صفحات العالم

السيناريوهات المحتملة لتطورات الوضع في سورية


زياد علان العينبوسي

لقد بلغت المواجهة الحالية بين النظام والشعب في سوريا مرحلة متقدمة جداً من الخطورة إلى الدرجة التي جعلتها تقترب بسرعة فائقة من الإنزلاق إلى منعطف قد يؤدي بها إلى إلى تفجير المنطقة برمتها إذا ما أصر النظام الحاكم على تبني الحل الأمني الدموي لحسم المعركة الدائرة بينه وبين شعبه.

نقول هذا على ضوء مجموعة المعطيات التي بدأت في التبلور على الساحتين الإقليمية والدولية في تفاعلها مع الحالة السورية التي أصبحت تحتل المرتبة الأولى في وسائل الإعلام المختلفه وحتى في أروقة الأمم المتحدة التي أصبحت ساحة مفتوحة للمداولات حولها, ويبدو هذا جلياً من خلال تسارع وتيرة الزيارات المكوكية التي تقوم بها الوفود الدبلوماسية للعاصمة السورية.ليس من المستغرب أن تحتل الثورة السوريه هذه المرتبة المتقدمةلأن سوريا تشكل نقطة التقاءٍ وتقاطع للمصالح بين العديد من القوى المؤثرةإقليمياً وعالمياً لأنها تنظر إلى أي تغيير فيها على أنه سيعيد رسم الخارطةالسياسية على نحو سيؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية التي خضعت لها المنطقة لعقودٍ طويلة, وهذا ما يؤرق الكثير من القوى وعلى رأسها الولايات المتحده وإسرائيل اللتين لن تنأيا بنفسهما عما يجري لأنهما لا زالتا قادرتين وبالتعاون مع أوروبا على تحريك بعض القوى الإقليمية في مسارات ستؤدي بها إلى صدام إقليمي يمكنها من تحقيق حلمها في إعادة رسم صورة الشرق الأوسط على النحو الذي سيحقق أمانيها التي بدأها بوش الأب ولم تتمكن الإدادرات الأمريكية المتعاقبه من تحقيقها ألا وهي(الشرق الأوسط الجديد).

ترى من هي القوى اللإقليمية التي بدأت تتحفز للقفز في دائرة الصراع القائم بين الشعب وبين النظام في سوريا,وما هي الأسباب التي جعلت الثورة السورية تشكل نقطة جذب هائلة بلغت من القوة بما يكفي لجعلها تجر الكثير من الدول التي لم يسبق لها الإنجرار أو الإنجراف حيث أنها حافظت في ما مضى على مسافة بعيدة من الثورات التي اندلعت في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن؟إيران, تركيا, المملكة العربية السعودية, بما في ذلك المنظومة الخليجية وربما مصر, هي مجموعة الدول التي من المرجح أن يتم استفزازها وتحفيزها لتدخل في أتون هذه الأزمة بقوة سيما وأن هذه الدول قريبة أو مجاورة لسوريا من الناحية

الجغرافية وتستطيع أن تتواجد بسهولة في مسرح الأحداث.ومع أننا نؤكد على أن القوى الغربية ستسعى بكل قوة للتحكم في النتائج التي ستترتب على هذه الحرب الإقليمية إذا لم يتم انتزاع الفتيل لا قدر الله,فإننا نود التأكيد على أن مسعى الغرب لتحقيق هذه الغاية لا يبرر للنظام الحاكم في سوريا أو أي جهة أخرى القيام باستعماله كذريعة لاتهام الحركة الشعبية السورية بالخيانة والتآمر, لأن صدامها مع النظام الدكتاتوري المتجبر منفصل كلياً عن تحركات الغرب الرامية للإفادة من الظروف التي ستترتب على هذه الثورة النبيلة والمشروعة.ما لم يتم التوصل إلى صيغة ما لحل يؤدي إلى قبول النظام بالوقف الفوري لكافة الأنشطة الميدانيةالدامية وسحب الجيش والقوى الأمنية الأخرى من المدن ومن ثم الموافقة على إجراءإنتخابات حقيقية حرة ونزيهة للبرلمان وإعادة صياغة الدستور ومن ثم إجراءإنتخابات رئاسية حقيقية,فإن الأمور ستصل إلى نقطة اللاعودة ولن يكون هنالك مفرمن الإنزلاق في دوامة من الصراع الذي سيجر المنطقة إلى حربٍ قد تعيدها فعلاًإلى العصور الوسطى لا قدر الله.

السيناريو المرعب نحن نعتقد أن البداية ستأخذ شكل المواجهة المتدحرجة بين تركيا والنظام السوري بدعمٍ دبلوماسيٍ عربي وغربي بعد أن يقوم النظام السوري بالتملص من كافة الحلول السياسية التي تبنتها تركيا بشكل يؤدي إلى إحراجها واضطرارها إلى تصعيد مواقفها بشكل تدريجي, حيث أنها ستؤدي إلى تسخين الجو السياسي بين البلدين إلى الدرجة التي تجعل تركيا مضطرة إلى القيام بخطوات عملية على الأرض كأن تبدأ بدعم الثوار في المناطق المتاخمة لحدودها وذلك من خلال تزويدهم بالسلاح والأموال(الخليجية) للدفاع عن أنفسهم, وفيما بعد للإنتقال إلى مرحلة الكر والفر والإستنزاف للجيش السوري أملاً بإحداث بعض التصدعات والإنشقاقات بين صفوفه ومن ثم تهيئة الظروف المناسبة لبعض الوحدات أو الألوية من أجل إعلان التمرد والإنضمام إلى صفوف الثوار على أمل استحداث قوة سورية من الداخل تكون نواة لإستقطاب جبهة وطنية ذات أنياب قادرة على استقطاب المزيد من وحدات الجيش ومن ثم إسقاط النظام.*

هذه الخطة غير مضمونة النتائج لأن الجيش السوري لا يزال قوياً ومتماسكاً لأن النظام قد تمكن من خلق شبكة متينة من المصالح المشتركة مع قيادات الجيش التي أصبحت ترى أن سقوط النظام يعني الزج بها في غياهب السجون وتقديمها للمحاكمة.وفي هذه الحالة فإن النظام السوري سيقوم بتقديم العون للمتردين الأكراد عبرالحدود التركية ومن المرجح أن تقوم إيران بتقديم العون لحليفها التقليدي الوحيد في المنطقة من خلال ضلوعها هي الأخرى بتقديم يد العون لأكراد تركيا شريطة ضمان التزام الأكراد الإيرانيين بالحياد وهذه أمر ممكن على المدى القصير.أمام هذا الواقع ستقوم تركيا بتوجيه رسائل حازمة للقيادتين السورية والإيرانية التين لن تستمعان لرسائلها وستستعيضان عن ذلك بكيل الإتهامات المضادة لها, لتقوم تركيابتنفيذ بعض المهمات القتالية داخل الأراضي الإيرانية والسورية بحجة ملاحقةالمتمردين الأكراد والذين يوفرون لهم الدعم والغطاء.إندلاع الحرب بين إيران وسوريا من جهة مع تركيا المدعومة من السعودية ودول الخيج دول الخليج العربي والسعودية التي لم تخفي قلقها العميق من الجار الإيراني الذي ترى أنه يسعى لمد نفوذه الشيعي داخل المجتمعات السنية وطالما اتهمت إيران بسعيها لبناء الهلال الشيعي,تعلم جيداً أن إخراج حليفه التقليدي( النظام السوري) من المعادلة سيؤدي إلى بتر ذراعه الوحيدة في المنطقة لأن هذه الدول ترى أن تركيا السنية القوية هي الأكثر قدرة على بتر هذا الذراع ,ولأن الدول الخليجية لا ترى أن تركيا تشكل أي تهديداً لها علاوة عن كونها سنية وأن النظام السوري البديل سيكون أكثر اعتدالاً من النظام القديم نظراً للتأثير التركي الإيجابي عليه لأن الشعب السوري سينظر إليه بعين الإحترام والتقدير.من شبه الؤكد أن يقف الغرب ظاهرياً إلى جانب الحلف الخليجي التركي بقصد استدراجه مع محافظته على مسافة ثابته بعيدة عن الحرب المباشرة بغية إنجاز المهمة بدون أن يتكبد أية خسائر مادية على الأرض.وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى زيادة الطلب على السلاح الغربي الذي سيجد في هذه الحرب فرصة ذهبية لإستنزاف مئات المليارات من المدخرات الخليجية التي ستسهم في إعادة الحياة للمؤسسات المالية المترنحة. هنا ستتحقق أمنية إسرائيل بإنجاز مهمة تدمير الجيش السوري بالكامل وتحطيم الجيش الإيراني والتركي إلى حدٍ بعيد دون أن تقوم هي بإطلاق طلقة واحده, وبهذا تتمكن من إضعاف كل من إيران وتركيا بشكل يؤدي إلى إعادة إنتاج الحرب العراقيةالإيرانية التي أدت إلى تحقيق وعود بوش الأب بإعادة العراق إلى القرون الوسطى.هذه الحرب المدمرة ستؤدي إلى إزالة الجيش السوري من الخارطة العسكرية للمنطقة تماما كما حصل مع الجيش العراقي لتصبح إسرائيل وحدها القوة العسكرية الساحقة في المنطقة الثرية المحطمة،مما يؤدي إلى تعبيد الطريق أمام تنفيذ حكم الإعدام بالقضية الفلسطينية التي ستفقد كافة روافدها بعد تحطيم العمق الإستراتيجي العربي وتقويض العمق الإستراتيجي الإسلامي لعقودٍ طويلة لاحقة.*

