الرئيسية / رئيس التحرير الزائر / فاطمة الصفدي / صفحات معاكسة / السير بخط مستقيم من و إلى السلمية

السير بخط مستقيم من و إلى السلمية


شيري الحايك

كـثر الحديث في الأونة الأخيرة عن عودة الحراك السلمي إلى الشارع في سوريا بعد َ أن رفعت ذات الرداء الأحمر لافته “أوقفوا القتل نريد ُ أن نبني وطنا ً لكلّ السوريين”، الدعوة التي تزامنت مع التفاؤول ببدأ إعلان تنفيذ خطّه عنان ( التي لم تنفّذ ! ) و تسميه جمعه “ثورة لكلّ السوريين” ، الجمعه التي يمكننا إعتبارها الفاصلة بين َ الاستهزاء بالسلمية و حفر الطريق إليها.

مرّت أيّام ُ و أسابيع كان َ الحديث ُ فيها عن السلمية أمر ٌ هزليّ بالنسبة للكثيرين، بشكل ٍ خاص عندما كانت بابا عمرو تتعرّض للقصف المستمرّ دون كلل ٍ أو ملل. في هذه المرحلة كثيرا ً ما سمعنا عن وعود ٍ بالقتل و دعوات للتسلّح كان منها ما يمرّ عبر َ شريان الثورة الأكبر ليسدّ نافذة الحرية فيه و يفتح نافذة الحرب، هذه الدعوات لم تنته و مازالت مستمرّة في المناطق المنكوبة بشكل ٍ خاص.

المناطق المنكوبة، هنا تكمن المعادلة، فبدراسة حال الثورة في سوريا اليوم نجد بأنّ المناطق المنكوبة كحمص و إدلب هي َ المناطق التي تعتبر ُ بأنّ التسلح أصبح َ الحل الوحيد و أنّ العنف لن يتوقف إلّا بعنف ٍ أكبر منه ُ، بينما المدن الأكثر هدوئا ً كدمشق و حلب هي المدن التي تشهد حراكا ً مدنيّا ً سلميّا ً قد يشوبه ُ دعوات للتسلّح و لكنّ السلاح لم يصبح، بعد ُ، أمرا ً معتادا ً و مازال َ موضع جدل بالنسبة للكثيريين. هذا، إنّ دلّ على شيء فهو يدلّ على حقيقة السلميّة التي مازالت، و ستبقى، مركز مسار الثورة سواء عن طريق السير إليها أو الإبتعاد عنها. بمعنى، إن من يسير باتجاه السلمية فهي اسلوب اتبعه ُ في الثورة ، أمـّا من يسير ُ بعكس السلمية و يرفضها بقوّة السلاح فهو مازال يدور في فلكها و مازالت هي بوصلته ُ التي قرر السير َ عكس ما تقول ليس اكثر.

الحراك في سوريا سلميّ؛ حتى في المناطق التي تسلّحت، لم يكن السلاح خيارا ً بل كان فرضا ً دفع النظام ُ إليه بكلّ السبل و الوسائل الممكنة لأنه ُ المنطقه التي يعرف ُ النظام بأنه ُ سيكسب المعركه فيها، فهو يمتلك ُ من العتاد و القوّة و التدريب أربعين عاما ً و حبّا ً أبديّا ً للسلطه، أمـّا الثوار فمعظمهم من المدنيين الذين قد يكون السلاح أقلّ ما تدربوا التعامل معه ُ في حياتهم ؛ هم غير مدربين و ليسوا محترفين في التعامل مع السلاح. كما و أنّ حمل السلاح سيدعم نظرية النظام الأولى بأنّ الثورة هي عبارة عن عصابات مسلّحة و يخسّر الثورة التضامن الدولي.

 استطاع النظام ، للأسف ، أن يتمكن من جرّ الثورة ، في بعض المناطق، إلى ملعبه الدمويّ نظرا ً لأنّ العنف المستمر و الممنهج الذي مارسه ُ ضدّ الشعب كان َ يسير ُ بشكل ٍ تدريجي ، سواء بشكلٍ مخطط له ُ أم نتيجة عفوية للأحداث، ليدرّب “لا شعور” الثوار على وجود العنف كأمر واقع، حتّى الموت نفسه أصبح َ أمرا ً عاديّا ً و لم يعد للموت قدسيّته التي تجعله ُ مؤلما ً بندرته، حتّى نحن ُ الذين نتابع على الانترنت أصبح َ أسهل علينا أن نرى جثث الموتى اليوم بالمقارنة برؤية الجثث ذاتها منذ ُ عام ٍ من اليوم، هذا ما يعرف بعلم الاجتماع بتدريب المجتمع على القبول بأشياء لا يقبلها، يرفضها، ثم ّ يبدأ بممارستها بذات الصيغه و ذات الاسلوب الذي يكون قد اعتاده سواء عن طريق القبول أو الرفض.

 و يمكن رؤية هذا جليّا ً بالمقارنة بمن أصبح الموت جزئا ً لا يتجزّء من برنامجهم اليوميّ في بعض المناطق المنكوبة في سوريا و بين َ بعض المدن الاخرى التي لم تقترب من الموت ِ ، و بالتالي العنف و القتل، بالمقدار نفسه التي اقتربت منه مناطق اخرى. أنّ الشعوب عامة ً و بمعظمها تميل ُ إلى السلميّة و الرغبة بالعيش باستقرار و أمان، اوليس َ هذا ما قامت الثورة في سوريا من أجله ؟، لذا فإنّ الحراك السلمي يشهد ُ عادة ً مشاركه ً أكبر و أوسع و يضمن ُ مستقبلا ً أفضل. فالطريقة التي سيسقط ُ بها النظام هي الطريقة التي ستحدد الخطّ الذي ستسير ُ عليه مرحلة ما بعد سقوط النظام، و هي بدورها ستحدد ُ آلية السير نحو المستقبل. كما أنّ العنف قد يحدّ من المشاركين في الثورة، فمن سيحمل ُ السلاح و يقاتل هو على أغلب الظن شاب في العشرينات أو الثلاثينيات من العمر و حسب و هنا يختفي الحضور الانثوي و الفئات العمرية الأخرى من الثورة و بالتالي يغيب ُ هذا الصوت و هذه الصورة عن فسيفساء الثورة المطلوبة بشكل ٍ ضروريّ لبدأ التغيير، نجد ُ هذا واضحا ً في المقارنة بين الحراك في حلب و التي تعتبر من المحافظات المحافظه جدّا ً و بين الحراك في حمص التي كانت تعتبر من أكثر المحافظات تحرراً، بقياس نسبة المشاركه النسائية في الثورة و الظهور الإعلامي أو في المظاهرات.

الدفاع عن النفس يجب أن يكون حقّا ً محفوظاً ضمن الكمّ الهائل من العنف و القمع المحيط بالثورة و من يقول عكس ذلك قد يكون ساذجا ً او حالما ً . السلمية لا تعني بأيّ لغة الإستسلام فهناك سبل عديدة لاستخدام وسائل سلميّة في المقاومه، كالعصيان و الإضراب و الحراك المدنيّ الذي يهدف إلى المقاومه و الدفاع و استخدام جميع الوسائل الممكنة للتصدي دون الحاجة للإستخدام المباشر للسلاح. قد يكون لذكوريّة المجتمع و ربط الرجولة بالسلاح دور ٌ باللجوء السريع للتسلّح دون تجربة وسائل أخرى غير التظاهر السلمي، فالأمور انتقلت – في بعض المناطق- من التظاهر بالصدور العارية إلى حمل السلاح مباشرةً، من النقيض إلى النقيض و هذا نفسه غير صحيّ بأيّ شيء و في الثورات بشكل ٍ خاص.

 فكرة وجود جيش للثورة ” الجيش السوري الحر” أصبحت أمرا ً واقعا ً و لكنّ كيفية التعامل معه ُ ستفرض بدورها حجم الضرر\الفائده التي يمكن تحقيقها من خلاله فرفضه بشكل ٍ كامل لن يفيد َ شيئا ً و قبوله بشكل ٍ أعمى مضرّ أيضاً. بشكل ٍ خاص بأنّ الجيش السوري الحرّ لا يتبع لقيادة واحدة تتحدّث ُ بإسمه بشكل ٍ يضمن بأنّ ما تقوله ُ ينطبق ُ على الجميع، قيادة تقوم بمحاسبه من يقوم باختراق اساسيات الثورة، قيادة تسمح لهذا الجيش أن يصبح َ نواه لجيش ٍ حقيقيّ في المستقبل و ليس َ فرق و كتائب مسلّحة تمارس ُ كلّ واحدة ٍ منها منهجا ً و تتقاتل ُ فيما بينها في بعض الأحيان. فهناك الكثير من الإنتهاكات التي تمارسها هذه الجماعات المسلحة، و التي لا يتحدّث ُ عنها أحد في هذه المرحلة بالأخذ بعين الإعتبار تفاصيل كثيرة منها أنّ الجهود في هذا الوقت يجب أن تكون موجهة نحو اسقاط النظام أولا ً و أنّ نقد الثورة يأتي لاحقا ً ، و منها أنّ من يقوم بالحديث جهرا ً عن هذه الإنتهاكات قد يتعرّض هو نفسه ُ لإنتهاك ٍ ما قد يصل ُ إلى التصفية و القتل في بعض الأحيان كما حدث َ مع النقيب في كتيبة “رجال الله” أمجد الحميد. أمجد الحميد الذي ينتمي للجيش الحرّ و الذي صرّح َ في خطاب علنيّ في الرستن بأنّ هناك َ مجموعه تحمل السلاح و تدعي بأنها تنتمي للجيش الحر تمارس إنتهاكات بحقّ المدنيين في مناطق معينة، و رفض َ بخطبته نفسها وصاية العرعور على الثورة و دعا لوضع حدّ للإنتهاكات بحقّ المدنيين و خروج الجيش الحر من المناطق المدنية. قتل َ النقيب أمجد الحميد على يد جهة مجهولة، صرّح َ ناطق رسميّ بإسم كتيبة “رجال الله” فيما بعد بأنها هي نفسها الجهة التي كان َ أمجد الحميد قد تحدّث عن إنتهاكاتها في اليوم السابق. و مع عدم الحديث عن هذه التفاصيل و مع إهمال أنّ الجيش السوري الحرّ هو نفسه ُ معرّض للخطر من قبل جماعات تحمل ُ السلاح و تدعي أنها تقوم بحماية المدنيين في الوقت الذي تقوم ُ بتمرير ِ مصالحها عن طريق استخدام مصطلح ” الجيش الحر “. تقوم ُ هذه الجماعات بتشويه صوره  الجيش الحر بالنسبة للكثيرين، هذا مما يفسّر وجود شرخ بالآراء حول َ الجيش الحر نفسه حسب المنطقه. كلّ من يمتلك سلاحا ً، من لصوص أو مجرمين، أصبح َ يمكن ُ له أن يختبأ و يبرر حمل السلاح بأنه ُ ينتمي للجيش الحر، كلّ من يريد أن يمارس ضغطا ً معيّنا ً على أيّ كان يمكنه ُ استخدام هذا السلاح لممارسه الضغط الذي يريده ُ على الجهة التي يريدها و النتيجة هي حالة فوضى، و لا أحد يتحدّث عن ذلك !

