي ومنتظم، فلم تشرّع لهم أبواب أديارها، ولم تقدّم لهم شيئاً من محصول حقولها. لم تشملهم إلا بخطابات تذكّر بضرورة الحفاظ على المسيحية المشرقية وعلى شرق متنوّع، أتت على لسان رؤسائها.

ربما تنتظر الكنائس أن تكتمل صورة الشرق الأوسط الجديد التي يرسمها الغرب. لكن المؤكد هو أن المسيحيين باتوا يدركون أن الدور الذي ظنوا طويلاً أنهم مؤتمنون عليه لبث روح التغيير في المنطقة وإرساء الديمقراطية، سبقتهم إليه جهات أخرى هبّت رياحها بما لا تشتهيه سفنهم.

ما من جهة في لبنان تملك رقماً دقيقاً أو شاملاً حول أعداد النازحين السوريين المسيحيين فيه (يبلغ عدد المسيحيين في سوريا نحو مليونين من أصل 23 مليون نسمة). ففي «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين» تسجّل 2777 نازحا مسيحيا، يشكلون 0.9 في المئة من مجموع النازحين السوريين. تعرف المفوضية أن الجزء الأكبر منهم غير مسجّل لديها. وتقدّر «الرابطة السريانية» عدد النازحين المسيحيين من سوريا بنحو عشرة آلاف، يعيش عدد قليل منهم في أديار أو تجمعات صغيرة، بينما ينتشر معظمهم في المدن والقرى حيث استأجروا منازل أو يقيمون لدى أقارب لهم.

نزح المسيحيون من حلب وجوارها، فيما هرب عدد أقل منهم من دمشق ومحيطها. وهم، على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، يعتبرون أن إقامتهم في لبنان ستطول، لأن العودة إلى سوريا مرهونة بوقف القتال وإعادة إعمار البلاد. وبينما يضعون الهجرة نصب أعينهم، يحاول عدد كبير منهم العمل في لبنان، فيما قلوبهم تتأرجح بين تصفية الأعمال وبيع الأملاك في سوريا وبين المحفاظة عليها. وهم في ذلك يحاولون «الاستفادة» من تجربة المسيحيين العراقيين والأقباط في مصر متخوّفين من «استكمال عملية التطهير» في المنطقة، وفق ما يقوله أحدهم.

تشبه حالهم اليوم حال القديسة بربارة التي هربت متخفيّة في الحقول والبراري خوفاً من عقاب أبيها الوثني. وهم يرتدون اليوم أقنعة يحاولون من خلالها إخفاء الكثير من الحقائق والمخاوف. يبدّلون أسماءهم أولاً، فلا يفصحون عنها، ويرفضون الحديث في السياسة. حتى قصة نزوحهم يخضعونها لمقصّ الرقابة الذاتية وهم يرغبون بتقرير مصائرهم كأفراد وليس كجماعة، متخوفين من أن تفرض عليهم خيارات جماعية لا يريدونها، مثل التوطين أو اللجوء السياسي.

طبقات وخيارات

هربت غالبية المسيحيين من سوريا بسبب استهداف مناطقهم مباشرة، على ما يقوله ابن حلب تيودوروس، أما الآخرون فمكثوا في مناطقهم «بانتظار القرارات الكبيرة». والقرارات الكبيرة، بالنسبة للمسيحيين، هي تلك التي يمكن أن تؤدي إلى تهجيرهم من البلاد العربية على غرار مسيحيي العراق ومصر (وإن بدرجة أقلّ)، وأنهم لم يتلمسوا استهدافاً مباشراً لهم بعد.

نزح إلى لبنان من طاوله القصف، فقضى على منزل أو مكان عمل أو مدرسة… حلّ بعضهم ضيوفاً لدى أقارب وأصدقاء في البداية، لتختلف مصائرهم وتتبدل وفق واقع الحال المادي، الذي حدّد لهم في الأصل إمكان النزوح إلى لبنان أو البقاء وتحمّل المخاطر الأمنية.

يقول الدكتور ريمون، وهو طبيب متخصص في الجهاز الهضمي نازح من حلب إلى بيروت، أن فقراء الحال ليس لديهم الخيار وهم عاجزون عن النزوح بسبب الكلفة المادية. رأي لا يوافقه عليه الجميع على أساس أن الأملاك، من أراض وعقارات وغيرها، هي في الغالب ما يجعل مسألة ترك الوطن صعبة.

لكن الخوف المسيحي جعلهم بمنأى عن هذه المعوقات، فلا الماديات أخرّت من نزوح الفقراء ولا الأملاك والأشغال أبقت متوسطي الحال والأغنياء في مناطقهم، مفضلين الأعناق على الأرزاق.

ففي لبنان مسيحيون فقراء يبحثون عن لقمة عيش فلا يلقونها لا من خلال جهة دينية، ولا من خلال ربّ عمل جديد. بل هم يعيشون كل يوم بيومه، وجلّ ما يرجونه أن يعطيهم خبزهم كفاف يومهم، وأن ينجّهم الربّ من الشرير.

تروي وفاء أنها لم تحصل على خبزها ولا نجت من الشرير، لأن بكاء ليلى، طفلتها الصغيرة التي لم تكمل شهرها الثامن، لم يلق آذاناً صاغية ولا قلوباً ترأف بها. فأمها التي ما زالت تبحث عن عمل بعد موت زوجها في سوريا، تنقّلت بين سبعة أماكن قبل أن تلجأ إلى دير في كسروان. حاول رجال لبنانيون وسوريون التحرّش بها ، وكادت طفلتها تسرق منها لولا تدخّل أحد المارة في سوق جونيه. هو اقتادها إلى ذاك الدير وهي اليوم تعيش بحسب ما توفره لها إحدى الجمعيات. إلا أن كلّ ذلك لا يقيها الغضب من المصير المجهول والمستقبل الذي لم تعد تملك حتى القدرة على التخطيط له.

في المقابل، هناك نازحون مسيحيون قصدوا الفنادق الفخمة ولم يرضوا أن يتنازلوا حتى عن عطورهم، وهم يملكون حق تقرير المصير لأن البلاد الغربية تشرّع لهم الأبواب لاسيما إن حملوا إليها أعمالهم.

«أبعدوا شبح المفوضية»

تفصح المسؤولة الإعلامية في المفوضية دانا سليمان، أن فريق العمل يتواصل مع عدد من المطارنة والرهبان لحثّ النازحين المسيحيين على التسجيل لديها. تدرك أنهم «يخافون من أن يؤخذ هذا التسجيل كانتماء سياسي معيّن. لكن من الضرورة أن نصل إلى الأكثر حاجة منهم».

بالنسبة إليهم، ليس ذلك سبباً مقنعاً. يقول وائل، الأربعيني والأب لولدين: «أشارت المفوضية إلى انه لا أموال لديها تكفي لإغاثة النازحين السوريين عبر بيان صادر عنها، فكيف تركض وراءنا. هل فقط لأخذ معلومات عنا لبيعها لجهات نافذة؟ وطالما ليس هناك من تمويل فلماذا نلجأ إليها وننتظر أشهرا لكسب كيس أرز وكيس سكّر؟»

وائل، على غرار الشابة بانا، يرفض أن تعمد المفوضية إلى إعادة توطينهم في بلدان تختارها هي بحسب الطلب والكوتا، تماماً كما يرفضان أن تتحول طلبات الهجرة التي يتقدم بها المسيحيون إلى السفارات، إلى طلبات للجوء سياسي.

يحاول المسيحيون التمركز في المناطق اللبنانية المسيحية، وكان لزحلة والمتن وكسروان وبيروت حصّة الأسد منهم. قصدت غالبية المحتاجين منهم المطرانيات والجمعيات الدينية لنيل المساعدات فحصلوا على جزء زهيد «لم تستطع تلك الجهات تأمين أكثر منها».

سمع عدد كبير منهم بنشاط «منظمة كاريتاس» ليدركوا أن هذا النشاط مرتبط بفعل الشراكة بعمل المفوضية. يقول رئيس «كاريتاس» في لبنان الأب سيمون فضّول أن من ساعدتهم مؤسسته، بالشراكة مع المفّوضية، «هم 92 في المئة من المسلمين و4 في المئة من المسيحيين و2 في المئة مما يعرف بمختلف».

يضع فضول اللوم بداية على المسيحيين غير المسجلين في عدم وصول المساعدات إليهم، مؤكداً أنّ كاريتاس منظمة إنسانية ولا تعمل وفق الأديان.

ومن الجهات القليلة التي تعمل لإغاثة المسيحيين تحديداً، منظمة رفضت ذكر اسمها أشارت إلى أنها تواصلت مع الجهات المانحة من خلال تقديم خطة إغاثة لمدة ستة أشهر، وبفضل التمويل تقوم بمساعدة نحو ألف عائلة مسيحية. غير أن القيّمين على المنظمة لا يعرفون ماذا سيحّل بهؤلاء إن لم يتم رصد أموال كافية لضمان استمرارية الإغاثة عند انقضاء الأشهر الستة.

أما الأديار وبعض المطرانيات، فتعيل النازحين وفق ما يتيسّر لها من تبرعات ومن تمويل تحصده من رعاياها في الخارج.

مثلها، تجهد الرابطة السريانية، وجهات من الأشوريين والكلدان، لتشكيل لجنة لمتابعة أوضاع عدد من المسيحيين، إلا أن جهدها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يأتيها من تمويل، وفق ما يقوله رئيس الرابطة حبيب افرام.

إلى ذلك، يسعى عدد من الجمعيات إلى استغلال وضع المسيحيين النازحين، فتعدهم بالمساعدات مقابل التوقيع على طلبات انتساب إليها، ثم تُحفظ الطلبات ولا تأتي المساعدات.

تجدر الإشارة إلى أن السناتور الأميركي فرانك وولف كان قد قام بزيارة إلى كل من مصر ولبنان واستمع إلى هواجس المسيحيين فيهما، لاسيما النازحين السوريين منهم، فاكتشف أن ما تمّ إرساله من أموال عبر جهات خاصة لإغاثة مسيحيين لم يصل إليهم.

بانتظار «الشرق الأوسط الجديد»..

مهما اختلف قول الدول الغربية وفعلها، يجد عدد كبير من المسيحيين النازحين أن الأحداث تدعوهم إلى بناء مستقبلهم بعيداً عن المنطقة. يسترجعون تجربة العراق اولاً، ومن ثم تجربة مصر، ويتوجسون من قيام نظام سوري جديد يقضم ما تبقى لهم من دور في سوريا.

بعضهم يسمي ما يحدث بالاضطهاد ويشير إلى أنه سوف ينتظر في لبنان حتّى اكتمال الصورة الجديدة لـ «لشرق الأوسط الجديد».

يؤكد الأب فضّول أنه لا يمكن الحديث عن اضطهاد للمسيحيين في سوريا، على الرغم من خطف مطرانين وقبلهما ثلاثة رهبان. فالقتل والدمار يطالان الجميع.

في المقابل، يرى إفرام أن الأحداث الجارية تؤدي إلى تهجير المسيحيين من منطقة الشرق. ولكنه لا يؤمن بوجود مخطط يشملهم أو يأخذهم بالحسبان، كونهم لم يعودوا جسراً لتحقيق مصالح الدول الغربية. يقول: «ما من ملف خاص بالمسيحيين، لا على طاولة الأوروبيين ولا على طاولة الأميركيين ولا حتى السعوديين، فنحن لسنا على بال أحد».

إلا أن المفكر الأب ميشال السبع يذهب إلى حدّ الكلام عن انتفاء الدور المسيحي في الشرق. «وقد حافظ المسيحيون على دورهم أولا عبر طرح المشروع القومي العربي مقابل السلاح العثماني، وثانياً من خلال التحول إلى جسر فعلي بين الدول الكبرى الغربية والنفط العربي. لكن مع تحول العلاقة بين الغرب والإسلام إلى علاقة مباشرة، بفضل تطور المدارس الإسلامية، وفشل إسرائيل في استخدام الورقة المسيحية كسلاح في وجه الإسلام، وجدت تل أبيب أن الحل لقبولها كدولة دينية هو العمل على انهيار الأنظمة العربية المعتدلة نسبياً واستبدالها بدويلات بزعامات إسلامية أصولية».

أمام ذلك الواقع يعتبر السبع أن بقاء المسيحيين السوريين مرهون بانتصار الإسلام المعتدل الذي يقبل الآخر».

هنا «سيرياتل»

شوقي الحاج

ينتهز أبوكريم الفرصة ليتسمّر في مكانه من دون حراك بعدما حظي بالنقطة المناسبة المواجهة لشبكة الإرسال السورية. يرفع جواله السوري الذي التقط إشارات واضحة، تمكنه من إجراء المكالمات الهاتفية بأهله وأقاربه واصدقائه هناك، لا لأنه لا يريد استخدام خطه اللبناني، كما يقول، إنما لكون أسعار الاتصال عبر الشبكة اللبنانية مرتفعة جداً إلى حدود لا يمكن تحملها، قياساً بأسعــــار الاتصــــالات على الخطوط السورية، فكيــــف إذا كان المتصل نازحاً لا يمتلك القدرة المادية على الاتــــصال للاطمئنان على أهله ومحبيه؟ يصف أبو كريم هذه البقعة التي لا تــــتجاوز مساحتها خمسمئة متر مربع بمحاذاة الخــــط الرئيسي الذي يربط المرج ببلدة جب جنــــين في نقطة تتوسط مدخـــل حوش الحـــريمة ومركــــز عمر المختار في البقاع الغربي، بالبقعة المــــثالية لالتــــقاط إشـــارات الإرســال عبر «سيرياتل».

ويؤكد أنها تحولت إلى منطقة تضج بالحركة، حيث يقصدها النازحون من كل أنحاء البقاع، وينتشرون على أطرافها وبين جنباتها، لعـــــلّهم يحظـــــون بسمـــــاع أصوات افتــقدوا صــــداها منذ نزوحهم.

أم جعفر التي أعياها التعب قبل أن يلتقط جوالها إشارة الاطمئنان على والدتها في ريف دمشق، لم تستطع حبس دموعها والإجهاش بالبكاء، لدى سماعها، عبر الهاتف السوري، خبر اختطاف إبن أخيها الذي لم يبلغ العشرين بعد، منذ نحو عشرة أيام وما زال مصيره مجهولاً.

أما أم فراس التي قصدت المكان لتطمئن على شقيقتها وأبنائها، فتؤكد أن الجميع يقصدون هذه البقعة بغية التواصل مع الأقارب والأصدقاء والمحبين في سوريا، لأن أسعار الاتصالات عبر الشبكة السورية أرخص بكثير من الأسعار في لبنان، ونحن أوضاعنا تحت الصفر حيث يعمل زوجي في الزراعة مقابل 10 آلاف ليرة يومياً، لا تكفي لإطعام أسرة مكونة من خمسة أطفال.

أما أبو الفوز الذي حمل بطـــــاقات التشريج الســــورية وراح يعــــرضها على الموجــــودين، فيــــقول إن حــــركة بيــــع البطاقات الســـــورية تــــزداد خصــــوصاً في أيام العطل، وعند ارتفاع التــــوترات الأمنية فـــــي الداخـــل السوري، حيـــث الـــكل يريـــد أن يطمـــئن على الأوضـــاع.

