الرئيسية / صفحات الحوار / الصحافية الهاربة من الموصل هبة نزار: رأيتُ الجثث في الطّرق

الصحافية الهاربة من الموصل هبة نزار: رأيتُ الجثث في الطّرق

 

 

شهدتُ على جرائم وسمعتُ أنين النساء إثر جَلدهنّ لأتفه الأسباب

حسن الساحلي

خرجت الصحافية هبة نزار أخيراً من الموصل بعدما أمضت أكثر من عام في المدينة التي يحكمها تنظيم “الدولة الإسلامية” بـ”الشفرة والسكين” بحسب تعبيرها. اتهمها التنظيم بـ”الردّة”، فخرجت عبر الجبال العراقية – التركية، هرباً من بطشه.

شاركت نزار، الخميس، في ندوة نظمها مركز “كارنيغي للشرق الأوسط” في بيروت والجامعة الأميركية في دهوك – كردستان، حول مستقبل الموصل تحت حكم تنظيم داعش. تحدثت نزار عن وقائع المدينة، ورأت، في حديث مع “المدن”، أن وصف ما يجري “يحتاج الى صناعة سينمائية ربما لإيصال صورة واضحة”. ورغم البطش، ترى إن أبا بكر البغدادي “ليس خليفة، بل هو مهرّج مثير للشفقة”.

في هذا الحوار، تتحدث الصحافية هبة نزار إلى “المدن” بإسهاب عن واقع المدينة.. وتجربتها فيها.

* كيف خرجتِ من الموصل؟

** تزداد الموصل خطراً يوماً بعد يوم. في البداية لم أكن أريد الخروج، لكني عندما علمت بخبر إعدام زملاء لي في قناة “سما” الفضائية التي عملت فيها لسنوات قبل دخول داعش، اتخذت القرار بأن عليّ الخروج في أسرع وقت ممكن. أعتقد أن التنظيم يلاحق أي شخص يمتلك عقلاً ويفكر أو يفهم ما يحصل في المدينة. قررت الخروج من الموصل بعد تردد طويل وقد انفجرت باكية عند الجبل الفاصل بين سوريا وتركيا خلال هروبي. لم أكن أبكي خوفاً من الظلام الدامس المحيط بنا، ولا من ملمس الدماء على قدمي العاريتين بعد فقداني حذائي خلال السير صعوداً على الجبل بين الأشواك والحجارة. بكيتُ إثر شعور عميق بالذنب تجاه من بقي وحيداً في المدينة المحاصرة بالموت والخوف.

*كيف تشعرين عندما تتلقين اتصالات من الداخل؟

** أبكي عندما أتلقى اتصالاً من المدينة. أعرف جيداً أنه بإمكان المرء أن يموت من الخوف في الموصل فقط. قال لي أحد اقاربي أنه لا يريد المدينة التي ولد فيها ولا يريد منزله ويريد فقط الخروج بأي طريقة ممكنة. تحكم داعش، المدينة، بالشفرة والسكين. لم أخرج من منزلي يوماً، خلال العام الذي قضيته في المدينة، إلا وشهدت على جرائم أو سمعت أنين النساء إثر جلدهن لأتفه الأسباب. يحتاج الوصف الى صناعة سينمائية ربما لإيصال صورة واضحة. عندما هربت من المدينة رأيت جثثاً متروكة عند حوافي الطرقات، وسمعت أخباراً لا تحصى عن جثث تطفو فوق نهر دجلة.

* ماذا حققتِ خلال تواجدك في الموصل؟

** كنت أحاول ايصال صورة عن الموصل خلال تواجدي فيها. رأيتُ كيف كذبت القنوات الإعلامية في ادعائها محاربة داعش. كانوا يقولون ان المعارك قتلت مئة داعشي. أين؟ لم أرَ شيئاً من هذا! كان الجميع يكذب، حتى أن قصف التحالف كان يؤدي غالباً الى كوارث. في إحدى المرات، دمّر القصف 25 منزلاً. تخيّل! حصلت كارثة في المدينة تشبه أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة. يومها ضرب التحالف مخازن للأسلحة وسط الأحياء الشعبية. انفجرت المخازن وبدأت الإنفجارات تتالى لتدمّر كل شيء. يومها قامت المدينة ولم تقعد. لم يتحدث الإعلام عمّا حدث في ذلك اليوم. كنا نُقتل ونُذبح وسط سكوت الجميع.

