الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رزان زيتونة / السوريون الخمسة الذين هربوا من “أبو الموت”/ رزان زيتونـة

السوريون الخمسة الذين هربوا من “أبو الموت”/ رزان زيتونـة

من بين جميع الأهوال والفظائع التي وثّقتُها في معرض عملي الحقوقي، تبقى حكاية “الهروب من الجحيم”[1] بأبطالها الخمسة، وشخصية المسخ “المقدّم أبو الموت” الذي كان مشرفًا على تعذيبهم وإعدام زملائهم، من بين الحكايات التي أستعيدها يومياً، رغم غزارة الانتهاكات الأخرى وحجم فظاعاتها، وآخرها قتل العائلات بالجملة في الغوطة الشرقية بالسارين القاتل.

رغم قسوة الشهادات التي أدلى بها الهاربون الخمسة في معرض إعدادنا في مركز التوثيق لتقريرٍ حول ما حصل، كان الموعد معهم بمثابة إحساس بالخلاص! رؤيتهم على قيد الحياة، محاولة تفسير ما حصل، والذي لا يمكن أن يندرج إلا في إطار المعجزة، أو إرادة الحياة في وجه “أبو الموت” كممثل لما شكّله نظام الأسد طيلة عقود وخلال سنتين ونصف السنة من عمر الثورة.

من بين جميع الجلادين الذين نكّلوا بالمعتقلين الخمسة وبالمئات الآخرين في فرع جوية حرستا، كان “المقدم أبو الموت” رمزاً صافياً لجهنم التي فقد السوريون أكثر من مئة ألف روح في محاولة لكسر بواباتها ومغادرتها منذ بدء الثورة.

المقدم معن، الملقّب “أبو الموت”، هو عزرائيل، هو القوة المطلقة، مانح الموت بأشكاله الأكثر فظاعة. نقيض لكل ما هو إنساني ويمتّ للحياة بصلة.

كان “أبو الموت” يستدعي المعتقلين الذي مرّ على اعتقالهم أكثر من سنة في جوية حرستا، لإخبارهم بأنهم سيذهبون إلى الأعمال الشاقة لحفر الخنادق وبناء المتاريس لجيش النظام، حتى إذا انهارت قواهم الجسدية تحت وطأة التعذيب المستمر والشغل الشاق، قام بإعدامهم بعد “التسلية” بمزيد من تعذيبهم.

لكنه لا يفعل ذلك إلا ضمن طقوس خاصة، تقضي باستدعاء المعتقل الذي جرى اختياره للموت القادم، وإجباره على تقبيل يده جاثيا، ثم وضع يده على حنجرة المعتقل وحبس نفسه لعدة دقائق، في تدريب على الموت وتثبيت لسلطة قبض الحياة التي أوكله إياها نظام الأسد.

يقول أحد الناجين في شهادته حول لقائه الأول بأبي الموت: “وجاء ضابط قصير القامة ملتحٍ يدعى معن، برتبة مقدم وكان يلقب بـ”أبو الموت”، عندما أطل علينا قال لنا: كيف الشباب؟ قلنا له الحمد لله، قال لنا: بحب عرفكم على حالي، أنا عزرائيل، أو ليش عزرائيل، أنا الله، ستذهبون معي إلى ديار الحق، لكن باعتبار أنني الله سأطيل بأعماركم بضعة أيام”.

تمكن المعتقلون الخمسة من الهرب في ليلة القدر من رمضان الفائت، أثناء عملهم في الأشغال الشاقة بالقرب من الفرع. قال أحدهم إنه لم يكن لعاقل أن يحاول هذه المحاولة، كان ذلك جنونا خالصًا، فنقاط الحرس من حولنا والنيران انهمرت علينا كالأمطار. لكنّ ما شاهدناه في الفرع جعلنا نفقد عقولنا. وإلا لما قمنا بمحاولة الهرب.

أليس السوريون الثائرون جميعا هم المعتقلون الخمسة كي يتمردوا على “أبو الموت” قبل سنتين ونصف؟ لم يكن لعاقل أن يفكر بالتمرد على أعتى الأنظمة وحشية، والاستمرار في هذا التمرد رغم ما أبداه العالم أجمع من رغبة في انتهاء الثورة واستنكاف عن دعم الثوار وضرب عرض الحائط بمعاناة شعب بأكمله.

ينشر الإعلام الغربي مؤخراً صوراً لجماعات جهادية تقوم بإعدامات بالسلاح الأبيض، ويرى في ذلك قمة البربرية، ويبدو مصدوماً ومخدوش المشاعر تجاه تلك القسوة. لكنّ أحداً لا يملك صوراً للمقدم “أبو الموت” وهو يربط كيساً مملوءاً بالمياه بالعضو الذكري لأحد المعتقلين أثناء تعذيبه. لا أحد يملك صوراً للمقدم “أبو الموت” وهو يفرغ بارود رصاصة على صدر معتقل ويشعل بها النار. لا أحد يملك صوراً للمقدم “أبو الموت” وهو يشعل أكياس النايلون ويجعلها تنقط على جسد المعتقل. لا أحد يملك صوراً تفوح منها رائحة اللحم المحترق حين كان المقدم أبو الموت يفرغ العصا الكهربائية في جسد المعتقل. ولا أيضا صورا للمعتقل قبيل إعدامه وهو يتوسل شربة ماء. جميع من أعدموا ماتوا وهم عطشى.

يفضل العالم التعامل مع بشار الأسد، النموذج الأعلى لـ”أبو الموت” ومانحه سلطة سلب الحياة من أصحابها، وأن يطيل بقاءه ويغضّ النظر عن آلاف من نسخ “المقدّم أبو الموت” التي أمعنت تنكيلاً وتعذيباً وقتلاً بالسوريين طيلة سنتين ونصف، ثم يتعجّب وتتأذّى مشاعره المرهفة من رؤية جماعات مرتبطة بـ”القاعدة” تنتشر ويقوى عودها في مناطق محررة، وتمارس إعداماتها الاستعراضية بشكل علني وبالسلاح الأبيض.

تمكّن أحمد حمادة، لؤي بللور، فواز بدران، حسان نصرالله، وموفق الجندلي من الهرب من جهنم “المقدّم أبو الموت”. كان ذلك أشبه بمعجزة. بتنحية حسابات العقل جانباً والمغامرة بموت أقل قسوة من الموت عطشًا، وبأجساد مزقها التعذيب ورصاصات المقدم معن.

كلما لفّني اليأس أستحضر حكاية الخمسة الناجين، ربما، لعل وعسى، يكون لدينا الوقت لأن نشهد معجزة هروبنا الجماعي من جحيم “أبو الموت” في يوم قريب.

[1] تقرير صدر عن مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

نص التقرير

قصة هروب خمسة معتقلين من فرع المخابرات الجوية في حرستا

أكثر من 400 معتقل مهددين بالإعدام في أحد أماكن الاحتجاز السرية في سوريا

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا أيلول/ سبتمبر 2013

قال مركز توثيق الانتهاكات في سوريا في تقرير أصدره اليوم بعنوان “رحلة الهروب من الجحيم” أن أجهزة النظام السوري وعناصر من الفرقة العسكرية الرابعة تقوم بعمليات القتل خارج نطاق القضاء، في فرع المخابرات الجوية في حرستا ضد المعتقلين، كما أشار التقرير إلى أنّ هنالك أكثر من 400 معتقل يواجهون خطر الإعدام الميداني تباعاً، وجميعهم من المعتقلين لدى الفرع المذكور، حيث يتم قتلهم بدم بارد بعد تشغيلهم في الأعمال الشاقة من حفر الخنادق والمتاريس، لحماية جنود النظام في منطقة قريبة من ذلك الفرع.

     يستند تقرير “رحلة الهروب من الجحيم” الصادر في ثلاثين صفحة، إلى شهادات خمسة معتقلين سابقين في فرع المخابرات الجوية، حرستا، والذين استطاعوا الهرب بتاريخ 2-7-2013 أثناء قيامهم بأعمال الحفر “الأعمال الشاقة” حيث جرى إجراء مقابلات مع جميع الشهود وبشكل تفصيلي حول الوضع المأساوي للمعتقلين في الفرع المذكور أولاً، وعن عمليات القتل خارج نطاق القضاء والذي شهده الفرع في الفترة الأخيرة ثانيا، والشهود هم: أحمد صابر حمادة 27 عام ولؤي كمال بكور 25 عام، وفواز ابراهيم بدران 23 عام، وحسان نصر الله 25 عام، والمعتقل موفق الجندلي والذي يبلغ من العمر 25 عاماً أيضاً.

   وقالت المحامية رزان زيتونة والتي زارت الشهود برفقة فريق الرصد الميداني: “هنالك أكثر من أربعمئة معتقل، ينتظرون الموت رمياً بالرصاص بدم بارد بعد تعذيبهم وتشغيلهم بالأشغال الشاقة، وجميعهم ممن مضى على اعتقالهم أكثر من سنة”.

     وتُظهر الأرقام والإحصائيات أن هنالك مئات الآلاف من المواطنين السوريين الذين تعرضوا للاعتقال التعسفي على يد عناصر من مخابرات النظام السوري، كما أظهرت العديد من التقارير وشهادات معتقلين سابقين أن جميعم يتعرضون إلى تعذيب نفسي وجسدي شديدين، أدى في مئات الحالات إلى الموت، حيث استطاع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا توثيق أكثر من ثلاثة آلاف معتقل قضوا في أقبية المخابرات السورية منذ بدء الاحتجاجات في مارس آذار 2011.

     وذكر الشهود الخمسة أسماء بعض الضحايا الذين تم اعدامهم ميدانياً في الفرع مؤخرا ومنهم: عبد المعين الشالط، أبو كاسم النداف، وائل السراقبي، محمد الخطيب وغسان بلور. هذا بالإضافة إلى أنّ الشهود أكدّوا في شهاداتهم على وحشية أعمال التعذيب التي كانت تجري ضد المعتقلين وخاصة أثناء فترة التحقيق والتي كانت تمتد أحياناً لشهور عديدة، وتحدثوا أيضاً عن وضع المعتقل المزري جداً وخاصة من الناحية الصحية حيث كان جميع المعتقلين يعانون من أمراض جلدية مزمنة، وكانوا يعانون أيضاً من قلة التغذية حتى أنهم أصيبوا بما سموه “مرض الجوع”.

يقول أحد الشهود وهو المعتقل أحمد حمادة واصفاً عملية التعذيب خلال التحقيق:

       في غرفة المحقق كان هناك بساط الريح، والدولاب، عندما يضعوني على الدولاب كانوا يضربونني نحو خمسين ضربة بعصا قاسية لونها أخضر، في إحدى المرات بقيت على الدولاب نحو 16 ساعة وتلقيت نحو 400 ضربة. كما استخدم معي المحقق الكهرباء بمناطق حساسة، كان يشحن عصا الكهرباء ويفرغها في أجسادنا، كنا نشم رائحة الجلد  المحترق. وفي إحدى المرات جرى شبحي لمدة خمسة أيام متواصلة بالحمامات، وهي منطقة قذرة جدا، الحشرات تمشي على أجسادنا ولا نستطيع أن نتحرك

     وكان الوضع الصحي للمعتقلين جميعاً مأساوياً جداً، حيث كانت الرعاية الصحية معدومة، بل على العكس كان “أطباء الشيطان كما وصفهم التقرير” يشاركون في أعمال الضرب والتعذيب اسوة بغيرهم من العناصر الموجودة في ذلك الفرع الأمني، يقول المعتقل حسن نصر الله واصفاً اللحظات الأولى بعد عملية التعذيب الشديدة التي تعرض لها، وعرضه على طبيبين من الفرع:

     كنت أعتقد أن الأطباء سيساعدونني. سألني أحد الطبيبين من فعل بك ذلك (التعذيب والضرب) فقلت له الشبيحة الموجودين في الخارج فقام بضربي بدوره بواسطة عصا غليظة. أما الطبيب الثاني فقد مسح الدماء عن ظهري فقط وأعطاني حبة ربما تكون مسكن.