ويلفـــــت إلى أن الأمور لا تسير كما يشتهي، خصوصاً عنـــدما تغيب إشارات الإرسال، بحيث يصعب الاتصال وتتراجع حركة البيع. وبالرغم من ذلك لا يــــتردد أبو الفـــوز في الكشف عن أن عمله في بيع البطـــــاقات مكنــــه من توفير بدل مادي يقيه العوز ويــــؤمن لقــــمة العيــــش لأولاده، بعـــدما فشـــل فــي تأمين العمل من لجوئه إلى لبنان.

أرمن بيروت: تكتّم وتعاضد.. واحتقان خفيّ

كارول كرباج

لم تجد سوى القفل حلاً. عجزت إليز (اسم مستعار)، وهي امرأة أرمنية سورية، عن تحييد ابنها، ذي الأعوام الثمانية عشر، عن النزاع الدائر في سوريا، سوى «بحجزه» في غرفة من المنزل، لتمنعه من التنقل.

تبقى الجدران الأربعة، على قساوتها وسط جنون القصف والرصاص، أرحم من الوقوع تحت رحمة مسلحي كل من النظام والمعارضة. فالقفل يمنع تورّط ابنها في الصراع، واحتمال فقدانه.

هكذا اعتقدت. وربما لم تجد وسيلة أخرى لحمايته.

قوى النظام تعتبره في خندقها. وبالتالي، تفرض عليه التجنيد الإجباري والانخراط في النزاع المسلح. وقوى المعارضة تعتبره عدواً رسمياً لها، يستحق الخطف والقتل، لمجرد انه أرمني. «القفل» او العجز عن «النأي بالنفس» دفع إليز إلى «تخبئة» ابنها، ومن ثم الهرب به مع أولادها الثلاثة الآخرين في 12 كانون الأول الماضي من قرية الشيخ مقصود إلى بيروت. علمت إليز أنه لم يبقَ من منزلها هناك ومعه الغرفة والقفل، سوى الركام. «بيتك راح»، قالت لها جارتها قبل نحو أسبوعين. تنقل كلامها وهي تبكي.

قصة إليز واحدة من قصص أرمن سوريا الذين نزحوا إلى لبنان. ترفض الإفصاح عن اسمها أو التسجيل في «المفوضية العليا للاجئين». تخاف. «نريد العودة، الحياة هنا مكلفة كثيراً، ولا نستطيع الذهاب إلى مكان آخر بعد انتهاء المعارك».

تحفظ خط العودة إلى سوريا. أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية لا تسمح لها بالسفر إلى أرمينيا أو الهجرة إلى الخارج. زوجها كان يعمل حمّالا في منطقة الميدان في حلب. وتوقف دخله، المحدود أصلاً، بشكل كامل. تعيش مع زوجها وأولادها عند شقيقتها الأرملة في جل الديب. «الوضع صعب»، تؤكّد أختها، ثم تنظر إلى عيون إليز الدامعة. تستدرك قائلةً: «يا عمي، قال لك الحكيم ممنوع الزعل». تمسك بيدها، وتمضيان.

تكتّم على الأعداد

خمسمئة عائلة؟ ستمئة عائلة؟ سبعمئة وخمسون؟ أم «أكثر من الرقم الأخير بكثير»؟ في الواقع، أعداد الأرمن السوريين في لبنان هي من الأمور التي تثير ارتباكاً عند المعنيين بالشأن الأرمني، تترافق مع جملة متكرّرة مفادها أنه «ليس هناك أي أرقام دقيقة»، أو مع جوابٍ أكثر صراحة «لا قرار في الإفصاح عن العدد حالياً». لا يتعدى عدد السوريين الأرمن المسجلين لدى المفوضية 471 شخصاً. تشير المسؤولة الإعلامية في المفوضية دانا سليمان أن «الغالبية الساحقة تخشى من عملية التصريح، بالرغم من محاولات المفوضية استخدام آليات خاصة لاستهدافهم كأقليات، بالتعاون مع البطريركية والأحزاب والجمعيات، بهدف طمأنتهم وتشجيعهم على أهمية التسجيل»، وفق سليمان.

ومع اشتداد المعارك على حلب، وبدء موجة النزوح الأرمنية الكثيفة من سوريا إلى لبنان، منذ تموز الماضي، أنشأت مختلف الهيئات الحزبية والكنسية الأرمنيّة بالتعاون مع «بلدية برج حمود»، لجنة تنسيق عمليات الإغاثة للنازحين، وغالبيتهم من حلب، بهدف تقسيم العمل بين مختلف الهيئات، وتوحيد الجهود والتنسيق بينهم.

وعلى الرغم من وجود أرقام دقيقة نظراً إلى أن الجمعيات المعنية تتبادل سجلات معلوماتها بشكل منتظم لتنسيق عمل الإغاثة، إلا أن الجمعيات كافّة تحفظت عن إعطاء رقم موحّد.

ففيما رفضت «بطريركية الأرمن الأرثوذكس» إعطاء أي معلومات، يؤكّد ممثل «حزب الطاشناق» في اللجنة آفو كيدينيان وجود نحو سبعمئة وخمسين عائلة، في حين تقول ممثلة «كاريتاس» في اللجنة نفسها آني كالوست إن «الرقم الأخير (750 عائلة) هو أقل بكثير من العدد الحقيقي، لكن لا يمكننا الإفصاح عن شيء حالياً»، علماً أن التقديرات تشمل الفئات المحدودة الدخل فحسب، التي تقصد الجمعيات الخيرية والمراكز الطبية والمدارس للاستفادة من خدماتها.

حالة التكتّم و«ممارسة التقية» تعبّر عن هواجس الأرمن في سوريا، خصوصاً بعد تدمير ثلاث كنائس أرمنية في كل من حلب ودير الزور، منها «كنيسة شهداء الأرمن» الأرثوذكسية التي تحتوي على رفات عدد من ضحايا المجازر الأرمنية. هكذا، تراكمت جثث أرمن اليوم فوق رفات أرمن الأمس.

يتعمّق الخوف وتزداد الهواجس الأقلوية تعقيداً. وكلما تضاءلت فرص العودة إلى سوريا، وانحسرت الخيارات الأخرى، يصبح الاستقرار في لبنان وارداً، لكن من دون إثارة «المخاوف الديموغرافية» في المجتمع اللبناني.

ومعلوم أن العدد التقريبي للأرمن في سوريا هو 130 ألف نسمة، بينما في لبنان يصل إلى 180 ألف نسمة، وفق «الهيئة الوطنية الأرمنية».

سعى أرمن لبنان إلى مساعدة ذويهم في سوريا قبيل نزوحهم الكثيف. وخصّصت «إذاعة فان» الأرمنية في لبنان مبادرتها السنوية «راديوتون» لدعم أرمن سوريا في كانون الأول الفائت، عبر «الأبرشية الأرثوذكسية الأرمنية في حلب». جمعت مئة ألف دولار، بعدما كانت التبرعات تُرسل إلى أرمينيا.

إلا أن أرمن سوريا، كغيرهم من السوريين، لم تعد تكفيهم المساعدة المالية في بلادهم حيث خطر الموت شبه يوميّ. أصبحت مساعدتهم كنازحين في لبنان ضرورية، ولا يمكن تلافيها، خصوصاً أن غالبيتهم تنتمي إلى الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

لجأ معظمهم لدى أقارب لهم في منطقة برج حمود ومحيطها، كالنبعة وسن الفيل والفنار والزلقا وغيرها. أما الباقون، فتوزعوا على شقق ساهمت الأحزاب والمطرانيات والجمعيات في بعض الحالات في تأمينها عبر شبكة معارفهم، لحمايتهم قدر الإمكان من ابتزاز أصحاب العقارات.

ويؤكد رئيس «مركز سيدة ناريغ الصحي» كوستان يابونجيان أن «كل طائفة أرمنية (أرثوذكس، كاثوليك وإنجيليين) تعمل مع أبناء طائفتها، والأمر ذاته يسري على الأحزاب».

تعترف كالوست بذلك، لكنها تشير إلى أن «لجنة التنسيق تمثّل جميع الطوائف والأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية المعنية بإغاثة النازحين السوريين».

في هذا السياق، يعتبر رئيس «مركز قره كوزيان الصحي والاجتماعي» سيروب أوهانيان أن الجمعيات نظمّت عملها، كمراكز طبية وجمعيات حزبية وكنسية «لاحتضان الأرمن من سوريا»، لافتاً أن ممثلي سبع جمعيات وممثل عن «بلدية برج حمود»، يجتمعون مرةً في الأسبوع بهدف تنسيق الجهود من دون أي تمييز.

وقد أجرت اللجنة استطلاعاً لتقييم الحاجات، في كانون الأول الماضي، شمل نحو خمسمئة عائلة. وكانت أهم الاحتياجات التي رصدها الاستطلاع، وفق أوهانيان، وبحسب أولوية النازحين، هي: الرعاية الطبية والفحوصات المخبرية؛ أدوية الأمراض المستعصية المزمنة؛ الاستشفاء؛ والسكن، والتعليم». استوعبت المدارس الأرمنية في لبنان، التي يبلغ عددها ثماني وعشرين مدرسة، غالبية الطلاب الأرمن السوريين، غالباً من دون دفع الأقساط والقرطاسية وبدل النقل، بجهود الكنائس والأحزاب على حدّ سواء. إلا أن الطلاب الأرمن يواجهون صعوبات كبيرة ناتجة عن اختلاف المناهج اللبنانية عن تلك السورية. تُضاف إليها صعوبات في الاندماج ومشاكل نفسية، «نخشى أن تؤدي إلى حالات تسرب مدرسي»، كما يلفت أوهانيان.

وقدمت مختلف المراكز الطبية في منطقة برج حمود وجوارها رعايةً صحية أولية ووفرت الأدوية وقامت بحملات تلقيح للأطفال. كما قدم عدد من الجمعيات المساعدات النقدية والعينية للعائلات (حصص غذائية وفرش وحرامات ومواد تنظيف).

وعلى الرغم من تحفظ غالبية الأرمن السوريين عن تسجيل أسمائهم في المفوضية، يضطر بعضهم إلى التسجيل في الحالات التي تتطلب استشفاء وعمليات جراحية (تغطي المفوضية خمسة وسبعين في المئة من الكلفة)، وهي تكاليف ليس بوسع المراكز والجمعيات المحلية تكبّدها.

بالإضافة إلى ذلك، سعت الجمعيات المعنية إلى توفير خدمات لوجستية من خلال مرافقة النازحين الأرمن إلى مقر «المفوضية» للتـــــسجيل ومقــــر «الأمــــن العام اللبناني» لمساعدتهم على تجديد إقاماتهم.

أما بلدية برج حمود، فلا تعمل مع النازحين السوريين بشكل مباشر، بل بالتعاون مع الهيئات الرسمية والدولية من جهة، والجمعيات والأحزاب والكنائس المحليّة من جهة أخرى.

ويؤكّد نائب رئيس «بلدية برج حمود» جورج كريكوريان أن البلدية «لا تملك ميزانية خاصة بالنازحين، لا مواردها تسمح بالتدخل المباشر بأعمال الإغاثة، ولا صلاحياتها. نحن ندعمهم لوجستياً فقط»، رافضاً حصر مساعدة البلدية للنازحين السوريين بالأرمن فحسب. يقول «خلافاً للهيئات الكنسية والحزبية المعنية بعملية الإغاثة، يفترض بالبلدية تمثيل جميع المقيمين في برج حمود».

إذاً، وباستثناء الحالات الصحية الصعبة التي تستدعي الاستشفاء، تعمل الكنائس والأحزاب الأرمنية كل ما في وسعها لاحتواء الأرمن السوريين ضمن جمعياتها الخيرية، وليس لتعبئة فراغ الوزارات المختصة فحسب، كما عبّر رئيس «حزب الهانشاك في لبنان» الكسندر كوشكريان، بل لعدم دفعهم إلى التصريح عن أسمائهم، وعن أرقامهم.

تنافس بين الفقراء؟

لم يعد يستخدم أصابعه لصناعة المجوهرات، بل لحمل الأطباق وتقديمها للزبائن.

أنترانيك شاب حلبي من منطقة الميدان، عمره أربعة وعشرون عاماً، نزح إلى لبنان قبل نحو ثمانية أشهر. توجه إلى برج حمود فور وصوله، وراح يبحث عن فرصة عمل في أحد معاملها. لكن «المعاملة مو كويسة»، كما يقول أنترانيك. ففضّل العمل كنادل في مطعم أرمني حلبي في برج حمود، وإن براتب متدن.»الشغل أفضل مع حدا من بلدك»، يعبّر الشاب الحلبي.

الأمر لا يتعلق بالأرمن وحدهم، بل بتقاسم فرص العمل والسكن وموارد ضئيلة مع مجموعة أخرى من البشر. ربّما يكون التوتر واضحا تجاه النازحين السوريين، آخذاً أشكالاً عنصرية في العديد من الأحيان. كذلك، فإنّ التوتر بين أرمن لبنان وبين أرمن سوريا موجود، لكنه خفيّ إلى حدّ ما.

يقول المعنيون بأعمال الإغاثة إنهم لم يتدخلوا بشكل مباشر لتأمين المأوى والعمل، وهما من التحديات الأهم، بل من خلال شبكة معارفهم، عبر أماكن العبادة، والإذاعة الأرمنية، والمخاتير والمرجعيات الحزبية. هم يعتبرون أن أرمن سوريا احتضنوهم خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حين نزح عدد من أرمن لبنان إلى كل من حلب ودمشق. «عم نردّلهم جميل حسب إمكانياتنا»، يردّد كثيرون.

واستقبلت «المساكن الشعبية الأرمنية» (مجمعات سكنية أسستها بطريركية الأرمن الأرثوذكس وبلدية برج حمود وجمعيات خيرية في فترة الستينيات والسبعينيات في برج حمود والفنار والروضة) عدداً من العائلات الأرمنية من سوريا من دون مقابل. ويؤكد أوهانيان أنهم حاولوا الحصول على مفاتيح الشقق الفارغة التي سافر أصحابها أو انتقلوا إلى مناطق أخرى، لإيواء عدد من العائلات السورية. «جميع الأماكن أصبحت شققا افتراضية للأرمن السوريين، حتى أسطح الأبنية».

وفي مقابل المشهد التعاضدي، مشهد آخر غير متناقض بالضرورة، نابع «من القلّة» كما يردّد البعض، قلة الموارد والفرص. الاحتقان الموجود بين أرمن لبنان وبين أرمن سوريا يتجلى بشكل كبير في أسفل الهرم الاجتماعي. أما الذين في أعلى الهرم، فمستفيدون، أصحاب عمل كانوا يوظفون عمالاً سوريين برواتب متدنية، أو أصحاب عقارات يؤجرون بأسعار خيالية. هو واقعٌ تتم ترجمته في بعض الأحيان بسلوك عنصريّ تجاه الأرمن السوريين. كريستينا، طفلة في الثانية عشرة، من منطقة السلمانية في حلب. نزحت مع عائلتها إلى برج حمود قبل نحو ستة أشهر. «مو متل جو حلب»، تقول الطفلة مفسرةً «ما بحب هون كتير، بفضل ارجع ع حلب أو على أرمينيا». تعاني الطفلة كريستينا من صعوبات في الاندماج، تصل أحياناً إلى ممارسات عدائية في المدرسة الأرمنية التي ترتادها في برج حمود. «لماذا جئتم إلى هنا؟ لزعزعة الصف؟ أنتم لا تفهمون سوى بلغة الضرب»، تصرخ مدرسة التاريخ والجغرافيا في وجه الطلاب الخمسة الحلبيين. تشتكي كريستينا من المعلمة وبعض الطلاب الذين يسخرون من لهجتها السورية ومن ثيابها. «هــم أرتب منا، يعني مثل الأكابر»، تعبّر الفتاة وهي تحرّك أناملها المتكتلة فوق بعضها البعض.

