الرئيسية / صفحات الحوار / السينمائي التشيلي باتريسيو غوثمان: لا نظير لشجاعة الشعب السوري في العالم!

السينمائي التشيلي باتريسيو غوثمان: لا نظير لشجاعة الشعب السوري في العالم!


حاوره:عبداللطيف عدنان: إلى حدود ليلة الأمس، في الدردشة مع الجمهور التي تبعت العرض أشرت إلى كونك مازلت مؤلفا سينمائيا ملتزما. اختيارك لجنس التسجيلي ورؤيتك لهذا الجنس من خلال بؤرة نقدية كآراء وتعاليق جون لويس كومولي عن سينما السردية المضادة، وسينما المقاومة، إضافة إلى مشوارك الطويل والغني الملتزم بقضايا تصب كلها في تبعات الديكتاتورية والتسلط في واقع تشيلي قد يجعل هذا الالتزام يفهم في أحادية النظرة السياسية. وفعلا، جانب الالتزام السياسي ألقى بظله كثيرا على الجوانب السينمائية الإبداعية والجمالية في أعمالك. في نفس المناسبة عدت لتقول إن عملا سينمائيا ضخما وناجحا مثل معركة تشيلي لم يلق لحد الساعة أي مقاربة كسينما. هو عمل ضاع في السياسة.

* في الحقيقة من ‘معركة تشيلي’ لحد الآن كان لي اهتمام بالجانب الجمالي حين إنجاز الفيلم التسجيلي رغم أن ظرفية إنجاز هذا الفيلم بالذات لم تكن تسمح بأي مقاربة جمالية. فيلم ‘معركة تشيلي’ نفسه لم يكن ليبقى حاضرا بجاذبيته لحد اليوم لولا هذا الاهتمام بالجمالية. السر في هذا هو كون الفيلم وثائقيا لكنه يعتمد حكاية مروية بشكل جيد. بنية الفيلم كانت نتيجة لتفكير دقيق شمل واحترم كل عناصر الحكاية من عقدة وتصاعد وصراع وانفراج، هذا إضافة إلى الموضوعة السياسية والأيديولوجية. لو لم تخضع هذه الموضوعة لهذه البنية الجمالية لما كان بالامكان الرجوع لهذا الفيلم، ولما تحققت له هذه الاستمرارية في الإقبال عليه. نفس التقييم يمكن أن ينسحب على العديد من أفلامي خصوصا التي تطغى فيها الشعرية أكثرعلى جانب المقابلة والحوار. لا ننسى أن الشاعرية والجمالية، أعني الاشتغال جيدا على الجوانب الشكلية، غالبا ما تشكل مخرجا من مأزق برودة الموضوعة ورتابة المحتوى. شيء أظنني وقعت فيه في فيلم ‘محاكمة بينوتشي’ الذي طغى فيه الخطاب القانوني برتابته وبرودته.

ما يضيء ما أقول أكثر هو فيلم أليندي. هذا الفيلم نموذج للحظات الشاعرية الصرفة: نلمسها مثلا في شخصية هذه العجوز التي أحتفظت بألبوم صور أليندي مدفونا تحت الأرض طيلة سنوات الديكتاتورية. أو في لحظة درامية كالتي اكتشفنا فيها العلاقة السرية التي كانت لأليندي مع سكرتيرته الخاصة مثلا. هذه العناصر الدرامية والجمالية والشاعرية في الفيلم هي التي أثتت الأرضية بشكل أفضل لتمرير خطابه السياسي والأيديولوجي. في اعقادي وانطلاقا من قناعاتي كسينمائي، غياب الشاعرية هو ما يفسر عدم استمرار جاذبية العديد من الأفلام الملتزمة. حين ينحاز المخرج التسجيلي لاختيار المباشرة في الشكل والجوهر إضافة إلى المباشرة في الطرح مهما كانت للموضوعته من جاذبية غالبا ما يكون سهلا وقوع الفيلم في فخ الرتابة، وغالبا ما يفقد جمهوره. لا أعني بهذا أن عواطف وحواس الجمهور هي المحرك الأول للإبداع، وفي نفس الوقت لا أعني عدم أخذ الجمهور بعين الإعتبار. ما أعنيه هو أنه يجب على الفيلم أن يتضمن قصة محكية بشكل جيد حتى لا يتخلى عنك الجمهور. ولهذا منذ بداية ممارستي للسينما كنت مهتما بالشكل كاهتمامي بالمحتوى.

بالنسبة للإلتزام السياسي، وهذه مغالطة غالبا ما ترد مع إسمي، اصرح بأنني لم انتم قط لأي صف سياسي من الوحدة الشعبية La Unidad Popular أيام الرئيس أليندي. لم أكن ملتزما بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. لم أكن متحزبا ولم أفعل ذلك من باب الحفاظ على المسافة بيني وبين كل القوى اليسارية التي كانت نشيطة في الفترة. أردت عرض موقف الحزب الاشتراكي كما عرض موقف الحزب الشيوعي ومواقف الأحزاب اليسارية الاخرى، بما فيها التي تؤمن بالعنف الثوري. وهو ما يعني إنجاز عرض بانورامي لهذا الفسيفساء اليساري العجيب الذي كانت وراءه سياسة أليندي. أليندي لم يكن قط مع فكرة الحزب الواحد. كان دائما يدافع عن التعددية. لأن في هذه التعددية ضمان لبقاء فعالية القوى الشعبية متحدة أمام عدو قوي كالامبريالية المتحالفة مع اليمين. بدون تعددية في اليسار يسهل السقوط في الخلافات الجانبية التي تؤدي إلى التفرقة وبالتالي فشل التجربة ككل. وبالتعددية تضمن كذلك سيرورة التجربة في الاتجاه الصحيح، دون السقوط في فخ النخبوية الحزبية التي تملي القوانين والاعراف، وتؤسس لبيروقراطية تلغي تطلعات الفرد وتقضي على الثورة في القناعة والعمل. التزامي السياسي كان هو ترجمة هذه التعددية على مستوى سينمائي جمالي. وبالتالي أظن أن الفعل الأساسي للمخرج السينمائي هو الممارسة من جانب الهيكل الشكلي وليس جسم مادة المضمون فقط. وهذا لا علاقة له مع السياسة أو أي مادة سياسية مهما فرضت نفسها كأولوية. إذا عهدت لي بتصوير فيلم تسجيلي حول نمو شجرة سأفعل ذلك بنفس الهمة والاهتمام الذين أوليتهما لمعركة تشيلي.

* الذاتي والموضوعي السينما والأدب

* فيلم أليندي عمل يسع تقييمه ما قال خورخي لويس بورخيس عن كون التاريخ الكوني هو تاريخ شخصي قبل كل شيء. في هذا الفيلم تستعمل لأول مرة ضمير المتكلم. وتعتمد نصية غنية بالمؤشرات الذاتية. وهو ما جعل من هذا الفيلم شهادة شخصية عن البطل الأول لمعركة التشيلي،الرئيس أليندي، وبصراحة الاحتفاء والاحتفال. فيلم أليندي رغم هذا لم ينحرف إلى نوع من السردية البطولية وظل محتفظا بالموضوعية التحليلية التي جعلت منه درسا في التاريخ يتوجه للعقل كما يتوجه للعاطفة. لغوثمان أسلوب خاص في معالجة النص من خلال جدلية التاريخي والشخصي،ما يجعل أي تقييم للعمل لا يستجيب لأي مقاربة تعتمد معيارية الذاتي والموضوعي . ألا يسهل هذا الحكم على حقيقة تاريخية كأليندي كمجرد إبداع ذاتي لغوثمان؟ من جهة أخرى هل أصبحت عملية التوثيق التي ظلت العنصر المميز للفيلم التسجيلي، خصوصا هذا الذي يتناول المادة التاريخية، في غنى عن هذا الاستيهام الأيديولوجي المسمى بالموضوعية؟

