الطائفية ذات سبعة أبواب


عبد العزيز الحيص

حدة الطائفية في المنطقة تصل اليوم إلى الذروة تزامنا مع حالة الثورة السورية. وهذه حالة متفهمة إذا أدركنا أن الطائفية كظاهرة لا تعتبر “ظاهرة مستقلة” وإنما هي -كما يرى برهان غليون- مرتبطة بالمسار السياسي والاجتماعي، فكلما اشتدت أزمات واضطرابات هذا المسار كلما زاد مستوى الحالة الطائفية. والتعددية بحد ذاتها لم تكن سببا للطائفية، فالمجتمعات العربية وقت نشوء الدولة الوطنية ومناهضة الاستعمار لم تكن “أقل تقليدية ولا أقل تعددية ولا طائفية وإثنية ومذهبية مما هي عليه اليوم”. ووجود الحالة الطائفية اليوم يعود إلى أن دول المنطقة أتت من مسارات مظلمة زادت منها حالة الطغيان السياسي الحديثة التي توسعت وسادت منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي. لقد عزز الاستبداد من الطائفية، وجذرها في البنية الاجتماعية والسياسية. وقد لا يمكّن النظام، عبر شدة قمعه، من وجودها كممارسة علنية ومشهودة، كما في حالة البعث في العراق وسوريا، لكنه دفع لإبقائها كحالة كمونية جاهزة على الدوام للتفجر والظهور.

الثورة السورية الشعبية إذن أتت ضمن مسار اجتماعي وسياسي متأزم، والجرح الطائفي المستتر سيكون أحد أعراضها اللازمة ولا مفر من نكأه. والتعامل مع هذا الجرح يكون بمعالجته عبر تجاوزه إلى حالة أوثق وأكثر استقرارا كحالة دولة المواطنة والديمقراطية. لقد تم التجاوز والاستعلاء على الحالة الطائفية وقت مقاومة الاستعمار، ولابد من ذلك حال مقاومة الاستبداد. إن أي احتمالية مقبلة لاقتتال أهلي وحرب الطائفية ستكون نتائجها فادحة جداً، ويكفي أن نعلم أن الحرب الأهلية اللبنانية قد كلفت ما يقارب المائة والخمسين ألف قتيل.. بالإضافة إلى أن هذا النوع من الاقتتال سيرسّم ويدعم أطروحات غربية عن المنطقة وأنها ليست سوى أماكن نزاعات وتقسيم لا ينتهي.

لقد كان العامل الأبرز في الثورة السورية هو قدرة الثوار والجيش الحر على الوقوف أمام بطش النظام وآلته المدنية والعسكرية الضخمة، سواء باستمرار الاحتجاج السلمي أو بمجابهة قتالية. ويستطيع المراقب أن يلاحظ إمكانية بروز عاملين مقبلين على الساحة تجاه الثورة السورية، وهما ازدياد فرصة التدخل الأجنبي في البلد، فهناك زيادة في تدخل اللاعبين الدوليين في سوريا بمرور الوقت، مع تحلحل محتمل للموقف الدفاعي من قبل حلفاء النظام كروسيا والصين. والعامل الآخر هو نشوء حالة جهادية ضد النظام، تستمر في التزايد وتتجاوز رقعة انتشارها سوريا إلى المنطقة كلها.. وارتباط الحالة الجهادية باقتتال طائفي هو حالة لم تعرفها المنطقة، التي ستكون محظوظة إن لم تتعرفها في المستقبل ايضاً.

والعوامل التي تغذي الطائفية في المنطقة استنادا إلى الثورة السورية أو ما قبلها من أوضاع هي عوامل متعددة لا تقف عند النظام السوري، وإن كان هو العامل الأول في الدفع إلى ذلك. لقد جابه النظام السوري الثورة بدموية لا يهادن فيها ولا يعي شيئاً مما حوله، بل تجمدت أفكاره حول نقطة واحدة وهي ربط البلد وربط الأقليات بمصيره. وإن استطاع النظام أن يقنع آخرين أن معركتهم معه هي معركة وجود لهم كما هي له، فسيحظى بدعم ورفقة لا تتخلى عنه أبداً. إن هذا التصرف قد استخدم الطائفية في أبرز صورها الحديثة، أي استخدام السلطة لها بمنهجية معينة للحصول على دعم وحشد شعبي خلفها.

