الرئيسية / صفحات الرأي / “الطائفة السنّية” و”أهل السنّة” و”العرب السنّة”/ وسام سعادة

“الطائفة السنّية” و”أهل السنّة” و”العرب السنّة”/ وسام سعادة

 

 

«الطائفة السنّية» و»أهل السنّة» و»العرب السنّة»، مسمّيات ثلاثة يجري تداولها في مشرق اليوم، ويُرادُ بهما التعبير عن «الموضوع» نفسه مع التدليل الضمني على الانزياحات التي يتشكّل بها هذا «الموضوع».

فـ»الطائفة السنّية» تبدو مقارنة بالتسميتين الأخريين، لبنانية بامتياز، ثم راحت تنتعش عراقياً وسورياً.

أمّا «أهل السنّة»، فهي تسمية تقليدية واحيائية في آن، كما أنها فِرَقيّة ولافِرَقيّة، كونها تنتمي الى الخطوط التي رسمها تاريخ الفرق في الإسلام بين «الملل والنحل»، وتستحضر كـ»فَرْق»، أي كنفي أو تصويب لهذه الفِرَق. التسمية تظهر اليوم في سوريا والعراق أكثر منها في لبنان، مع تزايد استخدامها لبنانياً أيضاً.

وعلى الرغم من كونها التسمية المتمّمة لهوية المسلمين في الدولة العثمانية، الا أنّ هناك تاريخ متفاوت من الانقطاع عن استخدام هذه التسمية لتعريف الهوية بين المسلمين السنّة في المشرق، ولأجل ذلك يأتي الترويج لها صحويّاً وتعبويّاً، ومرتبط بالإشكال المذهبي.

واذا كانت «الطائفة السنّية» هي التسمية التي يميل الخطاب اليها عند الحديث عن التوازنات السياسية والحصصية بين الطوائف، في حين يأتي الاصطلاح «الأصيل»، أي «أهل السنّة» فائضاً على هذه التوازنات، ليصل «أهل السنّة» المشارقة بعموم «أهل السنّة» في «العالم الإسلاميّ» منظوراً اليه كـ»مهجر أهل السنّة»، فإن التسمية الثالثة، «العرب السنّة» تعود فتقيم ازدواجية بين معطى مذهبي «كونيّ» وبين معطى اثني.

واللبناني والسوري والعراقي يتحدّثون عن «الطائفة السنية» التي لا يمكن أن يتحدّث عنها المصريّون أو التوانسة، وهذان بلدان اسلامهما سنّي بسواده الأعظم (مع أقلية إباضيّة صغيرة في جربة)، أو الباكستانيون، حيث هناك أقلية شيعية بعشرات الملايين من الأنفس.

لكن عند التحدّث عن «أهل السنّة» فهذا يصل المشرقي العربي بالبلوشي مثلاً، الذي يناضل ضد الحيف الذي يتعرّض له «أهل السنّة» في شرق ايران، أو باليمني الذي يستنهض «أهل سنيّته» في مواجهة الشمال الزيديّ الموحّد اليوم تحت الراية الحوثيّة.

وفي عالم اليوم، يتوزّع المسلمون السنّة بين بلدان تتقدّم فيها هويّتهم كمسلمين على هويّتهم كسنّة، وبلدان تتقدّم هويّتهم كسنّة على هويّتهم كمسلمين، وبلدان يشعرون فيها بالحاجة الى استحضار هذه التكاملية، أو الترادفية – بالنسبة للذات المصدرة لهذا الخطاب، بين اسلامهم وسنّيتهم.

واذا كانت السلفية الحديثة قد لعبت في القرون الثلاثة الماضية دوراً كبيراً في تراجع الدور الذي يلعبه الانتماء للمذهب الفقهي في التعريف الذاتي للهويّة، بالنسبة للمسلمين السنّة في المشرق العربي، حيث صار من غير الممكن تخيّل حالة بغداد أيام السلاجقة مثلاً، التي ما كانت تهدأ فيها الفتنة بين «السنّة» و»الشيعة» حتى تنشب بين الشافعيين الأشاعرة وبين الحنابلة، فان الخاصيّة «المالكيّة» للسواد الأعظم من المسلمين السنّة في المغرب العربي – الأمازيغي ما زالت حاضرة على «شاشة الهوية»، الفردية والجماعية. أما في الجزيرة العربية، فإنّ الحالة مختلفة: لا يلعب فيها المذهب الحنبلي الدور نفسه الذي يلعبه المذهب المالكي في الهويات المغاربية، أي دور صقل الخصوصيات الثقافية، لكنه يحضر بتماهيه مع «التسنّن»، بوصفه المتن في هذا التسنّن. وهناك الحالة اليمنية: ففي مقابل الزيدية، يهتمّ السنّة بابراز شافعية مذهبهم وليس فقط هويتهم كسنّة.

في المقابل، «الطائفة السنية» ابتكار مشرقي، لبناني النكهة، في حين أن «أهل السنّة» مشترك كونيّ لا يترتب عليه مثوله على «شاشة الهوية» عند المسلمين السنّة عبر العالم الا بشكل متفاوت، يحضر فيه المذهب الفقهي حيناً ويغيب حيناً آخر.

