الرئيسية / صفحات الثقافة / الصورة سلاحٌ أبيض غارق في الدماء/ عبد الوهاب عزاوي

الصورة سلاحٌ أبيض غارق في الدماء/ عبد الوهاب عزاوي

 

 

الصورة، تلك الجرعة من الفرح الصامت. وجوه بعيونٍ مطمئنة وواثقة. لحظةٌ أسيرة بكل كمونها تحبس الزمن، تثبته وتختزله، وأحياناً تحاججه. فرح صغير كانتصار، كأداة حادة للدفاع عن النفس أمام الحزن المقبل.

الصورة جزء من مشهد كامل. قد تخطئ الذاكرة أحياناً وتسقط التفاصيل في ثغر النسيان فنكمل الحبكة بما شئنا. نعيد ملء الذاكرة بالمخيلة، بتفاصيل منتقاةٍ من مراحل قديمة. نعيد تشكيل المشهد على هوانا، أرضاً للعب نحن أبطالها. كثيراً ما نبدو في الصور القديمة أجمل وأكثر حيوية، وهناك قد يغدو الكذب صدقاً، الحب أكثر نقاءً وضراوة، والحياة جزءاً من فيلمٍ مشتهى، حنيناً طاغياً لزمن آخر، وعالمٍ آخر.

الصورة تاريخٌ شخصي واسع، زناد للذكريات، أداة دفاع وانهيار أحياناً. حصل معي ذلك غير مرة، حين تتجلد لتصمد، وتقسو لتحافظ على ذلك التوازن الواهي مقحماً نفسك في تفاصيل الحياة الصغيرة، التي تبدو مهمة أحياناً، مع العلم أنها قد تكون مهمة فعلاً ولكن ليس بالضرورة لكَ، لأنها ببساطة تجري خارجكَ. أتذكر أني كنت أفكر بعمق وأنا وراء المجهر أجري عدداً من العمليات الجراحية العينية. وقتها كنت أفكر في تلك التفاصيل الخاصة، في تلك الصور الطاغية، وأَضْعُفُ. في أحيانٍ أخرى إن رأيت صورة جديدة لأحبابي، أكاد أنهار. إنها أسفل لحظات الغربة. تناقضٌ صعب وغير قابل للإصلاح.

الصورة وثيقة، أسر، وجع، وأحياناً تغدو سلاحاً قاتلاً. خبرتنا في سوريا مرعبة. سيلٌ من الصور لتوثيق الألم، لتلطيخ وجه العالم به، لإدانة القاتلِ، والصامتِ، والغارقِ في اللامبالاة، وللأسف لضمان استمرار الحقد. صورٌ تحفظ تلك الفظاعة التي عشناها. جزء جوهري من دورها منعنا من النسيان، النسيان ذاته الذي يسمح بالشفاء أحياناً. الصورة سلاحٌ حاد، بدأ لفضح الجريمة، فرحنا به، بسطوته، بقوته السلمية، وتفوقه الأخلاقي، بمهارة طعنته، ونظافته، السلاح الأنبل في الانتفاضة. لكنْ، مع الوقت وسيل الألم، باتت الصورة خانقة ومروعة. من عناصر قوة أثر الصورة، ندرة الحدث الذي توثّقه، ندرة الانحطاط الأخلاقي الذي تحفظه، وندرة الألم والغبن، ندرة الكارثة وندرة توثيقها. لكنْ، عند غياب هذا الشرط، تغدو الصورة وسيلة لتكرار الألم، لتعزيزه. الصورة محفزٌ للحقد دائم التكرار. لا مكان حقيقياً للعقل أو الوعي أمام هول الصورة. الفنون تضعف عندما تقارن بنقاء الألم والظلم في الصورة، لتخلو المساحة للألم والذل وردود الفعل، هنا الصورة سلاحٌ عكسي وهي تفقد أهم صفاتها، وهي العلاقة مع الماضي، مع الذاكرة البعيدة.

الصورة أحياناً سلاحٌ أبيض غارق في الدماء.

ألمانيا

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...