الشعب يريد

 

عباس بيضون

«الشعب يريد إسقاط النظام« كان هذا هو الشعار الأول الذي نحته الثوار. أقول نحتوه لأنه لم يأت بلغة الشعب. لقد جاء بفصحى معربة وردده الثوار بإعرابه وفصحاه. كان عبارة للكتابة لا للنطق كأنما أراده الثوار هكذا ان يكون «نقشاً» ملفوظاً. أرادوه ان يكون عهداً يوقعونه بأصواتهم، كتابة منطوقة إذا جاز القول. هذه العبارة المصنوعة أراد الشعب أن «يحررها» بلغة الصكوك والمعاهدات. لقد صاح بها الشعب في ميادين القاهرة، كما كتبها أولاد درعا على الجدران. كان الشعب يصرخ «الشعب» وكأنه بذلك يسمي نفسه. لقد اخترع الشعب الشعار في الوقت الذي كان فيه الاختراع الأول هو الشعب نفسه. الآلاف، بل عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف التي نزلت إلى الشارع، كانت هي الشعب الذي وجد نفسه بعد عمر من الإغفال والاصطناع والمحاكاة. كان الشعب هو الاختراع الأول للثورات.

الأنظمة البوليسية التي سمت نفسها ثورات. اصطنعت شعباً على هواها. كانت «الجماهير» هي اختراعها الأول. لقد أسست بالموازاة مع مخابراتها المراكز الجماهيرية: منظمات الحزب والشبيبة والأندية والنقابات والتنظيمات شبه الحزبية للحرف والموظفين… الخ. كان النداء يصل إلى القاعدة فيستنفر هذه المراكز ويخرجها إلى الشارع، فنزل بعشرات ومئات الآلاف ويقوم الحزب الحاكم أو الطغمة الحاكمة باستعراضه الجماهيري الذي يتكرر مرات في السنة. كانت هذه محاكاة للشعب، محاكاة حولت الشعب إلى اصطناع كامل، إلى أكذوبة دورية، إلى تمويه جماهيري، إلى محاكاة وتقليد.

لفرط ما قلد الشعب نفسه، لفرط ما حاكى نفسه، ضاع عن نفسه بالتأكيد، استطاعت الأنظمة «الجماهيرية» البوليسية، ان تمسك بمقاليد الشارع والجماهير، ان تجعلها رهن الأمر اليومي، أن تحولها إلى قطاع حكومي، ان تحول الاستعراض الجماهيري إلى استعراض فحسب، إلى كرنفال دوري، إلى لعبة إدارية. هكذا غلبت المظاهر، بل صار الشعب مظهر الشعب والجماهير مظهر الجماهير، مظاهر ليس فيها من الحقيقة شيء، أما النتيجة فهي تضييع الحقيقة كليا، يضيع الشعب في لعبة الشعب، يفقد نفسه فيها وينساها تماماً، يمر عليه وقت ينخدع بها. يظن أنّ هذه هي إرادته، وهذه هي مطالبه. يصدق، أو يكاد يصدق أن السيد الرئيس هو فعلاً القائد وان النفوس والمهج ينبغي ان تفديه. يصدق ان الدولة هي أمه وانها فعلاً سلطة العمال والفلاحين والمثقفين. يصدق ان هذه هي الثورة وان المستقبل في ضميرها، وان التغيير في يدها والتقدم برنامجها وخطتها. يصدق ان البرلمان المفروض هو تمثيله والمخابرات المتعددة المتحاذيه حارسته والمعارضة مدسوسة ومباعة وخائنة. ان العدو يقظ ولا يحمينا منه إلا دولة قوية بعسكرها ومخابراتها. أن بوليسيه النظام علامة قوته وطغيانه علامة سهره وبطشه علامة يقظته.

يمر وقت طويل على هذه الخدعة. تمر أجيال وعقود واللعبة جارية، تمر سنون والأكذوبة سالكة وقائمة، وكلام النظام دارج سائر، وشعاراته معممة مهيمنة. يمر وقت طويل تستطيع فيه الأنظمة ومخابراتها اختراع أجيال لا تعرف سواها، واختراع لغات كاملة لا كلام خارجها، واختراع خطابات سائدة ومفاهيم سائدة وشعارات سائدة. ذلك يعني ان أنظمة الطغمة، الأنظمة التوتاليتارية، لا تبقى طويلاً بسبب الغفلة أو بسبب النكوص أو بسبب الإقناع، تبقى طويلاً بسبب هيمنها الكاملة واحتكارها للغة والهواء والثقافة والكلام، بسبب تسييرها للحشود التي تصدق انها الشعب، وتمويهها الجماهيري، وازدواج خطابها وأطروحاتها، والمزاعم الكبيرة التي تقوم عليها ديكتاتوريتها.

ذلك يعني ان دهاء الأنظمة أكيد. البرنامج الذي تتبناه لفظيا هو تقريباً جامع شامل، بل هو قادر على مصادرة المستقبل كلياً. انه يحوي كل ما ينعقد عليه الإجماع الشعبي، الدولة القوية، التصنيع والتحديث، الاشتراكية، التحرير. قد يمر وقت قبل ان يتضح ان الدولة القوية هي النظام البوليسي وانها قوية على شعبها فحسب، ان الاشتراكية هي المافيا العائلية، ان التحرير خدعة. يمر وقت قبل ان يفهم الناس انهم امام شرك حقيقي. وان النظام الذي يزعم الكلام باسمهم انما يفعل ذلك بثمن إسكاتهم وإخراسهم ومصادرة أصواتهم. ان التنظيمات الجماهيرية هي بيوت للتفتيش والقمع، وأن المخابرات في نهاية الأمر هي التي تقوم بذلك كله وتخترعه وتقوده. إلى ان يبدأ كلام عن جرائم حقيقية، إلى ان ينهض كلام عن صفقات مشبوهة، إلى أن يبدأ حديث عن مافيا عائلية، إلى ان تنكشف سرقات واعتداءات وقاعدة للشبيحة والزعران، إلى ان يحدث ذلك يبقى النظام محمياً ويبقى مموها، وتمر سنون وسنون وهو قادر على امتصاص أي اعتراض أو أي نقمه. تمر عقود والنظام متأله متصنم قادر على الهيمنة، قادر على الفرض، بل قادر على صناعة رأي عام ودوافع جماهيرية.

حين ينزل الشعب أخيراً بدون إيعاز من المخابرات، وبدون أمر من فوق، حين ينزل وقد صدمته اكتشافاته. صدمته الجرائم والسرقات والصفقات والمافيا العائلية. حين ينزل الشعب أخيراً يتحرر من صورته المصطنعة، يتحرر من مثاله الكاذب، يتحرر من مظهره ومن اللعبة التي زج فيها. «الشعب يريد» الشعب يعرف نفسه ويجد نفسه. هكذا بعبارة نحوية معربة يسمي الشعب نفسه. لقد وجد، انه هذه المرة اختراع الثورة.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...