يبدو وضع أرمن سوريا أفضل من غيرهم من النازحين، بفضل جهود الكنائس والأحزاب، لكونهم محتضتين إلى حد ما. لكنهم، في النهاية، نازحون. وبين الشتات والنزوح، يبدو أن أرمن سوريا حُكم عليهم بالعودة إلى نقطة الصفر من جديد، في بناء مصانعهم وتطوير حرفهم.

الميسورون

هرب هماييغ قبل ستة أشهر من نيران الحرب الدائرة في حلب إلى بيروت، وتحديداً إلى برج حمود. كان أحد كبار المستثمرين لمشروع سياحي يضم أربعة مطاعم في حلب، وكان يوظّف نحو ثلاثمئة عامل. نُهبت محتويات المطاعم بشكل كامل.

قبل ثلاثة أشهر، افتتح هماييغ مطعماً في برج حمود يقدم المأكولات الأرمنية والحلبية. «بدأنا حياتنا من جديد، ليس هناك فرصة للعودة إلى حلب في الوقت الحاضر. للأسف، تحوّلت حلب إلى خطوط تماس»، يقول صاحب المطعم، لافتاً أن أي عودة إلى حلب ستكون في الغالب، لتصفية الحسابات والتصرّف بالممتلكات الباقية.

زار هماييغ أرمينيا قبل أشهر لاستطلاع إمكانية الاستثمار في يريفان. يقول «لن نستثمر هناك، فأرمينيا تعاني من ركود اقتصادي ولا تحتمل استثمارات إضافية. نفكر بجدية في توسيع رقعة أعمالنا في لبنان».

ينفي الرجل الحصول على أي دعم لوجيستي أو غيره، باستثناء الترويج لافتتاح المطعم المذكور الذي ساعد به «حزب الطاشناق».

بدأ عدد كبير من الميسورين الحلبيين يستثمرون في بيروت، أو في الدول المجاورة، خلافاً لغالبية أغنياء الشام الذين مازالوا ينتظرون ما ستؤول إليه الأمور في سوريا، نظراً لاختلاف وقع المعارك بين المدينتين. أبناء دمشق يتــــمهلون أو يستــثمرون بنسب ضئيلة من أموالهم.

جاء هيراغوس مع عائلته إلى لبنان قبل نحو أربعة أشهر. كان مديراً لمعمل كراس في دمشق. يقول إن «الوضع في الشام أكثر هدوءاً من بــــاقي المناطــــق، لكن ما يقلقنا هي القذائف العشوائيــــة التي تطلق من حين لآخر».

أصيبت سيارته بقذيفة هاون حين كانت مركونة قرب المنزل قبل أشهر، ما دفعه إلى اتخاذ القرار بالمجيء إلى لبنان. لا يريد استثمار أمواله في بيروت في الوقت الراهن. «ننتظر… هناك الكثير من الأعمال القابلة للاستثمار حين تنتهي المعارك في سوريا»، ملمحاً بذلك إلى أعمال إعادة الإعمار واقتصاد ما بعد الحرب.

في المقابل، تحاول أرمينيا حالياً استقطاب الطبقات الميسورة من أرمن حلب، أي أصحاب الرساميل والخبرات الصناعية لإنعاش اقتصادها، عبر تخصيص مدرسة لأولادهم في يريفان تعتمد المنهج السوري، وتقديم تسهيلات لإقامة الأعمال والحصول على الجنسية الأرمنية.

كما تنظر الحكومة الأرمنية بجدية إلى استعادة الطيران المباشر «أرامافيا» بين الدول المجاورة وبين أرمينيا. وقد أكّد سفير أرمينيا في لبنان أشوت كوتشاريان أن العدد التقريبي للأرمن السوريين في أرمينيا قد قارب السبعة آلاف.

75 أسرة في عنجر

سامر الحسيني

توزّعت الأسر الأرمنيّة السورية في مناطق تجمّع الأرمن في لبنان، بدءاً من عنجر حيث توجد أكثر من 75 أسرة، وصولاً إلى أنطلياس والزلقا والمزهر وبرج حمود، بالإضافة إلى أحياء أخرى في كل من بيروت والبقاع فيها حضور أرمني.

في عنجر، لا طوابير من النازحين الأرمن عند أبواب مراكز تسجيل النازحين، وليس هناك جمعيات أو هيئات إغاثة تتعاطى بملف النازحين المحصور بهيئات أرمنية حزبية عملت بشكل كبير على النجاح في احتوائه.

يتحدث بعض الأرمن الوافدين عن حالات من الابتزاز المالي التي عاشوها أبان معارك حلب التي نجم عنها تدمير مختلف المعامل والمصانع والمؤسسات الأرمنيّة، ومنها معامل ذاع صيتها في صناعة النسيج والورق، ولم يكن لها منافس في منطقة الشرق سوى معامل إسرائيلية أو تركية، فكانت هدفاً مباحاً، وفق تعبير احد أصحابها الذي يلخص ما شهدته المنطقة الصناعية بكلمة واحدة وهي «النحر».

يتحدث شبان أرمن «وفدوا» إلى عنجر آتين من حلب عن لحظات «احترقت خلالها عشرات المصانع التي استغرق بناؤها وتسويق إنتاجها سنوات طويلة، ممزوجة بعرق وتعب آبائنا وأجدادنا».

يترحم احد الشبان على أيّام حلب والحالة الاقتصادية هناك، مشيراً إلى أن مئة دولار واحدة «كانت تكفيك لإعداد مآدب هناك، على عكس الوضع في لبنان حيث لا يكفي المبلغ ذاته لإعداد أقلّ من مأدبة».

ويؤكّد الشاب على استحالة قدرته على «العيش هنا، بعيدا من حلب»، التي يحمل مجرّد ذكرها غصة ودموعاً وأسى وحسرة على انهيار «إمبراطورية صناعية»، استحقت أن تتربع على عرش الصناعات في المنطقة العربية.

لا يقتصر حجم النزوح الأرمنيّ إلى لبنان على عدد الأسر الأرمنيّة المسجلة حتى في سجلات الهيئة الأرمنيّة، فهناك عشرات من أصحاب المعامل والمصانع والمؤسسات الاقتصادية ممن أحجموا عن التسجيل الذي ينحصر بأسر معوزة نقلت «تعتيرها» من سوريا إلى لبنان، وهي تحتاج إلى المساعدة والرعاية والاهتمام، وفق ممثل «حزب الطاشناق» في لجنة تنسيق عمليات الإغاثة للنازحين الأرمن آفو كيدينيان.

ويعتبر كيدينيان أن لا أحد سمع صوتاً للنازحين الأرمن «لأنهم الأقل بؤساً ولأننا نعمل جاهدين على احتواء أزمتهم الاجتماعية والاقتصادية».

تتنوع المساعدات التي تقدمها اللجنة بين عبوات غذائية مروراً بالمدافئ وكميات من المازوت، وصولاً إلى تجهيز بعض المنازل بالفرش وما تحتاج إليه من أثاث. وقام بعض ميسوري عنجر، عبر البلدية، بتأمين بدلات إيجار لمصلحة بعض المستأجرين من الأسر الأرمنيّة التي تعد معوزة، وهي نحو 30 أسرة.

ويؤكّد رئيس البلدية غارو بامنبوكيان أنّ الرعاية الطبية والتربوية أمنتها المؤسسات الخيرية والحزبية الأرمنيّة، وهي تقدم مجاناً للوافدين الأرمن، واستطاعت المؤسسات الأرمنيّة استيعاب عشرات من أبناء الأسر في مؤسساتها السياحية والاقتصادية، ووفّرت نحو خمسين فرصة عمل للشبان الآتين من سوريا.

إلا أن أكثر ما يشغل الأرمن وفعالياتهم هو الخوف من ارتفاع وتيرة النزوح، لا سيما أن الفئة الميسورة من الأسر الأرمنيّة السورية تواجه عقبة نقل الأموال وما تبقى من مؤسساتها التجارية والاقتصادية والصناعية، ما يضعها أيضاً في خطر أن تصنّف ضمن خانة الأسر المعوزة في الفترة المقبلة.

إقليم الخروب: خيم في البرية ومنهاج سوري

زينب ياغي

لا تصلح قطعة الأرض البرية في بلدة كترمايا لإقامة مخيم. لكنها القطعة المتوافرة لاستيعاب الأعداد الفائضة من النازحين السوريين إلى منطقة إقليم الخروب. ارض بعيدة من البلدة مسافة نحو كيلومترين، ينتهي الإسفلت قبل الوصول إليها، فيترتب السير على الأقدام.

يقيم في المخيم الذي تبرع به الشاب علي طافش من البلدة، أسر سورية لا تملك شيئاً. تعيش بين الأشجار البرية، قرب الأفاعي والعقارب، التي تسرح في الطقس الحار.

تجلس الأسر في ظل الأشجار نهاراً، لأن الحرارة ترتفع داخل الخيم، فتصبح لا تطاق. يجسدون في مشهدهم المأساوي لحظة التخلي عن البشر، ربما يراد لهم أن يكون مصيرهم أشبه بالحشرات.

تتجمع الأمهات حاملات أطفالاً مرضى، نتيجة التقاطهم الجراثيم، تقيؤ وارتفاع في الحرارة، رشح مستمر والتهاب في اللوز. الطفلة روشان من دمشق وهي في الثانية عشرة من عمرها تعاني من حالة إسهال وتقيؤ منذ عشرة أيام، وطفل آخر لديه رشح مستمر والتهاب في اللوز. وذلك أمر بديهي عندما تفتقد الحياة للمياه الصالحة للشرب، والطعام الصحي والنظافة. يروون أن جمعيات زارتهم ووعدتهم بإرسال أطباء، لكن لم يزرهم أي طبيب، وليس في مقدور الأهالي أخذ أطفالهم إلى العيادات لأنهم لا يملكون بدلات المعاينة، وباختصار إنهم أطفال متروكون للقدر أو وعناية الله.

تجلس فاطمة من معرة النعمان في ظل إحدى الأشجار، مع جارات لها في المخيم ومريم شقيقة زوجها، ولديها أربعة أطفال. تحمل طفلها ابن الخمسة شهور المصاب بثقب في القلب، لكي يتنشق الهواء، لأنه لا يستطيع تحمل الحر والبرد، فيصاب بالاختناق. تقول إنها كانت تعالج ابنها في سوريا، والآن لا تجد من يعالجه. استدلت إلى كترمايا من شقيق زوجها الذي سبقهم إلى هناك، لكنه يقيم في غرفة لا تتسع لسريرين، فانتقلت مع زوجها وطفليها إلى المخيم.

كان زوجها يعمل ناطورا لإحدى المزارع في إدلب، ويتقاضى مبلغ خمس عشرة ألف ليرة سورية شهرياً. صرف ما كان يدخره، وكذلك زوج شقيقته الذي كان يعمل بدوره ناطوراً في مزرعة أخرى. وتبين وجود طفل آخر في الثالثة من عمره يعاني أيضاً من ثقب في القلب.

في إحدى الخيم كان الطفل محمد فرحان غنيم من دمشق، ويبلغ عمره شهرين ونصف الشهر، يعاني من احتقان في الوجه، والتهاب في عضوه الذكري. يرضع من ثدي أمه التي تستعين على طعامه بمياه الأرز، لأنها لا تملك ثمن الحليب. يعاني الوالد من شلل أطفال في رجليه، لكنه يقوى على السير. كان يملك محلاً لبيع الأدوات المنزلية، يعتاش منه ولا يتطلب مجهوداً كبيراً، فاحترق المحل ودمر المنزل، وهو يقتات مع زوجته وطفله من المساعدات التي تقدمها بعض الجمعيات.

كان مشهد الرضيع يوحي بأنه لن يبقى على قيد الحياة، فتم تدبير إرساله إلى مستشفى سبلين الحكومي كحالة طارئة. عاينه مدير المستشفى الطبيب أحمد أبو حرفوش، وطلب له صورة صوتية وأدوية. لم يتقاض الطبيب بدل المعاينة، لكنه أوضح أن المستشفى لا يستطيع تحمل الأعباء المالية لطبابة النازحين السوريين ولا استشفائهم، «وعلى قطر والسعودية وإيران تحمل مسؤولية مساعدة النازحين لأن لبنان أصغر من أن يتحمل تلك المأساة». فجرى التبرع بكلفة علاج الرضيع، وترك الأطفال الباقون لمن يود المساعدة، في حال قرأ عن حالتهم.

علي طافش هو ناشط اجتماعي، أقام المخيم، واستطاع الحصول على مساعدات من بعض الجمعيات هي عبارة عن مواد غذائية، وبعض الأواني المنزلية وعينات غاز. يوضح علي أنه يوجد في الإقليم سبعة عشر ولداً مصابين بثقوب في القلب، لا يجدون من يعالجهم. ويقول إنه تم إطلاع ممثل المفوضية العليا للأمم المتحدة على الوضع الصحي للنازحين، فوعد بإرسال طبيب، لكن المساعدة لم تصل إلى اليوم.

مخيم في سبلين

في سبلين، تحولت المنطقة الساحلية حيث تقيم الغالبية الفلسطينية، إلى مخيم ثان. فقد نزح إليها نحو خمسة آلاف فلسطيني من مخيم اليرموك في دمشق، واضطروا إلى الإقامة في شقق تضاعفت بدلات إيجارها، إذ يراوح بدل إيجار الشقة بين أربعمئة وستمئة دولار، بعدما كان يراوح بين مئة وخمسين ومئتين وخمسين دولاراً.

يقول المختار مصطفى حسن إن عدد سكان سبلين ألفا نسمة، ويقيم فيها خمسة عشر ألف فلسطيني أصلاً، وفد إليهم الفلسطينيون الجدد، مع عدد من الأسر السورية. يقوم المختار وحده بإجراء معاملاتهم، ويبدي أسفه لرفع بدلات الإيجار، قائلاً إن التاجر لا يعرف سوى جيبه، بينما لا يجد النازحون عملاً لهم، لأن المنطقة محتشدة بالعمال: هناك عدد قليل منهم يعمل في الحدادة والباطون والطلاء والأفران والملاحم ومحال الحلويات، والباقي ينتظر المساعدات.

نزحت أم أحمد من مخيم اليرموك مع أولادها الثلاثة وأسرهم إلى بيروت فلم يجدوا مكاناً لهم في مخيماتها، واضطروا الى الانتقال إلى سبلين، والإقامة في شقة بقيمة خمسمئة وخمسين دولاراً. حصلت الاسر الثلاث منذ نزوحها في كانون الثاني الماضي، على فرش اسفنج وحرامات «وكرتونتي» مواد غذائية، يتولى توزيعها مسؤول حركة حماس في المنطقة أبو حسن ظريف على النازحين. وحصل كل منها على مبلغ مئة ألف ليرة قدمتها جهات سعودية للنازحين في مسجد داود العلي، وثلاثين ألف ليرة تقدمها وكالة «الأونروا» لكل أسرة شهرياً، أي مئة وعشرون ألف ليرة للأسر الثلاث.