«الطائفة السنّية» كابتكار مشرقيّ، هي بنت نظام «الدولة الطائفية» في لبنان أولاً. ففي النظام المللي العثماني، ليست «الملّة الغالبة» بملّة، اذا لا يقتطع لها وضع خاص بها، لأنها هي الوضع العام الذي يقتطع للآخرين أوضاعاً خاصة. أما النظام الطائفي اللبناني فهو يشبه «المخرطة»: تحويل الجزء اللبناني من مجرّة «أهل السنّة» العثمانية الى طائفة كالطوائف الأخرى، والاكتشاف في الوقت نفسه، أنّ التناثر السنّي على الخارطة اللبنانية يعيق مثل هذا التشكّل في «طائفة». ولم يستطع النظام اللبناني أن يلغي التقسيم العثماني تماماً: فاذا كانت «الطائفة» هي «الكنائس» المتعدّدة بالنسبة للطوائف المسيحية، فإن «الطائفة» هي المذاهب بالنسبة للطوائف اللبنانية المسلمة، مع كون تعددية المذاهب الفقهية السنّية هي ضمن طائفة واحدة، والمذهب الجعفري كان أيضاً ضمن هذه الطائفة «سنيّة الافتاء» قبل الاستقلال القانوني والمؤسسي للطائفة الشيعية في نهاية الستينيات من القرن الماضي، وبقي منصب «مفتي الجمهوية» محصوراً بين السنّة مع ذلك، وهو أعلى منصب ديني لموظف في الدولة اللبنانية.

وهكذا فأن تكون مسلماً سنيّاً حنفياً أو شافعياً أو حنبلياً فهذا يبقيك في طائفة سنية واحدة لبنانياً. الأمر نفسه على الصعيد الاثني، مع أن نسبة لا يستهان بها من سنّة لبنان هم إما من جذور كردية أو بهوية اثنية كردية معاشة، فهذا لا يجعلهم «طائفة الأكراد السنّة».

بخلاف مصطلح «الطائفة السنية» الذي فتح انهيار الدولتين العراقية والسورية المجال لتمدّده مشرقياً، وبخلاف مصطلح «أهل السنّة» ودينامياته الاحيائية وتوظيفاته التعبوية، فان مصطلح «العرب السنّة» يصنع الفارق بين الحالة اللبنانية وبين المجال العراقي السوري للإحتراب الأهلي.

ومع أن شيوع المصطلح مرتبط رأساً بوضع العراق بعد التدخل الأمريكي البريطاني لاسقاط نظام صدّام حسين واحتلال البلد، فقد أعيد في العقد الأخير انتاجه محلياً، ليطابق مسألة من لحم ودم، مسألة التداخل بين وضع العرب السنّة في العراق بعد اسقاط نظام البعث ذي الغلبة السنّة فيه، وبين وضع العرب السنّة في سوريا بعد تحوّل احتضار النظام البعثي ذي الغلبة العلوية، الى نظام احتضار له حيويته الدموية وقدرته على حمل أخصامه على توليد أنظمة احتضار موازية.

ليس الغرض من اعمال نظرة تفكيكية لرابطة التسميات الثلاث الدعوة الى شطبها او شطب احداها. ابداً. لكن المشكلة تبدأ من المكابرة على النظر في الاختلاف بين هذا المصطلح وما يسمحه هذا الاختلاف بين المصطلحات الثلاثة من التنقل بينها، بخفر – أو بلا خفر. المكابرة على الاختلاف بين منازل «الطائفة السنّية» و»أهل السنّة» و»العرب السنّة» تتيح في الوقت نفسه أشياء في غاية التناقض، على ما يلاحظ عند التصادم مع الأكراد، وأكثريتهم من السنّة. فطبعاًً، حين يتعلّق الأمر بالاصطدام بالأكراد لا يعود من الممكن استحضار المعطى الأكثري السنّي بين مسلمي العالم بالشكل نفسه الذي يستحضر في معترك الصدام السنّي الشيعي، فالأكراد وان كانوا أقل من العرب السنة لكنهم جزء من أكثرية السنّة عبر العالم غير عربية.

مزدوجة «العرب السنّة» مدعاة تفكيك معرفي وخطابي حقيقيّ، لأن ربط المذهبي بالإثني يعطيها طابع الهويّة العضويّة، التي لم تعد تكتفي بـ»شدّ العصب السنّي» كما كان يقال لبنانياً وسوريّاً، وانما تنزع نحو «كيان للعرب السنّة المشرقيين».

حتى اليوم، وحدها «الدولة الاسلامية» من يمسك بتلابيب الإشكالية. هي في الوقت نفسه «دولة مهاجرة كوزموبوليتية» ومرتكزة على مزدوجة «العرب السنة» أهلياً. بهذا المعنى هي تمثل الشيء ونقيضه: تحقيق الهوية «العربية السنية» في كيان، وفصل الهوية العربية السنّية عن كل كيان.

في عمل بندكت اندرسون عن نشأة الحركات والدول القومية ثمة تركيز على أهمية ثالوث «الاحصاءات والمتاحف والخرائط» في التشكيل الكياني القوميّ. في عمل «الدولة الاسلامية» يحضر هذا الثالوث أيضاً: الاحصاء في صيغة «نون» على حوانيت النصارى، والمتاحف في صيغة تدمير قسم من الآثار الحضارية وبيع قسم آخر، والخرائط في ما نتناقله كل يوم من خارطة التمدّد الداعشي في العراق وسوريا. المزدوجة «العربية السنية» ليست فقط مزدوجة مذهبية اثنية، هي كذلك الأمر مزدوجة «باحثة عن كيان» و»لا – كيانية» بامتياز.

 

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...