* كيف هو شكل المدينة اليوم؟

** ينبئ الوضع اليوم في الموصل بتدهور وشيك، خصوصاً مع تراجع المصادر الإقتصادية للتنظيم وشح المواد الغذائية في المدينة. العام الماضي، ذهبت مجموعة من الأئمة والعلماء الى أبي بكر البغدادي. قالو له “أنت الراعي وكل راعٍ مسؤول عن رعيته.. نريد أكلاً ومواد غذائية”.. فقال لهم: “لم تشدّوا الحجر على البطن بعد!”.. ما يعني أن الجوع الآتي أعظم! لا أعرف إن كان الحديث عن البغدادي يثير الخوف أم الضحك. أخبرني أحدهم أنه، خلال تواجد البغدادي في المستشفى بعدما أصيب في قصف جوي، كان الناس يدخلون الى غرفته ويقبلون أصابع قدميه! يقولون أنه خليفة، لكني أرى مهرّجاً مثيراً للشفقة.

* ألم تحاولي البقاء في المدينة بغرض توثيق الوقائع بشكل أفضل؟

** كيف أستطيع أن أبقى؟ تُحاكَم النساء لأسباب تافهة. مثلاً، في حال رأى أحد عناصر “الحسبة” امرأة على الطريق في وقت الصلاة، سيكون مصيرها أسود. يأمرون زوج المرأة بتطليقها ثم يأخذونها الى الجَلد والتعذيب. يريدون أن يعلّمونا العادات والتقاليد، وهم يعرفون تجذر تلك التقاليد فينا. لم يكن عندنا أي مشكلة في السابق مع الخمار. نحن مسلمون وكل الناس تعرف أن الموصليين محافظون. كيف تأتي الى حارة السقايين وتبيع المياه وتريد التحكم فينا؟

تُعتبر الموصل مدينة الأنبياء، وقد آمنت حتى قبل دخول المسلمين إليها! المجتمع الموصلي مبنيّ على الثقة، ونساء الموصل أصلاً لا يتعاملن مع الغرباء، وإن خرجت إحدى النساء من المنزل لشراء شيء من حاجاتها، فإنها تقصد فقط صديقاً لعائلتها أو أحد معارف والدها. كيف تظن أنك تريد حكم مجتمع فيه عشائر وتقاليد راسخة؟ كل شيء كان في السابق منسجماً مع بعضه البعض. ونحن نعرف أنه، وعلى الرغم من كل ما يُشاع عن وجود حاضنة شعبية لداعش في المدينة، لن يستطيعوا تزييف عادات الموصل وهويتها الراسخة التي ستعجز “الشرائع المستوردة” عن تغييرها. يريدون اجبار النساء حتى على تغطية عيونهن. هناك نساء مريضات وطاعنات في السن لا يستطعن ارتداء الخمار.

* لماذا كل هذا برأيك؟

** عندما دخلوا الى منزلي بعد هروبي واتهامي بأني مرتدة، أخذوا كل شيء يخصني. كيف تأخذ ثياب امرأة وأنت تقول أصلاً أنها “عورة”؟  لماذا تريد أخذ كل أثر لي، وإخفاءه؟ يشغلني هذا السؤال اليوم. فعلاً لماذا أخذوا كل ملابسي وأغراضي الشخصية وهم يعلمون أصلاً بأني لن أعود الى المدينة.

* هل صحيح أن أهل الموصل لم يعودوا يثقون في أحد؟

** أعتقد أن هذا صحيح. لقد تركَنا العالم لمصير أسود بين الوحوش. يسألون اليوم ان كان أهل المدينة سيتعاونون مع الحشد الشعبي في حال دخوله. لا أظن هذا. تريد الناس دخول قوات جديدة الى المدينة كي تفسح لهم مجالاً للهرب. لم يعد هناك أي مجال للثقة والناس متأكدة أنه في حال ذهب “داعش”، من الممكن أن يأتي ما هو أفظع منها في المستقبل.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...