تقول الوالدة: كنا في المخيم نشتري مؤونة أسبوع من المواد الغذائية ومواد التنظيف بخمسمئة ليرة سورية. وحالياً يلزمنا ثلاثون ألف ليرة لبنانية يومياً لشراء الحاجات الرئيسة، فمن أين نحصل عليها؟

ويوضح ابنها حسن أن «الجيش السوري الحر» يقيم في المخيم، والجيش النظامي يحاصره، والفلسطينيون عالقون بين الجهتين. يروي أنه تحدث إلى أشخاص يعرفهم في المخيم، وأخبروه أنهم يريدون الخروج، لكنهم لا يستطيعون بسبب الاشتباكات المتواصلة بين الجهتين.

كان حسن يتقاضى من عمله قبل نزوحه خمسة عشر ألف ليرة سورية شهرياً، أي ما كان يعادل مئة وعشرة دولارات، يعيش منها مرتاحاً مع اسرته. وقد تحول الأبناء الثلاثة إلى عاطلين عن العمل.

ترد الوالدة: «لم نشعر بقيمة المخيم إلا عندما خرجنا منه. توقفت أعمال أولادي، وخربت بيوتنا، وكل ما ادخره أولادي منذ خمسة عشر عاماً صرفناه في لبنان». كان أحد أولادها يعمل في تركيب الأدوات الصحية، والثاني في التمديدات الكهربائية، والثالث يملك محلا لبيع الأدوات الصحية.

يجلس إبراهيم عبد الرحمن من ريف حماه على كرسي الانتظار المضني أمام إحدى الملاحم في سبلين. يقيم مع زوجته وأولاده السبعة وأسرة شقيقه، في شقة مستأجرة بستمئة دولار شهرياً، منذ سبعة أشهر. كان يعمل في حماة في الزراعة مع شقيقه، ويراوح دخل كل منهما بين ستة وسبعة آلاف ليرة سورية، تكفيهم مصاريف كل شهر بشهره. يقسم أنه استدان مبلغاً لكي يأتي مع أسرته إلى لبنان. عمل لدى مجيئه في البناء، لكنه توقف مع ازدياد عدد العمال. اخبروه أن يسجيل أسرته لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، لكن غالبية السوريين لا يعرفون مركزها، فدلوه أولاً إلى الغازية، ومن هناك طلبوا منه المجيء إلى بيروت. يؤكد أنه حصل وشقيقه منذ نزوحهما على كرتونة مواد غذائية، ويتحدى أياً كان أن يقول غير ذلك. وتقاضى كل من الشقيقين مبلغ مئة ألف ليرة من السعوديين.

يوجد في منطقة سبلين مبانٍ عدة يملكها سوريون، لكنهم رفعوا أيضاً أسعار الايجارات، ورفضوا تأجير النازحين السوريين. وأخضع عدد من أصحاب المباني شققهم للمنافسة: من يدفع أكثر يحصل على الشقة.

ينفي أحد الناشطين في سبلين، عماد عوض، أن يكون نشاطه بتوجيه من «الجماعة الإسلامية»، يملك مكتبة ويقول إنه يوزع مساعدات عينية يجمعها من المتبرعين، وهي عبارة عن ملابس وخبز وسكر وأرز وشاي. ويوضح أنه استأجر في بداية النزوح منازل لخمس وستين أسرة، ولكن عندما بدأت الأسر تتدفق، توقفت المساعدات الخاصة بالإيجارات.

«سكود»

في شحيم، تحولت مدرسة «سيلفر ستار» المقفلة إلى أبرز مركز لإيواء النازحين في البلدة. يمازح المسؤول عن المركز الشيخ أحمد حسن من حلب، شابا سوريا قائلا له: «عندما يسألونك كيف جئت إلى لبنان، أجب: بواسطة صاروخ سكود، أو قذيفة مدفعية، لأن ذلك هو فعلا ما أدى بك إلى هجرة ديارك».

يوضح حسن أن خمسا وثلاثين أسرة تقيم في غرف المدرسة، كل أسرة في غرفة، ولم يعد يوجد متسع لغيرهم.

تعيش الأسر على المساعدات التي يقدمها صندوق الزكاة في «دار الفتوى» و«ائتلاف الجمعيات الخيرية»، وتتضمن المساعدات بشكل رئيسي المياه والخبز والمواد الغذائية الرئيسة، وفي حال تبرع أحدهم باللحوم توزع عليهم.

وقد وضع الشيخ نظاماً خاصاً بالمركز، تتناوب فيه النساء على طهو الطعام في فرن الغاز، وتنظيف الملعب والأماكن المشتركة. ووضع جدول مناوبة بالأطباء في كل من مستوصفي شحيم ومزبود، لأنهما المركزان الوحيدان للطبابة.

ويؤكد حسن وجود نحو ثمانية آلاف نازح سوري في إقليم الخروب، ما عدا الفلسطينيين.

كانت منى حلو تطهو الملوخية على فرن الغاز مع القليل من لحم الدجاج. جاءت من زملكا في ريف دمشق، وكان زوجها يعمل في صناعة الأحذية، ويحصّل دخلا يبلغ ثلاثين ألف ليرة سورية، أي ما كان يعادل ستمئة دولار. دمر المنزل وسرق، لكن الحظ حالف أسرتها بعد نزوحها إلى لبنان، فوجد زوجها عملا في مطعم عند ساحل وادي الزينة، براتب خمسمئة ألف ليرة شهرياً، بينما يعمل ابنها لدى نجار براتب أربعمئة ألف ليرة. وقد أوضحت منى وهي تضحك أنها خطبت لابنها فتاة سورية في الخامسة عشرة من العمر تدعى سارة، وتلقت وعدا بإيجاد عمل أفضل له. تقيم سارة مع أسرتها في إحدى منازل شحيم، وكانت تزور أهل خطيبها، فأوضحت أنها تركت المدرسة بعد نزوحها. وخطبت ابنة منى لشاب من حماه، بعدما تعرفت إليه في لبنان، وهو مقيم في داريا ويعمل في جلي البلاط. كانت الابنة ممرضة، وتقول إن خطيبها سيستأجر لها منزلاً في المنطقة ويتزوجها.

يقول نازح آخر من بانياس لم يرغب بذكر اسمه إنه كان يعيش «خواجة» من عمله في دهان الموبيليا، ويصل راتبه إلى سبعمئة دولار شهريا. تحول إلى نازح عاطل عن العمل ويقيم في مدرسة، باستثناء أيام معدودة عمل فيها في حمل مواد البناء، وفوق ذلك حملت زوجته في لبنان.

سيدة أخرى من حمص حرق طفلها رأسه بعدما سكب عليه إبريق الشاي الساخن، لكنه يتماثل حالياً إلى الشفاء. لدى السيدة خمسة أطفال، وقد طلبت دواء لترميم جلدة رأس الطفل. كان زوجها يعمل خياطاً، ونفدت المدخرات، تقول: نحن نعيش من المساعدات.

كانت النسوة تطهو في بداية نقلهن إلى المدرسة في علب حليب النيدو. ويقول محمود من البرجين إنه جمع وبعض المعارف الأواني المنزلية من المنازل، من أجل تقديمها لهم، بينما قامت زوجته وهي خريجة مدرسة الأزهر بتدريب النسوة على كيفية التعامل مع بعضهن، تلافياً للمشاكل التي تحصل بين أشخاص من مشارب وأهواء مختلفة، بالإضافة إلى كيفية الحفاظ على النظافة. ويروي الشيخ حسن أن العديد من الرجال السوريين يأتون إلى المسجد من أجل الاستحمام.

تعليم المنهاج السوري

في مدرسة الإيمان في برجا، التابعة لـ«الجماعة الإسلامية»، يحظى ثلاثمئة وسبعون طفلاً بالتعليم ضمن منهاج التعليم السوري.

