الرئيسية / صفحات سورية / الطائفية سياسة السياسة طائفية

الطائفية سياسة السياسة طائفية

غسان المفلح

كان يمكن أن يكون العنوان “الطائفية سياسة والسياسة طائفية” لكن واو العطف هذه تدخلنا, بمتاهة تمييز هي غير موجودة أساساً, تمييز بين ماقبلها وما بعدها. عائدون إلى نقطة الخلاف الأهم في هذا الحقل, الملغم معرفياً وأيديولوجياً وسياسياً, كما لغم المجتمع السوري, جراء ممارسات السلطة الفاشية على مدار نحو أربعة عقود ونصف العقد تقريباً.

الطائفية – في ما تعنيه من معان – هي انتقال المرجعية السيادية من الدولة إلى الشخصنة الفاعلة صاحبة السلطة والنفوذ والقوة داخل أي تجمع تجمعه سمات مشتركة, دينية أو إثنية أوخلافه, وتتحول هذه الشخصنة الفاعلة إلى مرجعية سيادية أقوى من الدولة الوطنية, بمعناها المعروف منذ اتفاقيات وستفاليا عام 1648, الاتفاقيات التي أرست مبدأ الدولة الحديثة والمعاصرة, كمرجعية سيادية عليا ومتعالية أيضاً, لا تتأثر سيادتها بالتفاعلات المجتمعية وتعمل على احتوائها مؤسساتياً. لا مرجعية لأفراد المجتمع في ما يخص نواظم هذا الاجتماع إلا الدولة هذه.

أهم سمات الديكتاتوريات المعاصرة هي شخصنة الدولة بفعل السلطة التي اكتسبتها, أيضاً بفعل قوة الدولة ذاتها كأجهزة الجيش والأمن, حافظ الاسد نموذجاً, بصدفة سياسية ما ربما, كما حدث عام 1970 في سورية, مع أنها ليست صدفة. منذ تلك اللحظة وبعدما ابتلع حزب البعث الدولة بسلطته الأحادية الشمولية منذ عام 1963 جاء دور أحد ضباطه عام 1970, ليبتلع البعث والدولة كلها ويشخصنها, حتى وصلنا إلى ما هو معروف بـ “سورية الأسد” حيث تكثفت الشخصنة لدرجة “إما الأسد أو نحرق البلد”, لم تعد هناك قيمة لوطن ولا لمجتمع ولا لدولة. هذه الشخصنة التي استخدم القذافي فيها مثلاً سلاح النفط استخدم حافظ الأسد فيها الطائفة العلوية, لكي يحولها أداة طائفية لحماية سلطته المشخصنة, طبعاً مع رشوة فعاليات مجتمعية أخرى, نفتح قوسين, كتجار دمشق وحلب وتجار المدن بعامة ومشايخها, إضافة إلى استخدام كل أدوات القمع المتوفرة لديه من أجل إخضاع الدولة والمجتمع معاً, فكان الدستور لادستوره والقانون لاقانونه, لأنه أصلاً لا يحترم أياً منهما مع أنه واضعهما عندما يلزم الأمر لمسيرة الشخصنة هذه. الشخصنة هذه كانت تتطلب نشر اللاقانون في كل مفاصل المجتمع, وإحلال دوائر الولاء المجسدة والمنضدة بديلاً عنه, تبعاً لتراتبية القوة المجردة, وأهم دائرة ولاء هي من تحميه عسكرياً; أجهزة القوة “فعلونها”, علونها لأنها بالنسبة له المادة الأكثر ولاء في هذا الحقل, لاعتبارات متعددة, أهمها أنه ديكتاتور من جهة, ويحتاج إلى عسكر يعبدونه من دون تفكير, فوجد ضالته بالطائفة التي ينحدر منها, والتي لا يبلغ تعدادها أكثر من 13 في المئة من سكان سورية. وحتى يتم نجاح هذه المسيرة في العلونة, تحول هو إلى صاحب المرجعية الأولى والسيدة داخل الطائفية, هو الشيخ الأول, والسياسي الأول, ورب العمل وقائد الجيش.

