الرئيسية / صفحات سورية / السوريون فيما يسبق «الحوار الوطني»

السوريون فيما يسبق «الحوار الوطني»


فايز سارة

لعله لا يحتاج إلى تأكيد القول: إن فكرة الحوار الوطني باتت الفكرة الأكثر حضورا في ظل الأزمة السورية، على الرغم من تناقضات المواقف التي تحيط بالفكرة، وهي تناقضات لا تستند إلى معارضة السوريين لفكرة الحوار الوطني، التي كثيرا ما أظهر السوريون ميلا إليها، حيث القطاعات الأكبر من السوريين مؤمنة بأن الحوار ليس سبيلا لمعالجة المشاكل، ومنها الأزمة الراهنة فحسب، بل طريقة لعيش السوريين، وللتفاهم فيمن بينهم، وهم الذين كانوا وما زالوا يشكلون تلوينات متنوعة عاشت في هذه البقعة، وسوف تعيش.

إن الأساس في تناقضات الموقف من فكرة الحوار في اللحظة الراهنة إنما يستند إلى طبيعة التطورات الجارية، التي باتت تقسم السوريين إلى ثلاثة مواقف مختلفة بصدد الحوار. أول هذه المواقف يتمثل في موقف المعارضة السورية، سواء الجماعات السياسية أو الشخصيات الوطنية، وكلها تجمع على تأكيد فكرة الحوار باعتبارها الطريق نحو خلاص سوريا من أزمتها الراهنة، بل إن هذا النسق من السوريين يعتبر أن الحوار هو الطريق الأمثل من أجل فهم سوري أوضح لطبيعة الأزمة وأسبابها، وأشكال الخروج منها.

غير أن موقف المعارضة في موضوع الحوار تأثر، على نحو واضح، بمجريات الأزمة نتيجة انخراط السلطة في المعالجة الأمنية العنيفة للأزمة وذهابها إلى الأعمق في إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وشن حملات الاعتقال والمداهمات ومطاردة الناشطين، ثم الذهاب إلى الأبعد في إدخال الجيش إلى معالجات الأزمة، مما دفع المعارضة إلى المطالبة بوقف مسار الحل الأمني، واتخاذ خطوات إجرائية بينها إطلاق المعتقلين والسماح بالتظاهر السلمي والآمن إلى جاب خطوات سياسية، تشمل إعلانات لإصدار قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية وآخر للإعلام، الأمر الذي يعيد بناء الثقة، ويسهل الدخول في عملية حوار، تقود إلى حل الأزمة وفق جدول موضوعي وزمني، يتم الاتفاق عليه عشية بدء الحوار.

وفي مقابل قبول الحوار من جانب المعارضة ووسط مطالبتها بتوفير بيئة للحوار، اتخذ الشارع السوري مسارا هو الأكثر تشددا في موضوع الحوار. وبخلاف ما كان ظاهرا في الأسابيع الأولى من حركة الاحتجاج والتظاهر في الميل إلى الحوار مع المسؤولين ورجالات السلطة، والرغبة في التفاعل مع حلول ممكنة للمشاكل المطروحة، فقد أخذ رفض الحوار ولقاء المسؤولين يصعد، والسبب، كما يبدو، مستمد من أمرين اثنين، أولهما: عدم جدية أو جدوى الإجراءات الرسمية الهادفة وعدم قدرتها على تهدئة الشارع، ومثال ذلك: أن حالات العفو عن السجناء والمعتقلين لم تكن عامة وشاملة، أو أن رفع حالة الطوارئ لم يتجسد عمليا بصورة تبدل حياة الناس وعلاقتهم بالأجهزة الأمنية، والعامل الثاني في تصعيد موقف الشارع من الحوار أساسه ذهاب السلطات إلى الأبعد في إجراءات الحل الأمني من خلال استمرار إطلاق النار والقتل والاعتقالات، واقتحام المدن والقرى، مما أدى إلى تزايد الغضب في أوساط المحتجين والمتظاهرين.

وإذا كانت تطورات موقفي المعارضة وحركة التظاهر من فكرة الحوار قد تأثرت بموقف السلطات وممارساتها العملية، فإن ذلك لا يعني أن السلطات كانت لديها فكرة عن الحوار، أو أنها كانت عازمة على الذهاب إليه، وأن فكرة الحوار كانت موضوعا داخليا بقدر ما كانت خطابا موجها للخارج؛ إذ إنه، طبقا لما جرى القيام به، فإن الأزمة في سوريا، كما بدت للنظام وأجهزته، ليست أكثر من قضية أمنية فيها محتجون متظاهرون وبعض «المسلحين»، ويمكن معالجتها بإجراءات أمنية تتواصل، ستؤدي إلى وقف حركة الاحتجاج، ولو بالترافق مع استجابة لطلبات تتعلق بالعمل والخدمات في بعض المناطق لتحسين مستويات حياة الناس في مناطق الاحتجاجات، وربما القبول بخطوات إجرائية ذات طابع سياسي، منها: رفع حالة الطوارئ، وإصدار عفو عام في إطار حركة إصلاحية، كانت السلطات السورية، تحدثت عنها وحولها في الأعوام العشرة الماضية.

لقد عكست هذه السياسة في التعامل مع الأزمة في سوريا استهانة بما حدث ويحدث، وفي الأبعد من ذلك عكست ضعفا في تقدير الوضع القائم، وما يمكن أن يتطور إليه الحال، وهو ما قاد إلى تجاهل الأزمة، بل إن الوزير المعلم في مؤتمره الصحافي الشهير تساءل عن الأزمة، بمعنى أنه كان ينكرها، على الرغم من أنه في المؤتمر ذاته تكلم عن الحوار وإمكانيته بالمساعدة في التوصل إلى حل يعالج الوضع القائم.

إن فكرة الحوار في جانبها الداخلي من الناحية الرسمية كانت أكثر تبسيطا مما هي عليه لدى المعارضة أو لدى شارع المحتجين؛ إذ هي تتضمن تقديم آراء واستشارات للسلطة حول ما يمكن القيام به من خطوات على طريق معالجة الوضع الحالي، وهذا يعني أن السلطات غير ملتزمة بما يمكن أن يفضي إليه الحوار من نتائج، ولأن الوضع على هذا النحو في الفهم الرسمي لفكرة الحوار ونتيجته، فقد بدا من الطبيعي استمرار تفاعلات الحل الأمني في الوقت الذي يجري فيه الحديث، وتتم الاستعدادات لإقامة أولى جلسات الحوار.

خلاصة الأمر: إن السوريين مستمرون في دورانهم حول فكرة الحوار والالتباسات المحيطة به، بمعنى أن المعارضة مستمرة في مطالباتها ببيئة الحوار والمتظاهرين في رفض الحوار، والسلطات في استمرار خيارها الأمني بالتزامن مع الكلام عن الحوار، وكله يدفع لسؤال أساسي عما يمكن أن يفضي إليه الحوار السوري إذا حصل!

* معارض سوري

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...