السلمية هي الحل، و الجيش الحر يمكنه ُ أن يكون جزئا ً من هذه السلمية اذا استطاع َ ان يوجد قياده يأتمر ُ بها و يتبع ُ خطّ سيرها بشكل ٍ واضح ٍ للجميع بدون أيّة إشارات استفهام حول َ الكتائب و السلاح و غيرها. السلميّة هي من سيصغّر الفجوة الموجودة اليوم بين المناطق المنكوبة و المناطق التي مازالت تستطيع ُ أن تمارس َ الحياه اليومية بشكل ٍ أشبه للطبيعي. وجود هذه الفجوة لن يسمح َ للثورة أن تتقدم أصلاً، فمنذ ُ بدأت هذه الفجوة بالتكوّن في شباط\فبراير الماضي إثر اجتياح حمص و ادلب، حتّى هذه اللحظه لم نشهد تطورا ً ملحوظا ً في الثورة سوى الحراك السلمي المذكور أعلاه و الذي أثّر َ بجميع أطراف الثورة.

ختاما ً استذكر ُ رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أوريل و أقف ُ تحديدا ً عند المقطع الذي تقف ُ فيه الكائنات من خارج المزرعه و تتحوّل بنظرها من الخنازير ( قادة الثورة !) إلى الإنسان (التي قامت الثورة ضده)، تنقّل بصرها بينهم من الإنسان إلى الخنزير و من الخنزير إلى الانسان غير قادرة ً على التمييز أيّا ً منهم الإنسان و أيّا ً منهم الخنزير، أيّا ً منهم يمثّل الثورة و أيّا ً منهم يمثّل ُ الظلم.

الفكرة هنا في أن نتناول موضوع تنقسم وجهات نظر الناس فيه من كل النواحي .. على سبيل المثال موضوع سلمية الثورة أو عسكرتها ونتناول الموضوع بمقالين من وجهة نظر هؤلاء ومن وجهة نظر هؤلاء بحيث نترك للقارئ بعد الانتهاء من قراءة كلا المقالتين حرية التفكير والاقتناع بإحدى النظريتين

ربما هي شبيهة بفكرة “الاتجاه المعاكس” ولكن بعيدا عن الصراخ والضوضاء وتحقير الاخر والاكتفاء بعرض الموضوع بطريقة ايجابية

بخصوص فكرة المقالتين الشبيهة بالاتجاه المعاكس فقد وقع اختيارنا على موضوع عسكرة الثورة وسلميتها .. واخترنا كاتبين مهمين من الشباب ليعرضا علينا وجهنا نظرهما.

ريسة تحرير صفحات سورية الزائرة

فاطمة الصفدي

تعليق واحد

  1. اين تعيشين في بريطانيا او الهند حتى تحلمي ان السلمية وحدها قادرة على ايقاف بشار وعصاباته المجرمة ام انك نسيت غياث مطر اكبر دعاه السلمية ومافعلوا به من اجرام وشر ام نسيت العلوية الذين يتلذذون بذبح الاطفال في القرى السلمية الفقيرة لو كان بها ثوار مسلحين لقتل الانسان بكرامة بدل ان يقتل كنعجة تحت صيحات ربنا علي ربنا علي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...