الرئيسية / صفحات الرأي / الطائفية و”الربيع العربي”

الطائفية و”الربيع العربي”

 


فاخر السلطان

الطائفية، المرض المتجذّر في مجتمعنا، طلت برأسها بقوة في أحداث “الربيع العربي”. فغالبية الفئات الطائفية في المجتمع الكويتي فشلت في التعاطي مع تلك الأحداث بعيدا عنها. فهي غلّفت مختلف المواقف، حتى باتت لاعبا رئيسيا فيها، دون أي شعور بالذنب أو الخطأ من طرف صاحب الموقف، ودون أن يستثني حدثا عن آخر، بدءا بما جرى في تونس ومصر، مرورا بالأحداث في ليبيا واليمن، وانتهاء بما يجري في سورية والبحرين، وكان من نتائجها البارزة ظهور عامل “ازدواجية المعايير”، الذي لعب دورا رئيسيا في تشكيل المواقف وتوضيح صورها، ما جعلها تبتعد مسافات عن الموضوعية والواقعية، وتقترب صوب العصبية واللاعقلانية.

لقد كانت بعض المواقف المؤيدة للتغيير طائفية بشدة ووصلت إلى حد الغثيان، وقد عبّرت عن نفسها بصورة غير إنسانية جدا، وبرز المشهد وكأن هناك فرقا بين مناصرة إنسان ليبي وآخر يمني، وتباينا بين قمع سوري وآخر بحريني. حتى بتنا نسمع تصريحات طائفية مزعجة وغير إنسانية تجاه أحداث التغيير من أناس دوّخونا في شعاراتهم الدينية ما أدى إلى فضح مزاعمهم الأخلاقية. وفي تقديري، الموقف الطائفي لا يختلف في بشاعته وفي عدم إنسانيته عن الموقف القمعي، وقد يشكّل الموقفان حلفا قويا في لحظة زمنية معينة.

وحين متابعة الأحداث الراهنة، يمكن بكل يسر إثبات أن الطائفي من شأنه أن يوافق أو يسكت عن جرائم جلاّد يقمع الآخر المختلف طائفيا في بلد مغاير، لذا لا يستطيع هذا الطائفي إلا أن يختزل موقفه في الإطار التمييزي المعبّر عن صوره المذهبية المقيتة المناهضة لأبسط قواعد حقوق الإنسان، فهمّه لن يكون منصبا على الدفاع عن الإنسان  بوصفه إنسانا، بل الدفاع عن الإنسان المتوافق معه دينيا وطائفيا، ومناصرة الأنظمة القمعية التي توظّف سياساتها للدفاع عن أمور مذهبه وقضايا طائفته.

الطائفيون لن يستطيعوا معالجة مواقفهم المتناقضة تجاه الحركات التغييرية من دون أن يواجهوا المعايير التي ساهمت في ظهور ذلك التناقض ويعالجوها.

فهم، من جهة، لا يزالون يعيشون الحياة الحديثة استنادا إلى الأسس التاريخية، من سياسية واقتصادية واجتماعية، والتي لا تصلح أن تكون معيارا لتشكيل موقف تجاه الراهن من أمور وأحداث وموضوعات. مثال على ذلك، ما يتعلق بمفهوم المساواة، وما يترتب على ذلك من رؤية إنسانية لا رؤية مذهبية طائفية تمييزية تجاه الإنسان المقهور والمظلوم، فالإنسان القديم لم يكن من ضمن همومه معالجة هذا الأمر، إذ ان تطبيق العدالة ومواجهة الظلم لم يستندا إلى تلك المعالجة، بمعنى أن العدالة لم تكن تتعارض مع اللامساواة. وعلى هذا المنوال وفي ذلك الطريق نفسه سعى الإنسان الحديث المستند إلى التاريخ إلى السير في طريقه الماضوي، ساعيا إلى تركيب الحاضر على الماضي، وهو ما أفقده تحقيق موقف حداثي عصري تجاه الأحداث الراهنة، لاسيما تجاه ما يحدث في المنطقة.

كذلك هم، من جهة ثانية، لا يستطيعون أن يواجهوا الأسس التمييزية المناهضة لثقافة حقوق الإنسان، أي الثقافة التي باتت تشكل عمودا يستند إليه العصر الحديث في مختلف أموره، بسبب أن مواقفهم تعتمد على التمييز التاريخي المنطلق من امتزاج الدين بالعادات والتقاليد الماضوية، كالتمييز بين المسلم وغير المسلم، وبين الشيعي والسني ، وبين رجل الدين والإنسان العادي، وبين المنتمي إلى نسب النبي وغير المنتمي إليه، وبين المرأة والرجل، وبين الحر والعبد، وغيرها من الصور التمييزية التي رسمت الصور السياسية وغير السياسية للطائفي وساهمت في تحديد مواقفه.

لقد انفضح الموقف الطائفي الخليجي إزاء أحداث البحرين. فالطائفيون الذين أيدوا التحرك الشعبي التغييري، لم تكن مواقفهم ذات وجهة طائفية إلا استنادا إلى ما كان يغلّف هذا التحرك من صور مذهبية، وهو ما أنشأ صوتا طائفيا مناهضا لأهداف التحرك الشعبي، معاديا لطموحاته التغييرية العصرية، مفضوحا في مزاعمه الإنسانية. كما لم يكن موقف الطائفيين المناهض للتحرك الشعبي إلا انعكاسا لوجهتهم المحذّرة من الشأن المذهبي المهدّد لمصالحهم الطائفية والمغاير لتوجهاتهم السياسية والاجتماعية والمعادي لنفوذهم وسلطاتهم المطلقة.

قوة موقف الشخص الطائفي المؤيد للتحرك الشعبي التغييري في البحرين، والمنطلق من وجهة دينية شيعية، والقائمة على معياري الأكثرية الشعبية الطائفية والأحقية التاريخية، لا يمكن أن يقارن بقوة موقفه تجاه مختلف صور التغيير العربية الأخرى. كما أن موقف الشخص الطائفي السني المناهض للتحرك الشعبي في البحرين، مستند إلى معياري مناهضة المسعى السياسي الشيعي للمطالبة بالنفوذ والدفاع عن نظام حكم أسرة سنية تواجه تحديا شيعيا. وهذا الأمر ينطبق، بصورة متشابهة في معاييرها الطائفية ومغايرة في تفاصيلها، على المشهد السوري.

إن الموقف الطائفي المؤيد للتغيير، هو في واقع الأمر عاجز عن أن يكون بديلا تغييريا مناسبا، أو بديلا قادرا على أن يحل محل النظام القديم، أو أن يمتلك إجابات تستطيع معالجة أسئلة الاستبداد المحركة للتغيير، لأن الأسس المنتجة للفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والأرضية المهيّئة لظهور مختلف صور الحياة التمييزية القاهرة، موجودة في كل ثقافة تمييزية، ومنها الثقافة الطائفية.   كاتب كويتي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...