الرئيسية / صفحات الناس / الصحافة العالمية إذ تورطت عاطفياً في سوريا: الحرب مستمرة!/ وليد بركسية

الصحافة العالمية إذ تورطت عاطفياً في سوريا: الحرب مستمرة!/ وليد بركسية

 

 

النتيجة التي توصلت إليها الصحف العالمية الكبرى، وكررتها طوال الأسبوعين الأخيرين وقدمتها على أنها اكتشاف مذهل، وتقول إن الحرب في سوريا لم تنته بعد رغم هزيمة تنظيم “داعش”، لا ينبغي أن تثير كم المفاجأة الذي تحدثه فعلاً، رغم أنها صحيحة، لأن الحرب في سوريا أصلاً لم تنطلق من “داعش” نفسه، بوصفه عنصراً طارئاً على مسار الثورة والحرب في البلاد.

ومنذ انطلاق عملية “غصن الزيتون” التركية في منطقة عفرين شمال غربي البلاد في 20 كانون الثاني/يناير الماضي، كان هناك إحساس بالصدمة، بدأ في مجلة “فورين بوليسي” التي تحدثت عن انتقال الحرب السورية إلى مستوى جديد. ورغم أن التحليل كان صحيحاً بطبيعة الحال من ناحية توصيفه لأطراف النزاع الحالي وآفاق الحل السياسي المعدومة واستحالة الرهان على استنزاف الأطراف المتحاربة لبعضهم البعض، إلا أنه كان بداية “تريند” طبع كامل التحليلات والتقارير التي تناولت الشأن السوري لاحقاً.

هذا التوجه العام في التحليلات بلغ ذروته بعد الصدام الإيراني – الإسرائيلي في السماء السورية نهاية الأسبوع الماضي إثر تحطم طائرة حربية إسرائيلية للمرة الأولى منذ العام 1973 وما تبعها من مناوشات، ويمكن تلمسه في مقال لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية قبل أيام بعنوانها المتفاجئ “من الصعب تصديق ذلك لكن الحرب في سوريا تزداد سوءاً”، فضلاً عن صحف ومجلات كبرى (فاينانشال تايمز، ذي أتلانتيك، واشنطن بوست، واشنطن تايمز، ناشيونال إنترست، نيوزويك، غارديان، ..).

لا تتصرف الصحف الرزينة هنا بهستيرية ولا تميل إلى إبداء رد فعل درامي، بل تتفاعل مع الحدث الطارئ فقط، من دون تقديم رؤية أشمل، حتى لو بدت التحليلات في لحظة كتابتها وقراءتها شديدة الشمولية. ويعود ذلك لطبيعة العمل الصحافي نفسه، من ملاحقة الأخبار يوماً بيوم والتعامل مع الحدث لحظة حدوثه في محاولة لربطه مع سياقه الأشمل. وهو ما قامت به الصحافة الغربية بكفاءة، ربما، طوال سنوات الحرب السورية، قبل حقبة “داعش” وما بعدها على حد سواء.

المفاجأة إذاً تأتي من تورط مختلف، عاطفي أو إنساني بين الصحافة والحدث الذي غطته لسنوات. تدرجت فيه، أولاً بوصفه حدثاً بعيداً في بلاد غريبة، إلى كونه حدثاً مألوفاً مؤلماً، مع فيض من الصور والفيديو والأخبار المروعة، الكفيلة، ربما، بإثارة الأرق لدى الصحافيين والمحللين. وهكذا يصبح الشعور العارم بالصدمة أقرب إلى خيبة أمل مع اكتشاف متأخر بأن الأمنيات الطيبة بشأن تحقيق الاستقرار لملايين السوريين، ولملايين أكثر في الشرق الأوسط المضطرب، إثر القضاء على “داعش”، لم تتحقق بعد.

المثير للسخرية هنا، أن أغلب النصوص في هذا الصدد تميل إلى لوم الإدارة الأميركية على اعتمادها نهج الأمنيات تجاه سوريا، بما في ذلك الاستراتيجية الأميركية الأخيرة التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون. رغم أن التحليلات تعتمد النهج نفسه، ولا تقدم بديلأً، باستثناء دعوات للتعاون مع روسيا، التي تشكل في الواقع جزءاً من المشكلة لا الحل، وإن لعبت على علاقاتها بالأطراف المختلفة ضمن الصراعات على الأرض السورية في هذه اللحظة.

العنصر الحاسم في كل ما سبق، أن الحرب السورية أصلاً لم تكن حرباً ضد “داعش”، مثلما تبرز الصحف الكبرى، بل كان ظهور التنظيم العام 2013 وتمدده في مساحات واسعة من سوريا آتياً من العراق، مرتبطاً بالصراع الأصلي في البلاد، أي الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، والتي تحولت إلى حرب أهلية وإقليمية ودولية، منذ لجوء النظام السوري إلى القوة في ردّه على التظاهرات السلمية. ورغم أن التنظيم كان وحشياً في “خلافته” المستوحاة من حكم القرون الوسطى، وشكل تهديداً عالمياً يتخطى المحيط الإقليمي الضيق لدرجة إقامة تحالف دولي تقوده واشنطن للقضاء عليه، إلا أن الحرب ضده تبقى الجزء الأبسط من الصراع في البلاد، لأن الكوكب برمته، بين الحلفاء والخصوم، يتفق على هوية العدو فيه، بعكس الصراعات الأخرى التي تغير من شكل الاصطفافات التقليدية.

والحال أن هزيمة “داعش” أفسحت الطريق أمام الصراعات الكامنة ضمن الحرب لتطفو على السطح من جديد، تغذيها أحقاد ودوافع قديمة. فبينما تتصارع روسيا مع الولايات المتحدة على النفوذ العالمي، تتصارع أيضاً إسرائيل مع إيران، وتركيا مع الأكراد. ووسط ذلك كله، يبقى الصراع الأول بين النظام ومعارضيه موجوداً، وإن اختلف شكله كلياً عما كان عليه العام 2011، سواء من ناحية قوة النظام الذي بات مجرد وكيلاً لموسكو وطهران، أو في شكل المعارضة التي سُحقت وأعلنت هزيمتها يوم قررت روسيا التدخل لصالح النظام في خريف العام 2015.

قد تكون الميديا العالمية لطيفة في أمنياتها، لكن نهاية الصراع بمجرد هزيمة “داعش” لن تحقق الاستقرار في سوريا، مثلما تعترف الصحف الكبرى نفسها. وهنا يكمن التناقض المثير للقلق، بين الأمنيات والوقائع. فإحداث الاستقرار الحقيقي يتطلب إيجاد حل سياسي ينهي الصراع الأساسي في البلاد مع النظام وحلفائه، بينما ترضى الأمنيات الصحافية باستقرار وهمي مقلق لا يحل المشاكل من جذورها، بل ينتظر تفاقمها في المستقبل فقط، مع الأخذ في الاعتبار تحول “داعش” إلى خلايا نائمة. وإن كان ذلك كله لا يرتقي إلى مستوى السقطة الأخلاقية أو ازدواجية المعايير، فإنه يعتبر نفاقاً مرحلياً على الأقل.

المدن

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...