الرئيسية / صفحات الرأي / الطبقة العاملة السورية في اللحظة الراهنة

الطبقة العاملة السورية في اللحظة الراهنة

 


معتز حيسو

تتشكّل الطبقة العاملة في سوريا من العمال المأجورين/ المياومين والدائمين/ في القطاعين الخاص والعام ، الصناعي والزراعي.وتعاني هذه الطبقة جملة من التناقضات والإشكاليات التي تجعلها تفتقد لمضمونها وجوهرها الثوري/التغييري،نتيجة أسباب متعددة منها عدم اكتمال نضوجها وتبلورها بشكل واضح لأسباب سياسية واقتصادية،مما ينعكس على أشكال وعيها الطبقي،وهذا يستدعي التساؤل عن دورها وقدرتها في إنجاز مهامها التاريخية؟.

إن مقاربة واقع الطبقة العاملة السورية تكشف لنا، بأن نسبتها القصوى تقع بين خطي الفقر الأعلى الذي يعبّر عن قيمة الإنفاق اللازم على أمور مثل السكن والمعيشة، والأدنى الذي ُيعرّف بأنه قيمة الإنفاق اللازم لحصول الفرد على احتياجاته الأساسية الغذائية. هذا في وقت تُقدر فيه نسبة الفقر وفق الخط الوطني الأعلى بـ 33،2% .وتشير التقديرات إلى أن 7,6 مليون سوري يقعون بين خطي الفقر الأعلى والأدنى. وتشير بعض التقارير بأن مليون عامل سوري من أصل قوة العمل البالغة نحو /6/ مليون عامل يعملون بأجر لا يزيد عن الحد الأدنى للأجور،أي/9765/ ليرة سورية شهريا،ويقدر عدد العاملين في الدولة بحدود /1.2/ مليون عامل و نسبة الإعالة بحدود /5/ أشخاص، أي أن نحو /6/ ملايين مواطن، يعيشون على دخل لا يغطي تكاليف الحياة المعيشية.إضافة إلى أن /18/ مليون مواطن دون إضافة العاطلين عن العمل البالغة نسبتهم أكثر من /12،3%/ من قوة العمل يحصلون على /25%/ من الدخل الوطني،بينما تتحكم فئة محددة بنسبة75% من الدخل الوطني. وقد حددت الخطة الخمسية العاشرة هدفاً لها تأمين مليون ومئتين وخمسين ألف فرصة عمل لتخفيض معدل البطالة من 12،3%إلى نحو 8 %، وهذا معناه تحقيق 250 ألف فرصة عمل، إلا أن مسوحات قوة العمل السنوية التي يجريها المكتب المركزي للإحصاء كشفت أنه في عام 2006 لم يتم تأمين إلا 180 ألف فرصة عمل،وفي عام 2007 حوالي 98 ألف ،ليبقى972ألف شخص بحاجة لعمل، أي بمعدل 324 ألف فرصة عمل في العام الواحد وهذا مستحيل. لذا فإن تراجع مستوى المعيشة وانعكاس آثاره السلبية على المستويات الاجتماعية يفرض على كافة القوى الوطنية العمل لإيجاد مخارج سياسية واقتصادية آمنة وموضوعية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الذي يزداد توتراًً بفعل ازدياد معدلات الفقر، وتراجع الأمن الغذائي نتيجة لانخفاض المساحات المزروعة بسبب ارتفاع التكاليف الإنتاجية نتيجة رفع أسعار الطاقة والأسمدة وسوء العوامل المناخية مما أدى لزيادة الهجرة إلى المدينة.