* ب غ: بالنسبة للموضوعية أجزم بعدم وجودها إطلاقا في الفيلم التسجيلي. لم تتحقق بشكل من الأشكال في هذا الجنس منذ فالاهارتي أو تزيغا فيرتوف إلى يومنا هذا. هناك وجهات نظر نتوجه بها كبوصلة أثناء عملية اختراق الواقع لنعرضه بشكل وليس بآخر. لا يمكن أبدا إخراج فيلم منزه عن الذاتية، بنصية محايدة، neutro. الكاميرات المعلقة في سقف البنوك هي التي تصور بشكل موضوعي، ولا يمكن لمخرج مؤلف أن يصور كذلك. لا يمكن أن يكون مجرد وسيط بارد وشفاف بين الواقع وشخصه كمؤلف، وبين الواقع كما عرضه والمتلقي كما يشاهده. وتجربة نبيلة تحالفت قوة إمبريالية ضخمة كالولايات المتحدة وجهاز عسكري فتاك لإفشالها وتهشيمها، تجد في هذا التحالف خير دليل على وجودها كحقيقة تاريخية.

* التداخل بين الجنس الروائي والجنس التسجيلي أسلوب تميز به تأليفك منذ عملك الأكثر تطلبا للمباشرة والموضوعية، معركة تشيلي. لغتك الوصفية هي الأخرى لا تخلو من مصطلحات كالسردية والدراما والشعرية. اصطلاحات غالبا ما نصادفها في الحديث عن الفيلم الروائي. إن لم يكن مرد هذا إلى هاجس الفيلم الروائي الذي لم تنجز فيه غير عمل يتيم، هل مرده إلى رؤية تأليفية ما بعد حداثية تشكك في النوع وتلغي الحدود بين الأجناس؟ ما مصير الواقعية كنتيجة لهذا؟

* الاقتراضات الاصطلاحية من جنس الفيلم الروائي كوجهة النظر والدراما، هذه أمور تحتمها السردية في أي فيلم. لكن يجب الانتباه إلى الخاصية التمييزية للفيلم التسجيلي والتي هي الطرح الواقعي. الفيلم التسجيلي يحكي قصة من الواقع بنفس المواد التي يمنحها هذا الواقع. طبعا من هذا الواقع تتحصل أمور فردية وذاتية عديدة. لننظر إلى الفيلم الذي أنجزته حول الروائي جيل فورن بعنوان لا يترك مجالا للموضوعية كـ: Mon Jule Verne . في هذا الفيلم أحكي بداية عن هذه المدرّسة التي علمتني كيف أسافر بتمرير أصبعي حول دائرة الكرة الأرضية. بهذا المشهد الافتتاحي الذي صورته في البيت الذي لازال شاهدا على هذا الحدث رغم رحيل المدرسة، استطعت الأخذ بيد المشاهد وإقحامه معي في الحكاية حول جيل فيرن. وحتى أظل في العوالم السحرية لرواية جيل فيرن، ارتأيت كذلك اختيار شخصيات من الواقع لتحكي تجربتها الخاصة مع قصص هذا الكاتب، وكيفة فتقت هذه التجربة فيهم نواة روح المغامرة. عبر هؤلاء المغامرين في باطن البحر والفضاء وفي نقط الأرض الجليدية البعيدة، تعي الروائي جيل فيرن بشكل ذاتي لن تحسه في برنامج سردي يعتمد بديل الحوار الثنائي والمقابلة مع المختصين في المجال الأدبي من نقاد أو محاضرين أكاديميين. بالتالي تضيع ساحرية الروائي ورواياته في رتابة التعليق التحليلي والديالكتيكي. كل ما فعلته في الفيلم هو ابداع تنويعات سردية روائية جذابة دون الابتعاد عن الواقع. يمكن الابتعاد عن الواقع في فترة من الفترات، بدافع التأمل الميتافيزيقي، أو التسطير على رمزية معينة، لكن المهم هو أن تظل وفيا للواقعية.

* هل يمكن أن نقول ان الواقع أصبح بالنسبة لك مجرد شبكة سيرك تحمي الفيلم التسجيلي من السقوط في أرض السردية الروائية الصرفة وتحتفظ له في نفس الآن بنوع من المرونة في الحركة داخل حيز اللا واقع . هل نقول أنها مرحلة قطيعة مع السينما المباشرة Direct Cinema؟ فيلمك الأخير ‘الحنين إلى النور’ يقدم نفسه من خلال هذه المعادلة الجديدة مع الواقع. أعني هذا الفرضي الذي يصبو إلى واقع ويستهجن انطباع الواقع.

