الصراع على سورية


رياض معسعس

كانت سورية ولا زالت منطقة صراع شديد إقليميا ودوليا، فمنذ أن رحلت تركيا عنها في العام 1917 ما انفكت فرنسا وبريطانيا صاحبتا معاهدة سايكس بيكو التي أثخنت جراح الشرق بتقطيع أوصاله بينهما من الصراع فيما بينهما على سورية، وانتهى هذا الصراع لصالح فرنسا بعد طرد الملك فيصل منها إلى العراق في بداية العشرينات من القرن الماضي، وبعد إعلان الاستقلال في العام 1946 ظلت سورية محط صراع بين العراق من جهة والمملكة العربية والسعودية ومصر من جهة أخرى على المستوى الإقليمي، وأمريكا والاتحاد السوفيتي على المستوى الدولي خاصة بعد دخول اسرائيل كطرف في المعادلة الاقليمية بعد اعلان قيام دولتها في العام 1948. حتى أن كل الانقلابات العسكرية التي عرفتها سورية في تلك الحقبة كانت من تخطيط ودعم هذه الدولة أو تلك. وكان لرجال السياسة والجيش السوريين ارتباطات مباشرة بهذه الدول وانقسموا حسب ولاءاتهم لها.

لكن تولي جمال عبد الناصر الحكم في سورية في عهد الوحدة جعل الموازين ترجح لصالح مصر التي دخلت في وحدة معها، والاتحاد السوفيتي وخاصة بعد صفقات الأسلحة التي عقدت معه لتسليح الجيشين المصري والسوري.

وقد تعمقت العلاقة أكثر فأكثر مع حكومة ‘الدكاترة’ برئاسة الدكتور يوسف زعين في العام 1966 التي كانت الأكثر قربا من الاتحاد السوفيتي. ولم يتغير هذا الوضع كثيرا مع انقلاب حافط الأسد في العام 1970 الذي حافظ على علاقات سورية مع السوفييت، ولكن بنفس الوقت رعى مصالح أمريكا والغرب في المنطقة، أو كان يسير في ركابها في أكثر من موقف أو منعطف. وقد ورث الأسد الإبن سياسة أبيه ولم يغير من طبيعتها في التحالفات الخارجية إلا ما طرأ، كسقوط نظام صدام حسين الذي فتح باب العلاقات الثنائية مجددا بين البلدين بعد قطيعة طويلة دامت أكثر من ثلاثة عقود. والانسحاب من لبنان والاعتراف به تحت ضغط دولي بعد حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. والانفتاح على تركيا التي كانت علاقتها متوترة جدا معها بسبب مياه الفرات، ولواء اسكندرون، والعلاقات المتميزة مع اسرائيل.

ولم يكن لطبيعة هذه التحالفات، والصراعات أن تتغير، أو أن يطرأ عليها أي تعديل يذكر لولا رياح تسونامي الثورات العربية، والربيع العربي الذي أسقط أنظمة دول عربية كأوراق الخريف. وظن النظام السوري، على خطأ، أنه بمنأى عن هذه الرياح، كونه محصنا بجيوش المخابرات والأمن والشبيحة والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري. إلا أن الطغاة لا تتعظ ممن سبقها من طغاة. وما أن اندلعت بوادر الثورة السورية المجيدة في مدينة درعا حتى أظهر النظام السوري وحشيته في ردعها ظنا منه أن القمع الوحشي لها سيقتلها في بيضتها. لكن الواقع خالف ظنونه وانتشرت الثورة السورية كالنار في الهشيم في كل المدن والأرياف السورية. وإزاء هذا الوضع الذي طال أمده، وتفاقم المجازر الوحشية بحق الشعب السوري، بدأت بعض الدول المتحالفة معه تفقد صبرها بعد أن أعطته أكثر من مهلة لإصلاح وضعه وحل الأزمة المستفحلة في سورية، وعلى رأسها الدول الغربية ودول مجلس تعاون الخليج.في حين ظلت دول أخرى وعلى رأسها روسيا والصين وإيران التي ساندته ودعمته سياسيا ولوجستيا أملا بإنهاء هذه الثورة. وقد تحول هذا الصراع على سورية بين هذه الدول إلى مجلس الأمن الذي فرز بشكل جلي القوى المتصارعة.

بعد أستخدام الصين وروسيا الفيتو ضد قرار إدانة النظام السوري. واستدعاء أكثر من دولة اوربية لسفيرها في دمشق، وطرد السفراء السوريين من دول الخليج وتونس. هذا الصراع المتأجج بدأت مؤشراته الأولى تشير إلى أن الخاسر الأكبر في هذه المعركة هم الحلفاء الذين أصروا على مساندة هذا النظام كروسيا والصين وايران. وأن سقوط النظام الأسدي لم يعد محط شك، بل مسألة انتظار، وأن النظام الثوري الذي سيقود سورية الغد سيعيد كل الحسابات في تحالفاته وسيعرف كيف يقدر من وقفوا مع الشعب السوري في محنتة الكبرى. وسيكون للصراع أوجه مختلفة تماما عما كانت عليه فيما سبق. ومما لاشك فيه أن تحالفات جديدة ستبرز على الساحة تتبدل معها الكثير من المعطيات القديمة.

‘ كاتب سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...