هذا العوامل وغيرها انعكست سلباً على معدلات النمو التي تراجعت من 5،5% إلى 3%. ونؤكد بأن تحسين مستوى المعيشة يشكّل مطلباً حيوياً لكافة الفئات الاجتماعية،وهو بالقدر ذاته مسؤولية أصحاب القرار،كونهم من يضع السياسات الاقتصادية، لكن الخطط الخمسية الأخيرة لم تعبّر عن مصالح الفئات الشعبية، بل تجلت وفق سياسات اقتصادية ليبرالية عمقت التناقض الطبقي: تحرير حركة رأس المال والأسواق والأسعار،إطلاق حرية الاستثمار للقطاع الخاص في القطاعات الخدمية والمالية والمضاربات.. ويأتي هذا في سياق خصخصة مؤسسات الدولة الإنتاجية والخدمية الرابحة بشكل خاص،تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي، وفتح أبواب الاقتصاد والمجتمع أمام حركة رأس المال. ويتقاطع هذا مع تقييد العامل في نقابات سياسية ملحقة بالسلطة السياسية المسيطرة،في سياق يعتبر فيه إتحاد العام لنقابات العمال أنه مع الفريق الاقتصادي والحكومة يشكلان فريق عمل واحد، وهذا يفقد اتحاد العمال والعمال بذات اللحظة، القدرة على مواجهة انعكاسات حركة رأس المال المتحرر من كافة الضوابط والقيود. ومما يزيد من حدة الأزمة السياسية للطبقة العاملة غياب دور الأحزاب اليسارية التي يجب أن تعبّر وتدافع عن مصالح الفئات العمالية نتيجة لأسباب متعددة منها:(ترهل ونخبوية هذه الأحزاب،تحالف بعضها مع الحزب الحاكم في إطار(الجبهة الوطنية التقدمية)،تجفيف تربة العمل السياسي بفعل الاستبداد واحتكار السلطة..)ويتقاطع هذا مع احتواء العمال والفلاحين والطلاب في المنظمات الشعبية والمهنية والاتحادات التي تمثل السلطة والحزب، وأيضاً تأطيرهم في إطار حزب البعث الحاكم الذي يقود الدولة والمجتمع، وتحويلهم لأدوات تساهم في استمرار سلطة الحزب الواحد، مما يبقي العمال في القطاعين العام والخاص غير قادرين على القيام بأي دور مستقل عن التوجهات الرسمية للسلطة السائدة، أي ملحقون بأجهزة الدولة ويعبرون بذات اللحظة عن البنية السياسية للنظام السائد و مصالحه. لذا فهم لا يدخلون حتى اللحظة في إطار النهوض السياسي الشعبي الذي يقوده الشباب.لكن السياسات الاقتصادية الأخيرة التي كانت تعبيراً واضحاً عن مصالح التجار والمستثمرين .. ساهمت في تقليص القاعدة الشعبية للحزب الحاكم كونه لم يعد يلبي مصالح العمال والفلاحين وباقي الفئات الشعبية المفقّرة،وتجلى هذا بازدياد معدلات الفقر والبطالة، وللعلم فإن 75% من نسبة البطالة يعاني منها الشباب وتحديداً الخريجين.وحتى اللحظة تحاول السلطة إن تستند لدعم وتبرير استمرار سيطرتها على كونها تمثل مصالح كافة الفئات الشعبية،لكن على أرض الواقع فإن حزب البعث انتقل بفعل السياسات الاقتصادية الأخيرة إلى مواقع طبقية تناقض مصالح غالبية القوى الشعبية التي كانت تشكل حوامله الاجتماعية،واستبدلها بأشباه قوى.لهذا بات واضحاً حجم التناقض بين الاقتصاد الحر الذي يتم إتباعه من سنوات،وبين البنية الفكرية العقائدية لحزب البعث.