* ‘الحنين إلى النور’ فعلا معادلة بين الواقع والافتراض. اشتغلت أنا وزوجتي منتجة الفيلم رينات ساشي Sachse Renate على السيناريو لمدة خمس سنوات منعزلين عن العالم الخارجي في بيتنا بباريس. هذا الفيلم لم يكن ليتحقق بالشكل المرغوب فيه لولا العثور على شخصيات تتماهى وتشعر ببعضها البعض. مثلا، كان علي أن اجد فزيائيا فلكيا يحس ويتماهى مع النساء اللواتي يبحثن عن رفات أبنائهن في صحراء أتكاما Atacama. لو لم أجد فلكيا بهذه الوصفة كغاسبار كالاس ماذا كان سيحصل؟ كان علي أن اعتمد تعليقا صوتيا مصاحبا أوضح فيه أن وظيفة عالم الفلك هي نفس وظيفة النسوة، كلاهما يقوم بعملية تنقيب عن شيء مرتبط بالماضي. في هذه الحالة سيتحول الفيلم إلى مونولوغ أطرح من خلاله فرضية قد تقتنع بها كمتلق وقد لا تقتنع. لكن بعثوري على غاسبار أكون قد وجدت في الواقع ما خمنت فيه أثناء كتابة السيناريو في عزلتي داخل البيت. قد تتجلى فكرتي بشكل أفصح وبطريقة أوضح مع شخصية فالانتينا. هذه العالمة الفلكية لها والدان في عداد المفقودين، ولكونهما ضاعا بتلك الطريقة المأساوية فهي تشتغل في فيزياء الفضاء بقناعة أنها تتواصل معهما في كل لحظة في ذرات المجرة. هنا أصبحت شخصية ك فالانتينا العمود الفقري الذي يستقيم به الفيلم طرحا وشكلا، ولدرجة يصعب علي استيعاب الفيلم كمنجز وعمل بدونها أو بدون غاسبار. لم يكن لهذا الفيلم أي طريقة للتحقق بتلك الساحرية دون فالانتينا وغاسبار أوعالم الآثار الذي غاص بي أكثر في أعماق الذاكرة حين قال: باتريسيو لا تظن أننا نطمس ذاكرة الإنقلاب العسكري فقط ولكننا نطمس كذلك ذاكرة أخرى قريبة وهي إجلاءنا للسكان الأصليين منذ مائتين سنة. بناء على هذا، يمكن أن تصل إلى نتيجة بخصوص التأليف السينمائي التسجيلي، وهي أن تشتغل أثناء الكتابة انطلاقا من عدة فرضيات لن تخسر شيئا إن نقبت عن معادلات واقعية لها وموجودة في الواقع. قد يبدو لك في بعض الأحيان أن تكتب عن واقع ليس موجودا، لكن التحدي أمامك كمؤلف تسجيلي هو أن تتحقق إن كان فعلا هذا الواقع ليس موجودا. إن حصل وكان هذا المعادل موجودا سيكون هو الجدلية المحركة للفيلم. وكخلاصة، فيلم الحنين إلى النور هو نتيجة لهذا المد والجزر بين ماطرحته نظريا وفرضيا أثناء الكتابة وما تحصل أثناء التسجيل في الواقع. وهذا شيء رائع جدا.

* هل معنى هذا أن فيلم المؤلف التسجيلي هو نتاج الفكرة والمصادقة على الفكرة بعنصر الواقع. وهل عملية التأليف هنا ترويض للواقع. هل نحن الآن بصدد شوط آخر للقطيعة مع هاجس الواقعية الذي حرك جنس التسجيلي في بداياته، بعد شوط اللاروائية عند كريس ماركر في عمله بلا شمسSans Soliel.