لايمكن أن نتحدث عن “علونة” إلا تحت بندين:

البند الأول: تصوير أن الطائفة في خطر, وهذا حكمها وليس حكم آل الاسد … بالتالي كان يجب إرسال أبنائهم للجيش ككل أبناء الريف, لكن مع امتياز تكرس بفعل هذه المسيرة, أن الضابط العلوي له امتياز فقط لكونه علوي, عن بقية أقرانه من الضباط الآخرين, هو امتياز مادي قبل أن يكون رمزياً .

والبند الثاني: هو تقديم الرشوة بأن أطلق يد الضباط في الفساد, ولا يمكن أن يتم ذلك من دون إغراق البلد كله بالفساد, سلطة فاسدة تستولي على دولة أصبحت فاسدة, أجهزة الدولة يعمها الفساد. وعدو الفساد هو القانون, لهذا كان من الواجب أن يحكم البلد باللاقانون, لهذا كانت الأحكام العرفية والطوارئ; ليس لكي يحكم بقوانينها, بل لأنها تتيح الحكم باللاقانون , وكأننا في حالة حرب, والحرب لها قوانينها اللاقانونية, وهو في حالة حرب دائمة مع المجتمع, بلد يعيش 43 عاماً في ظل الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ من دون أن يخوض حالة حرب, يصبح الموضوع مرتبطاً بالسلطة المشخصنة حصرياً. فبات لدينا بالمحصلة سلطة طائفية, والسلطة الطائفية لا تعني حكم الطائفة, بل تعني سلطة مشخصنة تحكم بفعل طائفي, يعني أداة سياسية مثلها مثل بقية أدوات الحكم الديكتاتوري.

في الحالة السابقة تحدثنا عن فعل السلطة المشخصنة, بالمجتمع والطائفة, لكن لم نتحدث عن فعل الطائفة بالسلطة, تبادل المنفعة والخبرات والحس العملي أيضاً  حتى باتت لدينا مسلمة أن السلطة يجب أن تبقى بيد الطائفة, ومن الطائفة? آل الأسد حصرياً. لهذا لا يمكن الفصل بين الطائفية كسياسة وبين السياسة كطائفية. لم يعد المواطن العلوي, وخصوصاً من هو في الجيش والأمن, يسمح لتفكيره أن تكون السلطة خارج الطائفة, هذا من المستحيل التفكير فيه, نحن أحباب وأصحاب مع كل المجتمع, إلا في حالة الاقتراب من سلطة الطائفة, مع أنها هي بالأساس سلطة آل الأسد, لكنها مسيرة تفاعل ربت أجيالاً أنتجت ما عرفناه خلال الثورة, من “شبيحة” وقوات عسكرية تقتل بدم بارد, لأنها تقتل عدواً وتنهب منازل أعداء.

لكل سلطة ديكتاتورية أدواتها, السلطة الأسدية اختارت الطائفية كأداة رئيسية, لايهم لماذا الآن, المهم أنها تحولت سلطة طائفية, ولا مكان للسياسة فيها إلا ان تكون طائفية أيضاً. خلط لم يعد من المناسب التعامي عنه, تسييس الطائفة بناء على مسبقات السلطة المشخصنة والفاسدة, تعني تفاعلاً تطييف السياسة, فلا يمكن بعدها رسم أي سياسة للسلطة القائمة من دون أن تأخذ بعين الاعتبار العامل الطائفي كأولوية, لا يمكن فصل الأمور على مزاج أي باحث في هذا الموضوع. بعد أن انطلقت الثورة اتضح هذا الأمر جلياً, كل الطوائف والاقليات في سورية حدثت فيها انشقاقات عمودية نسبياً, مع الثورة وضدها, إلا الطائفة العلوية, ولا يكفي القول ان الخوف من النظام هو السبب أو الخوف من الأكثرية, بل يجب تفسير الظاهرة بأعمق من هذا الخوف وهو موجود طبعاً.

تحولت غالبية كاسحة من شباب الطائفة إلى ميزان عسكري قوي ضد الثورة بيد الطغمة الأسدية. بالمقابل أطلق يدهم في القتل والنهب لكي يضمن رشوتهم وبالتالي ولاءهم. مع كل ذلك لابد من توضيح نقطة مهمة, وهي أنك عندما تقول سلطة طائفية أو غير ذلك لا يعني أن هناك مجلساً طائفياً يتحكم بالقرار, أبداً بل من يتحكم بالقرار, وديكتاتورياً, هم آل الاسد. هذا يعني أن من يقتل من أبناء الطائفة في المؤدى الأخير يقتل دفاعاً عن آل الأسد عموماً, وعن مصالحه الضيقة جداً خصوصاً, في تبادلية تفاعلية واضحة بين الطائفية السياسية والسياسة الطائفية.