لقد تداخل الملمح الطائفي مع حالة الثورة السورية ثقافيا وعلى أرض الواقع.. فالميليشيات الطائفية التابعة للنظام السوري استباحت أكثر من بلدة، في مشهد ترافق فيه حضورها مع حضور الجيش ومحاصرته أو قصفه لذات الأماكن. وفي شمال لبنان تتجدد وتيرة المواجهات الطائفية، والعراق استقرت فيه الطائفية بعد الاحتلال وازدادت الكيانات فيه انعزالية، والحالة البحرينية كما الحالة الخليجية تعاني احتقاناً طائفياً لا يهدأ. لذا تلتقي اليوم الحالة الطائفية القابلة للاستثارة في سوريا مع حالة مماثلة موجودة في المنطقة. وهذا ما يقودنا إلى العامل الثاني المؤثر في مسألة دعم الطائفية وهو الحاضن الثقافي للحالة الجهادية المحتملة.

إن الضخ والدعم للحالة جهادية، سيترافق مع مسار ثقافي داعم تكون السلفية أساسه وعموده الفقري. والحالة السلفية حالة حدية تمارس التشديد في التمايز الثقافي عن الآخر، وتوسع من دائرة “نحن” ضد “هم” بطريقة تُدرج صفاً واسعاً من خصومات، يكون التمايز الطائفي إحدى أسسها المهمة. وبُعد التمايز الحدي هذا موجود في وقت السلم كما الحرب، لذا من المتوقع أن يكون رافداً مستمراً للثورة حال استمرارها أو حتى بعد نجاحها. وفي الأسابيع الأخيرة ازدادت كثرة التداول لمفهوم “جهاد الدفع” وربطه بالحالة السورية، وهو وضع يذكر بكثرة تداول هذا المفهوم وقت احتلال العراق، حيث لم يكن تداولاً سياسياً ولا مؤسسياً مما أعقب حالات ارتباك وحالات “عنف” و “تفجيرات” طالت بلدان الخليج نفسها!.

إن أسوأ ما يمكن تخيله بالنسبة للحالة الجهادية وحالة الاقتتال التي ليس لها شرعية دولية ولا غطاء ودعم رسمي سياسي مؤسسي، أنها تكون فخاً للمنطقة أكثر منها عامل مساعد، فالدول التي نشأت فيها حالات جهادية، تم تجاهلها ورفع اليد عنها بعد دعم سابق لها من دول، فاستمر الاقتتال المزمن وتركت تلك الدول، كأفغانستان والصومال، لتواجه الجوع والموت.

والعامل الثالث في دعم وتجذير الحالة الطائفية، يكمن في تدخلات سياسية غربية تأتي وفق سياق نظرتها للمنطقة أنها مناطق انقسام وتنازع مستمر. حتى أميركا التي تبنت نهجاً “براغماتيا” مع دول المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية يختلف عن طرق الاستعمار السابقة، يذكر بعض المراقبين أنها عادت بعد تفجيرات سبتمبر لتتبني النظرية الاستعمارية الفرنسية الكلاسيكية التي لا ترى دول المنطقة سوى دويلات ملل وطوائف. وقد تبدّى هذا الأمر واضحاً مع سلوك أميركا في العراق بعد احتلاله. إن الانقسام الاثني والطائفي يتناغم مع المصالح الغربية والاسرائيلية في المنطقة. والأخيرة كدولة “يهودية” ستكون في حالة ابتهاج لو قدّر لها أن تعيش بين دويلات “سنيّة” و”شيعية” و”علوية” و”كردية”.

وهناك عوامل أخرى تزيد من المغذي الطائفي في المنطقة، كوجود ثقافة أو “ذاكرة” وحمولة تاريخية مستقلة لدى كل طائفة تدعم انعزالها وتجدد خصوماتها.. والأسوأ أن يوجد “تطلعات مستقبلية” خاصة لدى كل طائفة مما يعيق فرص المشاركة والاندماج الوطني. يضاف إلى ذلك دور التقنية الحديثة والإعلام والقنوات الطائفية في نشر التحريض والكراهية. وصولاً إلى دور قوى سياسية في المنطقة تستثمر الطائفية وتعزز وجودها. إننا نشهد تحولاً تاريخياً كبيراً في المنطقة، وأي انجراف للحالة الطائفية، سيجب كل حسن قبله، ويمنع كل أمل جميل بعده.

كاتب و باحث سعودي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...