* ‘الحنين إلى النور’ لا يزال فيلما تسجيليا. كل ما هنالك أننا تركنا وراءنا تلك المرحلة التي تستدعي الخروج من البيت للتصوير. طبعا الموضوعة تفرض أسلوب العمل. إن أنت في طور إنجاز فيلم تسجيلي عن الثورة العربية ستضطر، طبعا، للخروج من البيت مباشرة لتصور بالكاميرا أو التليفون أو اي شيء تمنحه التيكنولوجيا الحديثة. طبعا ستحضّر سيناريو بيانيا وتصميما أوليا للعمل حتى لا تتيه: ستنظم نفسك بجدول للتصوير مثلا: اليوم في ساحة التحرير، غدا في البرلمان، ثم مركز الشرطة، إلخ. ستوزع مادتك بين بؤر نظر تتبع من خلالها حركة النظام وأخرى تتبع بها حركة المعارضة، وربما أطراف أخرى إلخ.

* تماما مثل معركة تشيلي..

* تماما. المهم في العملية هو اختيار البؤر التي ترصد النقط التي تمرّر الحدث إلى الواقع. ولكن لنفترض أنك معهود بتصوير فيلم تسجيلي عن جمال عبدالناصر وحلم القومية العربية. والحالة هذه، يجب أن تغير استراتيجية العمل، وتعتمد على فعّاليات سردية أخرى. ستترك سينما الحقيقة cinema verite والسينما المباشرةdirect cinema وتعتمد فعاليات سردية من قبيل الأرشيف، التعليق الصوتي، الفوتوغرافيات، تصوير الأماكن التي كان فيها هذا الزعيم، وحوار الأشخاص الذين يعرفونه إلخ.

* مثل أليندي..

* ب غ: فعلا. إذن أنت تستنتج أن الموضوعة هي التي تملي الاختيار السردي. ودون أن يكون للأمر علاقة بأسلوب العمل أو المدرسة السينمائية ولو كانت سينما الحقيقة. الموضوعة هي التي تفرض إختيار بؤرة التسجيل من هنا وليس من هناك، هي التي تحدد إن كانت اللقطة ترافلينغ أم تابثة. فالنظرة إلى موضوع ما هي التي تمنح الشكل الذي نرى به هذا الموضوع.

* إذن كما الموضوع يملي الاختيار السردي، هذا الأخير بدوره يملي طريقة التلقي ويوجه التأويل؟

* دائما.

* الربيع العربي

* سقت أمثلة لها ارتباط بالواقع العربي الحالي. وسقت هذه الأمثلة في الحديث عن كيفية التسجيل للحدث التاريخي. شيء قعّدت له بمعركة تشيلي الذي أصبح مرجعا لا غنى عنه في تسجيل الحراك الجماهيري ضد الاستبداد والديكتاتورية. في حوارك الشهير مع جوليان بورتون الذي دار في هافانا سنة 1973 تنبأت أن شعوب العالم ستخوض مستقبلا معركة التشيلي الخاصة بها. هل

ما يحدث في العالم العربي اليوم أعظم شيء حدث في العشر سنوات الأخيرة وربما ما يتبعها. إنه لشيء عجيب ورائع تشعره وأنت تشاهد الشعوب العربية في بلدان المغرب العربي، والخليج والشرق الأوسط تنتفض على هذه الأنظمة العمودية التي ساندتها أوروبا والولايات المتحدة، وتقرر بنفسها مصيرها ومسارها التاريخي. هذه الحركات العفوية تنم عن شجاعة لا يصدقها العقل. شجاعة الشعب السوري مثلا ليس لها مقابل في العالم. شعب يرمى بالرصاص كالعصافير، ومع ذلك لا يتوانى عن الخروج للشارع مرة بعد أخرى. هذه ظاهرة عجيبة لهذا الإنسان الذي يصبو إلى انعتاقه بغض النظر عن حجم وشكل المعيقات ودرجة خطورة العواقب.