ونتيجة لانعدام الرعاية الصحية فقد انتشرت العديد من الأمراض بين المعتقلين، وخاصة الأمراض الجلدية المزمنة، فقد أطلق المعتقلون على أحد الأمراض الجلدية التي انتشرت في المعتقل، اسم “حراشف السمك” يقول المعتقل أحمد حمادة عن هذا المرض:

     عند الإصابة بهذا المرض يصاب الانسان بحكة حتى تسيل الدماء من جسده. وعندها يجف الجرح على دملة مليئة بالقيح والجراثيم والدماء والعفن، حتى تصبح سماكتها نحو 1- 2 سم، بحيث لايتمكن المعتقل من الحركة، وتكون محصورة من الردفين إلى الركبتين. مع الوقت تصبح الدمامل جافة وقاسية كالحجر، وتبدأ تأكل من اللحم، ثم تتشقق ويصبح شكلها كحراشف السمك.

وخلال المقابلات مع الشهود الخمسة أفادوا بوقوع جرائم إعدامات ميدانية ترتكب في هذا المعتقل، حيث يتمّ اقتياد عدد من المعتقلين من الفرع إلى مكان قريب لحفر الخنادق والمتاريس لقوات النظام، للإحتماء بها من ضربات الكتائب الثورية المقاتلة، وبعد أن تنهك قوى المعتقل ويصبح عاجزاً عن الحركة أو العمل يأتي أحد الضباط واسمه “معن” وهو برتبة مقدم وملقب بأبو الموت وينفذ عملية إعدامه.

يقول المعتقل فواز بدران حول ذلك:

     أحضروا المعتقلين محمد خير النداف، وعبد المعين الشالط من دوما  -إلى مكان الحفر والأعمال الشاقة- وكانت حالة المعتقل عبد المعين سيئة جداً، وجسمه كان أزرقاً من المرض والتعذيب، وكان ينازع الموت، عاش فقط ست ساعات، في الحاجز، تعرض فيها لأشدّ أنواع التعذيب. لا أظنّ أنّ أحداً في هذا العالم قد تعرّض لمثل هكذا تعذيب في حياته من حرق بأكياس النايلون، إلى الحرق بالبارود، حيث قاموا بكتابة اسم الطاغية “بشار الأسد” على صدره بالبارود (وإشعاله)، إضافة إلى سكب الماء الساخن عليه، طلبوا منه “الكفر” وسب الذات الإلهية، لكنه رفض، وفارق الحياة بعدها.

    وبعد ذلك استطاع الشهود الخمسة الهروب تحت جنح الظلام من أماكن الحفر، بعد أن قاموا بكسر قيودهم، في عملية أشبه بالخيال، يروي المعتقلون تفاصيلها في التقرير المذكور.

     وقد طالبت المحامية رزان زيتونة، المنسقة العامة في مركز توثيق الانتهاكات في سوريا  بتحويل الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية، واصفة مايرتكب على يد قوات النظام بأنه “فاق أي تصور في بشاعته وإجرامه”، وناشدت المنظمات الدولية للتدخل الفوري لإنقاذ حياة المعتقلين في فرع جوية حرستا وبقية السجون والمعتقلات السرية في سوريا.

للاطلاع على التقرير كاملاً مشفوعاً بالشهادات التفصيلية، يمكنكم زيارة الرابط التالي:

http://www.vdc-sy.info/index.php/ar/reports/categories/special-reports

مقدمة:

     في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر رمضان الماضي الموافق 2-7-2013 تمكّن خمسة من المعتقلين في فرع المخابرات الجوية بحرستا من الهرب في ظروف أقرب للخيال منها إلى الواقع، فحتى اللحظة يتعذّر على المعتقلين الخمسة أنفسهم تصديق أنهم لا يزالون على قيد الحياة بعد جميع الأهوال التي مرّوا بها وتعرضوا لها منذ اعتقالهم وحتى لحظة وصولهم إلى بر الأمان في المناطق المحررة من الغوطة الشرقية.

      نستعرض في هذا التقرير قصة المعتقلين الخمسة، حيث قام فريق من مركز توثيق الانتهاكات في سوريا بعقد لقاءات مباشرة معهم. وعبر رواية سرد تفصيلي لحكايتهم منذ اعتقالهم وحتى لحظة هروبهم، سوف نمرّ بالتفصيل على جميع الفظاعات والأهوال في فرع الجوية في حرستا والتي فاقت في وحشيتها مايمكن للعقل أن يتخيله.

     وعبر هذا التقرير فإننا نتوجه بالمناشدة العاجلة لكافة المعنيين من منظمات حقوقية وهيئات دولية وعلى رأسها “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” للتدخل الفوري من أجل انقاذ أرواح مئات المعتقلين المهددين بالإعدام على غرار ما حصل مع زملاء المعتقلين الخمسة، قبل فوات الأوان.

الناجون من الموت:

    أحمد صابر حمادة :

     تولد سقبا بريف دمشق، 1986، عازب، أعمال حرّة،  كان أحمد من أوائل المتظاهرين في الثورة،  ثم انضم لاحقاً، لأوائل تشكيلات الجيش السوري الحر في منطقته والتي تأسست حينها لحماية المظاهرات، وكان تعدادها بضعة أفراد فقط،  اعتقل أحمد بتاريخ 8-7-2012 بمنطقة “الافتريس” بريف دمشق، بكمين على يد قوة من جيش النظام، بعد اعتقاله نقل أحمد إلى إحدى الكتائب العسكرية القريبة، تمّ تعذيبه وضربه بوحشية من قبل جنود النظام حتى ظهر اليوم الثاني، حيث جاءت سيارة تابعة “للمخابرات الجوية”  في حرستا ونقلته إلى الفرع المذكور.

    لؤي كمال بللور:

     تولد كفربطنا، ريف دمشق 1988، عامل تمديدات صحية، عازب.

كان ناشطاً في الثورة بمجال المظاهرات السلمية. صباح يوم 6-2-2012 اعتقل لؤي في مزرعته بكفر بطنا بريف دمشق ضمن حملة مداهمات، بتهمة إيواء عناصر مسلحة في المزرعة التي يمتلكها.

    فواز ابراهيم بدران:

     تولد كفربطنا، بريف دمشق 1990، عازب، عامل.

 كان يلقب أثناء الثورة “بالرجل البخاخ” حيث كان نشاطه محصوراً بالبخّ على الجدران، وجرت مداهمة منزله أكثر من 15 مرة من قبل قوات النظام على مدى عام كامل، اعُتقل في آذار 2012 أثناء عمله في مبنى بالقرب من السوق التجاري في كفربطنا بعد إخبارية من أحد الوشاة “عوايني”.

    حسان نصر الله:

تولد عربين، ريف دمشق، 25 سنة، عازب، عامل في محل للحلويات.

كان نصر الله من بين أشدّ المطلوبين لقوات النظام، حيث كان من أوائل من حملوا السلاح ضد النظام في مدينته كما شارك بالتفاوض قبيل اعتقاله على مبادلة مقدّم من مطار مرج السلطان مقابل ثلاثة معتقلين من الثوار.

اعتقل حسان بتاريخ 26-5-2011 من قبل “المقدم معن” الملقب أبو الموت، عبر كمين نصب له من قبل قوات النظام في حارة الساروت بعربين. بمجرد اعتقاله تعرض نصر الله للضرب المبرح والتعذيب والحرق “بمادة الكيروسين”، ثم نقل إلى مقر الناحية في عربين. جرى “شبحه” على ناقلة للجنود، وقام عناصر الأمن بحرقه بسيخ ساخن قبل أن يجري ترحيله إلى فرع الجوية في حرستا. وهناك جرى “استقباله” من قبل العقيد محمد رحمون ونحو 400 عنصر في ساحة الجوية وانهالوا عليه بالضرب وداسوه بأحذيتهم وقاموا بنتف لحيته، ثم جرى اقتياده للتحقيق على عمق ثلاثة أمتار تحت الأرض.

    موفق الجندلي:

تولد عربين، ريف دمشق 1988 عازب، المهنة: حداد افرنجي.

 اعتقل بتاريخ 26-3-2012 بمداهمة منزله من قبل عناصر المخابرات الجوية حيث قاموا بتفتيش المنزل وعثروا على قطعة سلاح فانهالوا عليه بالضرب والتعذيب أمام عائلته قبل أن يتم اقتياده إلى الفرع.

    يتبع فرع المخابرات الجوية في حرستا إلى إدارة المخابرات الجوية، والتي تعتبر من بين أشرس أجهزة أمن النظام السوري، حيث تتمتع بسلطات واسعة النطاق، تتعدى جميع المواطنين لتصل إلى أعالي الرتب من ضمن النظام نفسه. شكلياً يتبع هذا الجهاز لوزارة الدفاع لكن عملياً فهو يُعتبر “دولة ضمن دولة” قائمة بذاتها،  ويترأس هذا الجهاز حالياً اللواء “جميل حسن”، وتقع ما يسمى “آمرية الطيران” في ساحة الأمويين، وهو المقر الرئيسي لجهاز المخابرات الجوية في سوريا، بينما يقع فرع التحقيق في مطار المزة العسكري، ويمتلك هذا الجهاز العديد من أماكن الاحتجاز السرية ضمن الفرقة الرابعة، التابعة للجيش السوري، وخاصة الفرع 555 مظلي في السومرية بدمشق.

     ومع بدء الثورة السورية، أصبح فرع المخابرات الجوية بحرستا، واحداً من بين أسوأ الأفرع الأمنية صيتاً، نتيجة التعذيب الوحشي غير المسبوق الذي كان يتعرض له المعتقلون ومن ضمنهم نساء معتقلات.

    في الفرع المذكور هنالك نحو 400 معتقل؛ من المعتقلين القدامى الذين تجاوزت فترة اعتقالهم السنة، وتم توجيه تهمة “السلاح” للجميع، بينما معظم المعتقلين الذين تمّ اعتقالهم مؤخراً، تختلف تهمهم ما بين إدخال “مادة البنزين أو “المواد الغذائية” للغوطة، فيما أصبح المتهمون بالسلاح يتم تحويلهم إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري.

* الأقسام الداخلية في فرع جوية حرستا:

 – غرف الاحتجاز الجماعي: “الجماعيات الخمسة”

يحتوي فرع المخابرات الجوية في حرستا على خمس “جماعيات” إضافة إلى “جماعية التنفس”.

والجماعيات الخمسة عبارة عن خمسة غرف تحت الأرض “قبو” بمساحة وسطية 3*4 أمتار،  يوضع فيها ثلاثة إلى أربعة أضعاف العدد الذي تتسع له، ضمن ظروف صحية بالغة السوء. كما أقام السجانون على باب الجماعيات “نادي لكمال الأجسام ورفع الأثقال” وعند التدريب يطلبون إخراج عدة معتقلين من الجماعيات لتعذيبهم وشتمهم.

    – الجماعية الأولى:

     وهي الأكبر، مساحتها 4*4 متر، تتسع لنحو عشرين شخصا، يوضع فيها نحو ستين معتقلا.

يقول المعتقل “فواز بدران” حول هذه الجماعية: “بعد حوالي 200 يوماً من وجودي في “القفص الخامس” في الافراديات، نقلوني إلى “الجماعية الأولى” التي بقيت فيها خمسة أشهر. هناك كان يتفشى المرض الجلدي من التهابات وقيح ودملات. السقف كان ينز مياه قذرة “صرف صحي”، والمرضى حتى لو كانوا على فراش الموت لايحصلون إلا على حبة التهاب واحدة”.

    – الجماعية الثانية: جماعية الجحيم ومحاولات انتحار:

وهي جماعية خاصة بمن توجه لهم تهم السلاح، مساحتها نحو 3*3 متر، تتسع لنحو 30-35 شخصا، يضعون فيها مابين 90-120 معتقلا. الضوء الوحيد المتوفر فيها هو ضوء أحمر خافت جدا. فيها منفذ هواء واحد هو جهاز “التوربين” الذي يقوم السجانون بإطفائه كعقوبة إضافية على المعتقلين.

     بعد استقبال أحمد حمادةفي فرع الجوية بالضرب والتنكيل الشديدين، جرى نقله إلى الجماعية الثانية:

يقول أحمد: “كنا في الجماعية الثانية نحو 117 معتقلا. كل خمسة أشخاص يجلسون للاستراحة بينما البقية جميعهم واقفون. التنفس الوحيد فيها هو “التوربين” الذي يطفئونه كلما سمعوا صوتا من داخل الجماعية ونصبح نحن بلا هواء.

في الأول من رمضان 2012 أي في النصف الأول من شهر تموز قمنا باستعصاء، إيماناً منّا أنّ نموت أفضل لنا من هذا الظرف الذي نعيشه. بدأنا نقرع على الباب حتى جاء المساعدون وأخرجوا نحو أربعين شخصا لجماعية أخرى كنت أنا من بينهم”.

ويروي المعتقل السابق شهادته عن هذه الجماعية فيقول:

عندما وصلت إلى الفرع بدؤوا بضربي ووضعوني في الجماعية الثانية الخاصة بالمسلحين، وكان فيها معتقلاً. وهي من أصعب الجماعيات حيث وصل الأمر بالعديد من المعتقلين أنهم فكروا أو حاولوا بسبب شدة فظاعة الظروف فيها. أحد المعتقلين من زملكا ويدعى “” حاول أن يشنق نفسه لكنهم اكتشفوه وضربوه ثم وضعوه في الإفرادية. ممنوع الانتحار حيث يريدون الإبقاء على المعتقلين للإعدامات فقط

    كانوا يقطعون ويمنعون عنّا الماء والكهرباء، ناهيك عن انتشار الأمراض. وكان يجب أن لايصدر أي صوت ولو كان منخفضاً عن المعتقلين، وجميع المعتقلين كانوا يقضون يومهم وهم واقفون على أقدامهم.

     في إحدى المرات زارنا رئيس الفرع العميد “محمد رحمون” ليسألنا إذا كان “ينقصنا شيء”!! طبعا لم نتجرأ على قول شيء خوفا من المساعدين والمحققين، وحيث وعدنا أن الطعام سيتحسن ولكن على العكس فأقد أصبح أكثر سوءً مما كان عليه قبل زيارت.

3 – الجماعية الثالثة:

     الجماعية الثالثة، وتبلغ مساحتها أيضاً 3*3 أمتار، ويبلغ عدد المعتقلين فيها حوالي 90 معتقل، وفقا للمعتقل السابق فواز بدران الذي قضى مدة فيها، تنتشر فيها أيضا الأمراض الجلدية من “دملات” وتقرحات يسيل منها “القيح” بشكل مستمر. ويضيف بدران أيضاً:

” تنام وعندما تستيقظ تجد وقد ظهر لديك في مكان ما من جسمك “دملة كبيرة” مليئة بالقيح والجلد وكأنه يبدو محروقاً. أمّا وجبات الطعام فيتم تقديمها مرة واحدة في اليوم “من المغرب للمغرب” ، وهي عبارة عن رغيف خبز وأحيانا رغيفين وبشكل نادر جدا جدا ثلاثة أرغفة والقليل من البرغل هو كل مانحصل عليه في اليوم”.

4- الجماعية الرابعة:  وتبلغ مساحتها 3*3 أمتار، ويبلغ عدد المعتقلين فيها حوالي 90 معتقل، أي أنّ “الجماعية الثانية والثالثة والرابعة، بنفس المساحة، ومساحتهم غير مساحة الجماعية الأولى وجماعية التنفس، يقول حسان نصر الله عن الوضع في هذه الجماعية:

      “كان بين المعتقلين من يعاني من بعض الأمراض المزمنة حيث زادت حالة الوفيات كثيرًا وكان كل أسبوع أو عشرة أيام يموت قرابة أربعة أشخاص من المرض، وبعضهم الآخر كان يموت أثناء مرحلة التحقيق من شدة التعذيب حيث كان المحققون لا يرحمون أحدا، كما حدثت حالات اختناقات حيث اختنق 8 أشخاص حتى الموت في ليلة واحدة بعد أن تم إحضار 80 معتقلًا جديدًا من منطقة جوبر فزاد العدد كثيرًا داخل الزنزانة، وعندما كنا نطلب الدواء لكبار العمر أو

لأصحاب المرض يرد السجانون بالامتناع ويقولون لنا عندما يفارق الحياة سوف نخرجه ..وكان معنا بعض الأطفال تتراوح أعمارهم بين 13-15   عامًا وكانت تهمتهم السلاح حيث اعترفوا بذلك من شدة التعذيب”.

5- الجماعية الخامسة، وهي تسمى أيضاً، جماعية التنفس، وهي تقع تحت مستوى سطح الأرض قليلاً، ومفتوحة من الأعلى.

     وهي جماعية كبيرة قليلاً ولكنها مزدحمة جداً، وتبلغ مساحتها حوالي 96 متر مربع أي تقريبا 5*19 متراً، وهي تتسع لنحو مئة شخص لكنهم يضعون فيها وسطيًا نحو 300 معتقل وكان آخر رقم فيها هو 340 معتقل. يمر في “التنفس” مايشبه مجرى نهر “أو ساقية” بعرض 30سم وعمق 30 سم لقضاء الحاجة

يقول أحمد حمادة: “كنا نقضي حاجتنا في التنفس “على العلن” في ذلك المجرى. أحدهم يأكل هنا والآخر يقضي حاجته إلى جانبه……… “اصطبلات الدواب أفضل من جماعية التنفس”.

يقول حسان نصر الله:

     “كان الوضع سيئا جدا في التنفس. الشتاء كان قارصاً ونحن بدون ملابس وأصابنا المرض جميعاً ومن قلة النظافة أصاب جلدنا تقرحات وخراجات حتى وصلنا إلى مرحلة عند نهوضنا من على الأرض يبقى الجلد ملتصقا بها”

    أماكن الاحتجاز الفردي: “الإفراديات الخمسة”

يوجد في جوية حرستا خمسة “أقفاص” كما تسمى، وكل قفص يوجد بداخله أربعة “منفردات” وكانت مساحة كل إفرادية وسطيا 150*200 سم وكان مجموع أماكن الاحتجاز الفردي 20 منفردة، يوضع في واحدها وسطياً نحو 12 معتقلا، يجلس أحدهم للاستراحة ويبقى الآخرون واقفون. تتميز بالقذارة الشديدة وانتشار القمل والحشرات.

     يقول المعتقل السابق لؤي بلور:

“أمضيت أربعة أشهر في الانفرادية التي مساحتها متر ونصف بثمانين سنتمتراً، كان يوجد فيها ما بين عشرة إلى اثني عشر معتقلا. لا يسمح بالذهاب إلى الحمام إلا مرتين صباحا وعند منتصف الليل. ويجب أن نستخدم الحمام خلال ثلاث عدات (1،2،3) وإلا تعرضنا لضرب مبرح. هذا ناهيك عن انتشار الأمراض وتنفخ القدمين من طول مدة الوقوف، والأمراض الجلدية وأمراض لم نسمع بها سابقاً والجرب وأضف إلى كل ذلك الحر الشديد”.

أما المعتقل السابق فواز بدران فقد بقي نحو مئتي يوم في القفص الخامس بالإفراديات، وكانت مساحته نحو متر ونصف بثمانين سم، وفيها 11 إلى 12 شخص، يستطيع أحدهم فقط الجلوس للاستراحة بينما الباقون وقوف.

الطبابة: أطباء الشيطان

     جميع الشهادات تظهر الوحشية التي يتعامل بها “الأطباء” في الفرع وفي المشافي التي قد يحصل أن ينقل إليها بعض المعتقلين في حالات خطيرة جداً. بل يبدو واضحاً أن ترك المعتقلين لتنهشهم الأمراض هو بمثابة ممارسات ممنهجة ومقصودة بالكامل، حيث لم يكن المعتقلون يحصلون على أي نوع من العلاج مهما تفاقمت حالتهم.

يقول أحمد حمادة “كنا نشتري “حبة الالتهاب” مقابل خمسة أرغفة من الخبز، أي أن نبقى عدة أيام بدون طعام مقابل حبة التهاب واحدة”.

ويقول حسان نصر الله، أنه بمجرد وصوله إلى التحقيق بعد اعتقاله كان هناك 15 محقق بانتظاره مع طبيبين. “كنت أعتقد أن الأطباء سيساعدونني. سألني أحد الطبيبين من فعل بك ذلك (التعذيب والضرب) فقلت له الشبيحة الموجودين في الخارج فقام بضربي بدوره بواسطة عصا غليظة. أما الطبيب الثاني فقد مسح الدماء عن ظهري فقط وأعطاني حبة ربما تكون مسكن”.

ويضيف المعتقل السابق فواز بدران:

“أثناء التحقيق والتعذيب يقف الأطباء فوق رأسنا، وحين نشارف على الموت يطلبون إيقاف التعذيب. الطبيب هناك جلاد، إذا طلب المعتقل المريض حبة التهاب يقوم الطبيب بضربه ما بين عشرين إلى خمسين “بورية” وهي قطعة حديد غليظة تشبه العصا، وهو يقول: انتو دواكم العصا”.

مشفى اختصاص تعذيب!

     يقول أحمد حمادة: في إحدى المرات، بقيت مشبوحاً خمسة أيام متتالية وأنا أتعرض للضرب الشديد، حتى فقدت الوعي، فاعتقدوا أنني قد متَ، وأتوا بطبيب السجن – كما أخبرني لاحقا معتقلون آخرون- وقال لهم ربما “نلحقه” أي نسعفه قبل وفاته، ثم أحضروا سيارة وأخذوني إلى المشفى. وكلن ذهابي إلى هناك هو الأسوأ، وتمنيت لو بقيت في الفرع.

     كان المشفى عبارة عن غرفة للمعتقلين، جميع المعتقلين المرضى والمصابين مقيدين بالسلاسل “الجنازير “إلى أسرتهم – أعتقد أننا كنا في مشفى حرستا العسكري –  كان الأطباء يستقبلوننا بالضرب. لا يوجد علاج إلا الضرب وصب الماء البارد على جروحنا الملتهبة. كنا 15 معتقل مغمضي الأعين “مطمشين” ومقيدين “مجنزرين” إلى أسرتنا. كان يُعطى لواحدنا حبة التهاب يومياً وعشرات ضربات العصي. بقيت عشرة أيام في المشفى قبل أن أعود للفرع حيث دخل أحد الأطباء فأخبرته أنني بصحة جيدة وأود العودة للفرع فأمر بإخراجي”.

أمراض وعدوى: حراشف السمك !

يقول أحمد حمادة :”تفشت في الفرع أمراض لانعرفها ولم تخطر لنا في بال، بالرغم من وجود “أطباء معتقلين” إلا أنهم لم يعرفوا ماهي هذه الأمراض على الإطلاق، ولكن كان من أسبابها أنه لايوجد استحمام على الإطلاق. هناك ماء فقط في المراحيض حيث المياه مجرثمة. الكميات القليلة جداً من الغذاء، الازدحام، المعتقلون القدامى تتفشى بينهم هذه الأمراض أما المعتقلون الحديثون تكون أجسادهم لاتزال قادرة على المقاومة”.

من بين أكثر الأمراض انتشارا بين المعتقلين هي “الجرب” في مراحله المتطورة والأمراض الجلدية المختلفة، وفي مقدمتها مرض أطلق عليه المعتقلون اسم “حراشف السمك”.

يقول أحمد حمادة :

     “عند الإصابة بهذا المرض يصاب الانسان بحكة حتى تسيل الدماء من جسده. وعندها يجف الجرح على دملة مليئة بالقيح والجراثيم والدماء والعفن، حتى تصبح سماكتها نحو 1- 2 سم، بحيث لايتمكن المعتقل من الحركة، وتكون محصورة من الردفين إلى الركبتين. مع الوقت تصبح الدمامل جافة وقاسية كالحجر، وتبدأ تأكل من اللحم، ثم تتشقق ويصبح شكلها كحراشف السمك”.

أحمد الذي أصيب بهذا المرض قرر علاج نفسه بنفسه بطريقة لاتخطر على بال! يقول:

     “عندما قررت علاج نفسي كنا قد وصلنا لمرحلة رهيبة. رائحة الجلد مقرفة. قررت علاج نفسي فطلبت من أحد الأشخاص أن يطيل أظافره. وعندما أصبح جاهزا انتظرت حتى الواحدة ظهرا، وكان الطقس مثلجاً وفوقي السماء “في التنفس”. كانت المياه مجلدة، خلعت بنطالي وعضضت على قماشة وبدأ الشخص بقلع الجلد الميت بسماكة عدة سانتميترات، وكانت الجروح تنزف وتنزف. أصبحت أصرخ من الألم، جاء السجانون وعندما شاهدوا مايحصل، وضعوني على الدولاب”.

الطعام: مرض الجوع!

يجمع المفرج عنهم جميعاً من فرع جوية حرستا، أن مايقدم للمعتقلين من طعام بالكاد يكفي لإبقائهم أحياء.

يقول أحمد حمادة: “أصبنا “بمرض الجوع” حيث كان المعتقل يأكل ولا يشبع مهما تناول طعاماً، ويضيف:

     كان معنا ضابط معتقل برتبة عقيد طيار، كان يجمع قشر البطاطا في حال توزيع حبيتن بطاطا لكل عشرة أو 15 شخص، ويأكل تلك القشور… وأيضا كان يجمع قشور البيض في حال توزيع بيضة أو اثنتين كل عدة أشهر على المعتقلين، يطحنها ويأكلها.. كل أربعة أشهر كان يصلنا فقط “غرام” حلاوة طحينية، و كنت أبيعها مقابل رغيف خبز. وكنت أشتري ثلاث خبزات يغطيهم العفن الأخضر والأبيض، مقابل نصف خبزة سليمة. وأستمر في أكل الخبز العفن أكثر من ثلاث ساعات (لتحمل طعمه)”.

ويروي أحمد هذه “الطرفة” التي حصلت معه بعد نقله للانفرادية في إحدى المرات حيث جرى وضعه مع معتقلين جدد: “المعتقلون الجدد لا يأكلون أبدا (نتيجة الوضع النفسي) فسألت أحدهم هل لديك خبز قال نعم، فبدأت بالأكل. أكلت نحو 12 خبزة، فذهل المعتقل. شرحت له عن الوضع بالداخل (في الجماعيات)، وعن مرض الجوع. بعد قليل أخبرته من جديد أنني جائع، فشعر المعتقل بالخوف وبدأ بطرق باب الانفرادية وطلب المساعد وأخبره أن هناك شخص غير طبيعي معتقل معه وطلب نقلي. ووضعت على الدولاب يومها لأنني أكلت حصة خبز زميلي المعتقل”.

ويتابع “أقسى عذاب هو هذا المرض والجوع لأنه عندما يجوع الانسان يذل، يوافق على أي شيء مقابل الطعام، هناك أشخاص عظامهم ظهرت في فرع حرستا بسبب الجوع. أصبحوا هياكل عظمية. هناك مجاعة هائلة في الفرع”.

انتزاع الاعترافات بالتعذيب: “شبح عكسي” و “حرق بالنايلون”  وتعذيب في “الأعضاء الحساسة”

     تتنوع أساليب التعذيب المستخدمة في فرع الجوية بحرستا من الأساليب التقليدية: الضرب بالهراوات، الحرق بالولاعات، الشبح، الدولبة، وسواها، إلى وسائل “مبتكرة” تهدف إلى إلحاق أشد الأذى النفسي والجسدي بالمعتقلين: كالحرق بأكياس النايلون، إشعال البارود بالجسد، التعذيب على “الأعضاء التناسلية” وسواها.

    يقول المعتقل السابق أحمد حمادة:

     “في العاشر من رمضان 2012 تموز / بدأ معي التحقيق الذي استمر لمدة 45 يوماً قضيتها بالشبح والضرب والشتائم البذيئة حول أعراضنا وشرفنا، كنا حين نُطلب للتحقيق نساق كالحيوانات بالكبلات مع التقييد والتطميش “تغميض الأعين” . وكنت أساق ثلاثة أدراج للأعلى وكل درج أسقط عدة مرات وينهال الكبل على جسدي.

  في غرفة المحقق كان هناك بساط الريح، والدولاب، عندما يضعوني على الدولاب كانوا يضربونني نحو خمسين ضربة بعصا قاسية لونها أخضر، في إحدى المرات بقيت على الدولاب نحو 16 ساعة وتلقيت نحو 400 ضربة. كما استخدم معي المحقق الكهرباء بمناطق حساسة، كان يشحن عصا الكهرباء ويفرغها في أجسادنا، كنا نشم رائحة الجلد  المحترق. وفي إحدى المرات جرى شبحي لمدة خمسة أيام متواصلة بالحمامات، وهي منطقة قذرة جدا، الحشرات تمشي على أجسادنا ولا نستطيع أن نتحرك”.

    من أساليب التعذيب الأخرى التي تعرض لها أحمد:” إشعال أكياس النايلون وتنقيطها على المعتقل، وهو عذاب حقيقي، كان يستخدمه المساعد أحمد الحسن. وهناك الدولاب، حيث يضربوننا بالعصي البلاستيكية الثخينة والقاسية (كبل أخضر) على “قصبة” الرجل “المنطقة الواقعة بين الركبة ومفصل القدم من الأعلى”. هناك أيضا الشبح العكسي للخلف، حيث يقيد المعتقل ويداه للخلف ويرفع للأعلى، وهنا لا يمكن المقاومة أكثر من عدة دقائق، فيعترف المعتقل على أي شيء يريده المحقق. حيث يصاب المعتقل بخلع في أكتافه ويقضي بعض الوقت حتى يتمكن من تحريك ذراعيه من شدة الألم”.

    طريقة “الدولاب” في التعذيب.

  * طريقة الشبح العكسي، وهي طريقة مبتكرة من ضباط المزة

لكن من بين أشد الأساليب وحشية وإيلاماً، كان التعذيب عن طريق “العضو الذكري” للمعتقل، يقول حمادة:

     “أحد أساليب التعذيب الذي تعرضنا له كان إحضار كيس ماء وزنه 2 أو 3 كيلو وتعليقه “بالعضو الذكري” مع الصعق بالكهرباء – أعتقد لا أحد في أي مكان بالعالم جرب هذه الوسيلة بالتعذيب – حيث يستمرون في ذلك حتى الاعتراف، وأعتقد كثيرين في الفرع فقدوا القدرة على الإنجاب بسبب التعذيب في هذه المناطق الحساسة. لا أعرف إذا كانت هناك أساليب أخرى حيث لم نكن نستطيع أن نتحدث لبعض عن هذه الأساليب من فظاعتها”.

ويتحدث المعتقلون عن عدد من المحققين الذين كانوا أكثر عنفا ووحشية من الآخرين في تعاملهم مع المعتقلين:

      “أحد المحققين الذين كانوا يتولون عملية التعذيب وكان متوحشا جداً هو المساعد “أحمد الحسن”، كنا ننصح من يدخل إليه من المعتقلين الجدد أن يعترف فورا أنه كان مسلحاً وأن يعترف على والدته وأخته أيضاً أنهم مسلحين! لاداعي للنقاش أبدا معه، لأنه شخص متوحش جداً، والكثير من المعتقلين ماتوا تحت التعذيب على  يديه أثناء التحقيق. وهو مربوع القامة طوله تقريبا 160 سم، شعره مجعد.

أمّا الشخص الثاني الأشد قسوة هو المتطوع ثائر وكان يستخدمه النقيب باسل أثناء التحقيق. كان ثائر يعذب المعتقلين في الجماعيات نفسها في قلب الغرف”.

    ويروي المعتقل السابق لؤي بللور تجربته عن التعذيب في فرع الجوية فيقول:

     “بمجرد وصولي للفرع بدؤوا بضربي بشدة حتى أعترف على الشبان المسلحين، ووصل الأمر بي حتى الاعتراف على نفسي أنني مسلح كي أنجو من التعذيب، حيث قاموا “بشبحي” لمدة ثلاثة أيام متتالية على ارتفاع نصف متر عن الأرض من دون ماء أو طعام. بعدما أنزلوني بدؤوا بضربي من جديد بإشراف المساعد “أحمد الحسن” الذي كان يضربني “بالبورية” على ظهري ورأسي وبطني ويحرقني بالقداحة “الولاعة” في أجزاء مختلفة من جسمي ويصب فوقي ماءً ساخناً، حتى أغمي علي. وكانوا يوقظونني عندما يغمى علي بصعق الكهرباء بأي مكان في الجسم بما في ذلك الأماكن الحساسة. كانوا يصعقونني بالكهرباء بعد خلع كامل ثيابي عني. ومن بين من كانوا يقومون بتعذيبي النقيب باسل والعقيد أبو المجد.

      بعد ذلك جاء “الطبيب” وعالج ظهري وكنت أشارف على الموت. وبعد أن تحسنت حالتي قليلاً، عاد المحقق وطلبني للتحقيق، ووضعني على “بساط الريح” بعد ذلك لم أعد أتحمل أي عذاب آخر، وأخبرت المحقق أنني مستعد لأعترف بأي شي يريده مني، واعترفت أنني قمت بقتل الجنود وارتكبت كل شيء!”.

    ويقول المعتقل السابق فواز بدران حول تعذيبه أثناء التحقيق معه بهدف إجباره على الاعتراف بما لم يرتكب:

       “بعد أربعين يوماً من اعتقالي بدأ التحقيق معي، المحقق المساعد حيان يعرف كل شيء عني، ومع ذلك يريدني أن أعترف بأنني مسلح، استمروا بضربي حتى أغلقوا الضبط وأعادوني للجماعية. بعد 71 يوم طلبوا إخلاء سبيلي فجهزت أغراضي ووصلت إلى غرفة المحقق وأنا أعتقد أنه سيفرج عني، فإذا بالمحقق يقول لهم طمشوه وقيدوه، وبدأ إعادة التحقيق معي من جديد بالعصا الكهربائية والدولاب حيث ضربت بنحو 300 بورية، حتى قلت له سأعترف لك بأي شيء تريده، واعترفت على امتلاكي بارودة نوع “بومبكشن” كما يريد المحقق، ولم يقتنع مع ذلك، فأنزلني على “القارص” وهي عبارة عن بورية “أنبوب” حديد يمسكها جلادان من طرفين مثل الشبح لكن بالعكس، وهي شبيهة  بقطعة فولاذية ثابتة توضع في القدمين مع قطعة ثانية متحركة وتقوم بالإلتفاف على القدمين وتتسبب بأذية وعذاب غير محتملين لعظام القدم، وفي تلك الأثناء كان أحدهم يضرب أعلى الرجلين والآخر يصعقني بالكهرباء من أسفل الرجلين. حتى قلت لهم سأعترف لكم بكل شيء، واعترفت على امتلاكي “روسية” بالرغم أنني لا أملك أي نوع من السلاح، والضابط نفسه يعرف أنني “الرجل البخاخ”.

    ويقول المعتقل السابق موفق الجندلي:

     “كنا نتعرض للتعذيب عن طريق وضعنا في دولاب ( إطار) سيارة ويضعون قطعة حديد بين القدمين ويضغطوها على القدمين لمنعي من التحرك ويقلبوني على ظهري ويبدأون بالضرب. كنا نضرب بعدد لا يقل عن 150 ضربة في المرة الواحدة واحيانا تصل الى 200 أو 300 ضربة. بالإضافة الى التعذيب بالكهرباء،  وسكب المياه المغلية، حتى كان يجري استخدام جمر (الأرجيلة) وطفي أعقاب السجائر في الجسم.

     كان التعذيب يزداد وكانوا يطلبون مني الاعتراف بأسماء، كنت أعلم ما هو مصير أصدقائي ان أعطيتهم اسمائهم، كان الصمت واجباً، لكن بنفس الوقت يجب ان تقوم بإعطائهم أسماء لتخفف عن نفسك العذاب، فأعطيهم أسماء الناس المكشوفة أصلا والتي كانت في واجهة العمل لكنهم كانوا يريدون الاسماء الغير معروفة.

     تم شبحي لفترات طويلة، أقل واحدة منها هي ثلاثة أيام. حيث يتم تعليقي من اليدين الى الخلف ورفعي مع بقائي على أطراف القدمين حيث يتم ضربي أثناء ذلك بأنابيب بلاستيكية، كما أنهم كانوا يلقون بمخلفات طعامهم وقمامتهم علي وأنا مشبوح، أيضا كانوا يضعونا في غرفة حمام لاتتجاوز مساحتها 80 * 90 سم ويقوموا بصب المياه المغلية علينا، من شدة الجوع والتعب والعذاب تعرضت لحالة الفصل ( الهذيان ) حيث تصبح غير واعي لما تقوله.

     لم يكن هناك مكان لانضرب عليه ( الرأس والجسد والقدمين) كل مناطق الجسم مباحة، وأقل فترة تحقيق لا تقل عن ثلاثة أو أربعة ساعات وكانت عملية تعذيبي تتمّ أسبوعياً.

     بعد عذاب دام أربعة أشهر ونصف وفي آخر أسبوع من رمضان قبل العيد قمت بالإعتراف حيث أخبرتهم أن هذا السلاح هو لي- مع أنهم هم من وضعوه في منزلي لتوريطي ولكنني أخبرتهم أنه لي بعد حوالي 100 ضربة والتعرض للكهرباء، حيث أننا كنا نقوم بتعداد الضربات للمحقق ونحن نضرب وعندما لا نقوم بعدَ الضربة يقوم المحقق بإعادة الضرب حتى يسمع رقم الضربة.

قررت الإعتراف بأشياء أكثر من التي يطمحون لها لكي يتم التوقف عن تعذيبي وطلبت من المحقق أن يعدني بأن يوقف الضرب بعد الإعتراف فأجابني أنه لن يقدم لي الوعد، طلبت فكي من الدولاب قبل أن اعترف ولكنه رفض أيضاً رغم أنيّ كنت صائماً، ولكنني أصريت على أن يقوم بفك قيدي أولاً من الدولاب حتى أعترف فاستجاب أخيرا.

شعر المحقق بالسعادة بعد اعترافي، سألني عن العمليات التي قمت بها فأجبته أني قمت بوضع حواجز في مدينة عربين لمنع دخول الجيش الى المدينة ولم تتم معارك بيننا وبين قوى الأمن….تم بعدها نقلي الى زنزانة اسمها (الجماعية الثانية).

نساء معتقلات مع أطفالهنّ في جوية حرستا

أكد جميع الشهود الذين التقيناهم وجود نساء معتقلات في جوية حرستا. وحول ذلك يقول فواز بدران:

    “أودّ أن أشير إلى أن عملية تعذيب النساء “في جوية حرستا” لا تختلف عن عملية تعذيب الرجال حيث يتم تعذيبهم بنفس درجة تعذيب الرجال تقريباً. حيث يتمّ وضعهم في الإفراديات وكان هنالك امرأة من ضمنهم مسؤولة عنهم وكان هنالك إحداهن ملقبة بأم قمر “وتم اطلاق سراحها لاحقاً .. وكان يطلب منها تلبيس النساء “البنطلون” لكي يتم وضعهم في الدولاب أثناء التحقيق، وهم يلبسون الحجاب، وكان يتم وضع النساء في “القفص الأول” والقفص كان عبارة عن أربعة منفردات وكل منفردة تحوي ما بين ال 6 إلى 7 معتقلات، وكان هنالك بعض الأطفال مع  المعتقلات، ويوم انفجرت سيارة مفخخة في الفرع كان عدد النساء كثيراً جدا، ثم بدأنَ بالبكاء والصراخ نتيجة التفجير، وذهب الحراس وقاموا بضربهم بقسوة بسبب خوفهم وصراخهم، وكانت أغلب النساء المعتقلات من أهالي نشطاء مطلوبين، وقد اعتقلن للضغط على النشطاء لتسليم أنفسهم. ويتم تغميض أعين المعتقلات أثناء التحقيق، وكان يتم تعذيبهم بطريقة الدولاب والصعق الكهربائي وجميع وسائل التعذيب الأخرى، وكان يتم إهانتهم أثناء اخراجهم الى الحمامات … وكنا نسمع صراخهم أثناء عملية التحقيق.

المعتقلة أم قمر مع عدد من بناتها بقيت 8 أشهر في المعتقل، وكانت هنالك معتقلة أخرى أسمها رقية من دير الزور، وكانت تهمتها “الاستدراج” وكنت أشاهدهم لأني كنت اقوم بأعمال السخرة داخل الفرع، وكانت هنالك نساء معتقلات كبيرات في العمر، وكانت هنالك معاناة في الطعام والأدوية، واللباس، وكانت المعاناة شديدة جداً..”.

أشغال شاقة

    في الفترة الأخيرة بدأ فرع الجوية في حرستا بشكل جديد من أشكال العقوبات بحق المعتقلين القدامى في الفرع، عبر تشغيلهم بالأشغال الشاقة من حفر وبناء في مواقع عسكرية، وسط جميع أشكال التعذيب والتنكيل التي لايمكن تخيلها. وبمجرد أن يفقد السجين أية قدرة جسدية له على المقاومة، تجري تصفيته بعد تعذيبه أي يتمّ إعدامه إعدماً ميدانياً.

يقول المعتقل موفق الجندلي:

     “بتاريخ 19 رمضان 26-7-2013 نادوا على إسمي وأخرجوني من الزنزانة وتم اخذي الى المكتب وكان هناك شخص مد يده لي لكي أقبّلها، فقمت بتقبيل يده، فقام بمسك حنجرتي لمدة دقيقة وقام بحبس نفسي، ثم قال لهم (نفسه طويل !). اخبرني بأني سأذهب معهم في مهمة لمدة عشرة أيام وسأقوم بعملية حفر بالصخور في حاجز المخابرات الجوية وسألني: هل انت متعاون يا إبني؟

اجبته نعم أنا متعاون، أخذوا توقيعي وبصمتي على أوراق لا أعرف فحواها، علمت فيما بعد أنني وقعت على حكم إعدامي.

وفي الطريق كانوا يحرقوننا بالولاعات بأيدنا ووجوهنا. قالوا لنا أن الرب هو بشار وأن الضباط هم الرسل والملائكة هم المساعدون وإنّ العمل عبادة، ويجب أن يكون عملك متواصلا لأنك اذا لم تعمل طوال الوقت ستفكر بالهرب”.

يقول المعتقل أحمد حمادة:

في أحد الأيام “اضطررت لاختراع إبرة من شريط تربيط سميك عبر حفه بالجدار لمساعدة المعتقلين لخياطة ملابسهم الممزقة، عبر سحب الخيوط من البطانيات. فما كان من أحد العواينية “المخبرين” إلا أن قام بالتبليغ عني حيث جرى استدعائي وضربي من قبل نحو 15 عنصر، وتقرر نقلي للمنفردة من التنفس. وقد جرى كتابة اسمي بالأحمر ما يعني أنه سيتم إعدامي بتهمة “محاولة تفجير الفرع بإبرة الخياطة”.

    في حوالي الساعة الواحدة ليلا جرى النداء على أسمائنا حيث كنت أنا ووائل سراقبي وغسان بلور ومحمد الخطيب وفواز بدران. قيدونا مع بعضنا البعض بالسلاسل “بالجنزير”، وجاء ضابط قصير القامة ملتحي يدعى معن، برتبة مقدم وكان يلقب بأبو الموت، عندما أطل علينا قال لنا: كيف الشباب؟ قلنا له الحمد لله، قال لنا: بحب عرفكم على حالي، أنا عزرائيل، أو ليش عزرائيل، أنا الله، ستذهبون معي إلى ديار الحق، لكن باعتبار أنني الله سأطيل بأعماركم بضعة أيام. وساقنا إلى سيارة نقل صغيرة “سوزوكي” وانطلقنا. كان يوم 13 أو 14 رمضان أي في يوم 14 أو 15 تموز 2013 ، ثم أخذونا إلى “المتحلق الجنوبي” حيث يوجد جسر وتحته نفق يبتعد عن الفرع نحو 500 م او 1 كلم، كان نقطة دفاعية للفرع بقيادة مقدم تابع للفرقة الرابعة.

    كان هناك حاجز فيه نحو ستين جندي ونقيبين وملازم أول والمقدم “أبو الموت”. قاموا ببناء غرف في ذلك النفق “العبَارة التي ننزل منها من المتحلق إلى عربين” وكانت العناصر تقيم هناك، حيث وصلنا تقريبا الساعة الثانية ليلاً، ليستقبلنا جميع عناصر الحاجز بالضرب بالعصي والهراوات والجنازير “السلاسل الحديدية” والماء الساخن جداً إضافة إلى حرقنا بالنايلون، واستمروا بضربنا حتى الصباح، في الصباح أخذونا لأطراف المتحلق لحفر خنادق وكان طول كل خندق حوالي 180 سم أي “بطول الإنسان”، لحماية عناصرهم من القنص ووضع حجارة في وجه المحارس. كنا نقلع “حجارة الأرصفة” السوداء ونحملها، وزن كل حجر كان نحو 115 كلغ، وكنّا قد خرجنا من الفرع منهكي القوى، وكنا بالكاد نستطيع حمل أنفسنا، ثم جعلوني أحمل هكذا أوزان، كنا نحملها من “حلاوة الروح” وتجنباً للمزيد من الضرب والتعذيب، ونصعد بها إلى المتحلق ونحفر ونعبئ أكياس الرمل للسواتر. عمل شاق ومتواصل ومن دون نوم. إذا أردنا شرب الماء يجب أن نقبَل حذاء المقدم أبو الموت وله الخيار في أن يسمح لنا بالشرب أو لا يسمح. الكبلات وراءنا والعساكر لديها ضوء أخضر أن تفعل ماتريد معنا وبأي شكل من التعذيب.

ويروي المعتقل السابق لؤي البلور أيضاً تجربته مع الأعمال الشاقة فيقول:

    “كان قد مضى على وجودي في الجماعية نحو سنة وشهر عندما جاء المساعد أشرف وأخرجني منها. وجدت بانتظاري شخص يقولون له “أبو الموت”، فمد لي يده حتى أقبلها، فقبلتها! ثم قال لي أنني سأذهب الآن إلى “العمل”، وإن لم أعمل جيدا سيتم إعدامي مباشرة.

     نقلوني بسيارة نقل صغيرة “سوزوكي” بعد تغطية رأسي واستمروا بضربي وصعقي بالكهرباء وصب الماء فوقي طيلة الطريق، و”أبو الموت” يقول لهم، اضربوه، خذوا بثأركم منه”.

     “عندما وصلنا إلى الجسر أخبر أبو الموت جنود الحاجز أنه أحضر لهم شخصا كي يتسلوا به! وبدؤوا بضربي حتى شارفت على الموت، فأمرهم أبو الموت بالتوقف قائلا لهم نريده أن يعمل الآن لا أن يموت. بعد ذلك التقيت بزملائي فواز بدران وأبو كاسم النداف من زملكا، وأخبراني بأن ثلاثة معتقلين قد أعدموا في هذا الموقع حتى اللحظة. أعطونا عدة الحفر بعد قيدنا نحن الثلاثة بقيد “جنرير” واحد، وهم يقولون لنا، أنتم مسلحون سنقتلكم على العيد مثل رفاقكم. كانت فترة الاستراحة ثلاث ساعات فقط، وكانوا أثناءها يضربوننا بالحجارة، أو يصبوا ماء ساخن علينا، أو يشعلوا أكياس نايلون ويجعلوها تنقط فوق أجسادنا”.

إعدامات بدم بارد

إعدام سراقبي وبللور، يقول أحمد حمادة:

     “في اليوم الثاني (لعملنا في الحفر) تعب أحد المعتقلين جداً وهو المعتقل “غسان بلّور” وكان عمره بحدود الأربعين سنة، حيث كان قد مضى على اعتقاله حوالي سنة ونصف في الفرع، وقلّ انتاجه بالحفر كثيراً وكان “نظام العمل” الذي سنّه المقدم “معن أبو الموت” يقول بقتل المعتقل حين يصل لمرحلة عدم الانتاج والتعب الشديد، ثم تعب بعده المعتقل “وائل سراقبي” وطلب من المقدم استراحة فقط لمدة ربع ساعة فقط ! وقال: هل تريدون الجلوس؟ نعم سوف أسمح لكم بذلك، ثم قام بفك السلاسل وفصل المعتقل “وائل سراقبي وغسان بلّور” عن المجموعة، وأخذهم إلى جهة أخرى، وكانت فترة الظهيرة، وبقينا نحن الثلاثة الآخرون مقيدين إلى سلسلة “جنزير” واحد ….

     بعد مرور حوالي ساعتين جاءنا المقدم، وقال لنا “رفقاتكم راحو” حيث تمّ قنصهم من قبل القناصة، ولكننا لم نصدقه، حتى جاءت فترة المغرب، ثم قال لنا تعالوا واحملوا “الفطايس” لكنني لم اصدق ذلك، ثم انتقلنا من مكان لمكان ورأينا مثل شادر كبيرة “قطعة من القماش لصناعة الخيم” ثم أمرنا بحفر قبور لهم، فحفرنا قبراً، وفي منتصف عملية الحفر، ظهر لنا حجر كبير، فطلب المقدم عدم اكمال الحفر، ثم اتصل مع الفرع وقال لهم هنالك شخصين قد ماتوا “فطسوا” فكان الرد من الفرع “بسيطة جيبن وتعال خود غيرن”.

     بعد رفعنا “للشادر” انصدمنا بوجود جثتين تعودان لمعتقلين: غسان بللور ووائل سراقبي، فقمنا بحملهم ووضعهم في السيارة، ثم أخذوهم إلى الفرع، وبقينا في الحاجز أنا وفواز بدران ومحمد الخطيب

يقول المعتقل السابق فواز بدران:

     “بقينا نحفر ونعمل، حتى ذهب المقدم إلى الفرع وأمضى نحو ساعة، ليعود ويجدنا جالسين نرتاح، فيأمرنا بالانبطاح ويبدأ بضربنا مع عساكره بشكل وحشي، بلور كان عمره نحو أربعين عاما ولم يتمكن من الاستمرار في العمل، وأصبح ينزف من رأسه كثيرا، ينزف علينا وعلى ثيابنا باعتبار كنا مقيدين إلى نفس القيد “الجنزير”.

فكوا وائل سراقبي وغسان بللور عن جنزيرنا وأرسلوهم للعمل أمامنا. سمعت المقدم “أبو الموت” يتحدث على اللاسلكي مع قناصة القوة ويطلب منه قنصهم. اعتقدت أنه يمزح، حتى رأيت رأس غسان بنفسي وقد تفجر. ولكنه ورغم ذلك، فقد ذهب المقدم وأطلق عليه الرصاص عليه مباشرة.

     حدث ذلك في الصباح، وعندما حل المساء نادوا علينا كي نحمل الجثث ونحفر القبر، لكن الفرع طلب على اللاسلكي احضار الجثث إليه، فطلبوا مننا حمل الجثث إلى سيارة نق صغيرة “السوزوكي” وكانت قد يبست وفاحت رائحتها حيث بقيت ملقاة هناك طيلة اليوم في الحر والشمس. أثناء حملنا للجثث بدؤوا بضربنا أيضا”.

إعدام الشالط والنداف والخطيب:

يقول فواز بدران:

    أخذوا الشهيدين سراقبي وبلور وأحضروا بدلاً منهما أبو كاسم النداف من زملكا وعبد المعين الشالط من دوما. أنزلوهم من السوزوكي وبدؤوا بضربهم. سمعنا أصواتهم وهم يتعرضون للضرب والتعذيب، حتى فقدوا القدرة على العمل في الحفر. أحضروا عبد المعين وبدؤوا بتفريغ بارود الرصاصة على صدره بكتابة اسم بشار الأسد واحراق ذلك البارود. وأشعلوا أكياس النايلون وجعلوها تنقط على جسده، وضربوه بالعصا على رقبته.

      بقي معنا أبو كاسم النداف ولم يكن يستطيع العمل في الحفر من شدة التعذيب فكانوا فقط يستمرون بتعذيبه، وبقيوا على ذلك لمدة خمسة أيام متتالية حتى جاء المقدم “أبو الموت” من إجازته فأخذوا النداف جانبا وأعدموه برصاصة في رأسه.

     أرادوا أيضا إعدام محمد الخطيب، فنادوا عليه، عرف أنه ذاهب إلى الموت، فودعنا وطلب منا أن نقرأ له الفاتحة، ورحل. وعندما حملنا جثمانه وجدنا أنهم قد أطلقوا النار عليه في يديه ورجليه ورأسه، أي أنهم أعدموه بعد تعذيبه”.

ويقول أحمد حمادة:

أحضروا المعتقلين محمد خير النداف، وعبد المعين الشالط من دوما، وكانت حالة المعتقل عبد المعين سيئة جداً، وجسمه كان أزرقاً كله من المرض والتعذيب، وكان ينازع الموت، عاش فقط ست ساعات، في الحاجز، تعرض فيها لأشدّ أنواع التعذيب. لا أظنّ أنّ أحداً في هذا العالم قد تعرّض لمثل هكذا تعذيب في حياته من حرق بأكياس النايلون، إلى الحرق بالبارود، حيث قاموا بكتابة اسم الطاغية “بشار الأسد” على صدره بالبارود (وإشعاله)، إضافة إلى سكب الماء الساخن عليه، طلبوا منه “الكفر” شب وسب الذات الإلهية، لكنه رفض، وفارق الحياة بعدها أيضاً.

 هنا تأكدنا أننا كلنا سوف نلاقي نفس المصير، وأن اي شخص يأتي إلى هنا سوف يلاقي المصير نفسه ….

     ثم اتصل المقدم مرة أخرى إلى الفرع وأخبرهم أنه مات معتقل آخر، وطلب جلب أحد آخر “عوضاً عنه” وأيضاً قمنا بحمله ووضعه في السيارة ليتم أخذه إلى الفرع، ليحضر عوضاً عنه معتقل اسمه “لؤي بلّور” من مدينة كفر بطنا بريف دمشق، وفي هذه الأثناء فقد المعتقل “محمد خير النداف” القدرة على التحرك بسبب شدة الصدمة نتيجة قتل زميله المعتقل “عبد المعين الشالط تحت التعذيب” حيث بقي جالساً وكان لا يستطيع القدرة على العمل، فقاموا بأخذه إلى مكان التعذيب، حيث تعرض للتعذيب يومين متتاليين …..

     كان مشهد التعذيب مبكياً ولكننا لم نكن نستطع البكاء “لأنه ممنوع” ونتيجة تعرضه للتعذيب الشديد تشّوه كل جسمه …. نظر المقدم إلينا جميعنا، ثم قام بأخذه مع المعتقل “محمد الخطيب” بعيداً قليلاً ثم قام باطلاق النار عليهما واعدامهما ميدانياً. وقد سبقت عملية اطلاق النار عليهما أن جعلهما المقدم “كأهداف للجنود” فيطلب من أحدهم اطلاق النار على يده، ويطلب من آخر اطلاق النار على ركبته ….

      لم تنزل الدماء من جثة المعتقل “محمد خير النداف” نتيجة شدة تعرضه للتعذيب والأمراض التي أصيب بها داخل المعتقل، وكان موقفاً صعباً جداً، ثم وضعناهما أيضاً في السيارة وتمّ أخذهما إلى الفرع وقاموا باحضار عوضاً عنهم “حسان نصر الله من مدينة عربين، والمعتقل “موفق الجندلي” وأخبرناهما عن طريق لغة الإشارة بضرورة العمل بجد حتى لايتم اعدامهم مثل بقية المعتقلين، وفي اليوم الذي تلاه بدأنا نفكر بالهروب بشكل جدي، وأصلاً كنت أفكر في الهروب في 23 رمضان ولكن في سري، أمّا النتيجة المتوقع للنجاة أثناء الهروب فكانت بنسبة 1 % أو أقل، وبعد اتخاذ قرار الهروب، وتأجيله عدة مرات، قررنا أخيراً الهروب في ليلة القدر، وكان قبلها قد جاء إلي أحد الجنود وكان من محافظة درعا، وأخبرني أنه سوف يتم اعدامي غداً أي في ليلة القدر نفسها…

الهروب من اللحد إلى المهد:

يروي حسان نصر الله تفاصيل عملية الهروب قائلا:

  ” في الصباح وبعد نقلنا إلى مكان الحفر قال لنا الضابط:  إذا حاولتم الهروب في هذا الاتجاه فهنالك نقطة للجيش وهنالك تمركز لقوات الجيش في تلك البنايات، وقد سررت لسماع تلك المعلومات، لأننا كنا قد خططنا للهروب من هذا الاتجاه، وقد لاحظنا أنه لا يتوقع هروبنا ابداً، وأعاد الـتأكيد علينا إذا أردنا الهروب فهنالك قوة متمركزة  للجيش بالاتجاه السابق، وفي

الاتجاه الثاني هنالك قناصين للمسلحين “وكان يقصد بهم عناصر الجيش الحر” ، وهنالك قوة للجيش النظامي في اتجاه القابون وهم مزودون بالقناصة، وإذا استطعتم النجاة من كل هذه النقاط العسكرية، فإنكم سوف تكونون هدفاً سهلاً لقناصي المحرس الموجود هنا “أي فرع المخابرات الجوية” وقال الضابط: وأنا موجود أصلاً ومن أجده يبتعد أكثر من أربعة أمتار سوف أقتله على الفور ….

      عندما سمعنا كلام الضابط، سررنا جداً لأنه قام باعطائنا معلومات مهمة عن المكان بطريقة غير مباشرة وذلك نتيجة لغبائه، واستغلينا هذا الكلام لتحديد أماكن تواجد القناصين والنقاط العسكرية، وأين مكان تواجد وتمركز عناصر الجيش الحر…. وعند حلول فترة العصر، تم اطلاق النار باتجاهنا من منطقة المزارع وهو المكان الذي يتمركز فيه عناصر من الجيش الحر، وسمعنا أصوات اطلاق نار قريبة، وتأكدنا من وجود الجيش الحر هناك، وتأكدنا أنه بمجرد وصولنا إلى تلك المنطقة سوف نكون بمـأمن عن نيران قوات النظام.

     حاولنا الهروب في ليلة 26 رمضان مستغلين حلول الظلام، ولكن المحاولة باءت بالفشل نتيجة تغييرهم مكان الحفر الذي كنا نعمل فيه فأصبح الحفر باتجاه منطقة برزة،  عكس مكان الحفر الأول حيث كانت المساحة خاوية وكانت تبعد 500 متر فقط عن مكان تواجد الثوار.

     وقد قمت في نفس الليلة بقضاء ركعتين استخارة لله ، وصممنا على الهروب في ليلة 27 رمضان حيث أنه تأكد مجيء المقدم لينفذ فينا حكم الاعدام في صباح 28 رمضان، وقد قمنا بالترتيبات اللازمة، وفي اليوم التالي يوم 27 رمضان وهو نفس ليلة القدر، كانوا يقدمون العشاء عادة في حوالي الساعة التاسعة مساءً ، ولكننا تفاجأنا بإرجاعهم لوجبة العشاء، ولم نتناول وجبة العشاء وإنما اكتفينا بالطعام المتوافر على الحاجز، حيث كانت كمية الطعام كافية نسبياً، لأنهم كانوا يقومون بتغذية المعتقلين لكي يقدروا على العمل لعدة أيام متواصلة ومن ثمّ كانت تتم عملية الإعدام للمعتقلين، حيث وصف المقدم العملية “بالتسمين” وقال يجب أن تتغذوا كالخرفان حتى يتم التضحية بكم في يوم العيد.

     استكملنا عملية الحفر بعد فترة العشاء، في حوالي الساعة العاشرة والنصف، وسألت المعتقلين الذين كانوا برفقتي عن الجهوزية للهرب، فأجابوا بأنهم على أهبة الاستعداد، وكان الرقيب الأول المتطوع ويدعى “حسن” الحارس المسؤول عن مراقبتنا في تللك النوبة من الحرس، وكان يبعد عنا مسافة 15 متراً، وكان يلعب بجواله ويستمع للأغاني، ونحن نقوم بالحفر في النفق – الخندق المطلوب منا حفره …. وقام أحدنا بعملية تمثيل للحفر، والآخر يرمي التراب ليصنع الغبار، وقمت مع المعتقل “أحمد حمادة، أبو عماد” بكسر القيود بالقازمات “آلة حادة تستعمل للحفر” ثم قمنا بتحرير المعتقلين الثلاثة أولاً، ومن ثمّ قمنا بتحرير نفسنا “أنا وأبو عماد” ..وكان الظلام حالكاً جداً، وتريثنا إلى أن يقوم الحارس “بتغيير الأغنية” حيث سوف يقوم جهاز الجوال ببث ضوء على عيون الحارس “حسن” والذي سيمنعه من رؤيتنا، وتمّ تحديد نقطة ضمن البساتين التي ننوي الهروب إليها وكانت عبارة عن “مدجنة” مكان لتربية الدواجن، وهنالك سوف نقوم بملاقاة بعضنا في حال أضاع أحد منّا السرب، حيث سنقوم بعدها باكمال الطريق إلى مدينة عربين – بريف دمشق …..

ثم قام الحارس “حسن” بتشغيل ضوء الموبايل.. وفي تلك اللحظة قمنا بالانطلاق رغم وجود نقطتين للحراسة، وفي كل نقطة هنالك تواجد لقناصين اثنين، بالإضافة إلى رشاش بي كي سيه، ثم بدأت عملية الهروب وانطلقنا في اتجاهات مختلفة:

     المعتقل موفق الجندلي اتجه نحو الشمال، ومعه المعتقل لؤي بللور، وأخذنا أنا وفواز وأحمد حمادة اتجاها مختلفاً وكان باتجاه منطقة القابون وليس باتجاه منطقة المزارع، وكان هنالك نقطة عسكرية أيضاً تابعة للجيش النظامي، وبعد تجاوزنا مسافة الثلاثين متر تقريباً وكانت خلال ثوان معدودة، تنبه الحارس “حسن” إلى عملية الهروب، ونادى بأعلى صوته “قف، قف … ” لكننا تابعنا الركض السريع، ثم بدأ باطلاق النار المباشر علينا، وفي تلك الأثناء بالذات بدأت نقطتا الحرس الموجودتين أيضاً بفتح النار باتجاهنا،  وكانت الرصاصات متجهة نحوي بشكل مباشر  ومنه باتجاه النقطة العسكرية التابعة للجيش النظامي، فبدأت النقطة العسكرية الأخرى التابعة للنظام بفتح النار بعد أن ظنوا أن المصدر الأول للنار هم عناصر من الجيش السوري الحر، ثم قمنا بتغيير اتجاهنا نحو الشمال، باتجاه منطقة المزارع، ثم سقطت فيما يشبه النهر، وكانت قواي قد أوشكت على الانهيار، وكنت أسقط وأقوم مجدداً ومع كل عملية سقوط كنت أعتقد بأنه تمت إصابتي بطلقات وأعيرة نارية، ولكن سرعان ما كنت أكتشف أنني لم أصب بأذى لأبدأ رحلة الانطلاق من جديد خلال أجزاء من الثانية.

     ثم قمتُ بالسباحة في النهر الذي سقطت فيه، بعكس التيار، حوالي 100 متر، وبعد أن نزعت ثيابي خرجت من النهر “في الحقيقة لم يكن نهراً كان وكأنه مثل “المجاري الصحية”. واتجهت باتجاه النقطة التي كنا قد اتفقنا عليها سابقاً. بعد أن وصلت قمت بالمناداة على أصدقائي الآخرين وكان من أجاب المعتقل أحمد حمادة من سقبا، والمعتقل لؤي بللور، بدأوا بالسؤال عن المعتقلين الآخرين أبو موفق وفواز، فاعتقدنا أنهم استشهدوا، ولكنّنا تابعنا البحث عنهم والمناداة عليهم، ولكن دون جدوى.

     ثم تابعنا المسير باتجاه البساتين متجهين نحو المناطق الآهلة بالسكان، ثم بدأت مرحلة الخوف من نيران الجيش السوري الحر، وبعد الدخول فيما بين مزارع “الرمان” سمعنا بوجود أشخاص أمامنا، فقمنا بالجلوس، حيث أننا لاحظنا مجيء ثلاثة أشخاص باتجاهنا، واعتقدنا في البداية أنهم من عناصر الجيش النظامي، ولكن ما اقتربوا أكثر حتى تبين أنهم شباب في مقتبل العمر، ويتكلمون بلهجة أهالي ريف دمشق، وتحديداً من مدينة عربين، فقمت برمي قطعة “البلوك” التي كنت قد حملتها للدفاع عن نفسي، وقررت التعريف عن نفسي، بعد التأكد أنهم من الثوار، فطلبت منهم عدم الطلاق النار، وأخبرتهم أننا معتقلون هاربون من فرع المخابرات الجوية بحرستا، واسمي “أبو رامي شكر، من منطقة عربين” وكانت ردة فعلهم جريئة وطبيعية، ثم طلبوا منا الانبطاح، فطلبت منهم الأمان والحماية، وكان هنالك بين المقاتلين الثلاثة شاب في مقتبل العمر من منطقة عربين وكنت على معرفة بعائلته، وعندما اقترب أكثر قام بالتعرف على ورمى سلاحه وقام باحتضاني ……

      ثم قاموا بنقلنا إلى أقرب نقطة طبية، في عربين، وأخبرناهم أن هنالك معتقلين آخرين: موفق وفواز أضعناهم أثناء عملية الهروب، وطلبنا منهم عدم اطلاق النار عليهم في حال صدق وأن وجدوهم، وفي تلك الأثناء كان المعتقل موفق الجندلي قد

التقى أيضاً مع نقطة عسكرية تابعة للجيش السوري الحر، ولكنه لم يمتثل لأمر الوقوف، فقاموا بطلاق النار عليه وأصيب بثلاثة طلقات على أثرها، حيث قاموا باسعافه إلى أقرب نقطة طبية أيضاً….

يقول فواز بدران:

     بعد إعدام الشهداء الثلاثة، أخذوا الجثث إلى الفرع وأحضروا بدلا منهم موفق الجندلي وحسان نصر الله من عربين. …هكذا التقينا خمستنا وقررنا الهرب في ليلة القدر 27 رمضان. الساعة الثانية عشر ليلا وكنا نحفر أنفاق ومحارس، كسرنا الجنزير ورميناه بعيداً، وبالتالي لم يعد هناك من تراجع. كانت هناك جهة يدعون أن جيشهم ينتشر بها لكننا كنا نشاهدهم وهم يطلقون الرصاص في ذلك الاتجاه فعرفنا أنها منطقة الجيش الحر. انتظرنا الحارس الذي كان يسمع الأغاني على جواله حتى أضاء جواله وقلنا الله أكبر وبدأنا بالركض.

     قررنا عندما نهرب أن نكون متفرقين وركضنا باتجاه بساتين عربين حين اكتشف أمرنا وبدؤوا بإطلاق الرصاص علينا من جميع المحارس الموجودة. حتى شباب جبهة النصرة فتحوا النار علينا حيث اعتقدوا أن الأمن يتسلل إلى المدينة. والأرض التي كنا نركض عليها كانت ملغمة، بقينا نركض لمسافة نحو كيلومتر وضربوا علينا قذيفة هاون، وجدنا نهر بوجهنا فنزلنا به وقطعنا إلى الجانب الآخر حتى التقينا بشباب الجيش الحر”.

خاتمة

في نهاية لقاءنا مع شهود “فرع الإجرام” في جوية حرستا، اجتمع الناجون من الموت، أحمد حمادة، فواز بدران ولؤي بلور.

أحضروا معهم بقايا الجنزير الذي ربطهم سوية وكان سيجمعهم على مصير الموت المحتم لو لم يتمكنوا من تحطيمه في الوقت المناسب.

يقول أحمد حمادة:

     هذه السلاسل ( التي كان يتم تقييد أرجلنا بها )  لها قصة، قصة معاناة، كنا ممنوعين من مسك السلاسل أو وضع يدنا عليها، وكنا مقيدين نحن الثلاثة إلى هذه السلاسل، وكانت عملية المشي صعبة جداً، فقد كان ثلاثة  أشخاص مقيدين إلى هذه السلاسل، فمثلاً عندما كان يريد الشخص الذي في المنتصف أن يتوقف، كانت السلاسل تمنع الشخص الأول من متابعة المشي وتجرح قدمه، وكنا نتعذب فيه كثيرا، لأنه كان يسبب جروحا في أقدامنا، وكنا نعتذر من بعضنا عند كل عملية وقوف.