وتعتبر المدرسة التجربة الوحيدة في الإقليم في تعليم المنهاج السوري، يتوزع الأطفال على غرفها، من صف الروضة، حتى الصف السادس، ضمن دوام يومي نصفي، يمتد من الثانية والنصف حتى الخامسة بعد الظهر.

يأتي الأطفال من أماكن النزوح في بلدات شحيم، عانوت، داريا، وادي الزينة، الدبية، السعديات وبرجا. وفي صف الروضة الثانية، يبدأون بتعلم اسم دولتهم، والبلدة أو المدينة التي ينتمون إليها: حلب، حمص، حماه ، دير الزور، دمشق، داريا، زملكا، معرة النعمان… وتوضح إحدى معلمات الروضة أنه يتم تعليم الأطفال جنسيتهم وبلداتهم «كي لا ينسوها».

بدورها، تقول مديرة المدرسة إيمان شعبان إنه أمكن افتتاح أربعة عشر صفاً، بينما تم تسجيل ثلاثمئة وخمسين طفلا من أصل الثلاثمئة وسبعين في لوائح رسمية تسلمتها وزارة التربية اللبنانية. أما بقية الأطفال، فتم تنسيبهم لكي يستفيدوا من الدروس، من دون أن يتمكنوا من إجراء الامتحانات في نهاية العام الدراسي، لأنهم جاؤوا متأخرين على موعد تسجيل اللوائح.

وقد اتخذت «الجماعة الإسلامية» القرار بتعليمهم على نفقتها الكاملة، فأعلنت عن فتح المدرسة لهم، وتسجيلهم في كل من مركز «الجمعية الاجتماعية» في شحيم، وفي مركز إدارة المدرسة.

تضيف المديرة أنه تمت الاستعانة بأربعة عشر معلماً ومعلمة سوريين من النازحين، تدفع لهم أجورهم، ويدرسون التلامذة المواد التعليمية الأساسية، نظراً لقلة ساعات التدريس، وهي الرياضيات، العلوم، واللغتان العربية والانكليزية والدين. وستجري لهم الامتحانات في المدرسة بشكل طبيعي، بعد اتخاذ الإجراءات القانونية مع وزارة التربية.

وتقدر شعبان أنه لو فتح المجال للأهالي لوصل عدد المسجلين في المدرسة إلى ألف تلميذ. فيما تحتاج منطقة إقليم الخروب إلى أربع مدارس لاستيعاب أعداد التلامذة النازحين. لذلك، يوجد قسم منهم في المدارس الرسمية، والبقية في المنازل.

مأساة المكان.. والإيواء

احمد منصور

عمدت غالبية أصحاب المنازل في منطقة إقليم الخروب إلى رفع بدل الإيجار، وسط تزايد طلب النازحين لأماكن تأويهم. وقد بات متوسط إيجار الشقة الصغيرة بين 250 و300 دولار، ومئة دولار للغرفة الواحدة حتى في الأقبية القديمة، والتي لم تكن تُستعمل للسكن سابقاً. ما اضطر كثير من الأسر إلى السكن المشترك في محاولة للتخفيف من النفقات، وسط مخاوف تخيم عليهم وعلى اللبنانيين من إطالة أمد الأزمة السورية، لا سيما أن غالبية الأسر النازحة من النسوة والأطفال والشيوخ العاطلين من العمل.

وقد أحصى «ائتلاف الجمعيات» في جبل لبنان نحو ستة آلاف نازح، فيما يُقدّر عدد غير المسجلين بألفين. ويشرح المدير التنفيذي لـ«الجمعية الاجتماعية» في شحيم غسان الحاج شحادة أن «اتحاد الجمعيات الإغاثية في لبنان يتعامل مع 4 مستشفيات في الإقليم هي: سبلين الحكومي، المركزي في مزبود، عثمان في كترمايا والجية، وإن تغطية نفقات المستشفيات تصل إلى حدود 20 في المئة من الجمعية، وقد نرفع التغطية وفق الحالة الصحية للمريض». ويشير إلى أن مستوصف بلدة شحيم يستقبل يومياً نحو 50 حالة خاصة بالنازحين.

ويلفت الحاج إلى «مشكلة مرضى التلاسيميا والسرطان وغسل الكلى». ويقول: «الأمم المتحدة لا تغطي هذه الامراض، نحن نغطي مبلغ مئة ألف ليرة لبنانية لمرضى التلاسيميا بنحو 45 في المئة من تكلفة الحالة الواحدة شهرياً. أما مرضى السرطان فنقوم من خلال جهد شخصي عبر الاتصال بأهل الخير لتأمين المال». ويكشف عن «تحضير مشروع لمرضى غسل الكلى، ربما يوضع قيد التنفيذ مطلع الشهر المقبل في حال توفرت الامكانات».

وبالرغم من قسوة المعاناة الصحيّة والشكوى من أعباء الفاتورة الصحية، فإن شكاوى غالبية الأسر هي بدل إيجار السكن والوضع اللاصحي للبيوت. ويحذر الحاج من أن «استمرار المعاناة يمكن أن يؤدي إلى ازمة في الداخل اللبناني». ويبدي تخوفاً من تدهور الحالة الاجتماعية وانتشار الفساد في المنطقة على خلفية عدم توافر فرص العمل».

تشكو ثناء الجعفري التي تقيم في شحيم، من ارتفاع إيجار منزلها المستأجر. أسرتها، مكونة من 5 بنات وفتى يبلغ من العمر 11 سنة و«لديه إعاقة في النطق والسمع». تعمل ثناء المعيلة لأسرتها، في إحدى المدارس لقاء مبلغ 400 ألف ليرة. تؤكد أنها بدأت تشكو من تمزق في شرايين الأرجل بسبب عملها الشاق. ويشير حسن الظاهر الذي يقيم مع عائلته ووالدته في أحد الأقبية الصغيرة القديمة في شحيم مقابل 100 دولار، يغرق في الديون لتأمين الطعام لأولاده. فهو عاطل من العمل. والخطر يلف أطفاله بسبب العناكب والحشرات التي تخرج من بين الحجارة داخل القبو. يصف مكان إقامته بالزريبة، حيث لا يوجد حمام ولا منفذ ولا تهوئة. ويقول أحمد عباس، الذي يقيم في شقة في بلدة كترمايا: «وصلتُ مصاباً، ولدي 3 أولاد، وشاب استشهد في حمص. استأجرنا منزلا بمبلغ 350 دولاراً لعدم توفر المنازل، وبسبب عدم قدرتي على دفع هذا المبلغ استقبلنا 5 عائلات أخرى فيه. وصل عددنا إلى 40 شخصاً. قمنا بتقاسم المبلغ لتسديده آخر الشهر. نعيش اليوم من المدخرات الخاصة، ووصلت ديوننا إلى أكثر من ألف دولار، ويطالب الأمم المتحدة بالمساعدة.

وتلفت زوجة تامر الحداد، التي تقيم في كاراج للسيارات، مع أربع عائلات في كترمايا. وهي تجهش بالبكاء، إلى أنهم عانوا كثيرا في الشتاء من البرد والرطوبة «قمنا بتقسيم الكاراج بالحبال والحرامات، ونعيش حياة صعبة لعدم توفر حمام. وندفع لصاحب الكراج 300 دولار، نحن نعيش من قلة الموت».

في مقابل استغلال البعض لمأساة النازحين، يستضيف عديدون من أبناء المنطقة أخوتهم النازحين في مختلف قرى وبلدات الإقليم، من دون أي مقابل، في شقق ومساكن شرعية. ومنها على سبيل المثال في الدبية ودلهون وغيرها. ففي دلهون يستضيف الحاج أحمد نوار وأولاده أكثر من 20 عائلة، من دون أي مقابل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...