* وصفت حركة الشارع العربي بالعفوية. كلمة العفوية تجعلني أستحضر الفيلم التسجيلي ‘ساعات الأفران’ للمخرج الأرجنتيني فيرناندو سولاناسFernando Pino Solanas. هذا الفيلم أيقونة أخرى في التسجيل لانتفاضة الشعب الأرجنتيني. لن أخوض في الفليم. أريد فقط التسطير على تعليق سولاناس على فشل حركات الشارع لأنها تنطلق عن عفوية. هل يمكن اقتراض نفس الحكم من هذه الذاكرة التسجيلية لاستشراف ما يحضره المستقبل للثورة العربية؟

* لا أظن بوجود وصفة معينة للعمل الثوري. كل ثورة تحمل معها افتراضات لأساليب أنجع وطرائق أحسن للتنفيذ. ثورة أكتوبر كانت ستؤدي إلى نتائج بشكل آخر لو أن لينين تأخر قليلا في سويسرا كما قيل أو لو أن تروتسكي لم يؤمن بالجيش الشعبي إلخ. الثورة في الأخير احتمالات ورؤى. لكنها في الأصل تبقى فوضى تتحول فجأة إلى نظام يشتغل ويتفعل في اتجاه ما. لو أن الثورة الكوبية، كمثل آخر، لم تتفرع إلى ثلاثة سبل؛ فيديل كاسترو في طريق، وتشي غيفارا في طريق آخر وسينفويغوس في طريق ثالثة لبقيت منعزلة في جبال سييرا ميسترا إلى أن قضي عليها. سبل الثورة عديدة، وليس هناك صيغة خاصة. طبعا هناك عناصر للتصعيد الثوري، وهناك مراحل تقطعها الثورة يمكن تحديدها والوقوف عليها. فعلا لا يمكن معرفة ما سيؤول إليه العالم العربي. في نفس الوقت، لم يكن ليحدث أي شيء فيه لولا هذه العفوية التي حركت الثورة. الجماهير تخرج للشارع في الوقت الذي ما زالت فيه عدة أطراف تتحدث عن الفرصة المواتية، والوقت المناسب للتغيير. الجماهير خرجت للشارع وهذا هو الأهم.

* ولكن، مقارنة مع الثورة التي عاينتها وسجلت أوجهها العديدة، الخفي والظاهر منها، هذه ثورة مختلفة. في ثورة معركة التشيلي كان الخط الفاصل بين طرفيها واضحا: هناك اليمين المحافظ وأذرعه الفاشية والعميلة، وهناك اليسار الاشتراكي والماركسي والتنظيمات العمالية. هناك التشيلي وهناك القوى الإمبريالية. هناك الجيش وبينوتشي وهناك القوى الشعبية وأليندي. في الثورة العربية ليس هناك خط واضح يفصل بين هذه العناصر: الجيش الذي كان ضد القوى الشعبية في التشيلي هو من يرعى ويحرس الثورة في تونس ومصر؛ القوى الإمبريالية التي حضّرت ودفعت بينوتشي ضد أليندي هي التي، في شكل النيتوNATO ، تساند وتحمي الثوار في ليبيا. هناك أطراف تدعم لوجيستيكيا وماديا انتفاضة شعب عربي وتساهم في نفس الوقت في إجهاض انتفاضة شعب عربي آخر. ألا تجد في هذا التداخل ورمادية الخط الفاصل خطرا يتهدد الثورة العربية وهي بعد في مهدها؟

* باتفق معك. هناك خطرعظيم. وإن كان حجم الخطر يعادل حجم التفاؤل الذي أشعره بشأن الثورة العربية. الخطر والتفاؤل عندي في نفس المستوى. لا أحد يعرف مصير هذا الحراك. في هذا الحراك هناك غياب واضح للتنظيمات السياسية، هناك غياب للوعي الثوري، وانعدام تقليد التنظيمات النضالية العسكرية. ليس هناك سياسة واضحة أو برنامج معين، وهذا خطر. ولكن من جهة أخرى، تفجرت الظاهرة، ونحن الآن وسط العاصفة. كل ما نأمل ونتمنى هو الوصول إلى بر النجاة.

