الرئيسية / صفحات سورية / السياسة الأميركية وبيع الوهم للسوريين

السياسة الأميركية وبيع الوهم للسوريين

البيان

طوال الشهور الأولى من انطلاقة الثورة السورية، لم تبد الإدارة الأميركية رأيها بشكل جدي، لا في الثورة ولا في مآلاتها، ولا في مستقبل النظام السياسي السوري.

وقد تآلفت الأحزاب المعارضة السورية في نهاية الأشهر الأربعة الأولى، وتبنت برنامجاً بسيطاً ومحدداً، خلاصته لاءات ثلاث هي: لا للعنف، لا للتدخل العسكري، لا للطائفية..

مفترضة أن هذه اللاءات تسلط الضوء على المخاطر المقبلة أمام الثورة، وكان واضحاً أن هذه الأحزاب ترغب في أن تكون الثورة سلمية ووطنية جامعة، ترفض التدخل العسكري، وسمت هذه الأحزاب تآلفها بـ”هيئة التنسيق للقوى الوطنية”، وقد وصل عددها مع الأحزاب الكردية إلى خمسة عشر حزباً، تنتمي إلى التيارات القومية والديمقراطية واليسارية.

وحتى ذلك الوقت، لم تكن قد تشكلت أية هيئة أو تيار للمعارضة السورية، وما أن تم إعلان تأسيس “هيئة التنسيق” والاتفاق على برنامجها الآنف الذكر، حتى تحركت السياسة الأميركية والأوروبية بشكل متسرع، بل ومذعور، لأن البرنامج لا يحقق أهدافها في سوريا.

وسارعت إلى تشكيل هيئة معارضة موازية خارج سوريا، تضم سوريين أفراداً، وبعض التشكيلات السياسية في الخارج.. ولم يتجاوز عدد المتآلفين العشرات، منهم من ولد خارج سوريا، ومنهم طلاب أو غير مسيسين، وكان المهم بل الأهم بالنسبة للغرب، هو إعلان تأسيس “المجلس الوطني السوري”.

وهذه هي التسمية التي اتفق عليها، على أمل الهيمنة عليه ووضعه مقابل هيئة التنسيق، ولم يكن للمجلس برنامج شامل، وقد تبنى شعاراً مختصراً هو “إسقاط النظام بكل رموزه”، ورفض الحوار معه إلا إذا تنحى الرئيس الأسد مسبقاً. وعندها وعلى التوازي، بدأت السياسة الأميركية والأوروبية ببيع الوهم للسوريين، وما زالت تبيعهم حتى اللحظة.

كانت بداية سياسة بيع الوهم، بأن أوحت الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي للمجلس الوطني باستعدادهما للتدخل العسكري لإسقاط النظام، وهذا ما شجع المجلس على أن يصر على شعار إسقاط النظام بكل رموزه، وأن يسوّق التدخل العسكري الأجنبي لدى الجماهير الشعبية ويخوّن من لا يقبله.

وقد صدقت الجماهير تلك الوعود والشعارات، ولم تعد تقبل عملياً بأقل منها، واستمر المجلس بدوره بسبب هذه الوعود، في الدعوة للتدخل العسكري، وافترض أن هذا التدخل سينصب المجلس حاكماً لسوريا. وفي ضوء ذلك أخذ يعمل ليقنع العالم بأنه الممثل الوحيد للشعب السوري، وحرّض الشباب المتحمسين في الحراك الشعبي، على أن يرفعوا شعار “المجلس الوطني يمثلنا”.

وفي الخلاصة، وبسبب ذلك، رفض المجلس أي تجمع أو وحدة أو اتحاداً لقوى المعارضة السورية، كي يستأثر وحده بالسلطة المحتملة. ومثلما باعه الغرب الوهم، باع هو بدوره الوهم للشعب السوري، وكان ذلك بدايات الضعف في المعارضة السورية.