     وكانت المعانة الكبيرة أثناء خروجنا لقضاء الحاجة “التواليت” حيث كان الدخول يتم بشكل جماعي، وكنا نتمنع عن الخروج إلى الحمام بسبب ذلك، وكان أحدنا إذا أراد أن يقوم باي شيء كان يجب أن يتم الأمر بشكل جماعي، كان مثلاً يتم ضرب أحدنا من قبل العناصر ويتم الطلب منه الذهاب إلى جهة معينة “وهو مقيد مع المعتقلين الآخرين” أي يريد من أحدهم

الذهاب دون الآخرين “وهم مقيدين إلى نفس السلاسل” وعند محاولات الذهاب المستحيلة يبدأ الضرب والتعذيب من قبل العناصر، وكان من بين أكثر المواقف سوءاً هو طلب عملية الركض وجميعنا مقيدين إلى السلاسل، وكانت الدماء والجروح تملأ مكان السلاسل المقيدة، وما زالت آثارها واضحة حتى الآن على أقدامنا.

كانت لحظات مرعبة جداً أثناء عملية فك السلاسل، حتى أن أحد العناصر طلب منا تغيير مكان الحفر ونحن نقوم بفك السلاسل، فطلبنا منه الانتظار لثوان معدوة لنكمل الحفر فوافق على ذلك.

وبعد أن حمل موبايله المحمول وظهر ضوء الشاشة قمنا بعملية الهروب، وطلب منا الوقوف فلم نلتفت إليه فبدأ باطلاق النار المباشر علينا. الحلقة التي تمّ قطعها من السلاسل كانت الخلاص لنا جميعنا.

وتوجه أحمد برسالة أخيرة:

    أريد توجيه رسالة لمنظمات “حقوق الحيوان”، أنه يوجد العديد من البشر وليس الحيوانات في فرع المخابرات الجوية، وهم يعانون ويتم تعذيبهم بشكل لا يوصف،  فإذا كانوا يدعون أنهم منظمة حقوقية، عليهم أن يقوموا بزيارة إلى الفرع، ليشاهدوا الأمراض المنتشرة بين المعتقلين، نحن لا نطلب تحريرهم فقط نريد منهم الذهاب ومشاهدة الأمراض المنتشرة.

….. بعدما انتهت رحلة هروبنا لايزال هناك نحو 400 معتقل مهددين بالإعدام، أنا اعتقلت سنة وثلاثة أشهر وأعرف تهم معظمهم واعترافاتهم وأعرف أنه سيتمّ إعدامهم بالتأكيد. وضع المعتقلين سيء جدا، وظروفهم صعبة جدا، أتمنى أن يصل صوتنا للانسانية، وأية منظمة أن تكون بقدر المسؤولية..

وبالعودة إلى الحاجز: أودّ أن أتوجه برسالة وهي أمانة في عنقي لأقول لجميع العالم، أن حجم المعاناة كبير جداً على الحاجز “عند عمليات الحفر” وخاصة على يدّ ذلك المقدم المدعو “معن أبو الموت” عديم الدم، حتى أنه كان يمنع الماء عن المعتقلين قبل اعداهم، وجميع من تمّ اعدامهم ماتوا عطشى، وكنا إذا نريد أن نشرب الماء كان يجب أن نقبل حذائهم، ونناشد الإنسانية أن تساعدنا للقضاء على هذا النظام الجزار ويتدخلوا لوقف عمليات الاعدام في فرع المخابرات الجوية في حرستا.

ويقول فواز:

     “نريد أن نوصل للناس ما يحدث من فظاعات عما يحدث هنالك، وأن يشعروا بالناس الموجودين داخل المعتقل، والمعتقلين لا يطلبون تحريرهم من قبل الجيش الحر وإنما يتمنون دخول عناصر الجيش الحر والقيام بعمليات انتحارية لقتل الجميع من حراس ومعتقلين على السواء ليتخلصوا من العذاب الشديد داخل المعتقل..الموت أرحم.

    ويظن العالم أن نظام الأسد منتصر ولكنه غير منتصر، ونحن نتحداه ونتحدى نظامه، والله معنا لأن ما حدث لنا كان معجزة..

أضاف حسان نصر الله:

 ” كل معتقل بفرع المخابرات الجوية حاليا محكوم عليه بالإعدام، ولكن ذلك يتم على مراحل بالتنسيق ما بين “المقدم معن” وعميد الفرع، من دون علم الضباط الأدنى رتبة، والمعتقلون الذين بالداخل لايعلمون بأنه محكوم عليهم بالإعدام، وعندما يتم إعدامهم يتم دفنهم مباشرة ولا يتم تسليم الجثة لذويهم، وهنالك 400 معتقل في فرع المخابرات الجوية بحرستا، محكومين بالاعدام، بينهم نساء، منهم من مدينة عربين بريف دمشق، وكان عددهن حوالي سبع نساء، وكان قد حكم على 11 بالاعدام وهم من منطقة عربين، من بينهم طفل يبلغ من العمر 13 عام واسمه عبد الرحمن ظريفة عن طريق مقدم الفرقة الرابعة المقدم معن.

قائمة ببعض الأسماء التي استشهدت في جوية حرستا

1 – فواز البدو، زملكا، ريف دمشق.

2 – آل النداف، زملكا، بسبب ضيق التنفس في الجماعية.

3 – معتقل من جوبر، بسبب ضيق التنفس في الجماعية.

4 – عبد المعين الشالط، دوما، استشهد تحت التعذيب بعد التشغيل.

5 – أبو كاسم النداف، زملكا، اعدام بعد التشغيل.

6 – محمد الخطيب، من مدينة كفر بطنا بريف دمشق، اعدام بعد التشغيل.

7 – وائل سراقبي، من مدينة زملكا، بريف دمشق اعدام بعد التشغيل.

8 – غسان بللور، من كفر بطنا بريف دمشق، اعدام بعد التشغيل.

قائمة ببعض المعتقلين في جوية حرستا

اسم المعتقل

                      ملاحظات

بلال عزو عناية

                      كفر بطنا _ معتقل من سنة و 9 أشهر

جهاد وهبة

                      كفر بطنا _ معتقل من سنة وشهر

عماد دحبول

                      كفربطنا _ معتقل من سنة و9 أشهر

محمد رمضان

                      من القابون  معتقل من سنتين

عبد الرزاق سعدية

                      كفر بطنا

هيثم الكردي

                      العبادة

فادي عثمان

                      من إدلب

مازن عراد

                      كفر بطنا

طريف البحش

                      كفربطنا

مأمون زينو

                      كفر بطنا

عبد الرحمن الخربطلي

                      كفر بطنا_ عسكري منشق

علاء البس

                      كفربطنا

علاء خليفة

                      كفر بطنا

أحمد نصر

                      الضمير_ عسكري منشق

نادر زينو

                      كفر بطنا

توفيق كحيل

                      من العبادة

مازن دغمش

                      عين ترما

الدكتور صلاح اسم الأب بشار الكنية لم يتذكرها

                      لديه عيادة بشارع بغداد

وائل زيدان

                      جسرين

أيمن جعفر

                      كفربطنا

عبد الرحمن الهبول

                      القابون

بسام عنطوز

                      القابون

توفيق البيطار

                      دوما

باسم المهايني

                      الميدان

لؤي دلبيق

                      الميدان

عبد العزيز الراغب

                      من إدلب يسكن في حي تشرين

محمد فوزي مريمة

                      من حي تشرين

وليد الأشتر

                      من حي تشرين

صبحي غضيان

                      من دوما

الدكتور سهيل نشيواتي

                      من حزب الشعب للتأكد  مواليد 1973-رجل أعمال من حمص

باسم شهاب

                      من حمص

رامي الدحلا

                      من زملكا

عمر نقرش

                      ضمير

محمد حمزة

                      من حي تشرين من ادلب

خليل الجمل

                      من برزة

وليد الجمل

                      عمره 16 سنة من برزة

قصي دوماني

                      من سقبا

باسل عصيري

                      من كفر بطنا

ربيع العصيري

                      من عين ترما

زاهر غنوم

                      من حمورية

هيثم الهندي

                      من حمورية

شادي غنوم

                      من حمورية

فياض الأسعد

                      من القابون أصله من إدلب

عزو عبد ربه

                      من كفر بطنا فرع الجوية حرستا معتقل من 18 شهر

محمود عطايا

                      من سقبا فرع الجوية بحرستا معتقل من سنة و3 أشهر

فراس الشرار

                      من سقبا فرع الجوية بحرستا معتقل من سنة و3 أشهر

وليد الصفدي

                      من سقبا فرع الجوية بحرستا معتقل من 18 شهر

عبدالله زينو

                      من القابون فرع الجوية بحرستا معتقل من سنة

حسن الخطيب

                      من القابون فرع الجوية بحرستا

بلال ليلى

                      من القابون فرع الجوية بحرستا

محمد دلبيق

                      من الميدان فرع الجوية بحرستا

باسل مهايني

                      من الميدان فرع الجوية بحرستا

محمد عطا

                      فرع الجوية بحرستا من شارع بغداد

أسامة هرباوي

                      من عربين معتقل في فرع الجوية بحرستا

هيثم المصري

                      من عربين معتقل في فرع الجوية بحرستا

سعيد قويدر

                      من عربين معتقل في فرع الجوية بحرستا

ابراهيم كنجو

                      من أدلب معتقل في فرع الجوية بحرستا

غياث ونوسة

                      من حمورية معتقل في فرع الجوية بحرستا

محمد ادريس

                      من حمورية معتقل في فرع الجوية بحرستا

غياث غنوم

                      من حمورية معتقل في فرع الجوية بحرستا

عمر نقرش

                      من ضمير معتقل في فرع الجوية بحرستا

ناصر غزال

                      من ضمير معتقل في فرع الجوية بحرستا

محمد غزال

                      من ضمير معتقل في فرع الجوية بحرستا

محمد شمدين

                      من ضمير معتقل في فرع الجوية بحرستا

خالد النعيمي

                      من كفر بطنا معتقل في فرع الجوية بحرستا

أحمد جديانا

                      من كفر بطنا معتقل في فرع الجوية بحرستا

مأمون ضفدع

                      من كفر بطنا معتقل في فرع الجوية بحرستا

صالح زينو

                      من كفر بطنا معتقل في فرع الجوية بحرستا

نور الدين الشاوي

                      من التل معتقل في فرع الجوية بحرستا

أحمد سريول

                      من دوما معتقل في فرع الجوية بحرستا طالب طب جامعة دمشق حالته الصحية مأساوية مصاب بتيبوس عظام

طالب النحاس

                      من دوما معتقل في فرع الجوية بحرستا طالب طب

أحمد عدس

                      من دوما معتقل في فرع الجوية بحرستا طالب طب

صبحي العجلوني

                      من العبادة معتقل في فرع الجوية بحرستا

عامر نايفة

                      من القيسا يداه مشلولتان من الشبح والتعذيب معتقل في فرع الجوية بحرستا

ربيع العصيري

                      من عين ترما معتقل في فرع الجوية بحرستا

العقيد حسين

                      من إدلب يسكن بمساكن الناصرية اتهم بتفجير مطار خنخلة بالسويداء

تقرير مصور لشهادات المعتقلين الخمسة

    علماً أنّ مركز توثيق الانتهاكات سوف يقوم بنشر كافة الشهاداة “المصورة كاملة” تباعاً.

أجرى جميع اللقاءات وجمع الشهادات، فريق الرصد الميداني في ريف دمشق، الغوطة الشرقية:

المنسقة العامة، المحامية: رزان زيتونة.

مجد الديك.

ثائر حجازي.

مونتاج: عروة النيربية.

——————————————————————-

لأية ملاحظات أو أسئلة يمكن التواصل معنا عبر بريدنا الالكتروني

editor@vdc-sy.info

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة العربية

http://www.vdc-sy.org/index.php/ar/reports

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة الإنكليزية

http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/

Creative Commons License

The Violation Documentation Center in Syria by The Violation Documentation Center in Syria

is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 3.0 Unported License.

Based on a work at http://www.vdc-sy.info/.

http://www.vdc-sy.info/index.php/ar/reports/1379156802

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...