* الذاكرة الملحة

* ما يميز أعمالك الأخيرة هو الاهتمام بموضوعة الذاكرة. لا يخفى على متتبع أن التزامك ومقاومتك أخذا شكلا آخر وفي جبهة أخرى. أنت الآن تقاوم الإمبريالية والفاشية في أشرس مراحلها وبأعتى أسلحتها. تقاوم ما تسميه النسيان المبرمج وهذا التدجين الذي يمارسه الإعلام بإفراغ المواطن من أي وعي سياسي أو قدرة على التفكير والتخمين. ألا زلت تؤمن بضرورة السينما التسجيلية انطلاقا من قناعة عن هذه السينما كحق في المواطنة وهي ممارسة للنقد الذاتي.

* هناك عملية نسيان مبرمجة تمارسها إمبريالية السوق لا تختلف كثيرا عن التي مارستها الفاشية. أكتفي بأن أحكي لك أني في هذه الأيام التي قضيتها هنا في هيوستن بتكساس، لم أصدق ما رأيته وأنا أشاهد التلفزة الأمريكية. تلفزة لا تخبر بأي شيء. تحولت فيها الأخبار الدولية إلى مجرد تركيب استنتاجي مقتضب وشبه مجرد. مشهد تسيطر عليه الدعاية بشكل يجعلك تحس أنك تشاهد فقط برنامج دعايات لا غير. وهذا الوضع ينسحب على معظم المحطات. طبعا هناك قنوات مختصة وتثقيفية للأسف لم تتح لي الفرصة لمشاهدتها. هذا الأمر رهيب جدا. ذكرني بتشيلي، لأن التلفزة بتشيلي أصبحت كذلك. طبعا على المستوى التقني أصبحت تلفزة جيدة. تيليسيدي TELESEDE تشتغل بشكل جيد، ولكن ليس فيها من فجوة للمادة الجيدة، ولا لحظة للتفكير والتأمل. تلفزة تطغى فيها العقلية التجارية. ما فحوى المدارس التي أنشأنا لتعليم الشعب وتوعيته حين نقدم له برامج تلفزية تحارب ذكاءه وتقلل من قدرته على التفكير. للإشارة في أوروبا لم يستفحل الوضع لهذه الدرجة. طبعا يطغى على التلفزة الأسلوب التجاري الدعائي، لكن لازال هناك العديد من الجيوب الإعلامية تقاوم ببرامج جادة.

الإنتاج السمعي البصري هو صناعة للذاكرة. وطبعا، كما أشرت، تطوّري العملي رسا على الاهتمام بموضوع الذاكرة والنسيان وفقدان الذاكرة كمواضيع رئيسية. أستحضر دائما خورخي سانبرومJorge Semprun وانا أتطرق للحديث عن الذاكرة. لأن كتابته من أجمل ما كتب عن الذاكرة والنسيان. منذ مدة وأنا أفكر في إنجاز عمل عن هذا المفكر. من خلاله يمكنك أن تقف على ما يحيط بالذاكرة. المخرج من تاريخ ثقيل من التعسف هو الذاكرة وليس النسيان كما يسود في الوعي العام. أحب أن أضيف مسألة أخرى في غاية الأهمية بالنسبة لي. إن كانت هذه الفوضى التي نعيش قلصت من أهمية الإيديولوجيات، وفيها تحولت السياسة إلى فساد سياسي، يبقى الحل في عدة خطابات أخرى منها العلوم. في نظري أصبحت العلوم اليوم تشغل حيز السياسة والأيديولوجيا. لأن العلوم اليوم تعين أفضل على الحياة، وبالتالي تعيننا على الحياة بشكل أفضل.

هيوستن ـ تشرين الثاني/ نوفمبر 2011

*Nonfiction cinema

أميل إلى ترجمة هذا المصطلح بالسينما اللاروائية عوض السينما اللاخيالية. والسبب هو أولا كون عنصر المخيال والخيال متوفرا في هذه السينما وحاضرا مع التسجيل كما هو الحال عند كريس ماركر. وتاليا هو كون السينما الروائية لا تشترط حضور عنصر الخيال، في تحديد مفهومها، أكثر من بنية سردية روائية. لنتذكر على سبيل المثال مدرسة الواقعية الجديدة الإيطالية، والعديد من نماذج السينما الثالثية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...