صفحات العالم

أنقرة وحسابات واشنطن السورية


سمير صالحة

أنقرة التي كانت بين السباقين في المطالبة برحيل النظام السوري وبنت كل حساباتها على ذلك، تعيش في هذه الآونة خيبة أمل كبيرة ليس فقط بسبب فشلها أمام مجلس الأمن الدولي في تمرير اقتراح إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية يتم فيها توفير الحماية الدولية للاجئين هناك وليس بسبب حجم المشاركة والتمثيل الضعيفين اللذين رأت حكومة أردوغان فيهما انعدام الجدية واللامبالاة الأممية حيال جهودها، بل هي تعيش ذلك بسبب المواقف والتصريحات الصادرة عن شخصيات سياسية وعسكرية تعكس وجهة نظر الشريك والحليف الأميركي التي تقطع الطريق على تحركاتها في الملف السوري.

كلام رئيس الأركان الأميركي مارتن ديمبسي ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس حول صعوبة توفير الغطاء الذي تريده أنقرة من قبل حلف شمال الأطلسي في مسألة المنطقة العازلة ورد أسباب ذلك إلى شرط موافقة مجلس الأمن والنفقات المالية المكلفة وتقديم مسألة مخاطر ملء الفراغ المحتمل من قبل جماعات دينية متطرفة تعكس حقيقة التباعد التركي الأميركي في قراءات مسار الأزمة السورية على الرغم من زيارة كلينتون الأخيرة إلى أنقرة والإعلان عن تنسيق السياسات حول مرحلة ما بعد سقوط الأسد الذي قال ديمبسي إنه ما زال قويا ومتماسكا.

الإدارة الأميركية تعرف أكثر من غيرها أن استراتيجية إنشاء منطقة أمنية عازلة داخل الأراضي السورية وعلى مقربة من الحدود التركية لإيواء اللاجئين لن تقود في أحسن الأحوال سوى إلى مواجهة مباشرة بين أنقرة ودمشق. فهل هذا هو ما تريده واشنطن لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد من خلال تذكير الجميع بموقع ودور مجلس الأمن الدولي الذي تدرك استحالة تفاهمه والتقائه أمام خيار وسط في الموضوع السوري؟

واشنطن تريد أن يأتي الحل من الداخل السوري ودون أي دعم حقيقي للمعارضة أو تريد من الحلفاء أن يسقطوا هم النظام وتكتفي هي بتقاسم قطعة الجبن مع ضمانات تقدم حول أن الخارطة السياسية السورية المستقبلية لن تهدد مصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة. واشنطن وكما هو معلن تسعى لإضعاف الجيش السوري وحرمانه قدراته العسكرية والحربية عبر إطالة المواجهة غير عابئة بعدد الضحايا والدمار والخراب الذي يلحق بسوريا. لا بل هي تريد كما فهمنا تسليح المعارضة السورية لقطع الطريق على إيران في لبنان والعراق غير عابئة بحسابات وسياسات اللاعبين الإقليميين والدوليين الآخرين.

ربما من الأولى تذكير واشنطن، التي تحاول جني ثمار الأزمة السورية على حساب مواقف حلفائها وشركائها مستفيدة كما تعتقد من دروس أفغانستان والعراق ولبنان، أن المجتمع الدولي والمنظمات العالمية التي تم تجاهلها تماما في قرار شن الحرب على العراق قبل 9 سنوات سيسألونها عن ازدواجية المواقف وأن الجميع يرصدون كل شاردة وواردة في خطواتها وتحركاتها وأن لا هدايا مجانية تقدم لأحد أمام هذا الكم الهائل من التعقيدات والتداخلات.

لا يمكن لحكومة العدالة والتنمية التراجع بعد هذه الساعة عن مواقفها وسياساتها حيال الأزمة السورية وهي التي تعرف أن المطلوب هو ليس رأس داود أوغلو بل رأس أردوغان نفسه. من هنا فما قصده ربما أردوغان عندما قال إن إنشاء المنطقة العازلة لا بد أن تسبقه موافقة مجلس الأمن الدولي وهي مسألة شبه مستحيلة اليوم هو تذكير الحلفاء وواشنطن تحديدا بخيار شبه وحيد لا بد أن يتقدم على غيره من الخيارات في هذه المرحلة.. نقطة البداية فيه أن يقود المجتمع الدولي تحركا من هذا النوع يسبقه خطوة إعلان الحكومة السورية في المنفى بالتنسيق مع قوى المعارضة في الداخل والخارج ومطالبة هذه الحكومة الهيئات الدولية بتوفير الحماية اللازمة للشعب السوري وإنشاء منطقة حظر جوي على طيران النظام في إطار القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان الدولي وتحريك محكمة الجزاء الدولية والاستفادة من صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار بند التوحد من أجل السلام أمام عجز مجلس الأمن ووصوله إلى الطريق المسدود بسبب انقسامه، وهي لن تكون لا المرة الأولى ولا الأخيرة في التحرك بهذا الاتجاه والتعامل مع أزمات من هذا النوع.

تباعد المواقف التركية الأميركية في الموضوع السوري لن يدفع بأنقرة إلى تبديل سياساتها لكنه سيقود حتما إلى تراجع علاقاتها بواشنطن فأنقرة التي تشعر أنها تركت وحيدة تواجه الضغوطات الإيرانية والروسية قبل أن تقاوم الحملات السورية ضدها على أكثر من جبهة.

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى