الرئيسية / صفحات الرأي / السياسة غباءً وذكاءً وغير ذلك..

السياسة غباءً وذكاءً وغير ذلك..

أحمد بيضون

 كثيراً ما يلجأ متعاطو التحليل السياسي (فضلاً عن السياسيين أنفسهم) إلى مقياس الخطأ والصواب للحكم على موقف أو عمل سياسي. يتبع ذلك تشديد معتاد أيضاً على البراعة السياسية يُنعت بها (أو بعكسها) هذا أو ذاك من السياسيين. وقد يصل الإعجاب إلى حدّ القول بـ”عبقرية” السياسي موضوع الحديث وإن تكن صفة “العبقرية” هذه تدّخر عادة لبعض الماضين فيندر إطلاقها على من لا يزالون من السياسيين في الخدمة. بخلاف ذلك، يُستسهل قذف الحاضرين بصفة “الغباء” أو بما يعادلها إذا كانت الخيبة قد حصلت لسعيهم أو كانت منتظرة له. وقد يكفي لاستدراج هذا النعت مخالفتهم لهوى المحلل أو المقوّم في موضوع من موضوعات السياسة أو مجال من مجالاتها.

الأرجح أن ثمة إفراطاً جسيماً في تقدير صلاحية الخطإ والصواب أو دور الذكاء والغباء عند النظر في أمر فعل سياسي وتقويمه: إما بناءً على نتائج الفعل الحاصلة وإما تقديراً من جانب المقوّم لنتائج يراها متوقعة للفعل… وكثيراً ما تزين له توقّعها سيرة الفاعل والموقعُ والأسلوب المألوفان له. الأرجح أن السياسي لا يكون في معظم الحالات مطلق التصرف إلى الدرجة التي تبيح له أن يصيب أو يخطئ. فإن ثمة عوامل وبواعث تخطئ عنه أو تصيب وتفتح باب البراعة قليلاً أو كثيراً أو هي تقضي بالتخبط وتوقع ضحيتها في شبهة الغباء. الأرجح أن العبقرية لم يكن لها ما ينسب إليها من نصيب في نجاح من سايره النجاح قليلاً أو كثيراً في مساره السياسي أو في خطّه في الحكم وقيادة الدولة. ولكان صواب المستشارين (أو الوزراء أو الوعّاظ، إلخ.، في ما مضى) وذكاؤهم المفترض يعوّضان غباء الحاكم ويدرآن خطأه من حين إلى حين لو كانت هذه هي الرياح التي تجري فعلاً بسفينة السياسة.

لا يعني هذا أن الذكاء والغباء لا يعودان على صاحبهما من الساسة بنفع ولا بضرر. فإن دورهما متّصل، في الواقع، بصفة أساسية للفعل السياسي هي صفة “الإمكان”. و”الإمكان” هنا محمول على معناه في المصطلح الفلسفي وهو خلاف “الوجوب”. الذكاء مهمّ لأن الأسانيد التي يتكئ عليها مشروع الفعل هي في العادة ناقصة ومختلة. فإن الفاعل لا يرى من موقعه إلا جوانب دون أخرى من ساحة الفعل ومما هو جارٍ فيها. وهو يجد نفسه مأخوذاً في تيار حوادث دينامي متّصل حكماً بما سيأتي. ولكنه – أي الفاعل السياسي –  لا يحيط بما هو محتمل الحصول في هذا الآتي ولا، على الأخصّ، بما سيبدر من فاعلين آخرين محكوم عليهم هم أيضاً بالتصرف في ظروف تتّسم بالهشاشة: بضعف الرؤية ونقص المعرفة والتقلب بين الاحتمالات…

هذا كله: أي صفة “الممكن” الذي يبقى غيره أو خلافه “ممكناً” أيضاً… صفة الخلوّ من البديهة أي من حالِ ما “يجب” فعله ولا “يجوز” فعل غيره… هو ما يمنح الذكاء ومعه ما قد يتاح أو يحصّل من معرفة بوقائع الساحة وما جرياتها مكانة تبقى لها أهمّيتها وإن تكن، على ما ذكرنا توّاً، بعيدة عن الاستئثار بالتحكم في مسار العمل السياسي ومصيره.

الحاصل أننا إذا نظرنا بما يكفي من إمعان في ما يجعل التصرّف السياسي لحزب أو لشخصية سياسية أو لجماعة حاكمة يبدو واضح الغباء والغربة عمّا تدّعى خدمته من مصلحة لرأينا أن مصدر الخلل ليس عسر التمييز بين الصواب والخطإ في المسألة المطروحة، إذ يكون هذا التمييز في كثير من الحالات هيناً للغاية. وإنما نقع على الخلل الذي يمنع الإعراض عن الخطإ واتّباع الصواب ماثلاً في الواقع المركّب للفعل السياسي وفي الكثرة المباشرة أو غير المباشرة التي تلازم فاعليه. فالفعل ينطوي في تكوينه على مصالح لفاعلين مختلفين. وهذه المصالح لها  صوابها وخطؤها الخاصّان بها أو بكلّ منها. وهذان الخطأ والصواب، في صيغهما المفردة أو المجتمعة هما غير الخطإ والصواب اللذين يصحّ أن ينعت بهما الفعل في جملته والفاعلون بعمومهم.

ههنا يأتي تفاعل المكوّنات بحصيلة عامّة مختلفة عن تلك المرغوبة. ولا يستبعد أبداً أن يصحّ نعت هذه الحصيلة المغايرة بالغباء. ولكنه غباء ناشئ من ذكاء أفرقاء ذوي مصالح يعرف كلّ منهم حقّ المعرفة ما يريد ولا تصح فيهم صفة الغباء متفرّقين صحتها فيهم مجتمعين. في كثير من الحالات أيضاً يتعايش الغباء والذكاء بحكم التخالف ما بين مقياسيهما الزمنيين. فيكون السلوك الذي يبدو غبياً، في المدى البعيد، سلوكاً حاذقاً، وافياً بغرضه في المدى القريب. ويكون هذا الغرض القريب هو الهمّ الفعلي لهذا الفاعل. وأما الغرض البعيد، وهو عادةً ما تتوخّاه الجماعة الأوسع، فيرى بعض أطراف هذه الجماعة أن في وسعهم القبول بفواته. ويكون بعد ذلك ما يكون.

وأما مرادنا من هذا الكلام فهو أن يشعر القارئ بوخزة تستوقفه حين يقع على نعت لسياسي ما أو لعمل من أعماله بالسفاهة أو بالعبقرية. مرادنا أيضاً (وهذا أعسر منالاً) أن نستوقف المحللين السياسيين كلما راحت تغريهم هذه الفئة من الأوصاف (وهو ما يحصل كثيراً)، لعلّهم يميلون إلى شيء من الروية في استعمالها. فلا يطلقونها جزافاً، تحصيلاً لاعتداد بالنفس لم يبذلوا من الجهد ما يكفي لاستحقاقه. بل يسلّمون بأن عليهم أن يلزموا جانب الخشية من أن يقعوا هم أنفسهم في شرّ ما يطلقون.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 3 = 3

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...