الرئيسية / صفحات الرأي / الصفوية المظلومة!

الصفوية المظلومة!

 التاريخ ليس فقط تراكم أحقاد

وسام سعادة

ما هي القيمة المضافة التي يمنحها التنديد، على خلفية الثورة والصراع الأهلي في سوريا، بـ”الصفوية”، واتهام نظام الملالي في إيران بـ”الصفوية الجديدة”؟ لا شيء، سوى التماثل “المناكفاتي” مع التحريض المتجدّد ضدّ “العثمانيين الجدد” لدى أشاوس الممانعين، من أنصار النظامين السوري والإيراني، وباستعادة دعاية نظام صدام حسين إبان الحرب العراقية الإيرانية. هذا مع الإشارة إلى دعاية صدّام، على شوفينيتها ومذهبيتها، واتساقها مع نظرية خرقاء عن صراع بين عراق العجم وعراق العرب منذ فجر التاريخ، الا أنّها كانت توظّف بشكل أو بآخر حيثيات تاريخية تتصل بالصراع العثماني الصفوي على بغداد والموصل بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وهذه الحيثيات لا توجد مثيلتها في سوريا التي لم يبلغها الصفويون في أيّ يوم. علام التحريض على الصفويين اذاً؟ هل أنه الخلط بينهم وبين الساسانيين في مرحلة ما قبل الإسلام، سوى أنّ الساسانية لا يمكن أن يستثمر “استحضارها” مذهبياً، فيستعاضُ عنها بشبح الصفوية؟

طريفة للغاية، هذه النزعة إلى تدعيم الموقف في لحظة سياسية بعينها بخلفية تاريخية تجيء في الوقت نفسه فاقدة شروطها. لا أحد مضطر للخوض في تاريخ الصفويين، لكن الالمام بالحدّ الأدنى من هذا التاريخ مطلوب ساعة يعوّل على التشنيع ضد “الصفوية!”.

وأيّ تشنيع! فالصفويون في هذا المخيال الشوفيني – المذهبيّ هم باعثو نهضة قومية فارسية انتقامية من العرب ومعادية للسنّة. لكن احتقانات المخيال شيء والوعي التاريخي شيء نقيض تماماً، أولاً لأن السلالة الصفوية متحدّرة من الطريقة الصوفية التي انطلقت أساساً من دائرة التسنّن، ولم تتحوّل إلى التشيع مع الشيخ جنيد الصفوي، ثم بشكل منهجي مع مقيم الحكم الصفوي على إيران، الشاه اسماعيل، في بداية القرن السادس عشر، إلاّ بعدَ قرون عديدة على نشأة هذه الطريقة في إطار سنّي شافعي. ناهيك على انّ سلالة صفي الدين الأردبيلي ليست فارسية، وينقسم القول فيها بين من يراها كردية، أو أذرية، أو تركمانية، علماً انه جرت المحاولة لاحقاً إلى تنسيبها لآل البيت، أو حتى لعناصر فارسية كانت تعيش في أذربيجان، انما كان التنسيب الأخير في مرحلة متأخرة.

أما الصراع الضاري بين العثمانيين والصفويين على غرب إيران وأذربيجان وأرمينيا والأناضول، فلم يكن بين عنصرين “تركي” و”فارسي” بقدر ما كان “حرباً أهلية” بين القبائل التركمانية، وكان تشيّع الشاه اسماعيل هو نقطة الاستقطاب لكثير من هذه القبائل، المسماة بـ”القزلباش”.

فهذه القبائل التركمانية ذات المراس القتالي والهوى العسكري، والتي كانت تتوزع السيطرة على شرق الأناضول وغرب إيران، كانت المتضرّر الأكبر من عدم اعتماد العثمانيين على رابطة الدم في بناء جيوشهم، وإنما على نقيضه، أي نظام “الدوشرمة” القائم على تجنيد أبناء مقتطعين من أسر مسيحية بلقانية وقوقازية من سنّ مبكرة، وليس أبداً على بناء قوتهم العسكرية كـ”كونفدرالية قبائل تركمانية مسلّحة”. هذه الكونفدرالية وجدت صيغتها فقط مع الصفويين، وبمسار معقّد انتهى بإيران إلى اعتناق التشيّع. وفي المقابل، لم تتحول الدولة العثمانية إلى رأس حربة أهل السنّة والمذهب الحنفي بين ليلة وضحاها، ولا شكّ ان الاستقطاب العثماني – الصفوي لعب دوراً في هذا المجال، لكن أيضاً ثمة عوامل أخرى، ليس أقلّها أن العثمانيين الأوائل كانت دارت في رؤوسهم، ولو لفترة، فكرة التخليط بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، وكان حكم السلطان بيازيد الأول (-) هو انعطافة: فهذا السلطان الملقب بـ”يلدرم” أو الصاعقة، أظهر في البداية ميلاً واضحاً بهذا الاتجاه، لكنه سرعان ما توجب عليه الخروج لمقاتلة الدرويش بورقلوجة مصطفى الذي كان يغالي في التخليط بين الإسلام والمسيحية، والذي عجزت أمامه في الأناضول أكثر من حملة عثمانية.

ليس الصفويين فقط، بل الأفشار والقاجاريين أيضاً، كانوا من عنصر غير فارسي، وتركمان. وهذا يعني، حتى بدايات القرن العشرين، أن أسراً غير فارسية كانت تتوالى على حكم إيران المتشيّعة، بداية القرن السادس عشر، مع أكثر من مغامرة للرجوع للتسنن بعد ذلك، ومن داخل البلاط الصفوي نفسه.

أمّا اللغة الفارسية نفسها، فلم تكن في قرون “العهد الصفوي” حكراً على إيران، بل كانت اللغة العالمة الرئيسية في السلطنة العثمانية أيضاً، وفي السلطنة المغولية بالهند، وبين ممالك الأوزبك والأفغان.

في هذه المرحلة الأساسية، والمجحود حقها في تاريخ الشرق الإسلامي، كانت اللغة الفارسية هي اللغة التي ستنقل اليها، لا سيما في عهد السلطان اكبر بالهند، لكن أيضاً قبله وبعده، بعضاً من نفائس الأدب والفلسفة الهنديين إلى الفارسية. وكان الفيلسوف الإيراني المعاصر داريوش شايغان قد تعقّب بعضاً من هذا في كتابه “الصوفية والهندوسية”. في الهند، سيحتاج الأمر إلى جرأة بعض العلماء كي يجري السماح بانتقال دائرة التعليم الفقهي الأساسية من اللغة العالمة، الفارسية، إلى اللغة الشعبية، الأوردو، في نهايات القرن الثامن عشر.

أما بصدد التشيّع نفسه، فنحن نتناسى بأن خطاب الثورة الإسلامية في إيران ككل، وليس علي شريعتي فقط، قام على المباينة والمناقضة مع النموذج الصفوي باعتباره انحرافاً. صحيح أن علي شريعتي هو الذي تفرّد ببلورة نظرية بهذا الشأن في كتابه “التشيع العلوي والتشيع الصفوي”، لكن الآخرين في الثورة تبرأوا، كلٍ على طريقته، من التشيّع الصفويّ. يكفي أن نستذكر هنا أن نظرية ولاية الفقيه المطلقة لم تطرح في العهد الصفوي، ففي هذا العهد كان الملوك والفقهاء يتجاذبون، أو يتوزعون، “نيابة الإمام”. وبعد هزيمة الصفويين في جالديران، ما عادت لشاهاتهم تلك الهالة القدسية كي ينوبوا عن الإمام، في حين أن علاقتهم مع المؤسسة الدينية كانت لا تختصر بمعادلة واحدة، وتتقاطع مع ما نشب داخل هذه المؤسسة من صراع، بين “الإخباريين”، الذين يؤثرون المنقول عن الأئمة وبين “الأصوليين”، الذين يعملون عقلهم الفقهي بمنهجية أكثر صرامة، وبحرية أوسع. وهذا الصراع كان يتداخل بدوره مع تزاحم بين العلماء من أصل فارسي أو عجمي عموماً، وبين العلماء السيّاد أو من أصل عربي، سواء في إيران أو في العراق أو في جبل عامل أو في الحجاز، ومن دون ان ننسى الممالك الشيعية في شبه القارة الهندية، وفي طليعتها مملكة “النواب” في أوده – لكهنو.

وقد يكون من اللازم إعادة كتاب شريعتي إلى سياقه، يوم لزم تلفيق ديباجات نظرية تؤسطر التاريخ لنقض عهد الشاه محمد رضا بهلوي، الذي لا يمت للصفويين بذي صلة، انما الذي كان عهده ينزع إلى رفعهم كمثال امبراطوري. إلاّ أنه، ما أن نخرج من ظرفية هذا السياق، حتى تلزم العودة إلى تحذيرات داريوش شايغان في كتابه العمدة “ما هي الثورة الدينية؟” من أن ما كان يقوم به شريعتي نظرياً هو عملية الإرتكاسة من المنظومة الدينية المتعددة الأبعاد والمستويات، إلى الأيديولوجيا الدينية، التي تريد اختزال هذه الأبعاد والمستويات في مخرطة الثنائيات: فلا يعود هناك غير بدن واحد، ونفس واحدة، وتضيع المستويات الوسيطة. لا شكّ أن في كتاب شريعتي الكثير من التنبيهات عن مصائب انغرست في أرضية التشيّع مع المرحلة الصفوية، إلا أن فيه مشكلة أكثر فداحة: إيهام إمكانية العودة إلى اللحظة الشيعية الممتدة من عهد الائمة والامام الحالي، بالقفز على المرحلة الصفوية كأنها لم تكن، أو كأنه من الممكن محوها. وكان المؤسف أن يقترن حكم علي شريعتي على “التشيع الصفوي” بحكم لاتاريخي أبداً على “الصفويين” كسلالة، لا همّ لها إلاّ طعن العالم الإسلامي من الظهر، من خلال التعامل مع الممالك الأوروبية، من البرتغال إلى آل هابسبورغ إلى شركة الهند البريطانية، ضد العثمانيين. وهذا أيضاً ابتسار للتاريخ، الذي يحوي الكثير من المكائد المضادة أيضاً، وأكثر من تقاطع روسي عثماني ضد الصفويين في بعض المراحل.

طبعاً اعتمد شريعتي وسواه على كتاب “إيران وعلاقاتها الخارجية في العصر الصفوي” لنصر الله فلسفي، الذي يميل إلى تسويد صفحات التاريخ الديبلوماسي الصفوي، بشكل مرتبط إلى حد كبير باسقاطات مرحلة الشاه بهلوي.

ثم ان الصراع العثماني الصفوي لم يكن حرباً كلية بين الدولتين، بل نظمته معاهدات أساسية في نشأة القانون الدولي الحديث، كصلح أماسية وصلح قصر شيرين. وكما تنبهنا المؤرخة التركية ثريا الفاروقي، في كل مرة كان الصلح لمصلحة العثمانيين، كانت مسودته تنص على امتناع الصفويين عن هجاء الخلفاء الراشدين!

الامبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية في الهند هي أنساق سلطانية ثلاثة، دخل من خلالها المسلمون العصور الحديثة، وكان لهم دور من خلالها في بلورة محددات القانون الدولي الحديث، وهناك من المؤرخين من يصفها بأنها “امبراطوريات مدافع البارود”. هذه الأنساق الثلاثة لا سبيل إلى دراستها الوافية إلا بنفسٍ مقارن، يعي المسافة الزمنية، ويهزأ من مفردة الانحطاط حين تلصق بهذه الفترة من الزمن، الذهبية في كثير من وجوهها، والذي ليس من الممكن إدراكها إلاّ على قاعدة فهم ان أوروبا الغربية لم تكن بعد قد تطورت، بشكل نوعي مفارق، يختلف جذرياً عن بقية العالم. وهو ما لم يحدث قبل النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وليس قبل ذلك، كما نوهم أنفسنا بأنفسنا.

يوم دخل نادر شاه أفشار، أول شاه ما بعد صفوي، والقائد التركماني الملحمي، الذي ردّ اجتياح الباشتون الأفغان لإيران على اعقابه، إلى دلهي، أو دهلي كما كانت تسمى، عام ونقل عرش الطاووس والكنوز الأخرى، وحدثت مجازر، كان ثمة تاريخ أكثر تعقيداً من ثنائية سنة وشيعة، وعثمانيين وصفويين يُكتبْ. هذا التاريخ السلطني المثلث، العثماني الصفوي المغولي في الهند، هو العتبة الذي لا بد لوعينا التاريخي من الإرتفاع عليها، للمضي، بعيداً عن دوامة “الفتنة هي الآخر، وأنا قاطع دابر الفتنة!”.

ذات مرة، اكتفى الصفويون والعثمانيون قرب ديار بكر بجولة أولى من المعارك، استعيض عنها بعشرات الآلاف من الكلاب المدربة دون الجنود. على دموية ما حصل لهذا الحيوان القريب من الانسان يومها، وعلى دموية ما سبقها وما أعقبها من صراع بين الصفويين والعثمانيين، انما يمكن على الأقل الفوز من هذه الواقعة بأسطورة جديدة: البحث عن سبيل، أي كان، لقراءة تاريخنا، ليس فقط كتاريخ تراكم من الأحقاد لا غير.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

78 − 70 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...