الرئيسية / صفحات سورية / الطائفية في سوريا

الطائفية في سوريا


فايز سارة

تصاعد الحديث عن الطائفية في سوريا في الأشهر الأخيرة، ولا سيما في ضوء ما يحصل في وسط البلاد، وانقسم المنخرطون في الحديث عن الطائفية إلى فريقين مختلفين، أولهما أكد بروز وتزايد الأحاسيس الطائفية في البلاد وفي مواقع معينة منها، وأن الوضع بما يحمله من أخطار يضع البلاد على قاعدة حرب داخلية طائفية الطابع. والثاني اعتبر أن الحديث عن الطائفية في سوريا مختلق، أو مبالغ فيه في أحسن الأحوال، وأن الهدف منه خلق أجواء تسهم في توتر الأوضاع الداخلية بغية حرف الصراع السياسي القائم في البلاد وتحويله من صراع سياسي إلى طائفي، يمكن أن يجر سوريا إلى خطر حرب تنخرط فيها كل الطوائف، لا البعض منها.

ورغم أن لكل واحد من الطرفين المختلفين ما يدعم رؤيته من معطيات ووقائع، فإن الوقائع العامة المعروفة عن التاريخ السوري تؤكد وجود طوائف في سوريا منذ مئات السنين، وأن هذا الوجود مستمر، لم تؤثر فيه بصورة حاسمة أو تغيره كل التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها سوريا ومحيطها، بل إن سوريا، وهي تدخل مرحلة الاستقلال في الأربعينات، رفعت شعارا عاما نصه «الدين لله والوطن للجميع» تعبيرا عن نبذ السوريين للطائفية، وتأكيد على أن العلاقة بين السوريين الموزعين على أديان وطوائف ليست الأساس الذي يقوم عليه الكيان الوطني، الأمر الذي يعني أنه ومع وجود الأديان والطوائف، فإن السوريين اعتمدوا نهجا هو الأبعد عن التشدد الديني والطائفي، مما يعني أنهم ليسوا في وارد الطائفية، التي تعني التحزب لطائفة ومعاداة أو معارضة الطوائف الأخرى.

وتزيد الوقائع العامة في التاريخ السوري الحديث إلى ما سبق من أفكار وذهنيات وموروثات سورية، في موضوع الطوائف والطائفية، معطيات عملية، ولا سيما في الجوانب السياسية منها، ولعل الأبرز فيها أن قادة حركات مقاومة الاحتلال العثماني في بدايات القرن العشرين والانتداب الفرنسي الذي تلاه في ربع قرن لاحق كانوا من كل ديانات وطوائف سوريا، كما أن في المعطيات العملية أن أغلب الجماعات السياسية السورية في المائة عام الماضية احتوت في بناها وهيئاتها المختلفة قيادات وكادرات موزعة على مكونات الجماعة الوطنية في أديانها وطوائفها، بل إن هذه الجماعات عندما قدمت ممثلين لها إلى البرلمانات، وللمناصب الوزارية حيث تولت السلطة في فترة ما بعد الاستقلال، لم تختر ممثليها على أسس طائفية، بل اختارتهم وفق معايير الكفاءة والقدرات، التي تعتمدها، وكان ذلك معمولا به حتى في المناصب الحساسة في البلاد، والشواهد الاسمية كثيرة ومعروفة.

لكن تاريخ سوريا الحديث والمعاصر لم يكن خاليا من نزعات طائفية، ظهرت هنا وهناك في فترات لا شك أنها من فترات التاريخ العصيب لسوريا. وأبرز تلك النزعات وأهمها ما سعت إليه سلطات الانتداب الفرنسي في تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، وهو توجه تناغمت معه قلة من السوريين في مناطق محدودة، لكن وعي الأغلبية الوطنية أفشل المشروع، وأجبر الفرنسيين على التراجع عنه، وعندما خرج الفرنسيون من البلاد أقام السوريون كيانهم الوطني الواحد.

وبين النزعات الطائفية التي ظهرت بعد الاستقلال قيام العهد الديكتاتوري في فترة حكم العقيد أديب الشيشكلي بممارسة سياسة طائفية، وصلت الى حد استخدام السلاح في بعض المناطق السورية، وكان ذلك عاملا أساسيا في الثورة عليه وإسقاطه، وهو الأهم في عوامل إجباره على التخلي عن السلطة ومغادرة البلاد في عام 1954، لتعود البلاد بعده إلى نظام ديمقراطي انتخابي يعتمد المساواة بين السوريين دون تمييز طائفي.

ومنذ وصول حزب البعث إلى السلطة في عام 1963، ضربت النزعات الطائفية سوريا عدة مرات، كان الأبرز فيها إثارة نزاع بين السنة والعلويين أكبر طائفتين إسلاميتين، ومثاله الأوضح كان نشاط الجماعات المسلحة في الثمانينات ضد السلطة، ورد الأخيرة الذي لم يكن أقل رداءة وقسوة في تعامله ليس مع تلك الجماعات فقط، وإنما مع المجتمع كله من أجل إخضاعه والسيطرة عليه. ورغم الآلام التي خلفها ذلك الصراع ونتائجه، فإن السوريين بإرثهم الموحد ووعيهم الوطني، استطاعوا تجاوز فكرة النزاع بين السنة والعلويين، التي كان من شأنها لو توسعت أن تؤدي إلى تفتت الكيان السوري وانقسام مواطنيه بصورة نهائية.

وعدم ذهاب أغلبية السوريين إلى النزعات الطائفية في الثمانينات، لم يقابل بسياسات تتجاوز ما طرحته تلك المرحلة من تحديات، واعتبرت السلطات القمع السياسي والبوليسي أساسا في تعاملها مع التحديات القائمة، بدل الذهاب إلى إصلاحات وطنية شاملة، تعيد ترتيب الحياة السورية في جوانبها المختلفة، وهو أمر أدى إلى تعميق الأزمة في مضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واضعا إياها على قاعدة انفجار لاحق، وهو ما حصل عمليا في مارس (آذار) الماضي.

وقد لعبت تطورات الأزمة، وخاصة في ضوء اعتماد السلطات طريق الحل الأمني-العسكري لمعالجة الأزمة وما رافقها من تحشيد دعوي وسياسي، دورا في إبراز نزعات طائفية متصادمة، بل إن الممارسات السلطوية صبت في الاتجاه ذاته مباشرة أو بالمحصلة، الأمر الذي أعطى النزاع على نحو ما ظهر في مدينة حمص وجوارها ملامح صراع طائفي رغم جوهره السياسي.

خلاصة القول: إن الطائفية في سوريا وإن بدت مقترنة بملامح الأزمات السورية ومنها الأزمة الراهنة، فإنها لا تمثل ظاهرة عامة تهدد وحدة الكيان والشعب السوري، بل إن ما يظهر منها له بعد محلي وظرفي، لا يتعدى مكانه وزمانه المحددين، غير أنه لا يمكن الركون إلى النتيجة السابقة، إذا استمرت الضغوط على المسألة الطائفية، والتي يأتي في سياقها استمرار المعالجة الأمنية – العسكرية للأزمة، واستمرار السلطات السورية في سلوكين سياسي وإعلامي يعتمد التجييش والتحشييد الذي يصعد النزعات الطائفية، مما يتطلب من السلطات ضرورة إحداث تحولات جوهرية في السياسة السورية في الرؤية والممارسة قبل أن تدخل البلاد نفق صراع طائفي مدمر.

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القوى “المتقاتلة” في سورية لتدمير الثورة/ سلامة كيلة

    يصوّر الصراع الجاري في سورية “حربا ضد الإرهاب”، وكذلك “حرباً أهلية”، أو حتى ...