هل تتحمل الطائفة مسؤولية كل هذا? وبالتالي يجب ان تحاكم? أظن – وعلى مر التاريخ – أن جنود الديكتاتور ومنفذي سياساته يحاكمون, لكن لاتحاكم قاعدتهم الشعبية بغض النظر عن مواقفها. لايوجد أحد في المجتمع السوري كله, إلا ولديه احساس بديهي أن السلطة في سورية هي سلطة طائفية, حتى كل من كتب من البحاثة في الغرب والشرق عن هذا الموضوع, إلا بعض متعمشقي اليسار والعلمانوية الزائفة داخل صفوف ما تسمى معارضة سورية, لهذا كان موقف هؤلاء يتمحور حول البحث عن أفضل الأدوات التي من شأنها شيطنة المجتمع والثورة إسلاموياً أو إرهابياً. وأكبر دليل هو موقف هؤلاء من إيران و”حزب الله”.

هنا نريد الذهاب إلى تجربة أخرى إقليمية لها انعكاسات على شعبنا السوري, لأنها طرف في الجريمة بحق شعبنا, وأقصد التجربة الإيرانية الخمينية, والحزب لاتية, هذه التجربة التي أرادت حرف مسار الثورة نحو ما يسمى حرباً شيعية – سنية. تجربة انعكست سياسةً طائفيةً على الشرق الأوسط برمته, وعلى مرأى من العالم.

مرجعية ولاية الفقيه الخمينية ليست مرتبطة بإقامة دولة دينية, السيادة فيها فقط للولي الفقيه في الأمور الدينية والدنيوية, وهذا الأمر هو ما اختلف فيه آية الله الخميني عمن قبله من الفقهاء الشيعة, وكما هو نص المشروع برمته يتركز على هذه النقطة الخلافية, وهي تعميد الولي الفقيه مرجعاً سيادياً في جميع أمور الحياة. يحل محل الدولة وسلطتها, ويجيرهما لخدمة ولايته هو شخصياً. لهذا; في إيران لايوجد حقوق للأقليات الدينية ولا حتى الطائفية التي لاتعترف بولاية الفقيه. وهذه القضية ليست مرتبطة كما قلت ببناء دولة الولي الفقيه في إيران, بل مرتبطة بشكل أساسي بتطورات الثورة الإيرانية أيضاً, بنقل المرجعية الشيعية في العالم إلى مدينة قم حيث مركز الولي الفقيه, فلم تعد هنالك قيمة تذكر لآيات الله المتوزعين في مناطق الشيعة في دول العالم وخاصة العراق, حيث كانت النجف وكربلاء أهم منتج للمرجعيات الشيعية, أقله دينياً. نظرية ولاية الفقيه الخمينية, الإمامة تكون فيها فرضاً واجب الإيمان بالأئمة المعصومين الاثني عشر, وبالتالي الولي الفقيه هو من ينوب عن الإمام الثاني عشر في زمن غيبته. نظرية ولاية الفقيه تطورت إلى أن أصبحت الولاية للفقيه مطلقة, والتصدي للحكم بشكل مباشر لكونه ولياً شرعياً على الأمة ويقيم الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة. بالتالي لايمكن فصل المشروع الإيراني الحالي عن مشروع ولاية الفقيه, وهذا تطييف سياسي واضح ولا يحتاج إلى كثير كلام, وسينتج سياسة طائفية بالحركية والاتجاه نفسهما.

 بعض مشايخ السنة, تلقفوا هذه النظرية وراح كل منهم يتحدث عنها وفقا لميوله السياسية, لا سيما وأن السنة ليس لديهم كهنوت ديني, كحال ولاية الفقيه. لكننا لن نتطرق لهذا الأمر الآن. يكفي أن نقول أن بعض هؤلاء المشايخ يريدونها أيضا أساساً لشحن طائفي. مع ذلك قبل الثورة السورية لم يكن هناك بروز يذكر لمثل هؤلاء المشايخ, وحتى قبل أن تصبح إيران و”ولي الفقيه” و”حزب الله”, شريكاً في قتل شعبنا السوري إلى جانب عصابات الأسد.