إن زيادة حجم اقتصاد الظل الذي تجاوز حسب تقديرات تقرير المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال المقدم للمجلس العام بدورته السابعة 40% يساهم في تشويه بنية الاقتصاد السوري وزيادة تناقضاته،ولفت التقرير إلى أن انتشار هذا القطاع سبّب العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها عدم إمكانية تقدير حجم الثروة السورية الحقيقية وحجم الناتج المحلي الإجمالي،بالتالي عدم القدرة على ضبط الخطط التنموية مع الحاجات والإمكانيات الفعلية،وتفويت مبالغ كبيرة على خزينة الدولة،ومن أبرز النتائج السلبية لاستمرار وجود هذا القطاع هو تهميش جزء مهم من قوة العمل السورية وحرمانها من حقوقها في التأمين والصحة والعمل النقابي،إضافة لكونها تشتغل12ساعة يومياً،و تعاني من تدني في مستوى الأجور،ومن خطر التسريح التعسفي. ومن الواضح بأن ارتفاع حصة القطاع الخاص من الناتج المحلي الإجمالي إلى 66% لا يقابلها ازدياد بحجم مساهمته في الضرائب والرسوم،ويساهم بـ 83 % من الإنتاج الصناعي ويشغّل بين 1.2 و1.5 مليون شخص مقارنة مع 75 ألفاً في المصانع المملوكة للدولة.. وتقدّر نسبة العمالة في القطاع الخاص بخمسة ملايين عامل يعيشون وأسرهم على خط الفقر الأدنى. وبناءً على ما عرضناه فإن المدخل الفعلي لإنقاذ المستوى المعاشي من الانهيار يفترض: تمكين دور الدولة الديمقراطي في إدارة القطاعات الاقتصادية الأساسية،وإعادة دورها الاجتماعي…لذا فإن تناقض السياسات الاقتصادية الراهنة مع مصالح الفئات الشعبية،يستوجب من القوى السياسية وتحديداً اليسارية التي تدّعي تمثيل الفئات الاجتماعية المسحوقة،التخلي عن موقعها السياسي في التحالف الجبهوي،والقيام بخطوات واضحة وحقيقية تمثل مصالح كافة المتضررين من الشكل السياسي والنمط الاقتصادي السائدين(لكننا ندرك أسباب عدم قدرة هذه الأحزاب على اتخاذ مثل هذه الخطوات).وبما أن رأس المال يمتلك عوامل القوة المادية السياسية والاقتصادية،فإن على القوى الوطنية القطع مع السياسات الراهنة و تركيز جهودها لتحويل مشروعها السياسي إلى قوة مادية تتعين حوامله الطبقية بالفئات الاجتماعية المتضررة من تناقضات الممارسة السياسية الرسمية،ومن انعكاس السياسات الاقتصادية ذات طابع رأسمالي مشوه ومتخلف(إن آليات حركة رأس المال وأشكال توظيفاته،وشكل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتحدد بالتركيبة البنيوية للفئة السياسية المسيطرة بشكل أساسي،وبالبنية الاقتصادية والاجتماعية العامة بدرجة ثانية، لذا فإن شكل حركة رأس المال وتجلياته تتخذ أشكال ربوية ريعية عائلية جهوية طائفية مافيوية.. وجميع هذه التجليات تؤسس للفساد وتساهم في ترويجه ونشره أفقياً وعمودياً.وهذا بطبيعة الحال يعبّر عن البنية السياسية المسيطرة وعن بنية التخلف السائدة) وهذا لا يعني بالمطلق أن بنية رأس المال وأشكال تجلياته في الدول الرأسمالية الغربية لا تقوم على التناقض، بل نؤكد بأن رأس المال العالمي والمحلي يشتغلان في إطار الوحدة والتناقض بذات اللحظة. وفي هذا السياق نستطيع أن نجزم بأن أحد إشكاليات الوعي السائد هو عدم تحوّل الوعي الجماهيري العام إلى وعي طبقي في سياق مشروع وطني ديمقراطي. ونتساءل هنا عن دور وإمكانية المعارضات السياسية في تطوير الوعي الطبقي وقيادة عملية التغيير؟ ونؤكد على ضرورة إدراك الفئات الاجتماعية المهمّشة سياسياً والمضطهدة اقتصادياً لدورها المحوري في عملية التغيير السياسي. وقد أكدنا ونؤكد دائماً بأن المواطن السوري قادراً على الدفاع عن مصالحه في سياق التغيير الوطني الديمقراطي بأشكال سياسية ديمقراطية وسلمية.إن النهوض الثوري العربي الذي يتقاطع مع أزمة عامة ومركبة على المستوى المحلي يستوجب من كافة القوى الوطنية إيجاد مخارج سياسية للأزمة الراهنة، والعمل على تأطير وتوجيه الفئات الاجتماعية المتضررة من تناقضات رأس المال السياسية والاقتصادية، ومن سياسات النظام السائد الذي يصادر الحياة السياسية.وإذا كانت القيادة السياسية الرسمية حتى اللحظة غير قادرة على القيام بخطوات إصلاحية وتغييريه حقيقية تعبّر عن مصالح الشعب السوري نتيجة للتركيبة البنيوية للسلطة. فإننا نرى بأن المدخل لتجاوز الواقع الراهن يتجلى في مستويين: المستوى السياسي:تشكيل لجنة حوار وطني تؤسس لعقد مؤتمر وطني يمثل كافة القوى السياسية والمدنية،إطلاق الحريات السياسية،طرح قانون الأحزاب للحوار العام،تعديل المادة الثامنة،ضع قانون انتخابي جديد يضمن المشاركة السياسية الحقيقية و التداول السلمي للسلطة…،إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي،وضع قانون للمطبوعات والإعلام يتيح المجال لحرية التعبير،إجراء تغييرات حكومية على أسس ديمقراطية، ووفق أشكال تعبّر عن مصالح كامل الفئات الاجتماعية، تشكيل لجنة من قضاة مشهود لهم بالنزاهة لدراسة الدستور وإجراء التعديلات اللازمة، استقلال النقابات وتحويلها لنقابات مطلبيه،إطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية ،الفصل بين السلطات… المستوى الاقتصادي: وضع إستراتيجية تنموية اقتصادية وبشرية مستدامة على أسس ديمقراطية وطنية في سياق صياغة إستراتيجية حقيقية وموضوعية لبناء قطاع صناعي متطور، دراسة وتحديد كيفية تطوير القطاع الزراعي، ودعم المزارعين، لضمان الأمن الغذائي والتخفيف من حدة البطالة،وتقليص الفوارق بين الريف والمدينة.وقد بات واضحاً كيف انعكس ارتفاع سعر المحروقات سلباً على الإنتاج الزراعي والصناعي، وكيف ساهم في ارتفاع تكاليف الإنتاج،مما أدى إلى ارتفاع أسعار كافة المواد الاستهلاكية.وقد ساهم ارتفاع سعر المحروقات في زيادة هجرة المزارعين إلى المدينة بحثاً عن فرص عمل هي بالأساس غير متوفرة لسكان المدينة الأصليين.التوزيع العادل للثروة،وضع آليات لمعالجة مشكلة البطالة والتضخم والفقر وتدني مستوى المعيشة، تشكيل لجنة وطنية لمكافحة الهدر والفساد و التهرب الضريبي ونهب المال العام،تخفيف الأعباء الضريبية عن المواطنين، وضع ضريبة تصاعدية على الإرباح وعلى حركة رأس المال المالي والخدمي والريعي، إلغاء سقف الأجور واعتماد سلم أجور متحرك يتناسب مع ارتفاع الأسعار المستمر، ضبط الواردات التي تهدد أمن واستقرار الصناعة الوطنية،إلزام القطاع الخاص بتشغيل العمال ثماني ساعات وهذا يوفر قُرابة مليون فرصة عمل…

إن إيجاد حلول للقضايا التي استعرضناها، ليست مسؤولية الطبقة العاملة فقط، بل هي مهمات تستوجب مشاركة كافة الفئات الاجتماعية،و القوى السياسية والمدنية.و رغم إدراكنا للدور الرئيس المنوط بالطبقة العاملة، لكن واقعها السياسي وواقع القوى السياسية وتحديداً اليسارية يجعل دورها أقل حسماً في اللحظة الراهنة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...