وعندما سئل الرئيس الأميركي باراك أوباما في تلك الأيام عن موقفه من النظام السوري، قال: “على الرئيس الأسد أن يتنحى”، ولكنه لم يتعرض للنظام السياسي وإسقاطه. واستمر التردد الأميركي وعدم الجدية في اتخاذ موقف حاسم من الأحداث السورية، تحت شعارات متنوعة.

وفيما بعد باعت الإدارة الأميركية الوهم مرة أخرى للمعارضة السورية، وزعمت أنها ستقدم لها العون التسليحي خاصة، وتتخذ موقفاً جذرياً من النظام عندما تتوحد هذه المعارضة، ولما تآلفت المعارضة السورية بما يشبه الوحدة، لم يقدم الأوروبيون ولا الأميركيون شيئاً جدياً للثورة، وتبين أنهم كانوا يبيعون الوهم أيضاً، وقد علّموا أصدقاء سوريا المؤلفين من عشرات الدول، بيع الوهم بدورهم.

عندما استخدم النظام السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه، وبعد أن استنكر الرأي العام العالمي ذلك، باع الرئيس أوباما من جديد الوهم للسوريين، فصرح بأن استخدام السلاح الكيماوي هو خط أحمر، وأن إدارته ستتصرف بحزم إذا حصل ذلك. ويبدو أن السلطة السورية كانت تعرف أن تصريحات الرئيس أوباما هي بيع للوهم، فقد استمرت في استخدام السلاح الكيماوي.

كما استمر الغرب الأوروبي والرئيس أوباما في بيع الوهم للسوريين، وصرح أوباما من جديد بأن استخدام هذا السلاح هو تغيير لقواعد اللعبة. ولكنه في الواقع لم يغير شيئاً رداً على استخدامه، بل وضع شروطاً لتدخله يستحيل تحقيقها، مثل أنه في انتظار دراسة هل استخدم السلاح أم لا؟ وأين استُخدم ومن استخدمه؟

ويذكرنا ذلك بالأسئلة الستة التي يتعلمها الطالب في قسم الصحافة لاستكمال خبره، وهي: من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ كيف؟ ولماذا؟.. كما يذكرنا بشروط إثبات الزنا في الفقه الإسلامي، الذي يحتاج إلى أربعة شهود رأوا جميعاً وبشكل واضح عملية الزنا.

ويعرف صاحبنا أوباما بأنه مستمر في بيع الوهم للسوريين، بدليل أنه رفض التأكيد البريطاني على استخدام الأسلحة الكيماوية الذي اعتمد على تحليل للتربة، كما رفض تأكيد مركز الدراسات الإسرائيلي، وبلاده لديها من الأقمار الصناعية وأجهزة التنصت التابعة لها في كل مكان، والأجهزة التقانية، وهذه جميعها قادرة على إعطائه الخبر اليقين.. وغالباً ما تكون قد أعطته هذا الخبر.

يقول بعض المحللين، إن الموقف الأميركي من الثورة السورية كان رهناً للموقف الإسرائيلي، الذي يرى الانتظار حتى يدمر السوريون بلادهم؛ بنية تحتية، وقطاعاً عاماً، وقواعد عسكرية، ومؤسسات، وتمزيق النسيج الاجتماعي السوري.. وعندما يتحقق ذلك يمكن أن تُطلق اليد لإسقاط النظام السوري. وفي انتظار هذا باع الأميركيون والأوروبيون الوهم للسوريين والعالم، وما زالوا يبيعونه.

لقد انعكست سياسة بيع الوهم هذه كوارث على السوريين، وعلى المعارضة السورية خاصة، التي لم تعد تستطيع بعد الوعود الأميركية، التوصل لبرنامج مشترك واقعي، ولا أن تتوحد حول هذا البرنامج، مما أطال مدة الصراع، وتسبب في ضروب من الدمار لم يشهدها العالم سوى في الحرب العالمية الثانية.

البيان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

38 + = 45

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...