 إيران الفقيه اعتمدت في نقل المرجعية الشيعية وحصرها في قم على مجموعة من العوامل, أهمها مال النفط الإيراني وتجييش طائفي واضح ضد السنة, لان من غير الممكن لهكذا مشروع أن يرى النور وفقاً لتوضعه الداخلي في إيران إلا اعتماداً على هذا التجييش والمال, لهذا كان قرار نصرالله الصغير بالمشاركة في قتل شعبنا هو قرار إيراني, لأن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها هنا; وهي أن التأسيسات الطائفية في لبنان داخلية, بما فيها “حركة أمل” وتبحث عن مصالحها فتستقوي بالدول وغير الدول أحياناً, بينما “حزب الله” أسسته إيران لتقوي من هم مع مشروعها السياسي المطيف من شيعة لبنان على اللبنانيين, وغير اللبنانيين, وهذا فارق جوهري ومهم, فالعصبيات الطائفية كلها في لبنان قرارها داخلي نسبياً, ماعدا “حزب الله” فقراره إيراني” وبالتالي حزب الله هو أداة للطائفية السياسية وللسياسة الطائفية لإيران الفقيه.

كل ذلك محاولة من إيران أيضا كي لاتسقط الطغمة الأسدية, فاضطرت لإصدار الأوامر لنصر الله الصغير بأن يشارك علناً في قتل شعبنا لأنه يجب اعتبار من يقتل في سورية من “جنود حزب الله” الإيراني شهيداً! في هذا الصدد يمكن العودة لتصريحات الشيخ صبحي الطفيلي وكتابات الشيخ علي الأمين وغيرهما من الشخصيات الشيعية اللبنانية, حول أن “حزب الله” هو أداة إيرانية.

من أخطر القضايا التي واجهت الثورة السورية, بما هي ثورة حرية وكرامة, هي المحاولات الحثيثة من قبل كثير من الأطراف, من أجل طمس معالمها, وتصويرها تارة على أنها حرب أهلية, وتارة بعد التدخل السافل لـ”حزب الله” على أنها حرب شيعية – سنية, وساعد في ذلك بعض غلاة الثورة من المشايخ. مهما تحدثنا عن الإشكاليات الطائفية فإنه علينا دائما البحث عن السياسة والحقيقة, في سورية ثورة حرية وكرامة وستنتصر. لكن لن تنتصر إذا استخدمت سياسة طائفية أو طائفية سياسية.

بقي أن نقول عن الفارق بين التجربتين, التجربة التطييفية الأسدية لم يستطع الأسد قوننتها أو دسترتها, وبقيت بين حالة القانون عبر استفتاءات خلبية قهرية على موقع رئاسة الجمهورية, ولاقانونية التطييف السياسي وسياسته الطائفية, فلم يستطع إنتاج دستور ينص على أن يكون رئيس الدولة علوياً, ولا قادة الجيش والأجهزة الأمنية, لكن بفعل لاقانون القوة كان يتم ذلك على الارض. أما التجربة الخمينية في ولاية الفقيه فهي مدسترة ومقوننة بطريقة واضحة لا تقبل اللبس, وتجعل منها سلطة طائفية داخل إيران ذاتها. وهذا ما ترك الدولة السورية تعيش حالة من الغيبوبة منذ عام 1970 وحتى اللحظة, مؤسسات هشة وفاسدة. أما الدولة الايرانية فقد أنتجت مشروعاً إقليمياً بسياسات طائفية وغير طائفية. هذا المشروع يحتاج لظهور دولة إيرانية قوية خارجياً ولها أذرعها كـ”حزب الله”, الذي يشبه في مفعوله قاعدة عسكرية أميركية خارج أميركا.

ملاحظة أخيرة: أكرر دعوتي الدائمة على الأصدقاء في “الاخوان المسلمين” أن يخرجوا لفضاء حزب وطني ديمقراطي سوري, يستطيع كل سوري أن يكون عضواً فيه.

* كاتب سوري

السياسة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 23 = 32

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...