بالطبع فإن الفتح الإسرائيلي الذي سينظر إليه على أنه هدية من السماء, سيفتح الباب على مصراعيه أمام إسرائيل للتغلغل في الإقتصادات العربية ونهبها وتطويع النخب السياسية لخدمتها في ظل الديمقراطيات الوليدة المستنسخة عن الديمقراطيات الغربية التي أتاحت الفرصة لراس المال اليهودي الذكي والمُسيًّس لكًي يُسيطر سيطرة مطلقة على دوائر صنع القرار في بلدانها الغربية فإنه سيقوم بتطبيق تجربته الناجحة على الديمقراطيات العربية التي ستكون أسهل كثيراً من نظيراتها الغربية.

الأسوأ :- أن تنجر إيران إلى فتح جبهة حربية مع السعودية والمنظومة الخليجية بشكل يؤدي إلى إحداث تراشق صاروخي بينهما ويترتب عليه تدمير البنى التحتية في هذه البلدان بما يتيح للغرب فرصة التدخل في المرحلة الأخيرة لضرب إيران المنهكة وتدميرها بالكامل وإسقاط النظام الحاكم فيها وتنصيب نظام جديد موالٍ للغرب ولإسرائيل على غرار نظام الشاه، أو بإيصال القوى العلمانية ذات الميول الغربية إلى الحكم لتقوم الشركات الغربية بتنفيذ مهمة الإعمار في البلد الغني المدمر وهكذا توفر لنفسها مداخيل جديدة وسخية ستسهم في إنقاذ اإقتصاداتها التي وصلت إلى حافة الإفلاس ولكن على حساب الشرق المسكين, ناهيك عن إنهاك الإقتصاد التركي وتبديد إنجازاته المكتسبة بشكلٍ يؤدي إلى إيجاد المسوغ الإقتصادي والسياسي لتمكين العلمانيين والقومين الأتراك من إسقاط حزب الرفاه الإسلامي والعودةبتركيا المحطمة إلى الحظيرة الغربية وضمان انكفائها عن الشرق وعودتها لبيت الطاعة الإسرائيلي.

وحده النظام السوري القادر على تحويل مسار الأحداث من أجل تجنيب نفسه وتجنيب المنطقة كارثة محققة تفوق خسائرها مجاميع الخسائر التي تكبدتها نتيجة لكافةالكوارث التي صابت الأمة منذ بداية القرن الماضي حتى الآن.لا زال أمام القيادة السورية بعض الوقت للدخول في التاريخ بشكل يحفظ لها بعض ماء الوجه أو الخروج منه إلى عالم العدم حين لا ينفع الندم.

كاتب عربي مقيم في امريكا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى