الرئيسية / صفحات الثقافة / الصنم الثالث

الصنم الثالث


نديم جرجوره

يُمكن لنبع الفرح، المتدفِّق من شوارع ليبيا إلى قلب العالم العربي، أن يثير متعة المُشاهدة والمشاركة. لكنه لن يحجب بحر الدم المتدفّق في شرايين الناس العزّل، المصرّين على الاستمرار في المواجهة السلمية لآلات الخراب في سوريا واليمن والبحرين. يُمكن لانتصار الحراك الشعبي الليبي على الطاغية أن يُشعل نشوة الانتصار على الجريمة. لكنه لن يقف حائلاً دون التأمّل في أحوال النبض الشعبي السلميّ في دول ومجتمعات، يرغب ناسها العزّل في كسر الحصار الداخلي الخانق، الذي فتّت بلداناً، وقهر شعوباً، ودمّر خيرات، وحطّم أحلاماً. والذي فعل هذا كلّه، اصطدم بحراك شعبي عفوي وسلميّ من أجل حقّ جوهري: الكرامة. من أجل حقّ أساسي: الحرية. من أجل حقّ أول: الشعور بإنسانية المرء وانتمائه إلى أرض وتاريخ. إلى مستقبل أيضاً.

يُمكن لجمال الصُوَر الآنيّة، المتدفّقة من ليبيا إلى الشاشات العربية كلّها، أن تؤكّد، مجدّداً، القدرة الشعبية على تحرير الذات من خوفها. لكنه لن يمنع عن المُشاهدين جميعهم متابعة مجريات الحراك الشعبي في سوريا واليمن. في سوريا، الأقرب إلى لبنان جغرافياً وتاريخياً ومجتمعياً. في اليمن، الحديقة الخلفية لنزاعات دولية بين أصوليات متزّمتة وأنظمة غربية تُطارد أشباح الموت، بعد أن ساهمت في ابتكارها. اللحظة التأسيسية المشتعلة في ليبيا الآن، تهدف إلى ابتكار حاضر جديد ومستقبل آخر، لكنها لن تُلهي المهتمّين بمجريات الأمور العربية عن مواكبة التحوّلات الحاصلة في بقاع عربية تغتسل بالدم والشهادة، من أجل ولادة متفجّرة من قلب الحيوية الشعبية، لا من غرف الأجهزة المعلّبة، وقصور القتل والإبادة والفساد. يُمكن لبراعة المقاتلين الليبيين في تحطيم الصنم العربي الثالث، أن تؤجّل قليلاً الموعد المرتقب لتحطيم الأصنام الأخرى، هنا وهناك. لكن المواعيد المكتوبة بحبر الجماهير مقبلة لا محالة. والانتظار المصنوع بالشهادة الحقّة آيل إلى انبثاق فجر جديد. والانتصار المجبول بدماء أبطال حقيقيين، يقولون عشقاً للبلاد المفقودة، يستعيد مواقع البلاد تلك، لأن هناك أناساً ذاهبين إلى فم التنين، لمقارعته ببسالة أبرياء يُتقنون فنّ العشق. عشق بلد وناس ومجتمعات.

للّيبيين أن يفرحوا اليوم. أن يُطلِقوا أعيرة نارية في الهواء، كمتعة خلاص من الطاغية. أن يبتسموا بعفوية، للمرّة الأولى منذ عقود. أن يرقصوا في الشوارع. أن يحتفلوا بما أنجزوه، وإن بمساعدة عسكرية خارجية كانت مطلوبة في لحظة ما. أن ينتشوا طرباً. فهم، بعد قليل، مطالبون بالانتباه إلى البيت. إلى ترتيب البيت وتنظيفه من أدران الطاغية المفقود، وجعله ملائماً لأحلام الناس وكراماتهم. فالغد القريب جداً مُثقَل بألف همّ واشتغال.

أما الآخرون، فسائرون على درب جلجلة، سيقومون في نهايته من بؤر الموت والفساد والطغيان والفوضى. المثل الأجمل للدرب هذا متمثّلٌ في المقارعة الشعبية السورية لآلة الخراب: مقارعة حماسية وسلمية. مقارعة لا تهدأ ولا تلين ولا تستكين إلى كلام معسول ومخادع.

الفجر مُقبِلٌ. هذا واقع لا مفرّ منه.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...